الجمعة، نوفمبر 21، 2014

كيف حمى الإسلام موارد المياه

ذكرنا في المقال الماضي أن حماية الإسلام للمياه تنقسم إلى نوعين: حمايته من التلوث، وحمايته من الإنقاص والتغوير، وتحدثنا عن النوع الأول في المقال الماضي، وهذه السطور للحديث عن الثاني، فنقول وبالله التوفيق:
لقد كان حديث النبي  (صلى الله عليه وسلم): "المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"[1] القاعدة الأولى في إسباغ الحماية على الماء وموارده، وغلِّ يد التصرف فيه بما يفسده أو يُنقصه لأنه حق عام للمسلمين، ثم جاء الفقهاء فضبطوا هذا الحق في حماية الماء فقسَّموا موارد المياه أربعة أقسام:

الأول: هو الأنهار العظيمة كالنيل ودجلة والفرات (ويدخل في هذا: البحار)، فهذه ملكية عامة للمسلمين.

الثاني: الجداول والمجاري المائية الأقل من النيل والفرات والتي لم يحفرها أحد، فهذه يكون الأحق بالانتفاع منها في الري والسقي وغيره هو الأقرب منها فالأقرب.

الثالث: ما أنشأه واحد أو قوم من الناس، فهم أصحابه والأحق بالانتفاع منه، على أن لا يمنع العطشى والدواب من الشرب إلا إذا كان الماء قليلا لا يكفي أو كانت إتاحته لكل أحد يُفسده.

الرابع: الماء الجاري في الأرض المملوكة، وهذه يكون صاحبها أحق بها، ويجوز أن يبيع منها للمسافرين وأصحاب الحاجات إلا أن يكون المحتاج يُخشى عليه الهلاك ولا يملك الثمن فلا يجوز له أن يمنع عنه الماء ولا أن يشتط في الثمن، ومن العلماء من قال: لا يجوز منع الماء عن المحتاج مطلقا[2].

وبهذا النحو انضبط حق حماية الماء، فلكل واحد من المسلمين الانتفاع من الأنهار العظيمة (القسم الأول) ما لم يضرّ بالنهر، فإذا أضر به كان لكل إنسان –مسلما أو غير مسلم- أن يمنعه، لأن حق الانتفاع مشروط بعدم الضرر[3].

كذلك اتفق الفهاء على أنه لا يجوز اتخاذ إجراءات تفضي إلى هدم بئر، عبر الحفر في محيطها بما يعود عليها بالهدم أو بنقص الماء، وهذا يسمى في الفقه "إحياء حريم البئر المحفورة في الموات"، أي إصلاح الأرض التي في محيط البئر، وذلك يختلف بحسب صلابة الأرض ورخاوتها[4].

وأقر الفقهاء أن ما يُدفع في حماية النهر العام من الإصلاح وإزالة الطين يكون من بيت مال المسلمين، فإن عجزت الميزانية عن هذا كان لولي الأمر أن يجبر الناس على إصلاح النهر دفعا للضرر وتحقيقا للمصلحة العامة[5]، ونحن نبصر في هذا اعتبار الفقهاء لعامل الزمن وللضرر المترتب إذ كانوا أقرب إلى اختيار "إجبار الناس على الإصلاح" منهم إلى تأجيل أمر إصلاحه فضلا عن تركه بالكلية بطبيعة الحال.

وأما بالنسبة إلى الأنهار التي أنشأها بعض الناس وهم ينتفعون منها، فهم الذين يتكفلون بإصلاحها وعمارتها، وإذا أبى منهم أحد يُجبر على هذا، وفَصَّل الفقهاء في هذا الأمر وهم يوازنون بين المنفعة العامة والخاصة وبين حماية موارد المياه من الضرر[6].

ومن عجيب فقههم في هذا أنهم منعوا قسمة عين الماء إذا كانت بين شريكين وأرادا أن ينهيا هذه الشراكة، قالوا: "لا تُقْسَم لا جبرًا ولا تراضيًا؛ إذ لا يمكن قسمها إلا بوضع حاجز فيها أو أكثر بين النصيبين أو الأنصباء، وفي هذا من الضرر ونقص الماء ما يجعل القسمة فسادًا"[7].

ولا يجوز تغوير الآبار، إلا في حالة واحدة هي حالة الضرورة الحربية كما فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) في غزوة بدر[8]، والظاهر أن الموازنة هنا لأنها بين حياة البشر وبين إبقاء مورد الماء، فكل ما ساهم في تقصير الحرب وإنهائها كان خيرا.

وإذا أردنا إجمال قول الشرع في مسألة حماية الماء فهو كالتالي:

1.    حمى الإسلام الماء العام من الموارد والعيون والمجاري والجداول من التلويث بأن:

-       نهى عن كل تلويث للماء، وأقله البول فما فوقه.
-       نهى عن الاغتسال في الماء الدائم الذي لا يجري.
-       نهى عما يُفضي إلى تلويث الماء بتلويث ما قد يؤثر عليه.

2.    وحمى الماء القليل الموجود في البيوت والأواني من التلويث بأن:
-       أمر بإغلاق القِرب والأسقية.
-       نهى عن الاستنجاء ومس الذكر وغيره من مظان الأقذار باليد اليمنى.
-       نهى عن التنفس في الإناء، فمن لم يرتوِ فليبعد فمه وهو يتنفس.
-       نهى عن النفخ في الإناء، فإن رأى عودا أو نحوه أراقه من الماء.
-       نهى عن الشرب من فم السقاء.
-       نهى عن غمس يدٍ يُحتمل أنها تلوثت في الماء.

3.    وحمى موارد الماء من الإنقاص والتغوير بأن:

-       جعل حماية الماء ملكا لكل إنسان.
-       أمر بإصلاح الأنهار وموارد الماء من المال العام وإلا فبالإجبار.
-       نهى عن كل تصرف فيه إنقاص من الماء كإحياء أرض حريم البئر أو قسمة العين.
-       نهى عن تغوير الآبار.

فإذا ذهبنا نستقصي عن الماء في أي منهج أو فلسفة وضعية، فلن نجد مثل هذا، هذا إن وجدنا منهجا اهتم بذكر استعمالات الماء في نصوصه وأدبياته من الأصل.. فالحمد لله على نعمة الإسلام.

نشر في ساسة بوست

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أحمد (23132) وأبو داود (3477) وابن ماجه (2472) وصححه الألباني وشعيب الأرناؤوط.
[2] انظر في الحديث وشرحه وتفصيل هذه الحالات من كتب شروح الحديث: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري (شرح البخاري) 5/32 وما بعدها، العظيم آبادي: عون المعبود (شرح أبي داود) 9/268، عبد الرحمن المباركفوي: تحفة الأحوذي (شرح الترمذي) 4/409، ابن عبد البر: التمهيد (شرح الموطأ) 19/1 وما بعدها، الصنعاني: سبل الإسلام (شرح بلوغ المرام) 3/86 وما بعدها، البغوي: شرح السنة 8/279، ، المناوي: فيض القدير (شرح الجامع الصغير) 3/412 وأيضا 6/353.
وانظر من كتب الفقه: الموسوعة الفقهية الكويتية 41/385 وما بعدها.
[3] انظر:
الأحناف: الكاساني: بدائع الصنائع 6/192، ابن عابدين: حاشية ابن عابدين 5/282، مجلة الأحكام العدلية المادة (1238).
المالكية: الدسوقي: حاشية الدسوقي 4/74.
الشافعية: النووي: روضة الطالبين 5/304-306.
الحنابلة: ابن قدامة المقدسي: المغني 5/583، البهوتي: كشاف القناع 4/199.
[4] الموسوعة الفقهية الكويتية 2/244.
[5] النووي: روضة الطالبين 5/306، وزكريا الأنصاري: أسنى المطالب 2/454، وابن عابدين: حاشية ابن عابدين 5/284.
[6] راجع التفاصيل في الموسوعة الفقهية الكويتية 41/397-402.
[7] الموسوعة الفقهية الكويتية 33/241.
[8] السابق 1/88، 89.