الثلاثاء، نوفمبر 25، 2014

في دعم معركة الهوية

"من المبادئ المجمع عليها بين المتخصصين في التخطيط الاستراتيجي أنه كلما كبرت شريحة المتفهمين للأبعاد الاستراتيجية المتوخاة في أي وسط سياسي أو ثقافي أو تقني كلما كانت النتائج أفضل"(1).

والمعنى: أن القيم والأهداف كلما كانت واضحة ومنتشرة في المجتمع أو في حركة إصلاحية أو في أي مجموعة.. كلما كان ذلك أفضل!

وهذا يفسر قول المؤرخ البريطاني كريستوفر داوسون أن "الحضارات الكبرى في التاريخ قد تأسست على الأديان الكبرى"(2)، وهي ذات الخلاصة التي خرج بها الفيلسوف الفرنسي جوستاف لوبون بعد دراسات مستفيضة في الحضارات لتفسير الحوادث التاريخية الكبرى، يقول: "بعد إنعام النظر في هذه الحوادث (التاريخية الكبرى) يتبين أن وراء أسبابها الظاهرة في الغالب سببا حقيقيا، هو التغير الكلي في أفكار تلك الأمم، فليست التقلبات السياسية الحقيقية الكبرى هي التي تدهش الباحثين بعظمها وعنفها، وإنما الانقلاب الصحيح الجدير بالاعتبار الذي يؤدي إلى تغير حال الأمم المدنية يحصل في الأفكار والتصورات والمعتقدات"(3).

ذلك أن الدين هو الذي يحقق أوسع انتشار لمجموعة القيم والأهداف والأحلام بين الناس، حتى تصل إلى أبسط الناس وأكثرهم بعدا عن الثقافة والفلسفة والتعقيد، وتنتشر في كل قطاعاتهم وعلى اختلاف مستوياتهم وفوارقهم! بل لقد لاحظ مونتسكيو بحق أن "المرء لأشد ارتباطا بالدين الحافل بكثير من الشعائر منه بأي دين آخر أقل منه احتفالا بالشعائر، وذلك لأن المرء شديد التعلق بالأمور التي تسيطر دائما على تفكيره"(4).

وذلك على العكس من الأفكار الوضعية التي لم تحقق انتشارا بين الناس أبدا، اللهم إلا إذا دخلت السلطة على الخط فقهرت الناس عليها إما بالسيف (الشيوعية، الاشتراكية) أو بالزيف (الليبرالية، الرأسمالية).. ثم يكون اقتلاعها من قلوب الناس عملية سهلة وبسيطة ولا تأخذ وقتا طويلا.. في حين تكون عملية نزع الأديان من نفوسهم شيئا قريبا من المستحيل، ولئن حدث فإنه يحتاج مع السيف والزيف إلى سنين أو قرون!

يزيد من قوة ورسوخ وعمق هذا الواقع أن الإنسان بطبيعته "كائن ديني"(5) كما تقول كارين أرمسترونج -وهي للمفارقة راهبة كاثوليكية سابقا ولا تنتمي حاليا لأي دين!- والدين ظاهرة تعم البشر جميعا وتلك "حقيقة من الحقائق التاريخية والنفسية"(6)، وكما قال الجغرافي القديم "سترابو" قبل نحو عشرين قرنا: "إنك في معاملتك لحشد من النساء، على أقل تقدير، أو معاملتك لأية مجموعة من الناس اجتمعت كما اتفق، لا تستطيع بالفلسفة أن تؤثر فيهم، أنك لا تستطيع أن تؤثر فيهم بالعقل أو أن تقنعهم إقناعا بضرورة الوقار والورع والأيمان كلا، بل لا بد لهم من الخوف الديني أيضاً". ويعلق مؤرخ الحضارة ول ديورانت على هذا بقوله: "لأن ما هو فوق الطبيعة يضيف أهمية يستحيل أن تكتسبها من تلقاء نفسها الأشياء التي نعرفها بالتجربة الحسية والتي نفهما بردها إلى أصولها"(7).

لعلنا بما سبق نكون قد أشبعنا رغبة محبي الأسماء الأجنبية والاقتباسات العالمية في التدليل على أي موضوع.. فنأتي الآن إلى الخلاصة العملية:

1. نحن أمة لم تكن شيئا قبل الإسلام، فالإسلام هو سرنا وخصيصتنا وروحنا ومبرر وجودنا، وقد كنا أذل قوم حتى أعزنا الله بالإسلام.

2. إن قيادة التغيير والخروج من الاستضعاف والذلة والهيمنة الغربية تحتاج إلى روح قتالية، والواقع أن هذه الروح القتالية لا يثيرها فينا إلا هذا الدين.

3. من أهم خلاصة تجربتنا الثورية القريبة أن انقسام الوضع إلى ثورة واستبداد قد أسفر أيضا عن انقسامه إلى إسلاميين في جانب الثورة وعلمانيين في جانب الاستبداد، مع وجود حالات شاذة بطبيعة الحال، فشواذ الإسلاميين في صف الانقلاب وشواذ العلمانيين في صف الثورة.. ولئن كان الانقلاب قد ارتكب مذابح عظمى، فإن من أهم مذابحه: مذبحة الرموز والشخصيات!

4. إن الغرب لا يريد لنا الحرية ولا أن نكون له أندادا، إنما يريد إلحاقنا به، بهذا تنطق كتب مفكريه وتقارير مراكزه البحثية، بل بهذا ينطق سياسيوه الذين لا يخجلون من الحديث عن "مصالحهم" التي هي ثرواتنا التي تحتويها أرضنا، والتي تشمل ديننا وثقافتنا بحجة مكافحة التطرف ونشر التسامح وإيجاد إسلام يتوافق مع المصالح الغربية كما قال توني بلير في تصريحه الشهير قبل شهور.

5. من لم يكن على قناعة بهذه الحقيقة السابقة فهو على الحقيقة إما خارج الصراع كله وإما محسوب على جبهة الغرب فيه، لكن الأهم من هؤلاء هو أننا لن نستطيع تحفيز وإثارة الروح القتالية الواجبة لخوض هذا الصراع التاريخي الحضاري بمجرد رص التصريحات الغربية وكتبهم وأبحاثهم أمام الناس، إنما نستطيع هذا حين نخاطبهم بآية تقول (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) وبآية تقول (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) وبآية تقول (كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون).

6. بالدين وحده تنتشر الأفكار –مهما كانت عميقة وقوية ومعقدة- بين الناس، لأنها تتحول إلى خلاصات بسيطة واضحة، ثم هي لا تتحول إلى مجرد أفكار عقلية، بل إلى روح حقيقية مثيرة للعاطفة وملهبة للمشاعر وحافزة للهمم ومغروسة في القلوب!

ومن هنا تصدق القاعدة الاستراتيجية وتحقق أعظم فائدة لها: "كلما كبرت شريحة المتفهمين للأبعاد الاستراتيجية المتوخاة في أي وسط سياسي أو ثقافي أو تقني كلما كانت النتائج أفضل".

نشر في ساسة بوست

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حسن الدقي: ملامح المشروع الإسلامي ص21.
(2) Christopher Dawson: The Dynamics Of World History, p. 128
(3) جوستاف لوبون: روح الاجتماع ص9، 10.
(4) توماس أرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص458.
(5) وهذه هي خلاصة كتابها ( The Case Of God)  والذي صدر في سبتمبر 2009، وترجم إلى العربية بعنوان «الله لماذا»، ونشرته دار سطور في القاهرة. وبعده بشهرين في (نوفمبر 2009م) نُشِر كتاب الصحفي الإنجليزي نيكولاس واد، الذي جعل له عنوانا موحيا «غريزة الإيمان» ( The Faith Instinct  وفيه يتحدث عن الإنسان مخلوق وداخله «جين» الله. وقبلهما كان دين هامر قد كتب كتابه الشهير الذي أثار زوبعة في وقته (سبتمبر 2004م) «الجين الإلهي» ( The God Gene)  لأنه قال بوجود جينات في جسم الإنسان هي المسئولة عن تعلقه بالروحانيات، وكان العنوان التوضيحي للكتاب « How Faith is Hardwired into our Genes»  أي «كيف أن الإيمان مستقر في جيناتنا».
(6) ول ديورانت: قصة الحضارة 1/ 98، 99.
(7) ول ديورانت: قصة الحضارة 1/97.