الثلاثاء، نوفمبر 03، 2015

تقرير كارنيجي والعار الكبير

نشر مركز كارنيجي للشرق الأوسط تقريرا بعنوان "تصاعد التمرد الإسلامي في مصر" أعده مختار عوض ومصطفى هاشم، يحاول التقرير أن يرسم خريطة للمقاومة الشعبية للانقلاب العسكري في مصر، ويختم هذا بتوصيات يرفعها للحكومة المصرية من جهة وللقيادات "العاقلة" في جماعة الإخوان المسلمين من جهة أخرى.

بداية فلا ريب أن التقرير أنفق مجهودا في رصد الحالة المقاومة للانقلاب، واعتمد في ذلك على ما قال أنها مقابلات شخصية مع ناشطين في المقاومة، على أن الحقيقة البادية خلف هذا الكلام هو أن من أعدوا التقارير كان لديهم محاضر التحقيقات المأخوذة بعد التعذيب مع المعتقلين في السجون المصرية، هذا إن لم يكن بعض من أعدوه حاضرا في التحقيقات أو ممارسا لها، وهذا ليس مستبعدا عندي.

لا يختلف التقرير –الذي أعده مسلمون كما يظهر من أسمائهم- في أي شيء عن تقرير يعده صهاينة أو غربيون، فاللغة يهيمن عليها الطابع الأمني، وهي لغة تسبغ على كل أفعال النظام نوعا من الحيادية أو التفهم أو التبرير بينما تسبغ على أفعال المعارضين أنواع التشكيك والتجريم؛ فالتقرير يتحدث مثلا عن "الاعتداءات الجنسية المزعومة على النساء المحتجزات"، فيجعل من هذه الحقيقة الموثقة زعما يستغله "من يرغب في ممارسة العنف" ليؤيد وجهة نظره "بانتهازية سياسية" ويمارس "التحريض" بهدف "التجنيد" للشباب الصغير.

ولا يرضى واضعا التقرير عن أي تصريح ليست فيه إدانة صريحة ومباشرة للمقاومة، ويعتبرون كل تصريح يحمل نوعا من السكوت أو المراوغة أو حتى دعم "السلمية المبدعة" إنما هو شرعنة للعنف وبداية طريق زلق ينحدر بصاحبه نحو العنف الكامل.

ويذهب التقرير صراحة إلى إعطاء توصياته للطرفين، وتقتصر توصياته للنظام في أمرين؛ الأول: أن يعمل بمبدأ "فرق تسد" في عموم الأحوال للقضاء على "التمرد" الإسلامي على نحو أفضل، فيفرق بين الإسلاميين وبعضهم لتزيد الهوة بين الإخوان وغيرهم من الإسلاميين، ويفرق بين الإخوان وبعضهم لتزيد الهوة بين "العقلانيين" وغيرهم من المتبنين للمقاومة، ويفرق به بين المعتقلين فيفرج عمن لم يتورط فيما يسميه "العنف". والثاني: أن يتوقف عما من شأنه أن يزيد في إلهاب المشاعر، كالقتل خارج أحكام القضاء، والاختطاف، وتحسين أحوال السجون.

ويوصي التقرير "العقلانيين" في قيادة الإخوان بأن تقبل بالانقلاب العسكري وتبحث عن تسوية مع النظام الحالي، وأن يستخدموا نفوذهم وثقلهم وخبرتهم بدهاليز الجماعة وسيطرتهم على مفاتيح التمويل في شن حرب على "المتطرفين" لكبح جماحهم، خصوصا داخل الجماعة، وذلك لكي تعود الجماعة كما كانت نموذجا في الطاعة العمياء والثقة والانضباط التنظيمي والهرمي الذي عرفت به طيلة تاريخها، ولكي يحافظوا على الجماعة موحدة.

تلك خلاصة التقرير..

وأطرف ما في التقرير المتصهين هذا أنه حين يتحدث عن التوصيات الموجهة للإخوان يبدو وكأن الشفقة بالجماعة والحرص على مصيرها قد انفجر في قلبه الرقيق، فهو متأثر أن تنهار صورة الجماعة المستقرة والتي كانت واحدة موحدة ونموذجا في الطاعة والثقة والالتزام!!! وما أسخف عظة الثعالب!

ويسيطر على التقرير لهجة واضحة تفصل تماما بين "الثورة المصرية" وبين ما يسميه "التمرد الإسلامي"، فهو لا يفلت موقفا يمكنه فيه وضع هذا الحاجز بينهما إلا ووضعه. وهو دائم التعليق على أن الإسلاميين "ينتهزون/ يستغلون.." فرصة الثورة لتحويل خطابهم إلى خطاب ثوري، فيما الأصل والأساس أنه خطاب جهادي لا علاقة له بالثورة ولا الثوار.. أي أن كل علاقة الإسلاميين بالثورة هو محاولتهم شرعنة أفكارهم وخطواتهم من خلال شعارات الثورة!

وليس يُسْتَبْعَد هذا من مثل واضعي التقرير الذين لا يفهمون -أو لا يحبون أن يفهموا، أو لا يحبون أن يفهم أحد- أن الإسلام هو روح الثورة المصرية، وأن الإسلاميين هم صلب هذه الثورة منذ لحظاتها الأولى، وأن كل الخيارات الشعبية التي انبثقت عن هذه الثورة كانت إسلامية.

تكمن القيمة الأساسية لهذا التقرير الغربي في عدة أمور ينبغي أن نفقهها ونتعامل معها بجدية وعناية، أهمها:

1. شعور الغرب بخطورة عدم الاستقرار في مصر، وسعيه نحو صناعة استقرار قائم على أساس التسليم بالانقلاب العسكري ونظامه.

2. أن روح هذا الشعب هو الإسلام، وأن مقاومة الانقلاب العسكري تكاد تنحصر في الإسلاميين، فهو لا ينظر إليها على أنها مقاومة شعبية، ولا يفهم المنضمين لمقاومة النظام العسكري إلا على أنهم إسلاميون حتى وإن اعترف بأن بعضهم لم يكن كذلك وإنما دخل مدفوعا بما جرى في الانقلاب العسكري ومذابحه.. وهو وإن كان يريد بهذا تعميق الفصل بين "الإسلاميين" و"عموم الشعب" إلا أنه يكشف عن أمر آخر في غاية الأهمية هو: أن لا راية تحرك المقاومة وتحشد الطاقات وتلهب الخيال في هذه البلد سوى راية الإسلام.

3. وذلك يؤدي بنا إلى استنتاج آخر مهم، وهو أن أي تدخل في المشهد السياسي لمقاومة هذا الانقلاب تحت عناوين مثل الاصطفاف والتوافق وما شابهها إنما هو تدخل لسرقة هذا الإنجاز وتزييفه. إذ ليس ثمة مقاومة للانقلاب على الأرض ليبرالية أو اشتراكية أو ذات طابع أيديولوجي آخر.

4. أما العار الكبير في هذا التقرير فهو أنه يتوجه بالتوصية لمن يسميهم "العقلانيين" في قيادة الإخوان أن يستخدموا نفوذهم وسيطرتهم على التمويل في إزاحة وإقصاء الجناح الآخر الذي يصفه بـ "المتطرفين"، وهو ما يجعل هؤلاء القادة المقصودين محطّ أمل من قِبَل غربيين متصهينة يريدون استقرار النظام العسكري الانقلابي. ونحن وإن كنا لا نسيئ الظن بهم إلى هذا الحد إلا أننا ننبهم إلى أن وجودهم في هذا الموضع يجعل منهم موضع أمل يستثمره العدو! وهو أمر كفيل بأن يتيقظ له كل من ظنَّ يوما أن هذه الأنظمة تسقط بمجرد السلمية.

إن التقرير لا يجد شيئا يعدهم به إلا أن يداعب خيالهم بأيام الماضي حين كانوا يأمرون فيُطاعون ويشيرون فيُستجاب لهم بغير نقاش، لأول مرة تصير "الطاعة العمياء" شيئا ممدوحا في تقرير غربي وقد كان من قبل من علامات انغلاق التنظيم ورجعيته!

لا يجد التقرير شيئا يتوقعه إن هم فعلوا ذلك، فلا مكسب سياسي ولا حتى وجود سياسي آمن، فقط أن تعود لهم عروش القيادة السابقة، على أن هذا في الحقيقة لن يكون أبدا لأن الوقت قد مضى فعلا، وإن لم يستجب "العقلانيون" لضرورات المرحلة فأفضل ما سيصل إليه الإخوان هو الانقسام لجناحيْن، الجناح العقلاني ويضم قليلا من الكبار وأقل منهم من الشباب حتى وإن كان يملك الكثير من المال والتاريخ، وجناح شبابي يملك الكثير كما يملك الطاقة والحماس والعزم، وليس أحد ينظر إلى هذه القسمة إلا ويرى أن المستقبل في جانب الشباب.


فعار وأي عار أن يستجيب من كانوا يوما نجوما في العمل الإسلامي لتوصيات تقرير أمني غربي عدو لهم؟!!