الأحد، يناير 10، 2016

"تسريبات الإخوان" الرائعة

بلا مقدمات، ظهرت صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي باسم "تسريبات الإخوان"، في ديسمبر 2015م، وقدَّمت وعودا كبرى بأنها ستكشف أسرارا خطيرة للجماعة وأنها تمتلك 15 ساعة صوتية مسجلة للإخوان في بيوتهم ومكاتبهم.. وخرجت بـ "برومو" مُتْقَن -إلى حدٍّ ما- يبشر بهذه الصاعقة التي ستصيب الإخوان في مقتل، واتخذت لنفسها شعار "إرهاب بإرهاب وتسريب بتسريب"!

لم تمض بضعة أيام إلا وتناقلت وسائل الإعلام المصرية شأن هذه الصفحة، فيما يبدو أحد أمرين: إما أنه وسيلة أمنية جديدة تخرج قبيل ذكرى يناير وهذه ألسنتها الإعلامية تروج وتفضح، أو أنها محاولة فردية لكن الإعلام المُغْتَلِم (أي ذي الشهوة الطاغية) لم يتمالك نفسه أن يصبر وينتظر فهرع ليقضي شهوته من نهش الإخوان، فلم ينتظر أن يظهر أول تسريب ولا أن يعرف من وراء هذه المحاولة وما أغراضه.. كأنه لم يكفهم ما نهشوه من الجثث وما شربوه من الدماء.

في أيام انتشر خبر الصفحة على معظم الصحف المصرية (الوطن، اليوم السابع، الفجر، التحرير، الدستور، البوابة، النبأ ...) وبعض القنوات الفضائية (صدى البلد)، وبعض المواقع العربية (موقع قناة العربية)، بل تطوع أحمد موسى –وهو مخبر أمن دولة قديم ومعروف- أن يقدم للصفحة دعاية محمومة ويذيع أول "برومو" ويبشر مشاهديه بأن القادم أقوى، في مشهد يتوقع المرء فيه أن أحمد موسى نفسه صاحب هذه الصفحة!!

المهم أن الصفحة وبعد طول انتظار محفوف بمثيرات إعلامية تقليدية أخرجت التسريب الأول، والحق أنه كان مفاجأة!!

كان التسريب الأول لخيرت الشاطر –نائب المرشد العام- جالسا في بيته، في حوار خاص مع بعض الشباب، يشرح لهم فكرة الجماعة وطريقتها الدعوية واختلافها مع غيرها من الجماعات الإسلامية، وذلك في سياق تاريخي مبسط للغاية، وبنَفَسٍ هادئ ولغة معتدلة وأفكار منظمة.. وكان الشاطر يعلم أن أحد الحضور يصوِّره، وتبادل مع المصور الكلام، أي أنه ليس تسريبا على الحقيقة وإنما محاضرة لا يخجل الرجل من تصويرها.

المفاجأة الأهم أن الكلام الذي قاله الشاطر هو كلام يصب في مصلحة الجماعة تماما، فقد تحدث عن منهج النبي في الدعوة وحال الأمة الإسلامية واختلاف الاجتهادات في استعادة المجد الإسلامي ورؤية الإخوان وسعيهم نحو وحدة الدول الإسلامية ... إلى آخر ما هو معروف. فلم يكن في الأمر جديد، بل إن ما أراده صاحب الصفحة –أو هكذا أوهم الناس- أنه فضيحة وجريمة يكون شرفا وفخرا! وهو ما سبب ارتباكا كبيرا في الصفحة من خلال التعليقات على هذا التسريب.. إذ فجأة تكهرب الجو تماما، وحدث ما لم يكن متوقعا:

كان صاحب الصفحة يقول بأن الإخوان لا يؤمنون بالحدود الوطنية وإنما بالخلافة الإسلامية، فجاءته تعليقات لم يتوقعها، إذ كان جمهور الصفحة –المعادي للإخوان- لا يرى في هذه المسألة أي إشكال، بل يمتدحها ويرى أن هذا التسريب تلميع للإخوان وتحسين لصورتهم، وبدأ البعض في الهجوم على صاحب الصفحة بأنه إخواني متنكر وأنها محاولة إخوانية لاجتذاب مزيد من المعجبين بالإخوان. وفي ذات الوقت دخل شباب الإخوان –من بعد ما كانوا يترقبون ويهاجمون الصفحة- ليفخروا بالكلام الموجود في التسريب ويرونه شرفا وكلاما جميلا حسنا.. مما أوقع صاحب الصفحة في توتر وحرج بالغ بدا واضحا في تعليقاته التي سيطرت عليها العصبية والارتباك وتبادل الشتائم بينه وبين المعلقين عليه. فإذا علق شاب من الإخوان مفتخرا قال له: ولماذا لا تنشره على صفحتك ما دمت تراه صحيحا؟ وإذا هاجمه أحد بأنه إخواني متنكر قال له بل أنت الإخواني المندس الذي تريد تضليل الناس وصرفهم عن متابعة فضائحكم. وإذا هاجمه أحد بأن التسريب ليس تسريبا وليس فيه جديد تحجج بأنه ينقل الواقع ولا يصنع الأفلام التي يطلبها المستعمون!

وهكذا انقلب الأمر رأسا على عقب..

وزاد في كهربة الأجواء أن أحمد موسى الذي بذل أقوى دعاية للصفحة عاد ليهاجمها هجوما محموما ويقول بأنها صفحة إخوانية متنكرة وأنهم كانوا يريدون منه أموالا مقابل إذاعة التسريبات، مما دفع صاحب الصفحة أن يعلن عن نفسه (أو هكذا أوهم الناس) فاختلق قصة مرتبكة أخرى عن أنه رائد في الشرطة المصرية أصيب في فض رابعة إصابة بالغة وأثناء مطاردته لبعض العناصر حصل على "هارد ديسك" ظل معه طوال فترة علاجه دون أن يعرف محتوياته، ثم لما أفاق بعد هذه الشهور فتح الهارد ووجد فيه هذه التسجيلات، فعرضها على وزير الداخلية فلم يهتم بها (؟!!) ثم عرضها على خالد صلاح مدير اليوم السابع الذي اهتم به ووفر له فريقا لأعمال "المونتاج" ومعالجة الفيديو.. ويؤكد صاحب الصفحة صحة روايته بأن أحدا من هؤلاء لم ينف هذه الرواية!

إلا أن هذه الرواية لم تقنع بعض المعلقين عنده، فظلوا يرددون أنه إخواني متنكر، ويستدلون على هذا بكلام أحمد موسى وبأن التسريب المنشور ليس فيه ما يدين الإخوان بل إنه يلمع صورتهم ويحسن موقفهم! وبدأت عدد من الصحف التابعة للسلطة عزف نفس نغمة أنها صفحة إخوانية متخفية، وبعضهم حدد صاحبها، وهي هي ذات الصحف التي احتفت واحتفلت واستبشرت وساقت لقرائها خبر نشر الصفحة.

وصاحب الصفحة يعد بتسريب جديد بعد أيام!!

بعض أمور هنا تستحق التعليق:

1. ما يبدو من الارتباك الإعلامي يدل على رداءة مستوى وكفاءة هذا القطيع الإعلامي العسكري الغبي، الذي ينشر الشيء بالأمس ثم يحذر منه غدا، بذات القوة في الحالتين، وهذا ما يوحي بأنها وقعت ضحية لشاب من الهواة الذي يبدو أنه أراد أن يحوز أموالا مقابل تسجيلات عادية، بل هي مشرفة على الحقيقة. أو أن ثمة وسيلة أمنية كانت على وشك التنفيذ لكنها أُلغيت أو انفلتت بعض خيوطها من أيديهم بعد الإعلان عنها فعادوا يحذرون منها ويهاجمونها ويشككون فيها.

2. أن الجمهور المنخدع بالسلطة العسكرية والذي لا زال يؤيدها ولا زال يبغض الإخوان ويتمنى هلاكهم، هذا الجمهور نفسه إسلامي في أعماقه، بل هو على الحقيقة يؤيد "فكر" الإخوان ويتحمس له، لكنه من كثرة الضغط الإعلامي كَرِه "اسم" الإخوان وأشخاصهم، حتى إنه لما سمع "فكرهم" انزعج لأن في ذلك تحسين لصورتهم وتسويق لهم. أي أن جمهور السيسي لو نجا من ضغط الإعلام لأحب الإخوان وأيَّدهم، أو أن هذا الفكر نفسه لو قدَّمه له آخرون بوجوده جديدة في مناخ ليس فيه إعلام الشيطان هذا لأقبلوا عليه ودعموه كذلك.. وهذا درس في غاية الأهمية للحركات الإسلامية جميعا، درس يفهمون منه طبيعة الشعوب المسلمة وانحيازها لدينها، ويفهمون منه أثر الإعلام في تشويه الأسماء والأشخاص، ويفهمون منه فشل الإعلام في زحزحة القيم العميقة التي للأسف ينظر بعض الإسلاميين لتجاوزها والانفلات منها.

الأمر يشبه تماما سحرة فرعون، لا يستطيعون تغيير الحقائق لكنهم يستطيعون خداع الأبصار، وهم يبرعون في هذا إلى الحد الذي يلقي الخيفة في قلوب المؤمنين، وهي الصورة التي أوجزها ربنا في آيتين من كتابه، قال تعالى {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} [طه: 66، 67].

3. أن السلطة المصرية صاحبة الفضائح التي جابت الآفاق وبلغت ما لم يبلغه أحد في هذه الآونة لم تستطع أن تسرب للإخوان ما يشينهم ويفضحهم رغم أنه بشر وفيهم لا شك عيوب وأخطاء، وذلك في ذروة حربها عليهم، بينما يتسرب من مكتب قائد السلطة العسكرية ما يفضحه ويعريه ويكشف طبيعته ونهجه في السياسة حتى مع داعميه!!