الخميس، مارس 26، 2015

لا مصالحة بعد المشنقة

قبل البدء: هذا المقال لا يستهدف الطعن في الإخوان، بل هو صيحة تنبيه..

[أولا: حقائق عامة]

1. الانقلاب العسكري جولة في الصراع الحضاري الطويل بيننا وبين الغرب، والذي بلغ تفوق الغرب فيه –الآن- أنه يحكمنا من خلال طبقة هو صنعها وهي تمثله، يدعمها وتحفظ مصالحه، ويمارس عبرها كافة أشكال الصراع.

2. هذه المنطقة لا يراها الغربيون إلا بهذا التعريف: المنطقة الإسلامية، العالم الإسلامي، الحضارة الإسلامية، وهذا أمر مبسوط في كتب منظريهم ومفكريهم. وأما تقسيمنا إلى مصريين وسعوديين وتوانسة وعراقيين وغيره فهذا لا يفعله إلا العملاء الذين يحكموننا لمزيد تفرقة وتقسيم.

3. ولهذا فمن الطبيعي أن تؤول الثورات التي تبغي التحرر إلى الإسلاميين لأنه ليس ثمة طرف ثالث في هذه المنطقة، فهي إن لم تكن للغرب كانت للإسلام.. ولذلك ينهض الغرب –وعلى رأسه أمريكا- لمنع هذا التحول وإجهاضه.

4. حتى الذين ثاروا فقط لأجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية لو كانوا مبصرين ومخلصين سيعرفون أن الغرب هو الذي يقف عقبة في سبيل تحقق هذه الأهداف، وسيعرف أن هذه المنطقة لا يمكن أن تنجح فيها ثورة إلا عبر إلهاب الشعور الإسلامي، فهو الوحيد القادر على تحريك هذه الشعوب وتفجير طاقاتها.

5. ولذا فإن الثورة المصرية آلت إلى الانقسام الفكري لا الثوري، فلم يعد ثمة ثوار وعسكر، بل صار الحال: علمانيون وعسكر في مقابل الإسلاميين. مع استثناءات في كل جهة لا تغير من حقيقة أن العلمانيين –إلا النادر- مع العسكر والاستبداد. والإسلاميين –إلا النادر- مع الثورة وخيار الشعب.

[ثانيا: عصر الهزيمة]

1. في ظل التفوق الغربي الكاسح وانهيار ميزان القوى، وتوالي الهزائم على المسلمين أمام الغرب منذ أربعة قرون حتى الانهيار التام في القرن الأخير، كانت الاستجابة "الإسلامية" لهذا "التحدي" الغربي على أكثر من مسار، أولها وأوسعها: المواجهة المسلحة منذ حروب الخلافة العثمانية وحتى عمليات المقاومة الصغيرة. إلا أن شيئا من هذا المسار الكفاحي لم يستكمل أهدافه، فحتى حركات المقاومة التي أجبرت المحتل على الخروج من البلاد، استطاع هذا المحتل أن يخدعها وأن يسلم هذه البلاد لطبقة من عملائه أداروا الحكم من بعده، وكان شرهم على الأمة أضعاف شر الاحتلال الأجنبي في مشهد يتوقف عنده التاريخ كثيرا.

2. ومن ضمن آثار هذا أن نشأت في الأمة تيارات ترى أن الأمر بحاجة إلى أساليب أخرى غير مجرد المواجهة المسلحة، فاتخذ بعضهم مسارات دعوية لإصلاح القلوب والأخلاق، وبعضهم مسارات علمية لإصلاح العقائد والأفكار، وبعضهم مسارات سياسية لإصلاح النظم والممارسات.. إلا أن هؤلاء أيضا لم يستكملوا أهدافهم، بل اتخذ الحكام من كثير منهم زينة لنفسه ونظام حكمه ليضفي عليه الشرعية، أو ليظهر به أنه يعطي لخصومه مساحة من الحرية. فما إن يأتي الجدّ ويتعرض النظام لاهتزاز كبير كثورة أو احتلال أو تغير طارئ إلا وتجد رؤوس هذه التيارات قد انحازت تلقائيا إلى النظم التي انبعث في الأصل لمقاومتها وتصحيح انحرافاتها ومعالجة آثارها. وفي النهاية لم تتمكن حركة دعوية أو علمية أو سياسية من حسم الأمر في أي بلد وتحويله من خانة الغرب إلى خانة الإسلام.

3. وأبرز صور الفشل لدى الجميع أن النظم الحاكمة –التي هي طبقة منحازة للغرب وتحفظ له مصالحه طوعا أو كرها- استخدمت هذه التيارات لضرب بعضها ببعض، والأصل أن هذه التيارات هم في صفٍّ واحد ضد هذه الأنظمة، وكان المشهد التاريخي المتكرر أن تبدأ الحرب على التيار الجهادي، فإن نجحوا في تصفيته بدأوا في التيار السياسي، فإن نجحوا في تصفيته أو احتوائه بدأوا في التيار العلمي ثم الدعوي حتى لا يبقى إلا من يقدس الحاكم ويُدجِّن الناس له. وقد سارت كثير من الأنظمة في الاستعلان بالكفر وتمكينه وفرض العلمانية والشيوعية والليبرالية على الناس حتى في صميم أحوالهم الشخصية كالحجاب والطلاق وتعدد الزوجات والتحكم في أدق تفاصيل العبادات كمواعيد فتح المساجد وشروط المتحدثين على المنابر.

[ثالثا: المشهد المصري]

1. قبل يومين (وبالتحديد 24/3/2015) أفرج عن نحو ألفين من المعتقلين في السجون، وفي اليوم نفسه أيدت المحكمة العسكرية حكم الإعدام على ستة آخرين في قضية "عرب شركس". وهذا المشهد لا تفسير له حتى لحظة كتابة هذه السطور إلا أن نظام الانقلاب العسكري سريع إلى تصفية الجهاديين (أو بالأحرى: من يحسبهم كذلك، لأن القضايا مليئة بالثغرات ومن المحكوم عليهم بالإعدام من اعتقل قبل وقوع أحداثها بشهور) بطئ في معاملة الإخوان على هذا النحو. بدليل سرعة الفصل في قضايا النقض الخاص بالجهاديين (وتأييد أحكام الإعدام) وبطء إجراءات القضايا الأخرى الخاصة بالإخوان.

وللنظام العسكري والأمني تاريخ طويل في التفريق بين الإسلاميين في السجون والمعاملة، ثم في التحريش بينهم وزرع الفتن بهذا التفريق. فيوهم هؤلاء بأنه يقرب ويفضل ويحابي هؤلاء، ويوهم هؤلاء بأنهم معتدلون فهو معتدل معهم وإنما يشتد على الإرهابيين المتشددين.

2. ومن ثمَّ فأي صياغة للمعركة الدائرة الآن غير أنه صراع بين الإسلام والغرب هو خداع وتزييف، والأسوأ من هذا أنه خداع لا ينطلي على أحد فالمعركة مكشوفة ومعسكراتها واضحة وكل طرف فيها يعلم أهداف الآخر.

وأدلُّ شيء على هذا أن المعركة لو كانت على عودة مرسي كشخص لم يكن أحد من سائر الإسلاميين لينضم إلى الإخوان في هذه المعركة، ولكن لأن الانقلاب إنما هو انقلاب على الإسلام وتضييع للدين وتمكين للكفر دخل كل هؤلاء إلى الإسلاميين إلى هذا الآتون الرهيب، الذي لن يخرجوا منه بأي مكسب لأنفسهم ولا لفصائلهم. بل إن كثيرا منهم داخل في هذه المعركة وهو لا يأمن أن يُباع من قِبَل الإخوان لما للإخوان من رصيد سابق سيئ في العلاقة مع الجهاديين في مصر، وتجارب خيانية في الجزائر والعراق وتونس وغيرها.

3. ويترتب على ذلك أن يُقال للإخوان وبأقصى وضوح ممكن: إنكم مسؤولون عن هؤلاء الذين دخلوا هذه المعركة معكم، من عدة وجوه؛ أولها: الأخطاء المتراكمة والفادحة في المسار الثوري والتي ليس أولها الطعن في الشيخ حازم أبو إسماعيل وليس آخرها الانفراد بإدارة الأزمة بالإهمال التام للإسلاميين وتوسل التوافق مع العلمانيين. وثانيها: الأخطاء المتراكمة والفادحة منذ الانقلاب والإصرار على استمرار المسار السلمي إلى درجة رمي أصحاب المسار الثوري بأنهم إرهابيون أو صنيعة مخابرات وأمن دولة. وثالثها: أنكم من تديرون الجانب السياسي للمعركة –وأيضا بإهمال تام لكل الأطراف الإسلامية الأخرى- ومن ثم فإن كان ثمة غنائم فسترثونها وحدكم..

وعليه، فلا أقل من أن تتعاملوا مع هؤلاء بنفسية ابن تيمية الذي لما أراد ملك التتار أن يطلق له أسرى المسلمين فقط قال له: "لا ندع أسيرا، لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة".

فلئن كان ثمة تصعيد فليكن، ولئن كان ثمة ما سيسمونه "مصالحة" فلا أقل من أن تشمل الجميع. بل ويكون إعدام أي نفس هو مما يصعب هذه المصالحة ويقطع طريقها وينهي المفاوضة عليها.


وساعتها يكون إخوان مصر قد صححوا عددا من الأخطاء التاريخية لهم ولفروع جماعتهم في مناطق أخرى، بدل أن يثبتوا –لمرة أخرى- أنهم لا يعبأون إلا بمصلحتهم الضيقة ولو على دماء إخوانهم!

نشر في ساسة بوست

الثلاثاء، مارس 24، 2015

رحلة الاستشراق - الطفولة

ولد الاستشراق من رحم المواجهة بين الإسلام والغرب منذ العصور الأولى على نحو ما ذكرنا في المقال الماضي، ثم بدأ ينتقل إلى طور آخر في مرحلة "عصر الحروب الصليبية".

تكاد تتفق المراجع على أن أوروبا عرفت نفسها وشَكَّلَتْ روحها وصنعت ذاتيتها في الحروب الصليبية، فلقد "تمخض عن ازدياد الرخاء والحيوية في أوروبا الغربية خلال القرن الحادي عشر عن ظهور الحركة الصليبية، وكيف وُجِّهت هذه الحركة بصفة أساسية ضد المسلمين. ولا شك أن هذه الحيوية ذاتها هي صاحبة الفضل في إقدام المثقفين الأوربيين في القرن الثاني عشر على دراسة علوم العرب وفلسفتهم"[1]، "لقد أعطت تجربة الحروب الصليبية أوروبا وعيها الثقافي وكذلك وَهَبَتْها وحدتها. ولكن هذه التجربة نفسها كان مقضيا عليها منذ ذلك الحين فصاعدا بأن تهيئ اللون المزيف الذي كان على الإسلام أن يبدو لأعين الغربيين به... لأنه إذا كان للدعوة إلى حملة صليبية أن تحتفظ بصحتها فقد كان من الواجب والضروري أن يوسم نبي المسلمين بعدو المسيح وأن يصور دينه بأكلح العبارات كينبوع للفسق والفجور والانحراف عن الحق. وفي أيام الحروب الصليبية ذاتها تخللت العقل الأوروبي وبقيت فيه تلك الفكرة المضحكة القائلة بأن الإسلام إنما كان دينا يدعو إلى عبادة الشهوة وإلى القوة الوحشية"[2].

"وقد ازداد سوء الفهم منذ ذلك الحين، حتى إن لفظة "محمد" أصبحت بمعنى الكفر بالله. وتطورت "المحمدية" في أذهان معاصري شكسبير حتى أصبحت بمعنى أية ديانة مزيفة. وعلى الأخص الديانة التي تعبد الأصنام"[3]، و"كانت تماثيله (محمد r) -حسب أقوالهم- تصنع من مواد غنية وذات أحجام هائلة"[4]، ويحدثنا السفير والرحالة المغربي أفوقاي الأندلسي في سفارته إلى بلاد فرنسا وهولندا[5] عن بعض هذه الأكاذيب، فمن ذلك أن بعضهم فهم أن الإسلام يجيز الزنا والسرقة من حديث أبي الدرداء أنه سأل النبي r "هل يسرق المؤمن؟ قال: قد يكون ذلك، قال: هل يزني المؤمن؟ قال: بلى وإن كره أبو الدرداء، قال: هل يكذب المؤمن؟ قال: إنما يفتري الكذب من لا يؤمن"[6]!!، وفهم بعض علمائهم أن الإسلام يجيز اللواط من قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223]، ومن علمائهم من كان يظن أن المسلمين يزورون مكة ليروا نبيهم في الهواء في وسط حلقة حديدية موضوعة في نقطة اتزان وسط قبة حجر مغناطيسي فيحسب المسلمون أن نبيهم معلق في الهواء وأنها من معجزاته[7].

وفي هذه الفترة كانت الصورة تقول بأن محمدا كان ساحرا دبر المعجزات ليخدع بها العرب السذج، ومنها أن ثورا أبيض نشر الرعب بين العرب ثم ظهر وبين قرنيه كتاب هو ذلك القرآن، كما أنه استطاع أن يدرب حمامة بيضاء على التقاط "البازلاء" من فوق أذنيه بما أوحى للناس أن روح القدس يوحي إليه، وأنه كان يعاني من الصرع (والصرع في هذه الأيام يعني أن الجن يسكنه)، وأنه اجتذب الناس بإرضائه لغرائزهم وإطلاق شهواتهم في الزنا والشذوذ، ثم إن راهبا مبتدعا ضالا طرد من البلاد المسيحية فذهب إلى بلاد العرب وقابل محمدا ولقنه الأصول المشوهة للديانة المسيحية، وأن الإسلام لم ينتشر إلا بالسيف، وأن المسيحيين لم يسمح لهم بحرية في الإمبراطورية الإسلامية، وأن محمدا مات بأن هجم عليه قطيع من الخنازير أثناء نوبة من نوبات اتصاله بالجن فمزقوه إربا[8].

يرى المستشرق الألماني رود بارت أن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات، بل يؤكد أن "العلماء ورجال اللاهوت في العصر الوسيط كانوا يتصلون بالمصادر الأولى في تعرفهم على الإسلام، وكانوا يتصلون بها على نطاق واسع، ولكن كل محاولة لتقييم هذه المصادر على نحو موضوعي نوعا ما، كانت تصطدم بحكم سابق يتمثل في أن هذا الدين المعادي للنصرانية لا يمكن أن يكون فيه خير. وهكذا كان الناس لا يولون تصديقهم إلا لتلك المعلومات التي تتفق مع هذا الرأي المتخذ من قبل، وكانوا يتلقفون كل الأخبار التي تلوح لهم مسيئة إلى النبي العربي وإلى دين الإسلام"[9].

 إذن فحقيقة الأمر لم يكن سوء فهم بقدر ما كان هدفا وطموحا، فلقد "زادت الثقافة الأوروبية من قوتها ودعمت هويتها من خلال وضعها لذاتها في مقابل الشرق باعتبارها ذاتا بديلة أو حتى دفينة"[10]، إذ "لم يحدث قبل ظهور الاتحاد السوفيتي أن واجه الغرب تحديا مستمرا من دولة أو من منهج فكري يوازي التحدي الذي واجهه من الإسلام"[11].

ولذلك، فمنذ القرن الثاني عشر الميلادي وحتى القرن الثامن عشر الميلادي ستعيش أوروبا ستة قرون في مرحلة "شيطنة العدو" الذي هو المسلمون. ستة قرون أثرها لا يزال قائما! في هذه الستة كانت الروح العدائية تحتاج إلى أن ترسم الصورة البشعة لهذا الشيطان الذي تحاربه في الشرق (الحروب الصليبية) وفي الغرب (الأندلس) خصوصا بعد أن انتصر عليها في الشرق فطردها من بلاد الشام، وانتصرت عليه في الغرب حين أخرجته من الأندلس، ولكنه لم يكن انتصارا كاملا، إذ قبل سقوط غرناطة -آخر الممالك الأندلسية- بأربعين سنة كانت جيوش العثمانيين قد دخلت القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية ومدينة قسطنطين وحاضرة القياصرة. ومن بعد هذه اللحظات توالى تعاظم العثمانيين قرنا آخر على الأقل، ثم ثباتهم على هذا التفوق سنين أخرى. فكان "من المحال على المسيحيين الغربيين، بسبب هذا الخوف، أن يلتزموا العقلانية أو الموضوعية إزاء العقيدة الإسلامية"[12].

ومن خلال استعراض المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون لتطور الصورة الإسلامية في الدراسات الغربية نستطيع أن نَعُدَّ الصور الإيجابية عَدًّا ضمن التاريخ الأوروبي، وسنجد من سطوة الأفكار ما يحمل أصحابها على الاستدراك دائما، فمن أولئك -مثلا- الطبيب اليهودي الإسباني بيتر ألفونسي (بدرو دي ألفونسو) الذي اعتنق المسيحية في أوائل القرن الثاني عشر (1106م)؛ فقد كان "صاحب أول صورة إيجابية عن الإسلام"، وكان طبيبا للملك هنري الأول، المعروف بعدائه للإسلام، وكان يصف الإسلام باعتباره العقيدة المقبولة لمن لم يسبق له الالتزام بالعقيدة الحقيقية "المسيحية"، ويرجع رودنسون هذه النظرة الإيجابية إلى أنه طبيب يتعامل مع فضاء العلم الذي كان يؤخذ حينها على يد المسلمين، كما أنه إسباني فهو الأقرب إلى الصورة الحقيقية لهم. وفي منتصف القرن الثاني عشر كتب المؤرخ أوتو فرايزنج بحثا ينكر فيه أن المسلمين يعبدون الأصنام، وقال "من المعروف أن جميع أبناء الشرق يعبدون الله وحده، ويعترفون بشريعة العهد القديم، وشعيرة الطهارة، بل إنهم لا يهاجمون المسيح ولا الرسل، ولا يُقصيهم عن الخلاص إلا شيء واحد، ألا وهو إنكارهم أن المسيح عيسى هو الله أو ابن الله، وتبجيلهم الغاوي محمدا باعتباره نبيا عظيما للرب الأعلى"!!

نشر في نون بوست 



[1] مونتجمري وات: فضل الإسلام على الحضارة الغربية ص98.
[2] محمد أسد: الطريق إلى الإسلام ص19.
[3] ر. ف. بودلي: الرسول حياة محمد ص13.
[4] مكسيم رودنسون: الصورة الغربية والدراسات الغربية والإسلامية، ضمن "تراث الإسلام" بإشراف شاخت وبوزورث ص81.
[5] وكانت هذه السفارة بين عامي (1020 – 1022هـ = 1611 – 1613م).
[6] حديث موضوع، انظر: السلسلة الضعيفة للألباني 12/29، 30 (تحت الحديث 5521)، وروي المعنى من طريق آخر مرسلا ضعيفا عند المنذري في الترغيب والترهيب. وإنما نقلناه هنا لضرورة السياق.
[7] أفوقاي الأندلسي: رحلة أفوقاي الأندلسي ص49، 53، 80.
[8] كارين أرمسترونج: سيرة النبي محمد ص40، 41.
[9] رودي بارت: الدراسات العربية الإسلامية ص9، 10.
[10] إدوارد سعيد: الاستشراق ص46.
[11] كارين أرمسترونج: سيرة النبي محمد ص17، 18.
[12] كارين أرمسترونج: سيرة النبي محمد ص18.

سياط الفيلسوف على ظهور العسكر (8)

اقرأ أولا:

ما زلنا نواصل التقاط مواقف الفيلسوف المخضرم الكبير د. عبد الرحمن بدوي من حكم العسكر عبر مذكراته الحافلة الصادرة في جزئين، وهو الذي عايش العهدين: الملكي والعسكري، وحقق من المكانة الفكرية ما لا ينكره أحد ولو كان من أشد أعدائه.

(31)

الإرهاب الأحمر

"ثم كانت زيارة نكتيا خروشوف لمصر في أوائل مايو سنة 1964 بدعوى افتتاح السد العالي بعد أن تم إنجاز المرحلة الأولى منه. فافتتحه باسم الاتحاد السوفيتي الذي تولى بناء السد مع جمال عبد الناصر في 13 مايو 1964.

ولما كان الاتحاد السوفييتي هو الذي قام ببناء السد العالي بواسطة مهندسيه وأمواله، فقد طالب عبد الناصر بدفع مقابل ذلك، وكان ثمنا غاليا جدا وهو أن يتولى الشيوعيون المصريون السيطرة على مقاليد الأمور في مصر: سياسيا، واقتصاديا، وثقافيا، وإعلاميا، إلخ.

ورضخ عبد الناصر لهذه المطالب وراح ينفذها بما طبع عليه من حماس واندفاع أهوج:

1- فبدأ بأن مكَّن الشيوعيين من أدوات الإعلام لها: من صحافة، وإذاعة، ومسرح، وثقافة. أما دار "الأهرام" فقد كان يشرف عليها محمد حسنين هيكل يحيط به الشيوعيون من كل جانب: محمد سيد أحمد، لويس عوض، أعضاء مركز الدراسات الاستراتيجية، صلاح جاهين، إلخ. وكان ذلك منذ أوائل الستينات فلم يكن في حاجة إلى المزيد. أما "دار أخبار اليوم" فكانت لا تزال في أيدي صاحبيها: مصطفى أمين وعلي أمين. لهذا رتب الشيوعيون للاستيلاء عليها عنوة. ومن أجل ذلك لفقت لمصطفى أمين تهمة الاتصال بأحد أعضاء السفارة الأمريكية، مع أن عبد الناصر هو الذي كلف مصطفى أمين بهذا الاتصال منذ سنوات عديدة كيما يظل محتفظا بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية. وتم القبض على مصطفى أمين في الإسكندرية في شهر مايو سنة 1965 وأودع السجن، ثم حوكم، وحكم عليه بالسجن عشر سنوات، أمضى معظمها في سجن طرة، ووصف هو ما لاقاه في سجنه هذا في كتب عنونها: سنة أولى سجن، سنة تانية سجن، إلخ. وعلى الفور انقض الشيوعيون على دار أخبار اليوم، وصار محمود أمين العالم رئيسا لصحف الدار: جريدة "الأخبار" اليومية ومجلة "أخبار اليوم" الأسبوعية، ومجلة "آخر ساعة" الأسبوعية.

وفي أعقاب ذلك انقض الشيوعيون على "دار الهلال"، وأصبح أحمد بهاء الدين –وهو شيوعي قح، ولكنه يتلون بألوان مختلفة بحسب الظروف- رئيس تحرير لمجلة "المصور"، كبرى المجلات التي تصدرها هذه الدار.

وتوزع الباقون سائر المجلات والصحف: "روزاليوسف" وتولاها عبد الرحمن الشرقاوي وهو متعدد الأطوار يدور من اليمين إلى اليسار، ويجمع بين عمامة الإسلام وكاسكيت الشيوعيين.. وكانت مجلة الكاتب برئاسة أحمد عباس صالح شيوعية منذ عددها الأول حتى الأخير.

2- وأما في الثقافة فقد وجدوا في وزيرها د. ثروت عكاشة خير مؤيد ومعين. فعيَّن محمود أمين العالم مديرا للهيئة العامة للكتّاب، وسعد كامل مدير للثقافة الجماهيرية، وحمدي غيث وسعد أردش رؤساء أو نواب رؤساء لهيئة المسرح"[1].

(33)

مأساة كمشيش

"وواكب ذلك كله التآمر للقضاء على المجتمع المصري كله ليقيموا على أنقاضه دولة شيوعية خالصة تدور في فلك موسكو وتأتمر بأوامر سادة الكرملين، وتكون قاعدة لانطلاق الجحافل الحمر على كل بلدان الشرق الأوسط والزحف على دول إفريقية.

وبدأوا هذا الرهيب بتحويل حادث تافه عابر يحدث أمثاله في أرياف مصر كل يوم دون أن يتلفت إليه أحد ويحولوه إلى نار حامية أشعلوها في الريف المصري كله. وهو حادث قتل لأسباب نسائية في قرية صغيرة من قرى محافظة الغربية اسمها كمشيش، وأبرز أسرة فيها كانت أسرة الفقي. فاستغل الشيوعيون هذا الحادث التافه العادي وجعلوا منه قضية كبرى هي قضية الإقطاع في مصر، رغم أن ما يُدعى بـ "الإقطاع" في مصر –وهو كذب تاريخي بشع يُدرك زيفه كل من له إلمام بمعنى "الإقطاع" في اتالريخ- كان قد زال منذ أن قضى قانون "الإصلاح" الزراعي المزعوم! الأول الصادر في سبتمبر سنة 1952، ثم الثاني الصادر في يوليو سنة 1961 – على ما كان بين أيدي الموسرين من أطيان زراعية ولم يعد لهم في بلادهم حول ولا طول، حتى هجر بعضهم الريف والتجأوا إلى المدن الكبرى (القاهرة، الإسكندرية، إلخ) حيث لا يعرفهم أحد يتشفى فيهم أو يرثى لحالهم.

وحسبي هنا أن أنقل بعض ما ورد في حيثيات حكم محكمة الجنايات التي رفع بعض أشلاء هذه الأسرة الكريمة، أسرة الفقي، قضيته أمامها لإنصافهم، وكان ذلك في عام 1978. بعد أن بدأ المظلومون في عهد الإرهاب الأحمر الذي فرضه عبد الناصر على مصر طوال حكمه الغاشم.

قالت المحكمة في حيثيات حكمها في هذه القضية:

"إن محكمة الجنايات تسجل، للتاريخ، أن الفترة التي جرت فيها أحداث هذه القضية المثيرة هي أسوأ فترة مرت بها مصر طيلة تاريخها القديم والحديث: ففيها ذبحت الحريات، وديست كرامة الإنسان المصري.

وإن المحكمة، وهي تسجل هذه الفظائع، ينتابها الأسى العميق والألم الشديد من كثرة ما أصاب الإنسان المصري في هذه الحقبة من الزمان: من إهدار لحريته، وذبح لإنسانيته، وقتل لمقوماته كافة، ورجولته، وأمنه، وأمانيه، وعرضه.

وإن المحكمة تسجل، للتاريخ أيضا، وقلبها ينفطر، أن ما حدث في هذه القضية لم يحدث مثله في شريعة الغاب، ولا البربرية الأولى، وإن المباحث العسكرية الجنائية أمرت الرجال بالتسمي بأسماء النساء. ووضعت ألجمة الخيل في فم رب العائلة وكبير الأسرة. ولطمت الرؤوس والوجوه فيها بالإيدي، وركلتها بالأقدام. وهُتِكَت أعراض الرجال أمام بعضهم البعض. وجيء بنسائهم وهُدِّدوا بهتك أعراضهن على مرأة ومسمع منهم. ودُرِّبت الكلاب على وطئ الرجال. وتم ذلك بالفعل على المتهم الأول. وهُدِّد رب العائلة وإخوته بإخراج جثة والدتهم –وكانت حديثة الدفن- للتمثيل بها أمام الناس، والتشهير بهم وإذلالهم أمام أهليهم.

وتسجل المحكمة أن المخلوق الذي ينسى ربه، ونبيه، ويأمر الابن بصفع أبيه، هو مخلقو وضيع وتافه ومهين (راجع النص في جريدة "الأخبار" بتاريخ 23 يونيو سنة 1978).

ولا بد للمرء أن يُصاب بأقصى درجات الذهول وهو يسمع أو يقرأ تفاصيل ما ارتكبته زبانية جمال عبد الناصر من فظائع في كمشيش، ثم في الكثير غيرها من قرى القطر المصري شماله وجنوبه. طوال الفترة من مايو سنة 1965 حتى هزيمة مصر الهائلة في 5 يونيو سنة 1967 والأيام الثلاثة التالية.

كيف تبلغ الوحشية بإنسان أن يرتكب كل هذه الفظائع، مهما كانت الأسباب؟! فما بالك وهي لم يكن لها أي سبب! فمُلّاك الأراضي الزراعية الذين أُهدرت كراماتهم وصودرت أموالهم وانتُهِكت حرياتهم لم يتركبوا أي ذنب، ولم يخالفوا أي قانون أصدره عبد الناصر وزبانيته الأبالسة، بل كانوا يملكون ما يملكون وفقا للقوانين واللوائح التي أصدروها بسلطانهم الكامل وطغيانهم المستبد الذي لم يلق أدنى مقاومة. فبأي شريعة إن حُوكم هؤلاء المُلّاك الذين التزموا التزاما تاما بما شرّعه هذا الطاغوت وأبالسته؟!

ثم العجب الذي يستنفد كل العجب هو من هؤلاء الجلادين المنفذين بقسوة منقطعة النظير ومبالغة في التعذيب تفوق كل وصف! ماذا حملهم على هذا الإجرام الرهيب، وليس بينهم وبين ضحاياهم ثأر فيثأرون، أو خصومة فيكيدون، أو منافسة فيطيحون! وما أغرب نذالتهم وخِسَّتهم وانعدام كل معاني الإنسانية فيهم! أمن أجل مزيد من الأشرطة أو النجوم الصفراء أو النسور النحاسية على الأكتاف يرتكب هؤلاء الأبالسة ما ارتكبوا من فظائع يندى لها جبين كل إنسان في كل زمان ومكان؟!

ثم ما بال الكُتّاب الذين أتينا على ذكرهم يهللون ويضفرون أكاليل المجد للطاغون وأبالسته وجلاديهم، بل ويحرّشونهم لارتكاب المزيد من التخريب والتعذيب!! وشاركهم في هذا التحريش والتأليب ثلة من أساتذة الجامعات كانوا يتآمرون لارتكاب أمثال هذه الفظائع في نطاق الجامعات والإدارات الحكومية التي كانوا يتطلعون للانقضاض على المراكز العليا فيها: أمن أجل دريهمات قليلة ومناصب هزيلة يستبيحون كل رذيلة وخسة وحقارة؟!

قُتِل الإنسان، ما أحقره!

إني أحار في تفسير سلوك هؤلاء جميعا! أية لذة يجدها هؤلاء الجلادون في تعذيب فرائسهم والتنكيل بضحاياهم؟! لو كان انتقاما لجريمة ارتكبوها في حق أنفسهم لقلنا مع هوميروس إن "الانتقام أشهى من العسل". لكن لم يكن بينهم وبين ضحاياهم أي داع للانتقام.

وقد تفنن هؤلاء الجلادون في أدوات التعذيب وأساليبة، مما ذكر بعضه حكم محكمة الجنايات الآنف الذكر. لكنه ليس إلا قطرة في بحر ما كان الجلادون يقومون به في السجن الحربي وسجن إدارة المخابرات المجاورة لقصر القبة: من إطلاق الكلاب المتوحشة على المسجونين والمتهمين، والنفخ فيهم من استاههم، وتوصيل خصيهم ومذاكيرهم بتيار كهربائي، وصب المياه فوق رؤوسهم، وتسليط الأضواء الشديدة حتى لا يغمض لهم جفن طوال الليل، والضرب بالسياط على ظهورهم ووجوههم وكل موضع حسّاس فيهم.

والعجب أن من أشدّ هؤلاء الجلادين قسوة شخصا يُدعى حمزة البسيوني. وأقول: "العجب" لأنني كنت أعرفه طالبا في كلية الحقوق تخرج في عام 1938 وهو العام الذي تخرجت فيه أنا من كلية الآداب. وكان يتردد أحيانا على كليتنا إبان الأحداث السياسية. وعرفته آنذلك وديعا هادئ الطبع خجولا بل رقيق الحاشية ساجي الضمير. فكيف تحول إذن في الأربعينات من عمره إلى وحش كاسر ولوع بالتعذيب والتفنن في أساليبه؟! هل كانت الوحشية كامنة فيه، مكبوتة في دخيلة نفسه، فلما فُتح لها باب الانطلاق انطلقت كالقنبلة؟ وهل من الممكن أن ينقلب المرء فجأة من مهذب هادئ إلى إعصار مدمر فاجر؟! صحيح أنني لم أره منذ تخرجه في سنة 1938 حتى سماعي بما يرتكبه من تعذيب رهيب في سنة 1965، لكن زملاءه في التخرج ممن شاهدوه طوال هذه الفترة مرارا لم يروا عليه علائم تطور نفسي، بل صُعِقوا لما علموا بأنباء ما يقوم به من تعذيب، لأنهم لم يتصوروا صدور ذلك عنه حسبما عرفوا من طباعه. ولقد أنجاه من المحاكمة -لما أن قُدِّم بعض هؤلاء الجلادين للمحاكمة في سنة 1971 وما بعدها- أن الموت قد عاجله، وأظن أن ذلك كان في حادث سيارة[2]. وإلا لكانت المحاكمة كفيلة بأن تلقي بعض الضوء على كيفية تطور هذه النفسية الغريبة.

والمحاكمات التي أقيمت لبعض هؤلاء العتاة من الجلادين أمثال: صلاح نصر، مدير المخابرات، وحمزة عليش، والصول الروبي –لا تشمل إلا واحدا من ألف ممن ارتكبوا أبشع جرائم التعذيب في حق الأبرياء طوال عهد حكم عبد الناصر.

كما أنها لم تتناول إلا من مارسوا التعذيب عمليا من رجال الجيش والشرطة، ولم تتناول أي واحد من رجال السياسة، ولا من الصحفيين والكتّاب والموظفين في مختلف مرافق الدولة – ممَّن حرضوا وأيدوا وباركوا كل أساليب التعذيب التي عاناها الأبرياء من المصريين طوال تلك العشرين سنة الرهيبة. فبأي حق يعفى هؤلاء من المحاكمة، وهم مسؤولون تماما مثل أولئك المنفذين؟! وقد زعم أحد هؤلاء الكتّاب[3] أنه كان في "غيبوبة" طوال هذه المدة كلها وأن كل ما كتبه من مديح وتمجيد لعبد الناصر وزبانيته، ونال في مقابل ذلك أرفع الأوسمة والنياشين والأموال الطائلة بوصفه عضوا في إدارة جريدة الأهرام، ثم لما مضى عهد "بطله" هذا بوفاته أصابته "عودة الوعي"! إي والله هكذا عنون كُتَيِّبا ظن أنه يستطيع أن يوهم به الناس أنه غير مسؤول، وأنه لم يشارك في ارتكاب مثل هذه البراءة الكاذبة أو الصفاقة الوقحة. من يريد أن يوهم هذا الماكر الساذج؟!!"[4].



[1] سيرة حياتي 1/370، 371.
[2] عاقبه الله بأن اصطدمت سيارته بسيارة نقل محملة بأسياخ الحديد، فاخترقته أسياخ الحديد حتى مزقت جسده، ثم جمعت أشلاؤه ووضعت في كفن.
[3] يقصد: توفيق الحكيم في كتابه "عودة الوعي"
[4] سيرة حياتي 1/371 وما بعدها.