الخميس، يناير 21، 2016

زوال جيوش العرب خير من بقائها

عمل الخبير العسكري الأمريكي نورفيل دي أتكين زمنا في مراقبة تدريبات الجيوش العربية، لاستخلاص استنتاجات حول طرقهم في القتال، كان يعمل ملحقا عسكريا للولايات المتحدة في عدد من الدول العربية، وعمل ضابطا للمساعدات الأمنية، وله تجارب شخصية مع الجيوش العربية.

في مطلع ديسمبر 1999م، نشر نورفيل ورقة بحثية في غاية الأهمية بعنوان "لماذا يخسر العرب الحروب"، وضع فيها خلاصة تجربته، تقول الخلاصة بأن جيوش العرب لم تظهر كفاءة في العصر الحديث؛ فالجيش المصري أخفق أمام مقاتلي عصابات في حرب اليمن، والجيش السوري لم يستطع السيطرة على لبنان إلا باستعمال الأسلحة والأعداد الساحقة، والجيش العراقي لم يحقق نجاحا أمام الجيش الإيراني وقتما كانت تمزقه اضطرابات الثورة الإيرانية، ولا أمام مقاتلي الأكراد لثلاثين سنة، فضلا عن أن كل مواجهات الجيوش العربية مع إسرائيل كان أداؤهم فيها رديئا.

الدراسة وإن كانت مهمة، إلا أني لم أشعر بإهانة كالتي شعرت بها حين قال: "يعامل معظم الضباط العرب الجنود المجندين كفئة أقل من البشر. عندما حملت رياح مصر يومًا ما حبيبات رمل حارقة من الصحراء أثناء استعراض لكبار الشخصيات الأمريكية الزائرة، رأيت فرقة من الجنود يسيرون ليشكلوا صف واحد لحماية الأميركيين؛ بعبارة أخرى، يُسْتَخدم الجنود المصريين أحيانًا كأنهم لا يزيدون عن مصدات الرياح"!!

هنا يطرح السؤال نفسه: ما فائدة الجيوش العربية إذن؟

هل تصدق أن الجيوش العربية لم تحقق نصرا واحدا على عدو للأمة؟!! ولا نصرا وحدا؟! ولا حتى حرب أكتوبر 1973 التي انتهت في الحقيقة بهزيمة واستسلام مصري بعد استعادة إسرائيل لزمام الأمور واستيعابها للمفاجأة العسكرية التي جرت في الأيام الأولى للحرب.

المعارك الوحيدة التي انتصروا فيها كانت على بعضهم، أو على شعوبهم، فهنا تنطق الأسلحة وتصهل المدافع وتزمجر الدبابات وتهدر الطائرات، تحصد العرب والمسلمين وتسكب دماءهم غزيرة فياضة، تملأ وديان أرض العرب المنكوبة!
من المفهوم أن تشتري كلبا للحراسة، لكن ماذا لو صار الكلب مسعورا لا ينهش إلا أصحاب الدار؟! فماذا لو أنه مع ذلك إذا حضر اللص ترك له الدار وجرى لا يلوي على شيء؟!! ثم ماذا لو صار الكلب دليل اللص يفتح له الدار ويقلب له الأثاث والمتاع حتى يحصل اللص على ما يريد ثم يمضي آمنا؟!!!

أصحاب الدار هؤلاء.. هل بقاء الكلب خير لهم أم زواله؟!!

قبل أيام صرَّح ماجد فرج، رئيس مخابرات السلطة الفلسطينية، ضمن فضائح كثيرة، بأن أجهزة الأمن أحبطت 200 عملية ضد الإسرائليين.. فأيهما أفضل: أن يكون للفلسطينين جهاز مخابرات وسلطة أم لا يكون؟!

قارن هذا بغزة التي لما تحررت من هذه السلطة عجزت إسرائيل عن اجتياحها بأربعة حروب، رغم الحصار والتجويع والتفوق التقني والعسكري الكبير لصالحها، وعلى يد كتائب لا تتلقى رواتب من دماء الفلسطنيين وأموالهم كما يفعل جلاوزة السلطة العباسية العرفاتية في الضفة.

وسلطة الضفة ليست تختلف عن أخواتها في باقي بلاد العرب، ولسنا الآن في حاجة إلى تحليلات أو استنتاجات، بل نحن الآن في عصر الاعترافات والتسريبات، فيكفي أن نجلس ونبحث لنرى الفضائح بالصوت والصورة:

1.    هل تعلم مثلا أن اللواء محمد العصار، عضو المجلس العسكري المصري، افتخر بأن الجيش المصري عنصر مهم للأمن القومي الأمريكي؟ (فيديو).

2.    فهل سمعت ثناء إيهود باراك –رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق- على السيسي وحث الأمريكان على دعمه، لأن إظهار الدعم الإسرائيلي له يُحرجه؟! (فيديو).

3.    هل رأيت رعنان جيسين –مستشار شارون، والمتحدث الأسبق باسم الحكومة الإسرائيلية- وهو مندهش، يبدي ندمه على أنه حين كان يفاوض على الانسحاب من سيناء أصرَّ ألا يكون فيها قوات للجيش المصري، بل يبقى البدو والجِمال فقط.. هو الآن يقول: يا إلهي، لو عادت بي الأيام لقلت: خذوا البدو والجمال واتركوا لنا الجيش المصري؟ (فيديو).

4.    ماذا لو علمت أن الجيش المصري احتفل بذكرى مشاركته في الحرب العالمية الأولى لحساب الإنجليز ضد السودانيين والليبيين والدولة العثمانية؟ وهي الحرب التي سقطت فيها القدس بمشاركة الجيش المصري لتظل تحت الاحتلال الإنجليزي حتى خرجت إنجلترا وسلَّمت القدس لإسرائيل؟ (صور منشورة على صفحة المتحدث الرسمي للعسكر المصري).

5.    ماذا لو سمعت بأذنيك عميدا في الجيش المصري وبعد يومين من الانقلاب العسكري يقول بوضوح أن السبب في الانقلاب هو سياسات مرسي تجاه إسرائيل ورفضه هدم الأنفاق مع غزة؟ حتى لقد اندهش المذيع الإنجليزي صاحب الحوار وقال له: هل معنى هذا أن الجيش الذي يزعم أنه تحرك رغبة لإرادة شعبية إنما تحرك حماية لإسرائيل؟! إنه الرئيس من حقه أن يحدد سياسته تجاه حماس أو غزة (استمع).

6.    ماذا لو قرأت الغزل الإسرائيلي في السيسي على صفحات يديعوت أحرونوت؟

7.    أو رأيت رئيس الأركان الأمريكي ديمبسي وهو يقرر نجاح "الاستثمار الأمريكي في الجيش المصري" وأن العسكر المصري "مُمَكِّن للسياسة الأمريكية" ولا خوف أبدا على المصالح الأمريكية من قِبَله، بل إنه "شريك قوي" للأمريكان وللإسرائيليين، ولذلك فهم "يستحقون الاستثمار فيهم" (فيديو).

8.    وهذا فيديو آخر يقول فيه القائد العسكري الإسرائيلي: إن 30 سنة من العمل (الاستثمار في الجيش المصري) لم تضع هباءً!!

9.    ثم ماذا لو رأيت فرحة هانتر فاريل، مدير البعثات التنصيرية العالمية للمشيخة البروتستانتية، بتشجيع العسكر المصري لمنظمتهم لنشر التنصير في مصر، وكيف أعطتهم السلطة المصرية أرضا ليبنوا عليها كنائس ومدارس لأول مرة منذ افتتحوا هذه المشيخة في مصر قبل مائة وخمسين عاما؟! (فيديو).

10.           بل ماذا إذا سمعت المنصرين فرحين بما يقوله السيسي لمشايخ الأزهر ويعتبرونه نطق بلسانهم عما يريدون قوله؟ (فيديو 1، فيديو 2، فيديو3).

وإن عشرة من هذه الفضائح لكافية لمن كان له قلب، بل من كان له قلب يكفيه واحدة من هذه الفضائح.

وإذا اتضح هذا الحال، فلنا أن نكرر السؤال مرة أخرى: هل بقاء هذا العسكر خير لمصر؟ أم بقاؤها بغير جيش أفضل؟!!

الجواب عند الإمام الجويني رحمه الله، وهو مع كونه فقيها أصوليا راسخا، إلا أنه مفكر استراتيجي باصطلاح هذه الأيام، وكتابه "الغياثي" في السياسة الشرعية أقرب ما يكون لما يُسمى الآن في علوم البحث: توقع سيناريوهات المستقبل.

يقول فيه:

"إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفا ممن ظلمه، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور، وتعطيل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم ... وذلك أن الإمامة إنما تعنى لنقيض هذه الحالة. فإذا أفضى الأمر إلى خلاف ما تقتضيه الزعامة والإيالة، فيجب استدراكه لا محالة، وترك الناس سدى، ملتطمين لا جامع لهم على الحق والباطل أجدى عليهم من تقريرهم على اتباع من هو عون الظالمين، وملاذ الغاشمين، وموئل الهاجمين، ومعتصم المارقين الناجمين".

انتهى كلام الجويني رحمه الله!

نشر في ساسة بوست