الأربعاء، أبريل 08، 2020

في أزمة «كورونا».. نظرة على قوانين القوة والضعف في انتشار الأفكار


من بين ما أثارته أزمة وباء كورونا تبدد الثقة في المنظومة العالمية الغربية الليبرالية من بعد ما بدا عليها الارتباك والضعف في التعامل مع هذه الأزمة، وهذه الثقة التي تبددت نبعت من داخل هذه المجتمعات الغربية نفسها؛ فرئيس صربيا كاد يبكي وهو يتحدث عن خرافة التضامن الأوروبي، وأنه سيتوجه بالمناشدة إلى الصين، وإلى جواره دولة التشيك التي صادرت شحنة مساعدات صينية قادمة إلى إيطاليا، وصدر تقرير للفورين بوليسي عن توقعات أزمة كورونا تكاد أن تتفق على نقطة أن المنظومة الحالية ستتغير تحت وطأة هذه الأزمة، وتحدث آخرون عن أن هذه المنظومة مؤهلة للتعامل مع الحروب والتهديدات الأمنية أكثر من استعدادها للتعامل مع مشكلة صحية، واستدل بعضهم بأن هذا الارتباك الذي سيطر على دول الغرب وما بدا في حركاتها من نزعات أنانية فردية واهتمام بالمصلحة الخاصة لم يكن ليظهر لو كان التهديد القائم تهديدا إرهابيا أمنيا.

على الناحية الأخرى بدا وكأن الصين -التي أعلنت أنها تمكنت من احتواء وباء كورورنا- ستمثل الأمل القادم والنموذج البديل، وتصاعد الحديث عن أن الشمولية والديكتاتورية هي القادرة على التعامل مع كوارث كهذه، إذ لولا الإجراءات القاسية التي لا تبالي بالحريات لم يكن ممكنا السيطرة على المرض، كما أن ما تمتعت به الصين من الخبرة في مواجهة المرض واستعدادها لمساعدة البلاد الموبوءة سيجعلها تملأ الفراغ الذي تشكل من ارتباك المنظومة الغربية. توقع الكثيرون هذا التغير بالرغم من أننا لا نعلم على وجه الحقيقة ما إن كانت الصين تمكنت من احتواء الوباء أم أنها تمكنت من احتواء تسرب الأخبار والصور عن انتشار الوباء فيها، فقد يكون الوباء لا يزال منتشرا ومتوطنا لكن القلعة الحديدية لا تسمح بتسرب الأخبار ولا بتقديم الأرقام الحقيقية، لا سيما وأن محنة العالم الحالية كانت لأن الصين تكتمت على أنباء هذا الوباء حتى تفشى في أنحاء العالم خوفا على مصالحها التجارية، أي أن العالم كله يدفع ثمن وجود منظومة استبدادية قاهرة لا تتمتع بالشفافية!

ليست هذه السطور حديثا في شأن كورونا بقدر ما هي محاولة لفت النظر إلى هذا الطبع الإنساني، وهذه السنة الاجتماعية، لنحسن التعامل معها والاستفادة منها والاسترشاد بها.. أقصد بذلك طبع الإعجاب بنموذج النجاح والانبهار بحالة القوة. وهنا أنصح بقراءة كتاب "سلطة الثقافة الغالبة" للشيخ إبراهيم السكران.

سلاح قوة الباطل

لقد زخر القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته بالإشارة إلى هذا المعنى، وهو من المعاني الرئيسية التي يجب أن ينتبه لها المسلمون عامة والدعاة والعلماء خاصة، فإنه مؤثر في نفوسهم وفي سلوكهم.

كانت هذه الحالة من تفوق الباطل ومن أشد ما عاني منه الأنبياء، فإن تأثير قوة الباطل في إضلال الناس وسحبهم إلى النار: تأثير الأموال والسلطان والجاه هو أول ما يصطدم به الداعية صاحب الرسالة الذي يجتهد في البيان والإقناع والتوضيح، ويتفنن في ابتكار المداخل والوسائل والأساليب، وإذ بهذا كله ربما ينهار حين تأتي قوة الباطل: ذهبه أو سيفه أو كلاهما معا. وهنا تبدو اللوعة واضحة في قول موسى عليه السلام "ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا، ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم، واشدد على قلوبهم، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم". وتبدو كذلك في قول شعيب عليه السلام لقومه "وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين * قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك ياشعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين".

وكان أهل الباطل يضغطون بتفوقهم هذا على الأنبياء وأصحاب الرسالات، فقد حكى الله عنهم قولهم "وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي"، يشيرون بذلك إلى ضعف المؤمنين وقلتهم. ومثل ذلك قول فرعون لقومه "إن هؤلاء لشرذمة قليلون". ومثل ذلك قول سادة قريش للنبي "مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق"؟!

وكادت تحدياتهم لصاحب الرسالة أن تنحصر في مظاهرة القوة وحدها، كما قالوا "لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه". وكما قالوا "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم". وكما قالوا وكرروا كثيرا "فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين".. تأمل هنا في أنهم كانوا يبحثون عن مظاهر القوة والقهر حتى لو أنها كانت عذابا لهم، كان هذا يقنعهم –ولو بالإخضاع- أكثر مما ينقعهم الكلام العاقل الهادئ الحكيم!! لا تعجب، فهذا هو منطق القوة الذي لا يفهم الطغاة المتكبرون غيره.

أثر الضعف في نفس الداعية

وإن موقع الضعف الذي يبدأ منه الداعية صاحب الرسالة يحمله على أمور أخرى بينما هو يحاول إقناع الأقوياء ذوي النفوذ والسلطان برسالته، ذلك أن صاحب الرسالة مشغول بمحاولة تزيين رسالته لدى دعوة "الأقوياء" أصحاب النفوذ والسلطة والهيمنة، حتى أنه في ظل انشغاله هذا ربما أراد كتمان شيء أو إخفاءه خشية سخريتهم واستهزائهم! وذلك أن الداعية صاحب الرسالة حريص على هدايتهم ودعوتهم، فهو حريص ألا يفضي إليهم بما يرفضونه!

وفي هذه الحال، جاءت الآيات لتُوَجِّه صاحب الرسالة إلى أنه "نذير"، وأن مهمته "الإنذار"، فلا بد له من إلقاء القول مهما كان ثقيلا على نفسه وعلى سامعه! قال تعالى لنبيه: "فلعلك تاركٌ بعض ما يوحى إليك، وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أُنْزِل عليه كَنْزٌ أو جاء معه مَلَك. إنما أنت نذير، والله على كل شيء وكيل"، وقال تعالى لنبيه: "كتابٌ أُنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به".

وفي آية أخرى مزلزلة، حذر الله صاحب الدعوة أن يحمله حرصه على هداية أولئك "الأقوياء" أصحاب النفوذ والهيمنة إلى أن يتنازل عن شيء أو أن يقترب من باطلهم شيئا.. وأخبر تعالى أن هذا الاقتراب لن يزيد الداعية إلا ضعفا فوق ضعفه! قال تعالى لنبيه: "وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره، وإذا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثَبَّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا".

لذلك كان قول النبي الذي يمثل منهج صاحب الدعوة والرسالة: "قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائ نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم".

ومن هذا الباب جعل الله لأنبيائه قدرا من القوة لا ينقصون عنه كي يتمكنوا من البدء بالدعوة ولا تفنى دعوتهم، فكان الأنبياء "يُبعثون في أشراف أقوامهم" كما أدرك ذلك هرقل في حديثه المشهور مع أبي سفيان، وهو ذات المعنى الذي جاء في حديث النبي "ما بعث الله نبيا إلا في ثروة من قومه"، وكانت حماية أقوام الأنبياء لهم مما منع الملأ الحاكم أن يقصف الدعوة وهي لا تزال ضعيفة في أول أمرها، كما قال قوم شعيب له "وإنا لنراك فينا ضعيفا، ولولا رهطك لرجمناك، وما أنت علينا بعزيز"، ومن قبلهم قوم صالح الذين دبَّروا لاغتيال نبيهم متحاشين غضبة قومه "تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله، ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون".

ومن هذا الباب أنعم الله على عباده في غزو بدر أنه صوَّر لهم المشركين في عدد قليل، فقال تعالى "إذ يريكمهم الله في منامك قليلا، ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر"، وأخبرهم بإنزال الملائكة مسومين ومردفين مع أن النصر من عند الله وحده، وإنما ذلك ليكون بشرى لهم ولتطمئن قلوبهم به.

وأخبر الله عباده المؤمنين أن ضعفهم يُغري بهم لا أعداءهم فحسب، بل يُغري بهم آخرين مجهولين غير مشاركين في العداوة "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط اليل ترهبون به عدو الله وعدوكم * وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم"، فالضعف يغري بالاستباحة حتى ممن لم يكن عدوا!

أثر القوة والضعف على الناس

وكثر في القرآن الكريم توجيه عباده إلى أثر القوة والضعف على الناس وموقفهم من الدعوة؛ فها نحن نرى قوة سليمان عليه السلام وتفوق ملكه كيف أبهر ملكة سبأ حتى إنها لما دخلت الصرح العجيب "قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين". كما نرى أن تدفق الناس ودخولهم في الدين إنما كان بعد انتصاراته وفتوحاته، "إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا". وجعل الله نصر المؤمنين من حججه على الناس، فقال تعالى بعد انتصار المسلمين في بدر "ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة"، فالبينة في هذه الآية هي نصر المسلمين.

ولقد جعل الله سنته جارية في كونه على المسلم والكافر، وأخبرنا سبحانه وتعالى أنه لولا ذاك، لأعطى الكافرين من زينة الدنيا وزخرفها الكثير الكثير، إلا أنهم لو تمتعوا بهذا لكان فتنةً للناس وجاذبا لهم إلى باطلهم "ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون * وزخرفا".

ومن هنا فإن الذين استجابوا للدعوة والرسالة قبل النصر أعظم درجة من الذين استجابوا لها بعده، كما قال تعالى "لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا"، والفتح المذكور في الآية هو صلح الحديبية الذي هو بمثابة الاعتراف الدولي بالدولة الإسلامية بمصطلحنا المعاصر.

والخلاصة:

مهما كان الباطل متهافتا في ميزان المنطق والعقل فإن قوته وتفوقه يبهران الناس ويجذبانهم إليه، ومهما كان الحق متينا قويا في ميزان المنطق والعقل فإن ضعفه يصرف الناس عنه ولا يجذب إليه إلا أفذاذ الناس النادرين في كل عصر، ويظل الصراع بينهما على القوة والتفوق، فالغالب منهم يتبعه الناس، فإذا أراد الله بقوم رحمة كان من نعمه عليهم انتصار الحق فلحقوا به، وإذا أراد بهم فتنة غلَّب عليهم أهل الباطل فلحقوا به.

ولئن كان الإنسان مكلفا في كل وقت أن يبحث عن الحق ويتبعه مهما كان موقعه من التفوق أو الضعف، فإن الداعية والعالِم وصاحب الرسالة مكلف أن يعرف ويستوعب أنه لن يحقق شيئا كبيرا في دنيا الناس إلا إن بلغ القوة والتفوق، تلك سنة من سنن الحياة وطبع من طبائع البشر، لا تُجدِي مصادمته وتضر الغفلة عنه.


هناك تعليق واحد:

  1. هل يمكن ان نقول ضربة كورونا هذه كسر نسبي للباطل (امريكا ، الخليج ، الصين ، روسيا ...الخ) ولتفتح مجال اوسع لاصحاب الدعوة الاسلامية ام انها لم تبلغ درجة الكسر بعد؟

    ردحذف