السبت، نوفمبر 04، 2023

طوفان الواجبات.. وواجبات الطوفان

 تتبارى الأقلام في وصف المأساة، وتجفل أكثرها عن الذهاب نحو الحلول العملية والواجبات المفروضة، ولأننا هنا في ساحة "أنصار النبي ﷺ"، فلا يسعنا أن نبقى في الكلام المكرر المعاد، ولا أن نتبارى مع القائلين والكاتبين، بل لا بد لنا أن نذهب نحو الكلام المفيد، الكلام الذي ينبني عليه عمل.

 

(1) العلماء والفقهاء

أشد الناس محنة في هذا العصر هم العلماء، إنهم ورثة الأنبياء الذين أوكلت لهم مهمة بيان الرسالة بعد انقطاع عصر النبوة، شعارهم شعار الأنبياء من قبلهم {يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله}، وما تزال الأمة في كل حين تنادي عليهم أن قوموا بواجبكم في البيان والإنكار، بل في قيادة الأمة نحو التحرير، بل يشتط البعض ويفرط فيأخذ في إدانتهم وتقريعهم.

وبديهيٌّ أننا نتكلم هنا عن علماء الحق والصدق لا عن علماء السوء وطلاب الدنيا بالدين فهؤلاء إنما هم جزء من العدو، وهؤلاء يستحقون كل تقريع وتأنيب وإنكار.

العلماء في عصرنا هذا مكبّلون مقيَّدون بقيود كثيرة، وهم الآن يدفعون ثمن عصور الاستعمار الأجنبي وعصور الطغيان المحلي، حيث انتزعت من العلماء سائر مصادر قوتهم واستقلالهم، وحيث أزيحوا عن مراكز التأثير والنفوذ السياسي والقضائي والاجتماعي أيضا. وهذه قصة طويلة لا يتسع المقام لها، ولكن القصد أن نظام الدولة المعاصر قد سلب العلماء نفوذهم وجعلهم موظفين لدى الساسة وكبَّلهم في كل شيء لا بقيود الأمن والخوف والسجن فحسب، بل بقيود كثيرة من الراتب وتصريح الخطابة وإلقاء الدروس والخروج في وسائل الإعلام ونحوه!

فمن يطالب العلماء الآن بأن يجددوا عصر ابن تيمية والعز بن عبد السلام، كمن يطالب كتائب القسام ومجاهدي الشام أن يجددوا فتوحات ابن الوليد والمثنى والقعقاع! وكم من عالِمٍ نطق بكلمة حق فسيق إلى السجن أو إلى الموت، ولم يجد من الشعوب نصيرًا! فمصيرُ هذا العالِم يُثَبِّط غيره عن أن يفعل مثله! فكلا الطرفين مكبل: العالِم والأمة!

ومع ذلك فلا نهضة للأمة بغير العلماء، والعلماء هم أول الناس مسؤولية عن تغيير هذه الأوضاع، وهم أولى الناس بالتفكير في الحلول.. وإني لأحسب أن العلماء اليوم يحتاجون إلى عقد مجمع فقهي (ولو كان سرًّا، ولو كان من خلال الانترنت.. إذا لم يتسر لهم اجتماع آمن في عاصمة ما)، ليتباحثون في نوازل كهذه:

1.    لماذا تعجز الأمة عن مدّ يد العون إلى أهل غزة؟

2.    فإن كان هذا بسبب ضعف الأمة وخورها وانصرافها.. فلماذا؟ ومن أين نبدأ؟

3.    وإن كان هذا بسبب الحكام الذين يكبلون حركتها ويمنعون الأمة من نصرة إخوانهم.. فما سبب ذلك؟ هل هو عجز وضعف منهم؟ أم هو تواطأ وخيانة؟!

4.    فإن كان عجزا وضعفا فما السبيل إلى تقويتهم ودعمهم وتحويل عجزهم وضعفهم إلى قوة وقدرة؟ وماذا ينبغي على الشعوب أن تفعل؟ وعلى كل واحد في مكانه أن يفعل؟!

5.    وإن كان خيانة وتواطأ فما هو توصيفهم الشرعي؟ وكيف يمكن العمل على إزالتهم وإزاحتهم واستبدال غيرهم بهم؟ وماذا ينبغي عندئذ أن يقال وأن يُكتب وأن يفتى به لمن يعمل في جيوشهم وشرطتهم ومخابراتهم وإعلامهم؟ وكيف يمكن للشعوب التي يرى بعضها أن لهؤلاء طاعة عليهم أن تسعى في خلعهم؟

6.    وما حقيقة الموازنة بين المصالح والمفاسد المترتبة على بقائهم أو على السعي في خلعهم؟ هذا والسادة العلماء هو أول من يعرف أن حساب المصالح والمفاسد لا يتوقف عند الحال بل يمتد إلى المآل. ولا يتعلق فقط بهذه المعركة أو بهذا الجيل بل يمتد إلى غيرها من المعارك والأجيال؟

7.    وسواءٌ أكان الحكام في حال عجز أو حال خيانة، فما هو موقف الشعوب من الاتفاقيات التي أبرمها هؤلاء مع الصهاينة وحلفائهم؟ هل لهم أن ينتهكوها؟ هل لهم أن يخفروا أمانهم ويستهدفوا أفراد الصهاينة ومصالحهم في كل مكان؟ وإذا فعلوا فسُجِنوا أو قُتِلوا فما حكم الفاعل وما حكم الذي يأمر ويقضي وينفذ السجن والقتل على من استهدف صهيونيا؟!

8.    ما الرأي في توسيع المعركة خارج ديار فلسطين، واستهداف المصالح الصهيونية، والمصالح الداعمة لها في كل العالم؟

9.    ما الرأي في عمل العاملين في الشركات الأمريكية أو التي تغلب فيها النسبة للملاك الأمريكان، أو في شراء العلامات التجارية لهذه الشركات: سواء في الملابس أو المطاعم أو المقاهي؟

10.          ما حكم المتخلف عن نصرة إخوانه المسلمين بمثل هذه الأمور؟ وهل يلزمه التوقف في الحال أم مراعاة التخلص التدريجي مما هو فيه من اتفاقيات وعقود؟ وماذا يكون الموقف إن كان كل هذا لا يكاد يؤثر في المعركة القائمة أو كان لا يؤثر في أية معركة لضعف حجم تأثير المقاطعة في هذا المنتج أو هذه السوق أو تلك الشركة والعلامة التجارية؟

11.          هل يجوز لأهل غزة اقتحام الحدود المصرية طلبا للغذاء والدواء وحصولا على المساعدات المحجوزة عنهم؟ فإذا مُنِعوا من ذلك فهل لهم أن يقاتلوا أفراد الجيش المصري؟ وما حكم من سيقاتلهم من هذا الجيش؟

12.          هل يجوز لأهل الأردن اقتحام الحدود مع إسرائيل مع ما في ذلك من الخطورة عليهم، لا من قِبَل إسرائيل وحدها، بل من قبل الجيش الأردني أيضا؟ وذات السؤال يقال: في هذه الحال ما حكم القاتل والمقتول؟!

13.          وقبل كل ذلك وبعده، كيف يمكن التخلص من هذا النوع من النظام الذي سلب من الأمة ومن علمائها القدرة على الفعل، وجعل كل شيء محتكرا بيد السلطة وحدها، حتى صارت الأمة كالدجاج المحبوس في الحظيرة، مهما اخترقتها الحسرة واستهلكها البكاء لا تستطيع أن تفعل شيئا.. إن التفكير في الصيغة المعاصرة من النظام الإسلامي الذي تستعيد فيه الأمة قوتها والعلماء نفوذهم هو من أخطر ما يجب أن يشغل عقول أهل العلم.

هذه الأسئلة كلها يترتب عليها أمور كثيرة، وتفتح نقاشات أخرى في موضوعات أخرى، ولكن الخروج منها ولو بأقل قدر من الاتفاق هو مفيد للغاية في توجيه النظر الفقهي، وترشيد الخطاب الدعوي، وإلهاب الخطاب الوعظي.. وهو ضروري في توضيح وفهم الواقع المعاصر، وفي التماس الطرق وفتحها، والإشارة إلى الممكن والواجب من الأعمال! وما من شك في أن أمة الملياريْن فيها من يستطيع أن يفعل شيئا إذا جاءته الفتوى المناسبة، وكان هو في المكان المناسب!

إن تحت أهل العلم حشودا من الدعاة والوعاظ والكُتَّاب والإعلاميين، ممن يرقبون قولهم، ويستطيعون أن يعيدوه ويجددوه بوسائل وأساليب مختلفة. إن العالم الصادق لا يعرف كيف هو حجم تأثيره في نفوس المسلمين الصادقين، فإن المسلم ما إن يبصر عالِمًا يثق بعلمه وفهمه، ويثق بدينه، إلا ويكاد أن يكون له كالمريد المطيع، يشير فيجيب، ويأمر فيأتمر.

 

(2) العلماء التطبيقيون

إن أول ما يُستفاد من معارك أمتنا، بما فيها معركة طوفان الأقصى، أننا أمة لا تفتقر إلى الباسلين والفدائيين والاستشهاديين، فالعدو المتفوق المدجج بالسلاح وبعد ثلاثة أسابيع يتخوف من الدخول إلى غزة، لكنه يسكب عليها من نيران طيرانه ما لا قبل لهم به وما لا يتسنى لأحد دفعه!

لو تخيلنا أننا استطعنا أن نشل طيران العدو، أو أن نكافئ طيرانه بطيران لنا، لكانت نتائج المعارك كلها مختلفة. فمنذ أن ظهر الطيران في أوائل القرن الماضي حتى بدأت خسائرنا تتكاثر وتزداد بسرعة وقسوة، ومع أن أمتنا استطاعت بعد التضحيات الهائلة أن تتحرر في كثير من المعارك، وأن تنتصر بالصبر وطول الأناة، فإن كثيرا من المعارك انتهى بانتصار العدو لتفوقه في الطيران!

إن أمتنا أمام تحدٍ فظيع في مسألة الطيران، وهذه لا يقوم لها إلا علماء الهندسة والاتصالات والميكانيكا والمقذوفات ومن حولهم ممن يعملون في هذا المجال!

ونعم، مثلما نحن مكبلون في أمور كثيرة، فنحن مكبلون في ساحة البحث العلمي، سواء من جهة الإمكانيات المتاحة والخبرات الفنية، أو من جهة الخوف والرعب من السجون والمعتقلات.. ومع ذلك فلا سبيل إلا المحاولة والمقاومة والتفكير في الحلول.. لست أشك أدنى شك في أن الذي سيخترع حلا لمشكلة الطيران هذه سيخلد اسمه في الأمة بل في العالم كله لألف سنة على الأقل، وسيفتخر به حفيده بعد أربعين حفيد.. إنه سيعيد التوازن مرة أخرى بين الضعفاء والأقوياء، بين الشجعان المتشبثين بأرضهم وبين الجبناء الذين يقذفون بالنار من السماء!

والأمر هنا لا يتعلق بالطيران وحده، ربما يستطيع أن يفعلها مبرمج يخترق الشبكات أو الرادارات أو أجهزة التحكم المختلفة في التوجيه، وليس بعيدا أن يفعلها مهندس مبتدئ يهتدي إلى ثغرة ما أو إلى سلاح ما أو إلى تشويش ما، فيتمكن بذلك من شلِّ هذا التفوق الجوي الملعون!

وقد يفعلها آخرون من الكيميائيين أو من غيرهم، ممن قد يستطيعون اكتشاف مادة أو تركيبة أو سلاح بيولوجي أو كيميائي، يمكن أن يُحمل على رؤوس صاروخية مقذوفة، فيتيح للمقاومة أن تقذف عدوها بهذا النوع من السلاح، وتملك بهذا ورقة تفاوض بها وتساوم وتقايض، بأن أي قصف جوي للمدنيين سيقابل بقصف صاروخي بهذا السلاح البيولوجي أو الكيميائي!

إنني أكتب، ولا شك يبدو في كتابتي جهلي بالموضوع، وربما تثير بعض عباراتي سخرية المتخصصين.. ولن أدافع عن نفسي، فإنما القصد أن أثير بعض الأفكار، وأن أوجه النظر إلى أن مشكلة الطيران لن تتعلق بفنيات الطيران وحدها.

إن معارك الأمة يجب أن يحتشد فيها الجميع، وكل امرئ في مكانه أعرف وأعلم بما يستطيع أن يفعل، وهو إذا كان صادقا وحاملاً للهمّ حقا، فستنبثق في ذهنه الأفكار الغزيرة والوسائل العديدة التي يمكنه أن يفعلها. إن سائر العلوم المدنية التي تستخدم في التطبيقات المدنية كتصنيع الثلاجات والغسالات والتكييف والكمبيوتر وغيرها من الأجهزة تقوم على قوانين علمية، وهذه القوانين يمكن بقليل من التفكير أو بكثير منه أن يستفاد بها في التطبيقات الحربية لتكون سلاحا بين يدي المجاهدين.

 

(3) علماء العلوم الإنسانية

إن مجالات العلوم الإنسانية مثل: علم النفس والاجتماع والاقتصاد والإعلام والتربية والتاريخ والفنون بأنواعها هي من أهم وأخطر أنواع العلوم، على رغم ما يكتنفها من مشكلات داخلية ومن قيود مكبلة كالتي تفرض على الجميع.

ومع ذلك فإن المجدّ المجتهد المخلص في شيء من هذه العلوم يستطيع أن يفعل الكثير والخطير والمهم أيضا، فإن الله تبارك وتعالى قد أودع في النفس البشرية قوانين وسننا، وأودع مثلها في المجتمعات، وظهرت ثمار هذا كله في حركة التاريخ.. إن اللوحة التي يرسمها حاذق مهموم، أو بيت الشعر الذي يخرج من عقل ذكي وقلب ملتهب، أو الخطبة التي يهدر بها صادق مخلص، أو المقال الذي يكتبه بصير خبير بطبائع النفوس... إلخ! كل هذا يساهم في تحويل الآراء، وتجنيد الفدائيين، وتبصير الغافلين! وهل الفدائي البطل إلا ثمرة كلام كثير صنع نفسه وشكّل عقله واختلط بروحه؟!

لكن معضلة مجالات العلوم الإنسانية هي في كثرة الكذب والوهم والخيال، وفي صعوبة التفريق بين الحق والباطل، إن الآلة التي يصنعها المهندس لا مجال فيها للوهم، فهي تعمل أو لا تعمل، وإنما مشكلة المهندس: هل يستعملها في الخير أم في الشر؟ في المهم والضروري أم في الترفيه والتمتع؟.. أما الكلام الذي يقوله عالم نفس أو اجتماع أو اقتصادي أو تربوي أو مؤرخ أو إعلامي فمعضلته الحقيقية أنه لا يمكن اكتشاف الكذب والوهم فيه إذا أُحْسِنَتْ زخرفته وصياغته.. ولهذا كم راجت من أوهام وخرافات وأكاذيب تلبست بلباس العلوم ونطق بها من يقال عنهم خبراء وأساتذة!

وهنا تأتي معضلة الأمانة: فالواجب ألا يتكلم في الشأن إلا من كان على علم بما يقول، وكان في قوله هذا صادقا متورعا. ثم الواجب على المستمع أن يتأمل في القائل، فلا يتبع إلا من يثق في دينه وفي علمه معا.

 

(4) وآخرون من ورائهم

قد وزَّع الله الأرزاق والمواهب والقدرات.. سيظل العلماء في كل مجال محتاجين إلى آخرين من ورائهم، سيحتاجون إلى آخرين لم يرزقوا موهبة العلم في أي مجال لكن رزقوا مواهب أخرى، وهذا موضع اختبار الله لهم:

1.    فمن أولئك من رزق المال والقدرة على الكسب وأنعم الله عليه بالثراء، فمثل هذا عليه واجب الإنفاق والدعم والرعاية لكل هؤلاء السابقين.. فكم في بلادنا من أقعدته الحاجة والانشغال بها عن السعي في قضايا الأمة والتفكير في شأنها!

2.    ومنهم من رزق الشهرة والانتشار الواسع، فمثل هذا عليه واجب التعريف بهم والدلالة عليهم وتوجيه الأنظار إليهم.. فكم في بلادنا من أذكياء أفذاذ لا يُعرفون، فلو كانوا قد أتيحت لهم النوافذ المناسبة لجنت الأمة من ورائهم الخير الكثير، ومن يدري: لربما استطاع بعضهم تغيير التاريخ!

3.    ومنهم من رزق علاقات كثيرة ممتدة ومتنوعة، فمثل هذا عليه واجب تيسير الطريق لهم، ليوضع كل امرئ في موضعه ويتوسد الأمر إلى أهله.. فكم في بلادنا من كفاءات مطمورة مدفونة لم تستفد منها الأمة لأنها لم تعرف أو لم تستطع أن تكون في المكان الصحيح.

4.    ومنهم من رزق القدرة على الإدارة والتنفيذ، فهو قادر على أن يسمع ويفهم، ثم هو يستطيع تجسيد الأفكار في مؤسسات وشركات يعجز عن إنشاء مثلها الخبراء أصحاب الأفكار، فمثل هذا عليه واجب جمع الطاقات المتناثرة وتنظيمها.. فكم في بلادنا من متناثرين لا يعطلهم عن العمل الجاد ولا يعطل الأمة عن الاستفادة بهم إلا افتقادهم لهذا المدير!

وآخرون لا أستطيع أن أحصيهم ولا يستطيع خيال كاتب أن يجمعهم! ولكن في ما مضى إشارة كافية.

إن طوفان الأقصى، وما نراه من العظمة التي يسطرها إخواننا في فصائل المقاومة! ثم ما نراه من حمام الدم الذي يسيل، يفرض علينا طوفانا آخر.. ذلك هو: طوفان الواجبات.

نشر في مجلة أنصار النبي ، نوفمبر 2023

الاثنين، أكتوبر 23، 2023

معاناة تحت الحجاب

 

هذا عنوان بائس، لا أدري لماذا أعجبني فوضعته، رغم أنني كنت سأكتب عنوانا آخر يقول "المعاناة المكتومة المحجوبة"!

ولذلك، فإني أسارع بنداء القراء المتعاطفين مع النسوية أو المؤيدين لتحرر المرأة من الحجاب، أن يسارعوا بغلق هذه الصفحة، فإنها تتكلم عن موضوع آخر. لا أحب أن أكون مخادعًا ولا أن أسرق أنظار القراء!

أما الموضوع الذي أردت أن أتكلم عنه فقد احترت فيه قليلا! إن حمام الدم الذي يحدث في غزة يجعل كل كلام يبدو تافها وسخيفا، وكل صورة تنقل إلينا فنا من فنون المعاناة ونوعا من أنواع الألم.. وإذا تركت عقلك ثانية واحدة ليتخيل ماذا خلف هذه الصورة من المعاناة، فإنك تفتح على نفسك بابا من أبواب الجحيم.. ترى مقطعا فيه أمٌّ لا تتمالك أعصابها وهي ترى أولادها الثلاثة قتلى، فهي تتحير أيهم تقبِّله القبلة الأخيرة، وعلى أيهم تنادي أن يستيقظوا؟! هذا المشهد الحارق لا تشعر بلهيبه إلا بعض دقائق، فإذا تركت عقلك ليتخيل حياة هذه المرأة في كل يوم، فأنت أمام طوفان من الألم!

نشر باحث غزي -عالق خارج غزة- على قناته مراسلات بينه وبين زوجته: يدعوها فيه للبقاء في بيتهم شمال غزة، وعدم الاستجابة لمطالب النزوح! وقد وافقته زوجته على ذلك. لقد اختزت ذاكرة الفلسطيني –بما أضيف إليها من ذكريات الشام والعراق- أن التهجير نكبة أصعب، قال لها: معنى التهجير أن نتسول اللقمة، وأن يموت أولادنا من البرد في الخيام وأن نفقد بعض الأولاد في الطريق. وقد وافقته زوجته على هذا، لسبب بسيط آخر: أن جنوب غزة لم يسلم أيضا من القصف!! ثم اتفقا على البقاء

تأملت في هذا الحوار الذي يكسر قدرة أي كاتب على وصفه! وحاولت أن أعيش مشاعره ليوم واحد، أعايش كيف ينخلع قلبه مع كل قذيفة! ولما استيقظت صباح اليوم التالي وجدته ينشر على قناته أن زوجته وأبناءه الثلاثة وعائلة زوجته قد استشهدوا جميعا في قصف!!

  ماذا يمكن أن يقال في حال كهذا، وقد تبارى أصحاب الأقلام في توصيف المشهد؟! وأصلا: هل بقي للقلم منفعة في عصر الصورة والفيديو؟!!

إذن ينبغي للقلم أن يكتب في شيء لا تنقله الصورة!

وليس هذا بالشيء العسير أيضا.. فقضايانا حافلة بالمآسي المكتومة والمعاناة المحجوبة!

كنت قبل فترة قد انتهيت من قراءة مذكرات الأسير الفلسطيني القسامي حسن سلامة، ليست مذكرات بالمعنى المفهوم، فهذا الرجل قاد عمليات الثأر لاغتيال المهندس القسامي الأشهر: يحيى عياش، ثم اعتقل وهو في الخامسة والعشرين من عمره، كان ذلك في عام 1997م، ولا يزال سجينا، قضى في السجن أكثر من ربع قرن!

لكن المأساة لم تكن هنا، حتى هو لم يكتب مذكراته عن سجنه، بل كتبها عن الفترة التي قضاها في العزل الانفرادي فحسب.. ترى كم قضى؟ أكثر من ثلاثة عشر عاما!.. خمسة آلاف يوم في زنزانة انفرادية موحشة كالقبر! ولهذا جعل عنوان كتابه "خمسة آلاف يوم في عالم البرزخ"!

وحيث قد اشترطت على نفسي أن أنقل معاناة مكتومة ومحجوبة، فلن أحدثكم عن حسن سلامة، وإنما سأدعوكم لقراءة كتابه، وهو متوفر على الانترنت للتحميل المجاني!

سأحدثكم هنا من مذكرات حسن سلامة عن أنواع من الناس، لن يستطيع أحد وصف معاناتهم، ولا حتى هم أنفسهم سيستطيعون، وذلك أنهم: فقدوا عقولهم!

في تلك الزنازين الانفرادية العميقة الغائرة التي لا يكاد يأبه لها أحد، ولا يكاد يسمع أحد عن معاناة الناس فيها، توجد فئة من هؤلاء..

تعرفون طبعا أننا نعيش في عصر الحضارة الغربية، والحضارة الغربية هي حضارة العلم، كل شيء فيها تحول إلى علم، حتى السجن صار علما، وحتى التعذيب صار علما.. وقد علمتنا الحضارة الغربية أن الحضارة لها ثمن ضروري، فلا بد من إزالة السكان الأصليين لإقامة المدن الحضارية الجميلة، ولا بد من قتل كثير من الناس لتوفير الحياة الرغدة للقليل منهم، وهكذا جرت فلسفة القتل والإبادة ومنحها ثوبا أخلاقيا ومنطقيا!

ما يهمنا الآن أن هذا العلم الذي بُنِيت به السجون، وأديرت به التحقيقات، وصُنِعت به وسائل التعذيب قد سحق بعض البشر حتى فقدوا عقولهم وخرجوا عن سويّتهم! وبهذا صارت حياتهم في السجون مستحيلة، لأنهم صاروا خطرا على بقية المساجين وعلى الشرطة والضباط أيضا.. فماذا نفعل؟!

يقول العلم: نبعث به إلى المستشفى أو المصحة النفسية!

ويقول السجان: بل نبعث به إلى الزنازين الانفرادية!

وهكذا سيق إلى الزنازين الانفرادية قومٌ كان ينبغي أن يكونوا تحت الرعاية الطبية والنفسية، وصار مطلوبا من هذا المريض أن يخدم نفسه، وهو أحيانا لا يقوى ولا يفهم ولا يدرك كيف يقضي حاجته وينظف نفسه!

وتلك الزنازين الانفرادية، كما وصفها الأسير حسن سلامة في مذكراته، ليست هي التي تتبادر صورتها إلى ذهنك، فتلك صورة رسمتها الأفلام والمسلسلات الأنيقة، إنها مقابر حقيقية، حافلة بالحشرات والفئران وأنواع الصراصير، مظلمة معتمة، لا خروج من الزنزانة ولا دخول إلا بتقييد اليدين والقدمين، وربما وضع قيد آخر يربط بين قيديْ اليدين والقدمين! بُنِيَت لـ "تأديب" المساجين، وعزل "الخطرين" منهم! ولذلك ينزلها عتاة المجرمين من زعماء المافيا وأصحاب الجرائم الخطيرة.

فتأمل واترك لخيالك العنان كي ينزل في هذه الزنازين من فقدوا عقولهم؟!

بعضهم لم يعد يتكلم ولا يسمع، وبعضهم لا يعرف عدوا من صديقا ولا يستطيع التفرقة بين مسجون وشرطي، وأحد هؤلاء استطاع يوما أن يتناول خشبة ففقأ –أو كاد يفقأ بها- عين سجين مثله! وبعضهم ألقى بماء ساخن على ممثل الصليب الأحمر إذ كان يزوره، فكاد يقتله!

وربما أرادت إدارة السجن أن تتلذذ، فإذا بها تضع أسيرا ممن لا زال يحتفظ بعقله، مع أسير ممن فقد عقله، للتنغيص عليهما معًا، فكان هذا الأول يجتهد لتنظيف الزنزانة وتنظيف أخيه، ومحاولة التفاهم معه، ثم هو بعد ذلك لا يأمن على نفسه منه، ولا يستطيع أن ينام لأنه لا يضمن ماذا سيُصنع به!

هذا والزنزانة ضيقة على الواحد وحده، فكيف إذا حُشِر فيها اثنان؟! ساعتها لا تصلح حتى للحركة!

فإذا سحبت خيالك من أجواء الزنزانة.. فاذهب به إلى أسرة هذا الأسير، وتخيل: كيف هي معاناة أبيه وأمه وإخوته؟! فلئن كانت أسرة المريض الذي فقد عقله تعيش عذابا وابنها تحت يدها أو هو في أحسن المستشفيات؟ فكيف تفعل أسرة هذا الذي فقد عقله، ثم هو في زنزانة العزل الانفرادي؟!!

تلك واحدة من أنواع المعاناة المحجوبة.. أو هي: معاناة تحت الحجاب!

 

الخميس، أكتوبر 05، 2023

المعلم الأعظم ﷺ

 

كيف يمكن القبض على شعاع الضوء؟

إنها ليست بأصعب من محاولة الكلام عن نبينا محمد ﷺ وعما جاء به من العلم وعن تأثيره العلمي في الأولين والآخرين.

هذه السطور محاولة خجولة مختصرة معتصرة، ولقد بقيت بعد ذلك أمورٌ أخرى تحتاج إلى مقام آخر لبيانها، وبعض ذلك سبق أن ذكرته في مواطن أخرى[1].

 

(1) علمٌ غزير من براهين النبوة

ترى هل بإمكان رجلٍ يعترف لنفسه بالأمية، وبأنه بُعِث في أمة أمية أن يأتي بما لم تستطعه عقول العباقرة والفلاسفة من أبناء الحضارات العريقة العتيدة؟!

إن محمدا ﷺ ظل أربعين سنة في قومه، لا يُعرف عنه تكبر أو ادعاء للعبقرية أو طموح للزعامة، كما لم يُعرف عنه إقبال على كتب الأولين والأقدمين، ولا سعي في البحث عن علم أهل الكتاب من أحبار اليهود والنصارى، ولا رُؤي حتى يحاول أن يقرض الشعر الذي هو مزيّة قومه ومستودع تاريخهم ومعارفهم ولسان حكمتهم!

وإذا بهذا الرجل الهادئ الوقور الذي لم يحاول الاشتباك مع عقائد قومه وأنظمتهم، وإنما تجنبها في صمت، يخرج فجأة عن صمته ويقول عن نفسه إنه رسول الله، وإنه قد جاءهم بعلم لا يطيقونه ولا يستطيعونه، وإنه يتحدى بهذا العلم أهلَ الكتاب من قبله، وأنه يخبرهم عن أحكام أخفوها وعن أخبار كتموها، ثم يبلغ التحدي ذروته حين يخبر أنه هو ﷺ، بشخصه واسمه وسمته، موجود في كتب أهل الكتاب التي يتداولونها فيما بينهم والتي لم يطلع هو عليها ولم يعرف أنه جلس إلى أحد منهم!

وإذا بالعاصفة تثور عليه في مكة والمدينة، عاصفة أشعلها كفار مكة ويهود المدينة ثم النصارى في جزيرة العرب، وطوال هذا العمر لا يزداد هذا الرجل إلا صلابة وإصرارا ويقينا فيما يقول، بل يزيدهم في كل مرة من هذا العلم الذي جاء به، فيحكي عن تفاصيل دقيقة لأنبياء وأقوام ذهبوا ودثروا، بل ويخبر عن انتصارات لم تحدث بعد، وهو يعد أنها ستحدث قريبا، ويخبر عن أمور لن يدركها هو ولكن سيدركها أصحابه، ثم عن أمور لن يدركها أصحابه وستدركها الأجيال التالية!

إن حجم القوة والتحدي في العلم الذي جاء به النبي ﷺ هو أحد براهين نبوته ﷺ، فتأمل مثلا بعض هذه التحديات البالغة القوة: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93]، {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65]، {غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 2 - 4].. وغير ذلك كثير.

ويزيد في صدق ذلك النبي ﷺ أنه هو نفسه لم يزعم أبدا أنه إنما جاء بهذا العلم من عند نفسه، ولا أن هذه الأمور هي من تجليات ذكائه وعبقريته ونفاذ بصيرته، وإنما هو رسول يوحى إليه، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110]، {كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه: 99]، {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]، {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102].

وهو يعترف على نفسه بأنه لم يكن يتوقع هذا العلم ولا كان مستعدا له كما تكشف حياته قبل ذلك، {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16]، {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ} [القصص: 86].

وأنه ، مع كل هذا العلم الذي جاء به وأخبر عنه، لا يعلم الغيب ولا يدري ما يُفعل به، ولا يستطيع دفع الضر عن نفسه {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188].

 

(2) علمٌ صافٍ لم يتكدر بخطأ ولا باطل

لو كان للنبي ﷺ مُعَلِّم من البشر لأهلك الناس أنفسهم، المؤمنون به والكافرون، في محاولة فهم هذا المُعَلِّم وبيئته ونشأته وحجم تأثره بواقعه، وحجم المادة البشرية التي جاءت من هذا المُعَلِّم أو من هؤلاء المُعَلِّمين ضمن العلم الذي جاء به محمد ﷺ في القرآن والسنة!

إن محاولة تحليل المصادر هي واحدة من أركان المنهج العلمي، يتبين بها حجم التأثر وحجم العبقرية لدى العالِم أو الفيلسوف العبقري، ولكن هذا الباب بقي مغلقًا لأن محمدا ﷺ لم يتعلم من أحد، ولم يتأثر بشيخ ولا أستاذ، فما كان له من مصدرٍ لهذا العلم كله إلا الوحي، الوحي الرباني الذي نزل من عند الله تعالى، فلم يتلوث ولم يتكدر بما لدى البشر من أهواء ورغبات وأمزجة وشهوات وأخطاء وأباطيل.

 وبهذا صان الله رسالته ورسوله من أن يتسرب إليها شيء، فلم يكن محمد ﷺ إلا ناطقا عن الله تعالى {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 2 - 4].

وبهذا أيضا رفع الله رتبة رسوله ﷺ ألا يكون لأحد من البشر فضلٌ عليه، فأعظم الناس فضلا على الناس هو من يُعَلِّمهم، ومن ثَمَّ فلا فضل على الرسول إلا لله، ولا فضل على الأمة إلا لله ورسوله، قال تعالى {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113]، وقال تعالى {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164].

لأجل هذا كانت أمية النبي شرف له وشرف لأمته، وسلمت الأمة ونبيها من المصادر البشرية في دينها وشريعتها، وصاروا بذلك مُعَلِّمين لغيرهم من الجهلاء ومن المتعلمين سواء!

 

(3) علم نافع

يقولون بأن الفلاسفة هم أذكى البشر، فمنتهى العبقرية البشرية أن تكون فيلسوفا! ولا يزال الناس إذا ذكروا أذكياء العالم ونوابغه خطر على أذهانهم أسماء الفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو وكونفوشيوس مرورا بالفارابي وابن سينا وحتى فولتير ونيتشه وهيجل ومن بعدهم!

لكن من دخل في غابات الفلسفة وأفكار البشر رأى نفسه كأنه في غابة ضخمة، غامضة ومتشابكة ومظلمه، النور فيها قليل والظلمة فيها كثير، واليقين فيها نادر والشك فيها غزير، وكلما زِدْت من الفلسفة قلَّ اليقين وازدادت الشكوك!

وأندر الفلاسفة هم أولئك الذين يكتبون كلاما سهلا بسيطا مفهوما، فإنك إن أردت قراءة الفلسفة فلا بد لك من عُدِّة اصطلاحية قوية، ومن ضبط مفاهيمي مُحكم، ولعلك بعد هذا تفهم أو لا تفهم مراد الفيلسوف العبقري أيضا!

ولذلك لا يُعجب بالفلاسفة إلا من كانوا من الأذكياء، بينما لم يستطع الفلاسفة أبدا إصلاح أحوال الناس وقيادة المجتمعات، حتى الذين أتيحت لهم فرصة الحكم أو كانوا في بلاط الحكم أو كانوا أساتذة للحاكم!

وأكثر ما تخوض الفلسفة فيه هو الأمور النظرية الذهنية التجريدية التي لا تُحَسُّ ولا يمكن قياسها، وأكثرها لا يمكن القطع بصوابه من خطئه، وأعظم ما قد يصل إليه الفيلسوف هو بناء النظرية المحكمة التي تبلغ به وبأتباعه مرحلة الفهم، فهم الكون والحياة، وأما مرحلة الإصلاح والعمل فأمرٌ فوق طاقة الفلاسفة!

أين هؤلاء الفلاسفة العباقرة الأذكياء من رجل مثل محمد ﷺ؟ جاء بالعلم النافع، فما من شيء نطق به النبي ﷺ إلا وهو نافع في إصلاح الإنسان في نفسه، وإصلاح الحياة من حوله. وقد نَدَر أن يجلس إنسان إلى فيلسوف فيخرج من تحت يده (أو بعد قراءة كتابه) صالحا مُصْلِحًا، بينما ندر أن يجلس إنسان إلى النبي ﷺ (أو إلى سنته) ثم يخرج من تحت يده خاملا أو ساكنا.. لقد أخرج النبي إلى هذا العالم جيوشًا من المصلحين! وكانت حركتهم في تغيير العالم وإصلاحه هي أسرع الحركات والفتوحات في تاريخ البشر كله، بل هي معجزة عسكرية تاريخية مدهشة لا مثيل لها!

لقد كان محمد ﷺ يحارب العلم غير النافع، وينهى عن الخوض فيما لا ينبني عليه عمل، وينهى عن السؤال في أمور لا يمكن للعقول أن تجد الإجابة عليها!

ثم إنه بثَّ هذا العلم العظيم في كلام سهل يسير، ليس فيه تعقيد ولا تكلف ولا تشدق، ولهذا فما أسرع ما كان يفهمه أصحابه، وعبر تلك الأجيال المتطاولة ما يزال الذي يجيد اللغة العربية يفهم القدر الأعظم من كلام النبي ﷺ، لا يفلت منه إلا القليل من المصطلحات التي لم تعد تستعمل في بيئة العرب!

لقد جاء النبي ﷺ بتبسيط المعاني الكبرى العظمى التي يحتاجها البشر، فالقرآن والسنة يُخاطَب بهما: العامي والعبقري، الساذج والحاذق، الصغير والكبير، ويأخذ كل منهم منها بقدر ما يطيق، بينما بقيت أفكار الفلاسفة محصورة في فئة ضيقة من الناس، لا يفهمها غيرهم، وحتى أولئك الذين يزعمون فهمها يختلفون فيها أيضا!

 

(4) علم شامل

لقد نفخ محمد ﷺ في هذا العلم النافع روحا وطاقة وشعورا لاهبا، فإن أنتَ جلست إلى الفيلسوف العبقري فلن يتضخم فيك إلا الرأس والعقل والذهن، وتبقى بقيتك ساكنة خاملة ذابلة، فأما إذا جلست إلى النبي ﷺ وما جاء به (القرآن والسنة) فقد ترعرع فيك كل شيء: العقل والنفس والروح جميعا!

وبهذا كان نبينا ﷺ معلما شاملا يُذَكِّي العقول ويُزَكِّي النفوس ويرتقي بالأرواح، بل ويقوي الأبدان كذلك، فلقد جاءنا بنصائح في المأكل والمشرب والنظافة والحركة يستقيم معها البدن.

ولستَ ترى فيلسوفا قد جاء بكل هذا؛ فإما فيلسوف قد جاء بعبقرية تزيد في العقل والذكاء، أو فيلسوف جاء بروحانية ورهبانية تزيد في صفاء النفس وخفة الروح، أو فيلسوف جاء بتغذية البدن وتلبية مطالب الجسد!

وقد جاء نبينا بإصلاح أحوال الحياة جميعها: السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق، وحتى حقوق الحيوان والنبات، وحتى تنظيف الطرقات جاء فيها بتعاليم غزيرة!

ولستَ ترى فيلسوفا قد جمع كل هذا، فإما فيلسوف جاء بإصلاح الحكم والسياسة، أو بإصلاح الاقتصاد وتوزيع الثروة، أو بإصلاح أحوال الاجتماع من الأسرة والأطفال حتى الطبقات الاجتماعية وأحوال الأقليات، أو جاء بإصلاح الأخلاق في النفس أو في المجتمع!

والفيلسوف قد ينحاز إلى المادية حتى يستغرق فيها وتستغرقه، أو ينحاز إلى الروحية حتى يستغرق فيها أو تستغرقه، ولهذا فلن تجد حضارةً أبدًا مبنية على أفكار فيلسوف واحد، إذ أفكاره قاصرة وناقصة ولا تغطي سائر الجوانب.

بينما حضارتنا الإسلامية انطلقت وانبثقت وليس لها أساس إلا ما جاء به محمد ﷺ، لا مرجعية لها ولا مصدر سوى القرآن والسنة، وبقيت على هذا قرنًا على الأقل، قبل أن تبدأ في استيعاب الموارد والمصادر المختلفة من حضارات فارس واليونان والهند والصين، وهي عندما استوعبت هذا فإنما حاكمته ووزنته وروزته بميزان ما جاء به محمد ﷺ.

 

(5) خلاصة

لهذا كله، كان النبي ﷺ أكثر من جميع الفلاسفة أتباعا وأنصارا ورجالا.. فمن كان معترفا للفلاسفة بالعبقرية والذكاء، فيلزمه أن يعترف لمحمد ﷺ بأنه أعظمهم وأنفعهم للناس والحياة.

وينبغي في نهاية هذا المقال، الذي اجتهدت في اختصار معانيه وآمل أن أتمكن يوما من بسطها والتفصيل فيها، أو لعل غيري يقوم بذلك فيُحسن ويجيد.. أقول: ينبغي في نهاية هذا المقال الذي لم تتسع المساحة لمعانيه أن أؤكد على أمر مهم جدًّا.

نحن المسلمين لا نقبل أن يُقارَن نبينا ﷺ بغيره من البشر، فضلا عن مقارنته بفلاسفة أكثرهم ملحدين وكفارا ومتشككين في أنفسهم وفي الحياة من حولهم، وأكثرهم أخفقوا في عملهم وحياتهم، وكثير منهم كانت له فضائح ومخازٍ وأخلاق هابطة، وكثير منهم انتفع بفلسفته وارتزق بها مالا أو نفوذا أو شهوات، وليس قليلا منهم من مات منتحرًا.

لسنا نقبل بهذا ولا للحظة، ولكننا نضطر إلى مثل هذا التنزل حين ينفتح الحديث عن العلم، فلقد أخذ المعجبون بفلاسفتهم يسرفون في تلقيبهم بالمعلم الأول والمعلم الثاني ونحو ذلك، ويسرفون في وصف تأثير هذا الفيلسوف على الأوضاع في عصره أو على العقول من بعده! وينسى أكثر هؤلاء أن محمدا ﷺ أعظم منهم جميعا، في كل شيء، وفي كل ناحية، وفي كل تأثير!

فبمثل هذه المقارنات نثبت لهم ولغيرهم أن نبينا محمدا ﷺ هو المعلم الأعظم.

 نشر في مجلة "أنصار النبي ﷺ"، أكتوبر 2023



[1] ينظر مثلا: محمد إلهامي، نحو تأصيل إسلامي لعلم الاستغراب، ط1 (القاهرة: دار التقوى، 2015م)، ص62 وما بعدها.

الخميس، سبتمبر 21، 2023

لطمتان في وقت واحد!

 



كان من عجائب التوافق أن وقع النصر والتحرير في أفغانستان في نفس الوقت الذي شهد انهيار تجربة حركة النهضة في تونس، حيث جرى الانقلاب على راشد الغنوشي وإزاحته من المشهد، فكان ذلك بمثابة اللطمتين المتعاكستيْن في وقت واحد: انتصار طالبان، وانهيار الغنوشي!

لقد انتصر أولئك الذين يُوصمون بأنهم متشددون في الدين، لا يفهمون العالم ولا يحسنون التقدير، وانهار ذلك الذي قدَّم أكثر المحاولات التطويعية للإسلام لكي يوافق المزاج الغربي، فسعى جهده لتطويع الإسلام فكريا ليجعله مجرد نسخة حداثية غربية، وسعى جهده لتنفيذ كل التوصيات العملية السياسية التي تجعله حزبا سياسيا أليفا ولطيفا ملتزما إلى أقصى حد بالمواصفات التي تطمئن الغربيين وتؤكد لهم أنه حزب "معتدل"!

ولذلك عاشت البيئة النخبوية الثقافية الإسلامية في صدمة ارتباك لفترة من الزمن، ولا تزال آثارها باقية حتى لحظة كتابة هذه السطور، فأي محنة أشد من هذه يمكن أن يعيشها أولئك الذين عاشوا أعمارهم يُنَظِّرون لأن التشدد هو مشكلتنا الثقافية التي سببت هزيمتنا وتخلفنا! وعاشوا يرسمون لنا أن التقدم والتطور كامن في الاستفادة من الحداثة الغربية وفهم التجربة الغربية في الانتقال من التخلف إلى التفوق.

ثمة أسباب عديدة يمكن أن تفسر نجاح طالبان ومن ورائها الشعب الأفغاني في دحر الاحتلال الغربي، وتفسر نكسة الحركات الإسلامية في العالم العربي، ولكني أريد في هذه الأسطر أن أتوقف عند سببٍ واحدٍ أراه أحد الأسباب الرئيسية في تحقيق الفارق بين التجربتيْن: ذلك هو الإيمان بـ "الدولة"!

إنه ما من صانع قرارٍ غربي حاول أن يبحث أسباب فشلهم في أفغانستان، إلا وقد توقف عند الفشل في بناء "الدولة"، بل لقد كان عدم وجود "الدولة الحديثة" مخيفا للأمريكان قبل احتلالهم، ولذلك اقترح بول وولفوتيز قبل الاحتلال أن يبدؤوا باحتلال العراق، إذ فيها دولة حديثة وجيش نظامي، ومن ثَمَّ سيسهل تحقيق النصر الأمريكي، بينما أفغانستان التي لا فيها دولة حديثة ولا جيش نظامي سيصعب الانتصار عليها[1].

وفيما بعد احتلال أفغانستان، لخص زلماي خليل زاده مسؤوليته فيها بقوله "توسطت في نزاعات بين أمراء الحرب، وحثثتهم على التعاون مع الحكومة الوطنية، كما ساعدت القادة الأفغان على وضع حجر الأساس للمؤسسات الوطنية، مثل: الجيش الوطني الأفغاني"[2].

وتقول كونداليزا رايس، التي عملت مستشارة للأمن القومي ووزيرة للخارجية، عن الفرق المتنوعة التي عملت في أفغانستان: "مع أن هذه الفرق كانت متنوعة التركيب والنشاط إلا أن لها جميعا هدفا واحدا، هو مد سلطة الحكومة الأفغانية المركزية"[3].

ومثلها يقول روبرت جيتس، الذي تولى وزارة الدفاع الأمريكية بعد دونالد رامسفيلد، وكان قد تولى قديما رئاسة المخابرات المركزية الأمريكية: "كانت عشرات الدول والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية منخرطة في محاولة مساعدة الأفغان على تأسيس حكومة فاعلة"[4]، ويقول أيضا: "إن هناك تركيزا كبيرا في إنشاء حكومة مركزية قوية في بلد لم يسبق له عمليا أن كانت فيه حكومة، وتركيزا بسيطا جدا في تحسين الحكم والأمن والخدمات على صعيد المحافظة والقضاء، بما في ذلك الاستفادة أكثر من زعماء العشائر الأفغانية المحلية ومجالسها"[5].

ولا يقتصر الأمر على الأمريكان وحدهم، ففي مذكرات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي صدرت قبل أقل من عام (صدرت في أكتوبر 2022م)، نرى نفس الأمر أيضا؛ فقد روى نتنياهو أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أراد إقناعه بالموافقة على مقترح للسلام، ولكن نتنياهو أصرَّ على أن يحتفظ بحق اقتحام المناطق الفلسطينية بقواته الأمنية والعسكرية "لاستئصال الخلايا الإرهابية"، ولما طمأنه كيري بأن الأمريكان سيدربون قوات الأمن الفلسطينية للقيام بهذه المهمة، لم يطمئن نتنياهو، فاقترح عليه كيري ترتيب زيارة سرية لأفغانستان ليطلع بنفسه على إنجاز الأمريكان في تدريب الجيش الأفغاني، فقال نتنياهو: "في اللحظة التي ستغادر فيها أفغانستان ستقضي طالبان على هذا الجيش"، يواصل نتنياهو: وهذا ما حدث فعلا في 2021، ما إن سحبت أمريكا آخر قواتها حتى تبخر الجيش الأفغاني خلال أيام[6]!

ولقد كرر نتنياهو أكثر من مرة، في مذكراته، أن القوات التي يدربها الاحتلال لا تتمتع بنفس الإيمان والتضحية العقائدية التي تتمتع بها المنظمات التي يسميها "إرهابية"، ومن هنا قرأ سيطرة طالبان على أفغانستان كنموذج متكرر لسيطرة حماس على غزة (2007م) وهزيمتها لقوات السلطة الفلسطينية، ولسيطرة حزب الله على لبنان (2000م) واستعصائه على قوات الجيش اللبناني[7].

الخلاصة المقصودة أن الشعب الأفغاني احتفظ بعافيته، ولم تستطع "الدولة الحديثة" أن تكسر المجتمع الأفغاني ولا أن تتغلغل فيه وتتغول عليه، ومن ثَمَّ بقي المجتمع قادرًا على مقاومة الاحتلال، واحتضان المقاومة، ونبذ السلطات العملية المرتبطة بالمحتلين! وأهم من ذلك أن الأجهزة التي بناها الاحتلال لم ينظر إليها الأفغان باعتبارها مكسبا ولا على أنها مؤسسات وطنية يجب الحفاظ عليها!

بينما العكس تماما هو ما وقع في عالمنا العربي، وقد ازدادت محنة العرب حين نشأت هذه "الدولة الحديثة" وجيوشها النظامية بأيدي الحكام المحليين، مع أنهم كانوا عمليا تحت نفوذ الأجانب المحتلين، ومن المؤسف أن الحركات الإسلامية في العالم العربي –مع وجود الغفلة وطول الزمن- اعتبرت أن هذه المؤسسات الدولتية هي من المكاسب الوطنية التي تتحتم المحافظة عليها.

لقد ارتكب الغنوشي كل تنازل ممكن بغية المحافظة على الدولة ومؤسساتها، وأبدى عبد الفتاح مورو احترامه الكبير للطاغية المجرم للحبيب بورقيبة –مع أن مورو من ضحايا التعذيب في عهده- لأنه بنى "مؤسسات الدولة التونسية"، وكان الرئيس مرسي رحمه الله حتى جلسة محاكمته الأخيرة يطلب جلسة خاصة يُفضي فيها إلى قضاته بما لديه من أسرار لأنه كان رئيس دولة ويملك ما يرى أنه يجب ألا يُذاع!! ثم مات في نفس هذه الجلسة!! لقد كان وفيا لمنطق الدولة –مع كل أسف- حتى مات مقتولا على يد هذه الدولة نفسها!!

لقد سمحت الحركات الإسلامية العربية لهذه الدولة ومؤسساتها أن تفترسهم، ولم تفكر حتى الآن في أن هذه "الدولة" إنما صُنِعت أساسا لا لخدمة الشعب، بل للسيطرة عليهم وتنظيم امتصاص أموالهم، ولم تكن هذه الدولة إفرازا طبيعيا لديننا ومجتمعنا، وإنما نزلت علينا عبر الاحتلال وصنائعه، فما من قصة احتلال ولا هيمنة أجنبية إلا وكان لها صراع عنيف كسرت فيه المجتمع، وجردته من سلاحه، وهيمنت على أوقافه، وسيطرت على أمواله!

إن قوة المجتمع الإسلامي كامنة في توزع القوة فيه، فجيشها لا يحتكر السلاح ويجرد الرعية منه، والسلطة لا تسيطر على أنشطة المجتمع وفعالياته العلمية والاقتصادية والاجتماعية، والتماسك القبلي والعشائري هو أحد أهم عوامل القوة الداخلية والخارجية وليس نقطة ضعف كما تنظر إليه الحداثة التي لا تريد إلا سلطة قوية شاملة ومواطنا فردًا متجردًا من كل قوة ومربوطا بها في كل خطوة!

النظام الإسلامي نظام يحرص على قوة المجتمع وقوة العلماء وقوة التلاحم القبلي، لأن مجتمعًا بهذا الأسلوب لا يمكن احتلاله ولا يمكن الطغيان عليه، ولو حدث، فإنه احتلال متعثر وزائل، وهو كذلك طغيان محدود ومتهدد.

والدولة التي تتوغل على المجتمع لا تكتسب قوَّتَها إلا على حساب قوته، وكلما اختُزِلت القوة في السلطة كان الجميع مهددًا، فإذا استبد بالسلطة طاغية لم يستطع أحد أن يقوم له، وإذا هَزَم أجنبي جيش الدولة الرسمي فقد انهارت البلد كلها ولم يعد فيها مقاومة.

ونحن في الذكرى الثانية لتحرر أفغانستان، نعيد ونكرر ونجدد التهنئة على ما كتبه الله لهم من النصر، ونعيد ونكرر ونجدد الأمل في أن تبقى أفغانستان مجتمعا قويا متماسكا متلاحما، متمسكا بالدين وحريصا عليه، مستعصيا على استبداد طاغية محلي أو على احتلال طاغية أجنبي.


نشر في مجلة الصمود، الناطق بلسان الإمارة الإسلامية في أفغانستان، سبتمبر 2023



[1] كونداليزا رايس، أسمى مراتب الشرف، ص114.

[2] زلماي خليل زاده، السفير، ص7.

[3] كونداليزا رايس، أسمى مراتب الشرف، ص139.

[4] روبرت جيتس، الواجب، ص248.

[5] روبرت جيتس، الواجب، ص238.

[6] Benjamin Netanyah, BIBI: My Story, p. 527.

[7] Benjamin Netanyah, BIBI: My Story, p. 527-8.

الاثنين، سبتمبر 04، 2023

حتى مشكلة البيئة والسكان.. جاء محمد ﷺ بحلولها!

 

لم يكن الكفر بالله طريقا إلى عذاب الآخرة فحسب، بل هو كذلك باب العذاب في الحياة الدنيا، كما قال تعالى {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124].

ففي الوقت الذي يرفض فيه الإنسان الخضوع لله، ويتمرد على الله، فإنه يُنَصِّب نفسه إلهًا، ويجعل رغباته وشهواته دساتير وقوانين ومبادئ حاكمة، وما دام الإنسان مغرورا بنفسه فإنه يغفل عما في آرائه وأفكاره من النقص والخلل، ويغفل عما في تصرفاته من مآلات السوء والنكبة، يحسب أفكاره منتهى العقل والحكمة، ويحسب رغباته وشهواته مطلق الحرية والحضارة، كما قال تعالى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [الجاثية: 23].

ولا يزال كذلك حتى يُنْكَب بعقله وشهوته، ويذوق فساد رأيه ووبال أمره، كما قال تعالى {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [يونس: 24].

ومن أوضح الظواهر التي نراها دليلا على هذا الحال، ما ينعقد الآن من المؤتمرات الدولية التي تشكو من تغير المناخ ومن ارتفاع درجة حرارة الأرض، ومن النقص في الموارد والثروات الطبيعية بحيث لا يتناسب معها الأعداد المتزايدة من السكان، فيتسبب كل هذا معًا في الكوارث البيئية والأعاصير والفيضانات والحروب والمجاعات وانتشار الفقر والمرض... إلخ!

وما من شك في أن الحضارة الغربية المهيمنة والمتفوقة هي المسؤول الأول عن كل هذا الخراب بما أحدثته في هذه البيئة من استهلاك عنيف للموارد، ومن تلويث ضخم للبيئة، ومن سياسات وحشية تمتص بها ثروات الأمم وتسيطر عليها، ولكنهم مع ذلك –ولكونهم أغلقوا على أنفسهم باب الرجوع إلى الله- فلا يجدون حلولا لهذه الكوارث إلا أن يستمروا في العتو والغلو واتباع الهوى والشهوات، فينتهون إلى ضرورة إنقاص عدد السكان.

وإذ وصلنا إلى هذه النتيجة: إنقاص عدد السكان، فإن العقل المعجون بالكِبْر والهوى والشهوة، ينتج الوسائل القبيحة للحصول على هذه النتيجة، ليس أولها وسائل القتل العمد مثل: إنقاص حجم المساعدات للمحتاجين والمكروبين، وإنقاص وسائل الضمان والرعاية الاجتماعية في البلدان التي تقدمها، ورفع الدعم الحكومي عن الفئات الفقيرة والمهمشة، وهي الوسائل التي تنتهي عمليا بدعم نشوب الحروب والعمل على إطالتها. وليس آخرها وسائل القتل الخفية مثل: تمكين المرأة من وسائل منع الحمل، وجعل الإجهاض من حقوق المرأة وتيسير وسائله، وإباحة عمل قوم لوط والفسق بالأطفال وإتيان الحيوانات، وهذه وسائل تمتزج فيها رغبة إنقاص عدد السكان بهوس اتباع الشهوات التي لا تنتهي.

وليست هذه الوسائل جديدة، بل هي قد بزغت منذ أن هيمنت العلمانية وغلبت المسيحية، إلا أنها في زماننا هذا تُغَلَّف بزخارف علمية (أبحاث ودراسات ومؤتمرات منحازة ومغرضة) وزخارف فكرية (تجعلها من حقوق الإنسان ومن علامات التحرر)، وتنتهي إلى حزمة من القوانين والدساتير التي يجري تعميمها وفرضها على الجميع، ودعم شبكات من المنظمات الاجتماعية التي تروج لها تحت غطاء: حقوق المرأة وحقوق الطفل ونحو هذه الأمور!

وإلا فقد قالها مالثوس قديما بكل وضوح، قبل أن تكتسب الحضارة الغربية هذه القدرة الفائقة على تغليف التوحش وتزيينه، فقد نادى بأن تبقى أجرة العامل عند حدّ الكفاف كي لا يتكاثر، ونادى بخفض الأموال التي تُنْفَق على العاطلين لأن ذلك يشجعهم على الكسل وعلى المزيد من الإنجاب، ونادى بوقف صرف إعانات للفقراء، ونادى بعرقلة الزواج المبكر. وقد كانت هذه الاقتراحات –كما يقول ول ديورانت- بمثابة "وحي إلهي مقدس" تلقاه البرلمان البريطاني لينفذ هذه التوجهات[1].

ما دام الإنسان قد كفر بالله، فقد كفر في ذات الوقت بأن هذا الكون هو كون موزون مُقَدَّرٌ خلقه إله حكيم عليم خبير رحيم. ومن هنا فلا ريب في أن الموارد قد تكون أقل من البشر، وأنها لا تكفيهم، وبذلك لا بد من إيجاد الحلول (لمواجهة، وتحدي) هذه الطبيعة وهذا الكون العشوائي الذي جرت الصدفة على هذا النحو فجعلته لا يكفي لحياة المخلوقات فيه!

وما دام الإنسان قد آمن بأنه هو مجرد نتيجة لتطور دارويني صدر عن خلايا تلاقت وتفاعلت بمحض الصدفة عبر ملايين السنين، فهو قد آمن في ذات الوقت بأن هذا الإنسان ليس ذا كرامة ولا قدر ولا أهمية، فمَثَلُه كمَثَل الحديد والخشب والنحاس وسائر المواد التي تكوّنت من تفاعل آخر لعناصر أخرى تلاقت بطريقة مختلفة! ومثلما يمكننا أن نحرق الحديد ونقطع الخشب ونصهر النحاس لنحسن بها أحوال حياتنا، فلا بأس أيضا أن ننقص البشر –بالقتل المباشر أو بوسائل أقل فجاجة- لكي يستطيع بقية البشر أن يتمتعوا بحياتهم!

وحين نصل إلى هذه النقطة فلا ريب أن الإنسان الغربي المادي المتفوق لن يوزع الموت بالعدل على نفسه وعلى سائر الأمم!! بل سيعمل على إهلاك بقية البشر ليستمتع هو بالقدر الأضخم من الموارد المحدودة للطبيعة، وعليه أن يستنفذها ويستهلكها ليحقق أقصى إشباع لمنفعته ولذته! ولماذا يفكر في العدل أصلا؟ ولماذا تخطر بباله الأخلاق؟! إن العدل والأخلاق وسائر هذه الكلمات ليس لها وجود في الميزان المادي، إنها من مخلفات عصر الإيمان وعصر الخرافة، ذلك الذي كان سائدا قبل عصر العقلانية وعصر العلم، حيث كان الناس يؤمنون بإله قادر حكيم، ويؤمنون بيوم القيامة.. لقد كانت تلك أوهامهم التي اخترعوها ليعيشوا بلا تظالم، فأما الآن، في عصر العلم والعقل، فلا دليل على وجود الإله أو وجود يوم القيامة، ومن ثَمَّ فلا معنى لكلمات مثل العدالة والأخلاق، أو مثل: الإسراف والاقتصاد!!

إن سياسة نهب العالم وطحن الشعوب لتوفير الرفاه المادي للشعوب الغربية هي نتيجة طبيعية وحتمية لمنظومة فكرية مادية لا تعرف غير تحقيق المنفعة واللذة، منظومة ترى في البيئة والطبيعة تحديا يجب مواجهته، وموارد يجب استغلالها، وبشرا إن لم يكونوا عمالة ماهرة فهم عبء يجب التخلص منه!

ولهذا لم يكن غريبا أن يخرج اقتراح في مؤتمر ستوكهولم (1972م) الذي كان يبحث في تلوث البيئة، يقضي بضرورة أن تبقى البلدان النامية بلا تصنيع؛ لأنها إن أنشأت المصانع فسترتفع معدلات تلوث البيئة!! أي أن الغربيين رأوْا أنفسهم الوكيل الحصري للتمتع بالموارد وتصنيعها، ولهم وحدهم حق تلويث البيئة لتحقيق منفعتهم ولذتهم!

كذلك لم يكن غريبا أن تُفرض برامج إنقاص عدد السكان على بلاد آسيا وإفريقيا، وبعض هذه البرامج نُفِّذ بطرق وحشية استؤصلت فيها الأرحام، وأعطيت فيها الأدوية التي تسبب العقم، وشُرِّعت فيها القوانين التي تحرم الإنجاب بأكثر من طفل أو طفلين.. ومن فَتَّش في هذا الملف رأى مآسي عظيمة عاشتها كثير من الأمم بسبب فرض هذه الأوضاع عليها، ولا يزال كثير من هذا الوضع مستمرا حتى الآن، وفي مصر هدَّد عبد الفتاح السيسي باتباع الوسائل الأوروبية في إنقاص عدد السكان، وألغى الدعم عن كل من سيتزوج، وعن كل من أنجب أكثر من طفلين، وافتخرت طبيبة في مؤتمر أمامه بأنها تُعَقِّم كل امرأة في مستشفاها بعد الولادة الأولى، وبالفعل تظهر الإحصائيات تدهورا في عدد المواليد في مصر! (ومصر مجرد مثال).

نحن المسلمين لدينا كنز عظيم، ذلك هو ديننا، رسالة نبينا محمد ﷺ، والتي ما تزال هي الحل لسائر مشكلات البشرية، كثير من الناس يجهلون ذلك ويغفلون عنه، وبعض أعدائنا يعرف ذلك تماما، ولكنه يحرص على بقاء هذا الحل مجهولا ومكتوما ومغمورا لأنه يعرقل طريقه إلى تحقيق منفعته ولذته على حساب الشعوب الأخرى.

وهذا الحل يبدأ من اللحظة الأولى ومن المبادئ الأولى للإيمان، فإن الله العليم الخبير الحكيم الرحيم قد خلق الكون موزونا مقدورا، خلقه بعلم وحكمة، وهو الرزاق، عنده مفاتح الغيب، وبيده خزائن السموات والأرض، فالعالم لا يشكو من الندرة لأنه مخلوق بيد أحكم الحاكمين. وأما ما يظهر من الفساد في الأرض فهو ثمرة إفساد الناس وظلمهم وطغيانهم، وهو عقوبة من الله لهم ليرجعوا إلى الحق والعدل {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].

ومن مبادئ الإيمان أن الكون مسخر لخدمة الإنسان، وهذه الأرض خُلِقت له ذلولا، فليس الإنسان في عداء أو مواجهة مع الطبيعة من حوله، بل هو مُسْتَخْلَفٌ فيها، أي: أن الله جعله خليفة في هذه الأرض، عليه أن يستعملها ويدبر أمرها وفق منهج الله المؤتمن عليه.. وهذا هو الفارق الضخم بين الاستخلاف والامتلاك، فالمسلم مستخلف في الأرض بمعنى أنه يقوم فيها بأمر الله، وأما الملحد فهو يتصرف في الكون باعتباره مالكًا لا يُسأل عما يفعل وعما يُفسد وعما يُسرف!

ومن هاهنا احتوت تعاليم القرآن وتعاليم النبي ﷺ على ثروة ضخمة في معالجة مشكلة البيئة، مع أن هذه التعاليم ظهرت في زمن لم تكن قد حدثت فيه مشكلة بيئية ولا مشكلة سكانية أصلا، وهذا أمرٌ يجب أن ينتبه له الإنسان العاقل الصادق مع نفسه، فإنه من دلائل النبوة ومن براهين ربانية هذا الدين.

لقد جاء محمد ﷺ برسالة تحفل بالكثير من التوجيهات؛ جاء بالنهي عن الإسراف في الماء ولو كان الذي يستعمله يغرف من نهر جارٍ، وجاء بالنهي عن تغوير الآبار وعن إنقاص الماء وعن تلويث الماء، وبالنهي عن قطع الشجر، وبالنهي عن العبث في النبات، وبالنهي عن تلويث الأرض وإفسادها، وجاء بالأمر بالنظافة وجعل طهارة البدن والثوب والمكان من شروط العبادة، وجاء بالحث على الغرس والزرع، وبالحث على إحياء الأرض الميتة، وبالحث على إماطة الأذى... إلخ! وسيرى القارئ في هذا العدد من المجلة طرفا من ذلك عبر مقالات الكُتَّاب! وهو أمر قد كُتِبت فيه كتب كثيرة ومجلدات كبيرة.

وهذه النصوص القرآنية والنبوية أخذها العلماء والفقهاء فشَيَّدوا عليها بناء فقهيا سامقا وعظيما، واستنبطوا منها دقائق عجيبة ومدهشة، واستخلصوا منها قواعد ضابطة وحاكمة، من قرأها عرف أنه ما كانت لتظهر مشكلة البيئة ونقص الموارد لو استمر تفوق الحضارة الإسلامية في زماننا هذا، ذلك أن تفاعل المسلمين مع البيئة عبر تاريخهم كان مثالا لموازناتهم بين مقتضيات المصالح والمنافع التي تعود على البشر، وبين الأضرار والمثالب التي تعود من هذه المصالح على البيئة ومواردها.

إن من قرأ هذا الفصل في تاريخ حضارتنا أيقن أن الإسلام كان رحمة للعالمين، بما في ذلك عالم النبات والجماد أيضا.

مع أن مشكلة البيئة تبدو مشكلة عصرية حديثة ناتجة من التطور الصناعي الضخم الذي أقبلت به الحضارة الغربية، إلا أن حلولها كامنة في ديننا ورسالة نبينا ﷺ، ليس في جانب التصور الاعتقادي والنظري فحسب (مع أنه الأهم والأعظم كما أسلفنا)، بل حتى في التفاصيل الصغيرة والدقيقة التي تضبط سلوك الفرد في نفسه وبيته وقريته، وفي مأكله ومشربه ونشاطه الاجتماعي والاقتصادي.

وإن تجلية هذا وشرحه وإبرازه هو واجب من واجبات "أنصار النبي ﷺ"، خصوصا في هذا الزمن وأمام هذه الهجمة التي يريد فيها الغرب إهلاك الشعوب ليبقى وحده متنعما برفاهية اكتسبها بعد أن أفسد البيئة على كل من حوله.

نشر في مجلة أنصار النبي ﷺ، سبتمبر 2023


[1] ول ديورانت، قصة الحضارة، 42/251 - 253، 42/381 – 389؛ وانظر: رشيد الحمد ومحمد سعيد صباريني، البيئة ومشكلاتها، ص112؛ جان ماري بيلت، عودة الوفاق بين الإنسان والطبيعة، ص27.