الخميس، فبراير 09، 2017

لماذا لا نشعر بجمال القرآن

أستأذن القراء في التوقف مؤقتا عن سلسلة "مكتبة الثائرالمصري" المستمرة منذ بدأت الكتابة في مدونات الجزيرة.. أحيانا بعض الخواطر تلحُّ إلى درجة لا يملك منها الكاتب فكاكا..

(1)
كان شيخ العربية في زماننا أبو فهر محمود شاكر يصر على أن الإعجاز الأساسي للقرآن هو في بلاغته، فبها تحدى العرب فأعجزهم وحيَّرهم وتركهم بلا حيلة أمام بيانه، هذا وهم أهل البلاغة والفصاحة.. وقد أطال في شرح هذه الفكرة في مقدمته لكتاب "الظاهرة القرآنية" لمالك بن نبي، ولكنه كان يشرح فكرته كما يشرحها المبهور العاجز عن بيان أسباب انبهاره، لا شك مرت عليك هذه اللحظات، الفكرة تملأ روحك وتتدفق في صدرك ولكن لسانك لا يستطيع تصويرها لمن تخاطبهم.

وقد وصل أبو فهر في طريقته هذه إلى أننا لن نشعر بجمال القرآن إلا إذا درسنا الشعر الجاهلي وفهمناه وهضمناه، فعندئذ سنشعر بجلال القرآن وسمو عبارته، ثم وصل إلى فكرة لا أعرف أحدا طرحها من قبله، وهي أن نعلم الطفل أشعار الجاهليين أولا قبل القرآن، حتى إذا تعلم القرآن ذاق حلاوته!

نحن لا نناقش الآن مدى صواب أو خطأ هذه الفكرة.. إنما نشير إليها فحسب..

ليس القرآن مجموعة أفكار.. القرآن فوق كونه حقا يُنشيء حالة نفسية في قارئه، وإدمان تلاوة القرآن تصنع ذائقة فكرية وشعورية يميز الإنسان بها بين الحق والباطل حتى وإن لم يتمكن من التعبير عنها
إننا نفقد الشعور بالقرآن لأننا فقدنا الشعور باللغة.. تماما مثلما لا نشعر بلذة الشعر المترجم عن الإنجليزية والفرنسية والهندية وغيرها.. يبدو لنا الشعر المترجم ككلام متكلف ومعاني عسيرة!

(2)
ربما مرَّت علي أيام أكثرت فيها من قراءة الشعر والأدب حتى ليشعر المرء أحيانا أن موسيقى الشعر حاضرة في ذهنه عميقة في روحه.. تلك هي الأيام التي أشعر فيها إذا قرأت القرآن بأن له طعما مختلفا.. وهو أمر لا يمكن وصفه، إذ كيف يوصف طعم لمن لم يذقه، وكيف توصف لذة لمن لا يعرفها؟!

وكنت إذا ارتقيت المنبر فخطبت في الناس فتلوت آية، وجدت لها طعما عجيبا، كمن يبحث عن شيء فيلقاه فجأة بين يديه، كمن يتعطش لوصف معنى يتحير فيه فإذا بالآية ترويه وتغذيه وتشبعه وتمتعه..

وذات ليلة كنت أقرأ في سورة النجم، فنسيت نفسي، فأخذت آياتها الأخيرة ذات الإيقاع القصير السريع تهبط بي وتصعد، حتى جاء قول الله (فاسجدوا لله واعبدوا) فوجدتني أسجد بلا تفكير.. في سجودي هذا تذكرت أن النبي لما قرأ هذه الآيات على ملأ من قريش سجدوا من فورهم، فأشيع لهذا أنهم أسلموا.. حينها فقط فهمت سجودهم وتأثرهم!

)أرجو أن تفتح المصحف، وتجرب)

وحينئذ فهمت خطتهم التي شعارها "لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون"، وكيف أن عبد الله بن مسعود حين كان يُسْمِعهم القرآنَ كان يُعرضهم لحالة عنيفة من الأزمة، تماما كما تخلص قوم ثمود من الناقة المعجزة.. لم يتحملوا أن يروا المعجزة التي تثبت لهم صدق النبي وخطأهم فذبحوها!!

في مثل هذه المواقف أتفهم أكثر نظرية أبي فهر.. وفي هذه المواقف أتحسر على ضياع ذائقة اللغة أكثر.. وعندها يقع قلبي كلما تذكرت أجيالنا التي تدرس في المدارس الأجنبية فتكاد الصلة أن تنقطع بينها وبين القرآن الكريم..

(3)
وضعت كتب كثيرة في بلاغة القرآن، لكن غالبيتها لم تعد تناسب القارئ المعاصر، إما لأنها كُتِبَت في الأصل لعلماء البلاغة وأهل اللغة، وإما لأنها كُتِبَت في الزمن الماضي فلم تعد لغتها ولا أساليبها في التصوير تناسب حال العصر الآن..

ولذا لا أجد من بين هذه الكتب أنسب لأهل عصرنا الآن من كتب الشهيد سيد قطب، مثل "التصوير الفني في القرآن" وهو فتح في بابه، لم يكتب مثله قبله على كثرة ما كُتِب في الموضوع، وتلك هي نظريته التي بنى عليها تفسيره "في ظلال القرآن" في طبعته الأولى، قبل أن يزيدها قيمة وجمالا وحياة وقوة بما أضاف إليها بعد رسوخه في الفكر الإسلامي من أفكار. ثم إنه استلَّ من هذه النظرية كتابه الآخر "مشاهد القيامة في القرآن الكريم"!

لذلك لم يكن إقبال المسلمين على كتاب "الظلال" من فراغ، كيف وهو الكتاب الذي كُتِبت كثير من فصوله في السجن، ثم تعقَّب النظام صاحبه حتى قتله، ثم تعقَّب الكتاب حتى ينهيه، حتى لقد حدثني أحد مشايخ الإخوان الكبار قديما أنهم لما خشوا على "الظلال" من الضياع كلَّفوا بعضهم بحفظه، وقد كان في بلدتي بالصعيد من كان يحفظه، فكان إذا سرد شيئا منه في الخطبة اهتز الناس من فرط التأثر بكلامه!

جرب أن تقرأ "في ظلال القرآن" لتشعر بالفارق في استشعار لذته ونعيمه!

(4)

هل يمكن أن تصف جدارا آيلا للسقوط كهذا الوصف "جدارا يريد أن ينقضَّ"؟!

هل تجد وصفا لمن يعود باكيا خيرا من "تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا"؟!

هل تجد وصفا لقوم انسحبوا من المجموع ليتشاوروا معا أقصر من "خَلَصوا نَجِيَّا"؟!

هل تجد تعبيرا عن طلوع الصبح أجمل وأرق وألطف من "والصبح إذا تنَفَّس"؟! أو تعبيرا عن تسلل الليل أحلى وأدق من "والليل إذا عسعس"؟!

جرِّب أن تصف عاقبة قوم لم يتعلموا من أخبار التاريخ بأحسن من "ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مُزْدَجَر، حكمةٌ بالغة فما تُغْنِ النُّذُر"..

جرب أن تنطق عن ناصح لم يستجب له قومه بأحكم من "يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، ولكن لا تحبون الناصحين"؟!

جرب أن تعبر عن العلم والقدرة والهيمنة بأفضل من "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس، إلا في كتاب مبين"..

جرب أن تصف صورة الرجل الأشيب بأكثر من "واشتعل الرأس شيبا".. كأنك ترى صورة اشتعال التهب في الرأس ثم تركها بيضاء!

(5)
ليس القرآن مجموعة أفكار.. القرآن فوق كونه حقا يُنشيء حالة نفسية في قارئه، وإدمان تلاوة القرآن تصنع ذائقة فكرية وشعورية يميز الإنسان بها بين الحق والباطل حتى وإن لم يتمكن من التعبير عنها..

القرآن ينزعك من همومك اليومية وتفاصيلك الصغيرة ليضعك في صورة الحقائق الكبرى، صورة الكون والناس والخلق، معركة الحق والباطل المستمرة منذ آدم والممتدة في نهر الزمان مع كل نبي والتي لا تزال فصولها تتجدد وتتكرر.. فتجد أنك صرت أوسع صدرا وأهدأ نفسا وأرحب فكرا وأطول صبرا!

السبت، فبراير 04، 2017

خلافة على منهاج الاتحاد الأوروبي!

من الفوارق المهمة بين النموذج الحضاري الإسلامي والنموذج الغربي أن الأول مُسْتَكمِلٌ لبنيانه النظري وله لحظته النماذجية المتحققة في التاريخ وهي زمن النبوة والخلافة الراشدة المحددة في الأحاديث الصحيحة بثلاثين سنة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وسائر ما صنعه المسلمون ويصنعونه حتى الآن من نظريات سياسية أو تطبيقات عملية إنما هي "اجتهاد" في الفهم والتفريع واستيعاب المسائل المستحدثة، أو "اجتهاد" في التطبيق والتنزيل. ولذلك يدور سائر التراث الإسلامي –تنظيرا وتطبيقا- على الاستمداد من القرآن وسنة النبي وسنة الخلفاء الراشدين. بينما النموذج الغربي لافتقاده نصا مقدسا لا يزال يتقلب بين الآراء والأفكار والنظريات التي تصل إلى أن ينقض بعضها بعضا فهو يُطارد نموذجا نظريا مكتملا للفكر كما يطارد نموذجا تطبيقيا نهائيا يسميه "المدينة الفاضلة" أو "نهاية التاريخ"[1].

وقد تبدت ملامح النظام السياسي للدولة الإسلامي قبل قيامها، فقد نزلت سورة الشورى بمكة، ونزلت فيها البشارة للمؤمنين بقرب قيام الدولة الإسلامية المرجوة، وذلك في قوله تعالى {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 38، 39]، ففي الآية رسم لمجتمع يقيم الصلاة ويدير نظامه بالشورى ويدفع أصحاب الرزق شيئا من أموالهم، ثم هو مجتمع يستطيع أن ينتصر لنفسه إذا أصابه ظلم. وهو الأمر الذي يُمثِّل حلما يطوف بخيال المؤمنين الذين منعهم الله من رد الاعتداء الواقع عليهم بمكة. ويظهر أن الآية رسمت تاريخ تطور الدولة الإسلامية، فلقد كان بناء المسجد أول شيء فعله النبي حال وصوله المدينة، ثم صار النبي يدير شأن الأمة بالشورى رغم اتصاله بالوحي قبل أن تُفرض الزكاة في العام الثاني للهجرة، وهو العام الذي نزل الإذن بالقتال. لكن ما يهمنا هنا أكثر هو هذا التحديد المبكر لملامح النظام الإسلامي في حرصه على العبادة وكون نظامه يُدار بالشورى وله سياسة مالية وعنده القوة القادرة على الردع والردّ ضد التهديدات الخارجية.

ثم تطور الحال مع قيام الدولة، ونزلت التشريعات التفصيلية، وصارت الآيات تُفَصِّل في شأن المجتمع ونظامه، كما في قول الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 58، 59]. ففي هذه الآية رسم أوضح تفصيلا، إذ يُرى فيها:

1. أن المسلمين صاروا في "جماعة" لها "نظام"، تنزل عليه الأوامر، وله مرجعية عليا، وله أولي أمر، ثم له جهة لفض المنازعات. ومن لطيف ما يُستدل به هنا ما قاله ابن تيمية من أن انتفاء النظام من سمت الجاهلية، "فأهل الجاهلية لم يكن لهم رأس يجمعهم، والنبي صلى الله عليه وسلم دائما يأمر بإقامة رأس، حتى أمر بذلك في السفر إذا كانوا ثلاثة، فأمر بالإمارة في أقل عدد وأقصر اجتماع"[2].

2. وأن نظامهم يمارس الحكم والسيادة لا على المسلمين فقط بل على "الناس"، فحكمهم هذا يستوعب ويشمل الملل والنحل والطوائف والأديان المخالفة، ومع هذا فهو مأمور بإقامة العدل لهم.

3. وأن "أولي الأمر" في هذا النظام جماعة وليس فردا، وإلا قال "وولي الأمر منكم"، وهو ما يقتضي تعدد السلطات وتوزيعها، وألا ينفرد واحد بالأمر من دون المسلمين.

4. وأن المسلمين مأمورون بالطاعة ما دام أولي الأمر لم يخالفوا القرآن والسنة، فطاعة أولي الأمر مشروطة بلزومهم المنهج، وأن التنازع بين المسلمين وبين أولي الأمر فيهم وارد، وأن جهة فض التنازع إنما تكون بمرجعية القرآن والسنة.
وهكذا، ظهر من نصوص القرآن وسيرة النبي (طوال عشر سنوات في المدينة) وسنة الخلفاء الراشدين (طوال ثلاثين سنة) نظام حقيقي انتقلت به أمة العرب من الجاهلية إلى الحضارة، ثم تأسست به حضارة زاهرة ظلت في موقع الصدارة أكثر من ألف سنة، فنظام الخلافة هو من أبرز حقائق التاريخ[3].

لم تزل الخلافة عن المسلمين إلا قبل تسعين عاما فقط، لا كما يحاول البعض تصوير هذا النظام وكأنه نظام سحيق عتيق تجاوزه العصر وانتهى الأمر، بل من الغريب أن صار بعضهم يتصور استحالة إحياء نظام الخلافة مرة أخرى، رغم أنه النظام الذي أجمع عليه المسلمون، فليس في مذاهب المسلمين من لم يُوجب نصب الخليفة، ومن اقترح صيغا أخرى –كالسنهوري في فقه الخلافة- إنما جعلها ضرورة واعترف بأن ما يطرحه عن عصبة الأمم الإسلامية إنما هو حكومة إسلامية "ناقصة" للعجز عن إقامة الكاملة، حتى فوجئنا في الأعوام الأخيرة من يؤصل لأن الخلافة يمكن أن تكون على طريقة الاتحاد الأوروبي!

ربما يتفهم المرء وبكثير من الصعوبة أن يخرج هذا الكلام من سياسي إسلامي يسير على جمر العلاقات والتوازنات، أو من شيخ في فتوى مخصوصة اضطرته إليها ظروف إقامته أو محاضرته في بلد ما، أما أن يُقال هذا الكلام على سبيل التأصيل الفقهي وفي غير موطن اضطرار مخصوص فهذا هو الشذوذ نفسه، ليس شذوذا عن فقه الأمة وحده بل شذوذ عن مسار التاريخ.

فأما الفقه فقد اضطرد في أقوال العلماء ضرورة وجود الإمامة، وأنها "من أعظم واجبات الدين بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها"[4]، بل سمّى بعضهم اضطراب أمرها بالاضطراب الأعظم "بل الاضطراب الأعظم على السلطة الإسلامية التي يعتقدون أن لا بقاء للإسلام بدونها، والحرص على بقائها ممزوج بدم كل مسلم وعصبه، فهو لا يرى دينه باقيًا إلا بوجود دولة إسلامية مستقلة قوية قادرة بذاتها على تنفيذ أحكام شرعه بغير معارض ولا سيطرة أجنبية"[5]. والفارق واضح وكبير بين نموذج الخلافة في مهماته ووظائفه وبين نموذج الاتحاد الأوروبي، فالخلافة ليست مجرد حدود مفتوحة أو عملة واحدة أو تعاون اقتصادي، وليس متاحا في ظل الخلافة انفصال بعض أقطارها والخروج من نظامها، وليس الدخول إليها قرارا منوطا بالسلطة بل بالمسلمين إذ لا تظل دولة مسلمة تنتظر موافقة سلطة الخلافة على دخولها إليه سنين ولربما لا تدخل! والفوارق كثيرة لا نطيل بذكرها.

وأما التاريخ فكيف يُقارن نظام دام ثلاثة عشر قرنا ونصف القرن بنظام جاوز بالكاد نصف القرن، ثم هو مضطرب على أهله أيضا ويُصَوِّت بعض أطرافه بالانفصال عنه، ويهدد بعضهم بعدم تمويل بعض مشاريعه، ولئن كان مفهوما أن يصل الأوروبيون إلى هذا المستوى من التعاون والتنسيق –لا الوحدة- وهم الذين أهلكتهم حروب القرون الوسطى ثم التنافس الاستعماري ثم حربين عالميتين، فليس من المفهوم إطلاقا أن يكون هذا المستوى هو أمل من حققوا الأمة الواحدة بالمعنى الكامل للكلمة فكان لهم خليفة واحد في المدينة أو في دمشق أو في بغداد يحكم سائر المسلمين شرقا وغربا، فيرى أنه مسؤول عنهم ويرون أنهم مسؤولون منه، ويكون استقلال أي طرف عنه بمثابة الانحراف عن الأصل فهو دليل على ضعف النظام وانهيار الوحدة.

لم تكن قدوتنا ولن تكون في نسخة حضارية طرحها الشرق أو الغرب، بل لدينا نموذجنا الذي تحقق فعلا في دولة المدينة في عصر الخلافة الراشدة، وكوننا ملزمين بالاقتداء بهذا النموذج يدفعنا دائما إلى العودة إليه كما كان وبأدق صورة ممكنة، ولا نجاوز شيئا كان فيه إلا لضرورة يقتضيها الواقع تقدر بقدرها.




[2] ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، تحقيق: محمد رشاد سالم، ط1 (الرياض: جامعة الإمام، 1986)، 1/557.
[4] ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ط1 (الرياض: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، 1998)، ص129.
[5] محمد رشيد رضا، الخلافة، مجلة المنار، المجلد 24، شعبان 1341هـ.

الخميس، فبراير 02، 2017

كيف تحول المصري الطبيعي إلى "عسكر"

هذه هي الحلقة الثالثة من الكتاب الخامس في "مكتبةالثائر المصري" (راجع الأولى، الثانية)، حيث نواصل فهم نشأة ووظيفة الجيش المصري الذي أنشأه محمد علي، واستعبد له الناس وسحقهم وأذلهم، ثم أنشأ مؤسسات الدولة لخدمة الجيش، وأما الشعب فكان يراهم مجموعة من البهائم والمتخلفين. لقد نجح محمد علي أن يختطف من بين الشعب شريحة يحولهم من أفراد طبيعيين إلى جنود عبر رحلة من تغيير حياتهم وأفكارهم بالتعذيب والقهر والضبط حتى ينفصلوا عن شعبهم، ثم يستخدمهم في قهر الشعب وضبطه والسيطرة عليه، وهو ما سنقرأ هنا خلاصة مكثفة لقصته المريرة.

خلاصات الكتاب:

21. بذلت السلطة كل وسعها في منع التهرب من التجنيد أو الهروب منه، فألزمت كل من ينتقل بين قرية وأخرى أن يحمل بطاقة شخصية فيها اسمه وقريته وصفاته الجسمانية، وإذا وُجِد فلاح بغير التذكرة يُعاد إلى قريته فورا، وأُلزم مشايخ القرى بحمل هذه البطاقة إذا ذهبوا إلى القاهرة، ثم استحدثت السلطة نظام وشم الجنود بحيث إذا عثر على هارب يُعاد إلى التجنيد، ونظمت قوات خاصة لمراقبة الجنود لمنع هروبهم، وتعاونت مع العربان لتسليمهم من يهرب من قريته أو من المعسكر.

22. لما أدركت سلطة محمد علي أنها لا يمكن أن تعتمد على مشايخ القرى والعُمَد في تجنيد الفلاحين إذ يتواطؤون معهم لتهريبهم وإخفائهم، شرعت في نظام "دفترة الواقع"، وهو أن يكون لديها إحصاء وتعداد لكل شيء، ويكون كل شئ مسجلا في الدفاتر بحيث تسيطر السلطة على البشر، فتعرف عدد من يمكن تجنيدهم، وتكافح المتهربين من التجنيد ثم الهاربين من المعسكرات. وهكذا توفر للسلطة أول تعداد دقيق للمصريين.

23. في هذه اللحظة تحول الإنسان إلى اسم في دفتر، وصارت حياته كلها متعلقة بورقته، فهو بلا وجود في الدولة إلا إذا وُجِد اسمه في دفتر، يُلزم بالتكاليف أو ترفع عنه بحسب وجود اسمه في دفتر أو شطب اسمه من دفتر، فصار الشعب محصورا في دفتر أمام السلطة، وصار الكاتب وظيفة كبرى في دولة الباشا لأنه محور جهاز الدولة، ولما هرب كاتب بدفاتره جُنَّ جنون السلطة وكانت عنايتها العثور على الدفاتر أكثر من عنايتها العثور على الشخص نفسه، ونَظَّمت السلطة دفاترها بحيث تكون مسلسلة مرقمة ولا يسمح فيها بكشط أو شطب أو ترك صحفات بيضاء فارغة.

24. لقد نجح محمد علي في تكوين جيش مصري على النمط الحديث، ذلك النمط الذي لا يعتمد على شجاعة المقاتل وذكائه أو على "فن القتال" المعتمد على الموهبة الشخصية، وإنما على الدقة والنظام والتراتبية الجندية والتخطيط بناء على "علم الحرب"، وبهذا تحققت انتصارات الباشا العسكرية المشهورة، ولكن السؤال: كيف أمكن لسلطة الباشا تحويل الفلاحين إلى جنود طيِّعين منقادين ملتزمين بالنظام المفروض عليهم؟

الإجابة: لم يكن هذا بالعقاب العنيف القاسي وحده، وإنما باتخاذ الأساليب التي ابتكرتها السلطة الحديثة في احتلال العقول والأفكار، لقد عمدت السلطة الحديثة إلى السيطرة على الناس لا بمجرد العقوبة أو التعذيب البدني، وإنما بأنماط من التحكم في النفس والعقل من خلال "تنظيم المجال المادي" و"إنتاج المعنى" كما بيَّن ذلك ميشيل فوكو في أعماله خصوصا "المراقبة والمعاقبة" وجاك دريدا، وقد أوضح تيموثي ميتشيل في كتابه "استعمار مصر" كيف طبَّق الباشا عبر مستشاريه الأجانب هذه الوسائل على المصريين.

(لمزيد توضيح وضرب أمثلة انظر: هنا وهنا)

25. أول هذه الأساليب هي "الاعتقال" حيث اتخذت التدابير القاسية لعزل المجندين عزلا تاما عن حياتهم المدنية، ليكون دخولهم إلى الجندية فاصلا جذريا ورهيبا بين حياتيْن، وبعدما سُمِح في البداية أن ينتقل أهل المخطوف للتجنيد أن يأتوا معه ساكنين أكواخا خارج المعسكر عادت السلطة فمنعت هذا ونفذت عزلا تاما ونهائيا للمجندين عن المدنيين، وعومل المجندون كالمعتقلين في معسكرات اعتقال.

26. كذلك استخدمت السلطة أسلوب "المراقبة" والمراد منه أن يرسخ في أذهان الجنود أن الهروب أمر مستحيل والتفكير فيه هو النهاية، فمن ذلك أن ضابطا خيَّر ثلاثين من الجنود بين البقاء أو الرحيل من المعسكر، فلما اختاروا الرحيل أطلق عليهم النار وذبح معظمهم. ومن ذلك ابتكار طريقة "كشف التمام" الذي جرى تفعليه مرتين في اليوم، فمن لم يوجد يُعتبر فارا ثم تُطبَّق عليه عقوبة الهارب. ومن ذلك فكرة "البطاقة" التي يجب أن يحملها كل عسكري بما فيهم كبار الضباط، وإلا عوقب كهارب، وهي بطاقة لا تُعطى إلا بإذن السلطة. وهكذا تعاونت الوسيلة العنيفة (العقاب الجسدي) مع الوسيلة الناعمة (أساليب الضبط والنظام) في السيطرة على عقول الجنود وإقناعهم أنهم مراقبون ولا حل أمامهم إلا السمع والطاعة.

27. كان العقاب الجسدي ينفذ أمام الناس في دولة محمد علي، وكان يُقصد به فوق ردع الناس تثبت مركز السلطة وتعظيم وجودها، وقد عوقب جندي فقد دلو ماء بخمسين جلدة أمام زملائه، وكانت هذه الخمسون جلدة عقابا في ستة وعشرين مادة من خمسة وخمسين من قانون الفلاحة، وقتل محمد علي ثلاثة وعلقهم على أحد أبواب القاهرة وعلى جثامينهم لافتة "هذا جزاء من لا يمسكون ألسنتهم"، وكان الجزار الذي يزيد سعر اللحم تُقطع أنفه وتُعلَّق أمام الجميع ويربط بها قطعة لحم، ويوضع بائع الكنافة إذا غش في الوزن أو السعر فوق مقلاة الكنافة وهي فوق النار، وشُنِقت النساء المتهمات بمساعدة رجالهن على تشويه أنفسهم للتهرب من الجندية بالشنق في مدخل القرية [وهي عقوبة عظيمة على نفوس مجتمع يصون النساء]، وأمر بشنق بعض الكهول والمُقْعدين على مداخل القرى لإنهاء ثورة الصعيد (1824م) ليكونوا ردعا خصوصا وأنهم بلا فائدة للباشا لكونهم لا يستطيعون العمل!

28. كان السجن في دولة الباشا للانتقام والنفي لا للإصلاح، فلا يشترط في السجن أن يكون مناسبا بل سُجِّلت حالات ارتفاع الوفاة بين المسجونين مما استدعى تحقيقا ذات مرة، وكان المسجون تحت سلطة الباشا يُستعمل في أي شيء تريده السلطة، حتى إنه أحيانا أجرى عليهم تجارب طبية كنقل العدوى من أشخاص مصابين، وكان كثير من المساجين لم يخرقوا أي قانون وإنما قرر الباشا سجنهم، وبالمثل فللباشا الإفراج عنهم بمجرد العفو دون أي اعتبار آخر.

وكان السجن الرئيس هو ليمان الإسكندرية، ومع أن كلمة ليمان تعني بالتركية ميناء، إلا أنها تحولت في اللغة المصرية إلى معنى "السجن"، وهذا دليل كافٍ على انطباع صورة السجن في العقلية المصرية.

29. أما العقوبات العسكرية فكانت على العكس، لا تستهدف الانتقام من المذنب بل إخضاعه للنظام، وغرس اليقين فيه أنه لن تمضي جريمة بلا عقاب، كان المطلوب إخضاع الجميع لنظام عسكري صارم يتحول إلى عادة وتقليد مهيمن على الجميع، مهيمن على نفوسهم وعقولهم كطريقة حياة لا لمجرد خوفهم من العقاب الجسدي، فالخوف وحده ليس كافيا في تحقيق الضبط اللازم.


إلى هنا انتهت المساحة المخصصة ونواصل في المقال القادم إن شاء الله.

الأربعاء، فبراير 01، 2017

صدور كتابي الجديد "في أروقة التاريخ" (1)


أنعم الله على عبده الفقير بصدور هذا الكتاب الجديد "في أروقة التاريخ".
وهو مجموعة من بحوث تاريخية ألقيتها في مؤتمرات علمية أو ندوات أو فعاليات ثقافية، أو بحوثا طُبِعت ضمن أعمال بحثية أوسع ضمن لمراكز دراسات، بالإضافة إلى مقالات مجموعة في موضوع بعينه، بعضها نُشِر وبعضها لم ير النور بعد.
وهو بهذا الكتاب التاسع ضمن ما صدر لي من كتب، كلها تمنيت لو زدت فيها ونقصت، ولكن -ولله وحده الحمد- ليس فيها ما أتراجع عنه أو أتبرأ منه.
أسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به من قرأه ومن كتبه.
الكتاب من إصدار دار التقوى للطبع والنشر والتوزيع، وتجدونه في جناحها بمعرض كتاب القاهرة.

الثلاثاء، يناير 31، 2017

السلطان المسلم الذي أبهر الغربيين

ذكرنا في المقالالماضي أن شخصية صلاح الدين تفردت رغم تعدد الحملات الصليبية وطول فترتها الزمنية وكثرة من شاركوا فيها من الطرفين، وقد بلغ الثناء على شخصيته حدا جعله واحدا ممن يفيض الغربيون بالثناء عليه، وقد اخترنا سبعة فقط من وجوه إعجاب الغربيين به، بدأنا في المقال الماضي، ونواصلها اليوم بتوفيق الله.

3. حسن السياسة واتساع النفوذ

لما أرخ أولج فولكف للقاهرة جاء على ذكر صلاح الدين، فوصفه بهذه الكلمات: "كان سياسيا محنكا ذو رأي صائب. وتمتع بمقدرة على انتقاد مستشاريه والإصغاء إليهم، وهي مقدرة هامة لأي ملك، كما تميز بالصدق في وسط كانت تسممه الخديعة، وبالتسامح إلا فيما يتعلق بسيادة العقيدة. وقد خاض غمار الحروب طيلة حياته رغم رقة بنيته. واتصفت أخلاقه بالشهامة والفروسية وكانت تملؤه روح العطف والحب مما أثر في أفكاره وأفعاله. كان دؤوبا على عمله، بسيطا في حياته، عميقا في إيمانه حتى مثَّل بحق الصورة المثالية لفارس عربي"[1].

وقد أثمر هذا كله –كما يقول المستشرق الألماني الشهير كارل بروكلمان- أن "وُفِّق صلاح الدين بعزيمته الراسخة وموهبته الدبلوماسية النادرة إلى أن يثب من غمرة هذا الوضع الحرج الدقيق إلى قمة من القوة والسلطان لم ينته إلى مثلها أحد من أمراء الإسلام منذ عهد طويل"[2].

هذه القمة من القوة يصفها ستانلي لين بول في قوله: "لقد تجمعت كل قوى العالم المسيحي في الحرب الصليبية الثالثة، ولكنها لم تستطع أن تنال من قوة صلاح الدين وسلطانه، ولما انتهت حروب السنوات الخمس وخفت محنها ومصائبها لم يكن لصلاح الدين منافس يحكم الأقطار التي تقع بين جبال كردستان وصحراء ليبيا. وكان ملك جورجيا وكاثوليك أرمينيا وسلطان قونية وإمبراطور القسطنطينية –وكلهم وراء الحدود- يخطبون وده ويتوقون إلى محالفته"، ولهذا وصفه بأنه "بطل الإسلام العظيم" وأن ما فعله "جعل اسم صلاح الدين يتردد على كل لسان حتى في أوروبا نفسها"[3].

4. التسامح الديني

يسوق توماس أرنولد عصر صلاح الدين وخلفائه كدليل على ما تمتع به النصارى من تسامح في البلاد الإسلامية، يقول: "في عهد صلاح الدين الأيوبي في مصر تمتع المسيحيون بالسعادة إلى حد كبير في ظل ذلك الحاكم، الذي عرف بالتسامح الديني، فقد خففت الضرائب التي كانت فرضت عليهم، وزال بعضها جملة، وملئوا الوظائف العامة؛ كوزراء، وكتاب، وصيارفة. وفي عهد خلفاء صلاح الدين نعموا بمثل هذا التسامح والرعاية قرابة قرن من الزمان، ولم يكن هناك ما يشكون منه إلا ما اتصف به كهنتهم أنفسهم من الفساد والانحطاط، فقد فشت السيمونية بينهم، فبيعت مناصب القسيسين الذين اتصفوا بالجهل والرذيلة، على حين حيل بين الذين طلبوا التعيين وبين هذا المنصب المقدس؛ بعجزهم عن أداء الأموال المطلوبة في احتقار وازدراء، مع أنهم كانوا الجديرين بشغل هذا المنصب"[4].

5. رعاية العلم والعلماء

لقد سبق تحرير صلاح الدين لبيت المقدس تحريره لمصر من الحكم العبيدي (الفاطمي) الباطني، كان تحرير بيت المقدس بالسيف والسنان وكان تحرير مصر بالعلم والبيان واللسان، ولهذا فقد أثار صلاح الدين نشاطا علميا وتعليميا واسعا في مصر للقضاء على الفكر الإسماعيلي الباطني.

يقول كارل بروكلمان: "لم يستطع أعداؤه أنفسهم إلا الإقرار لهم بالشهامة والنبل في معاملة الخصم المغلوب. ليس هذا فحسب، فقد كان صلاح الدين بالإضافة إلى ذلك كله نصيرا للعلم، ولقد وُفِّق إلى نفر من العلماء حفظوا جميله له"[5]، وذكر منهم ابن العماد الأصفهاني الذي سجل وقائع تحرير بيت المقدس، وابن شداد قاضي الجيش الذي سجل سيرة حياته، والقاضي الفاضل الذي نهض بعبء الإدارة.

ويقول المستشرق الأمريكي لبناني الأصل فيليب حتي في كتابه الموجز عن تاريخ العرب: "لم يكن صلاح الدين بطلا وحاميا للسنة فقط بل كان منشطا للعلم والعلماء مشجعا للدراسات الدينية ومصلحا اجتماعيا واقتصاديا، فلقد أنشأ المدارس والمساجد وابتنى السدود واحتفر الأقنية... وصلاح الدين عند العرب في مصاف هارون الرشيد وبيبرس وفي مقدمة من تهواهم مخيلات الشعب عامته وخاصته إلى يومنا هذا. أما في أووربا فلقد أطنب في ذكراه المنشدون في العصور الوسطى وحاكاهم في ذلك الروائيون العصريون. وهو لا يرزال يعتبر حتى اليوم مثال الفروسية الكاملة"[6].

6. الإدارة والعمران

يشهد مؤرخ القاهرة المستشرق الفرنسي جاستون فييت أن القاهرة لم يبدأ مجدها إلا بصلاح الدين، يقول: "كانت مدينة ابن طولون [القطائع] مسكنا للأمير؛ ويمكن إطلاق هذا التعبير ذاته على قاهرة الفاطميين. ولم يصبح لمصر عاصمة حقيقية إلا بوصول صلاح الدين. فمجد القاهرة –دون التقليل من عمل الفاطميين- يبدأ من عصر الأيوبيين"، ويضيف: "ما زالت القلعة شاهدا على عظمة عصر صلاح الدين، رغم أن السلطان لم يسكنها أبدا. وهي تقدم دليلا ملموسا على شخصية فذة، ورجل سابق لزمانه، وأرقى من معاصريه، سواء في ذلك إخوانه في الدين أو أعداؤه، الذين رأوا فيه إنسانا يغلب عليه الاعتدال وشعور الولاء، مبرأ تماما من الأنانية والدوافع الشخصية –وبعبارة مختصرة- رجلا فذا"[7].

وما قاله جاستون فييت مختصرا، فصَّل فيه ستانلي لين بول الذي قرر أن صلاح الدين كان أكثر عمارة في مصر والقاهرة من كافة الحكام الذين سبقوه، يقول: "وعلى الرغم من أن مدة إقامة صلاح الدين الأيوبي لم تطل في القاهرة، لم يترك أحد ممن سبقوه من الحكام فيها مثل ما خلف من الآثار الخالدة. فإليه يرجع الفضل في اتساع الحاضرة، وتنسيق هندستها التي كانت تفخر بها إلى عهد قريب؛ فالقلعة وهي أبرز معالمها من إنشائه، والمدرسة التي بناها هي أكثر عمائرها ذيوعا وشهرة، وكل هذه التغييرات تمت بفضل توجيهاته. ولما غادر صلاح الدين القاهرة بعد أن مكث فيها ثماني سنوات، ظل يبعث في طلب إمدادات منها بمعاونته في حروبه السنوية، وقد ترك بها من القواد والأقارب من قام بإتمام ما بدأه من أعمال، كان بعضها من أجل الدفاع عن البلاد وبعضها في سبيل الدين. فأما الأعمال الدفاعية، فقد تجلت في إنشاء القلعة والسور وجسر النيل، وكلها من الأعمال المستحدثة التي لم يسبقه إليها أحد، إذ أن الحكام الذين جاءوا قبله جعلوا هدفهم بناء مبان حكومية أو ضواح ملكية، كل يبعد عن سابقه نحو نصف ميل إلى الجهة الشمالية الشرقية من المدينة، حتى إن القاهرة الفاطمية نفسها لم تكن تشمل سوى قصور الخلفاء والموظفين ولم تكن حاضرة للبلاد المصرية. أما صلاح الدين فكان أول من وضع بإحكام تصميم شامل لحاضرة عظيمة، إذ أنه بدلا من أن يحذو حذو من سبقوه من الحكام ويقيم ضاحية جديدة كما أقام أسلافه، عقد العزم على توحيد جميع الأحياء الآهلة بالسكان وإحاطتها بسور عظيم وتتويجها بقلعة منيعة"[8].

بقي الوجه الأهم والأوسع والأشهر الذي أثار إعجاب المستشرقين والمؤرخين الغربيين من شخصية السلطان الناصر صلاح الدين، ونتناوله في المقال القادم إن شاء الله تعالى.

نشر في ساسة بوست



[1] أولج فولكف، القاهرة: مدينة ألف ليلة وليلة، ترجمة: أحمد صليحة، (القاهرة: الهيئة العامة المصرية للكتاب، 1986م)، ص80.
[2] كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة: نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي، ط5 (بيروت: دار العلم للملايين، 1968م)، ص352.
[3] ستانلي لين بول، سيرة القاهرة، ترجمة: حسن إبراهيم حسن وآخرون، ط2 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، بدون تاريخ)، ص158، 159؛ ستانلي لين بول، صلاح الدين، مرجع سابق، ص288.
[4] توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام: بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية، ترجمة: حسن إبراهيم حسن وآخرون، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1980م)، ص128، 129.
[5] كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، مرجع سابق، ص358.
[6] فيليب حتي، العرب تاريخ موجز، (بيروت: دار العلم للملايين، 1991م)، ص243.
[7] جاستون فييت، القاهرة: مدينة الفن والتجارة، ترجمة: د. مصطفى العبادي، (بيروت: مكتبة لبنان، 1968م)، ص76، 77.
[8] ستانلي لين بول، سيرة القاهرة، مرجع سابق، ص159.