الأحد، نوفمبر 23، 2014

فراغ التحليل السياسي من الدين



لماذا لا نجد آية قرآنية أو حديثا نبويا في مقال يتناول الشأن السياسي؟!

وفي المقابل لماذا إن أراد كاتب أن يعبر عن مهارة في سبك المعنى وصنع اللفظ أتى ببيت شعر أو بحكمة قديمة؟! لا سيما وأنه سيعبر عن ذلك بشكل أفضل إن كان المقتبس منه واحدا من فلاسفة الغرب وزعمائه: القدامى أو المحدثين؟!

ربما كان مفهوما أن تختفي الآيات والأحاديث فيما قبل عصر الانترنت، وذلك لأكثر من سبب، منها تلك السلطات التي تسلطت على عالمنا العربي والإسلامي فكانت علمانية الهوى تستبشع الإسلام، ومنها أن السياسية التي درست في الجامعات والمدارس إنما كانت –إذا حذفنا بعض التفاصيل والحواشي- مجرد ترجمات للمؤلفات الغربية، فإن جامعاتنا قد أخذت العلوم (وفلسفة العلوم معها) من الغربيين، ونادرٌ من أساتذة العلوم السياسية من احتفظ بتوازنه الإسلامي أمام موجة المادة العلمية الغربية، وأولئك الذين احتفظوا بتوازنهم أمام علم السياسة الغربي سقط كثير منهم أمام فلسفة علم السياسة الغربي ومنطلقاته المنهجية.

ومن ثم كان طبيعيا ألا نرى في وسائل الإعلام تحليلا سياسيا يسترشد بالدين أو يستدل بالقرآن أو بالسنة، حتى صار هذا الفصل من القواعد العميقة الراسخة التي قد لا ينتبه المرء لها، فالمحرر في الصحيفة أو في موقع الانترنت إذا وصله مقال في السياسة فيه بعض الآيات والأحاديث لم ينظر إليه ولم يتصور أنه مقال في التحليل السياسي.

وهذا الكلام يصدق حتى على المواقع الإسلامية والقنوات الإسلامية، إن طول معاناة القراءة والكتابة في السياسة على المنهج الغربي قد أشرب النفوس طريقة الكلام والكتابة في شأن السياسة، حتى عادت تنفر من تحليل يحفل بالآيات والأحاديث فتصنفه على سبيل "الدروشة".

ولا يمنع هذا من حقيقة أن القليل النادر من أصحاب العلم الشرعي كان يجيد فهم الواقع والحديث فيه بلغة السياسة المنضبطة بالشرع، مما جعل المشهد يبدو وكأنه فسطاطان: فسطاط قوم ينطقون بالدين ولا يفقهون شيئا في السياسة، وفسطاط قوم يتكلمون في السياسة ولا يقتربون شيئا من الدين.

كان من الآثار العملية لهذا الواقع المر أن رأيت كثيرا من الحركات الإسلامية تتناول شأن السياسة بالمنهج الغربي، المنهج الذي يعمل في الواقع وكأنه لا مبادئ ولا ثوابت ولا خطوط حمراء، ثم تدفعه جذوره الإسلامية إلى التماس تأويلات فقه الاضطرار والاستضعاف والأخذ بالرخص دائما دون العزائم، ولذا يضطرد في خطابهم مواقف محدودة: المرحلة المكية، صلح الحديبية، الخضوع للمتغلب، حرمة الخروج على الحاكم، دفع المضار مقدم على جلب المنافع ... إلخ.

ويمكن التمثيل لهذا النموذج بمثالين: حزب النور في مصر، وحركة النهضة في تونس.. فتحت عنوان "ضغط الواقع" و"موازين القوى" جرى التنازل عن كل مبدأ: في الدين، وفي الديمقراطية معا!!

ومن هنا يكتسب نموذجان آخران أهميتهما في أنهما جمعا بين الدين والسياسة على نحو أبرز عظمة الدين وأثره الهائل في السياسة، وأظهر كذلك كيف ينبغي أن تكون السياسة منضبطة بميزان الدين ومنهجه لا بميزان القوى المادية المجردة، وهذان هما: نموذج الشيخ حازم أبو إسماعيل في مصر، ونموذج أحمد داود أوغلو في تركيا.

في الخطاب السياسي لكلا الرجلين تحضر الآيات والأحاديث والمبادئ الدينية، وتبدو الخطوط الحمر واضحة كثوابت لا يمكن التنازل عنها، ولا يخجل أحدهما أن يتحدث عن أن "حسن استقبالنا للاجئين السوريين إنما يعود على اقتصادنا بالخير، لأن البركة تحل علينا.. إننا بالنسبة لهم كالأنصار بالنسبة للمهاجرين"، كما لا يخجل الآخر أن يتحدث عن رفضه لسياحة العري والفجور وإن أضافت أموالا "حراما" إلى الميزانية معتمدا على قول الله تعالى "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض"، ويقول بلسان المؤمن مخاطبا نفوس المؤمنين: إن الله قادر أن يعوضنا عن هذا المال الحرام بما قد يكشفه لنا من كنوز الأرض: بترول، غاز، معادن.. لأن الله هو من يملك السماء والأرض.

وهكذا يبدأ الانعتاق من هذا الفصام النكد بين الدين والسياسة، كما وأن ظهور الانترنت قد أتاح الانعتاق من القيود الرسمية وأطلق المجال واسعا أمام الجهود الشعبية، وقد أفرز هذا بدوره عددا هائلا من المواهب المكنونة.
سيظل الفقيه فقيها، والسياسي سياسيا، فقد انتهى عصر الموسوعيين، ولم يعد في الوسع الإحاطة بمجالين في نفس الوقت، إلا أن المطلوب هو وجود عمق ديني وفقهي للسياسي، ووجود أفق سياسي للفقيه. وأن يكون الدين هو منطلق كل نشاط في هذه الحياة، وميزان كل تحليل وتقييم.