الأربعاء، نوفمبر 02، 2011

تضامنا مع علاء عبد الفتاح

كان مما ساءني كثيرا أن أعود إلى الانترنت بعد انقطاع أيام لأجد خبر حبس الصديق العزيز جدا علاء عبد الفتاح، الأب الروحي للمدونين، وأحد رموز ورواد هذا الجيل.. ذلك أني لم أستطع التضامن معه ولو بعبارة، وهو ما نويت ألا يفوت مني لا سيما وأن حبسه السابق في عهد المخلوع كان أيضا في أيام انقطعت فيها عن الانترنت لظروف الامتحانات في الكلية ففوجئت بنفس الأمر.

لم أقابل علاء إلا مرة واحدة لدقيقة واحدة في مقر حزب الغد ذات جمعة بعد الثورة، تمنيت أن يطول اللقاء ولكن لم يكن ذلك ممكنا، لكن العلاقة مع علاء تنطلق منذ ست سنوات وبالتحديد منذ أضاف مدونتي "المؤرخ" إلى "مجمع المدونين" بعد تغطية قمت بها في مراقبة انتخابات برلمان 2005 في دائرة منوف والسادات.. أعجبته التغطية فكتب عنها "وسع وسع للتدوين" واعتبر أنها نموذج متفوق للصحافة الشعبية (والشكر موصول لمن أوصل المدونة إليه وهو الصديق عمرو غربية).

لم تكن علاقة قوية ولا وطيدة، كانت علاقة احترام من بعيد، لقد كنت أشاهده مندهشا، جرأته وقوته وشجاعته في التدوين والحركة على الأرض، وأهم من كل هذا هو إيمانه الحقيقي بالحرية، وكلمة "الحقيقي" هذه كم تعرضت لصدمات من أناس ظنناهم ممن يؤمنون بالحرية حتى كشفت الأيام أنهم طغاة لم يتوفر لهم كرسي الحكم.

دارت بيننا عدة حوارات في أيام التدوين، مع كل حوار كنت أحترمه أكثر وأكثر وأكثر، رغم الاختلافات الهائلة في المنطلقات والأفكار، لكن الإيمان بالحرية وأهميتها كان يجمعنا، وهذا كان يكفي، بل ويكفي جدا.. وهو أيضا ما جمعنى بعلاقة احترام مع شباب مختلف تماما مثل مالك مصطفى وعمرو عزت وغيرهما، وإن كانت حواراتي مع علاء وعمرو هي الأعمق والأكثر تفصيلا.

أعلنت قبل شهرين تقريبا أني أدعو لعلاء سيف وعمرو عزت تحديدا أن يعز الله بهما الإسلام، ولست أعني بهذا ما توارد لذهن البعض من معاني سلبية، فإني أيضا اسأل الله أن يعز بي الإسلام.. إلا أني أرى في هذين تحديدا –باعتبار ما كان بيننا من حوارات طويلة أيام التدوين- قبس "الباحث عن الحق" وهو الطريق الذي لم يسلكه مخلص إلا وهداه الله للحق أو أعذره بما وصل إليه من حق.

أعلم أني أبدو مرتبكا، الكتابة بالمشاعر من الأمور التي ترهقني، فلا أنا أحيط بمشاعري فأصفها ولا أنا أستطيع ألا أكتب.. والخلاصة التي أريد الانتهاء إليها كالآتي:

- أن علاء سيف ليس مجرد ناشط سياسي، بل هو أحد رموز هذا الجيل، وهو ينتصب رمزا قائما وحده وبمجهوده المنفرد.

- فإذا علمنا مع ذلك أنه سليل عائلة تعشق الحرية وتناضل في سبيلها نضال المؤمنين الحقيقين بها فهذا يعطي له عمقا وخلفية تزيده احتراما: والده الأستاذ سيف الإسلام حمد، الحقوقي المعروف، ووالدته الدكتورة ليلى سويف الأستاذة الجامعية المعروفة، وشقيقته منى سيف المعروفة في نشاط لا للمحاكمات العسكرية.. كذلك زوجته الأستاذة منال وهي ابنة الحقوقي المعروف بهي الدين حسن!

- أعلم أن أغلب من يقرأ لي من الإسلاميين، ولربما أكون صدمت بعضهم، ولكني أحسن الظن بهم وبأنهم يعلمون أن ديننا يأمرنا أن نكتب لوجه الله لا لوجه أحد ولو لوجه جمهور الملتزمين.. وقد قلت ما أعتقد أنه الحق في موضوع علاء سيف.

- لم أكن أود أن أكتب الآتي، ولكن لعل عذري في ذلك أن "الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروف".. يجب أن أعلن أني مختلف مع علاء وعائلته في كثير من الأفكار والمنطلقات، ولكني أعود فأقول بأن الاتفاق على قداسة الحرية يكفي ويكفي جدا، وهي القاعدة الأساسية التي يمكن بناء عليها حل جميع المشاكل العالقة.. لذا فإن مشكلة هذه البلد ليست في اختلاف الأفكار بين إسلامية وعلمانية ويسارية وغيرها، بل الخلاف الجوهري العميق هو خلاف حول الحرية، بين من يريد للشعب أن يمتلك قراره وبين من يرى أن الشعب غير مؤهل وغير ناضج ولا يستحق أن يعطى الحرية الكاملة لأنه سيختار الخطأ.. وهذه هي الجريمة الحقيقية التي يرتكبها العسكر والمحسوبين على العلمانية لا حبا في المساواة والعدالة وعدم التمييز بل كرها في الإسلام والدين.

- يظل علاء سيف واحدا من الذين اقتنعت معهم بأنه يمكن الالتقاء بين الأفكار المختلفة على قاعدة الحرية.. فيما قبل عصر التدوين كانت الرموز العلمانية هي مسوخ الشياطين كرفعت السعيد ونعمان جمعة وعمرو عبد السميع والسيد ياسين وحازم عبد الرحمن وباقي الحثالات التي ملأت الصحف الحكومية! في عصر التدوين اكتشفت شبابا لم يتلوث بعلاقات مع الخارج أو بمصادر تمويل أو بأفكار معلبة.. بل كان الجميع على اختلاف الاتجاهات يجاهد في تدمير سقف الحرية المفروض، ولا يمنع اختلاف الأفكار أن يقفوا جميعا صفا واحدا للدفاع عن أحدهم.

علاء.. أتمنى أن تظل كبيرا، وأرجو الله لك كل الخير، وأعتذر لك أني تأخرت في التضامن معك قولا وفعلا (لقد كنت أتزوج، فلم أعلم)، ولست أشك في أن الحبس سيزيدك قوة.. ولئن كنت آسى على أحد، فإني آسى على قوم منعهم اختلاف الأفكار من نصرة المظلوم، ولست أدري أين هم من حديث يحفظونه "إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم"، وكيف نسوا ذلك الحديث الآخر "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم".. وهذا الحديث الأخير هو ذات معنى المقولة الشهيرة "أكلت يوم أكل الثور الأبيض".. ولكم كان الإمام أبو حامد الغزالي موفقا حين قال: "معناه تسقط مهابتهم من أعين الأشرار فلا يخافونهم" [إحياء علوم الدين 1/583]

سلام على الثوار الأحرار.. ولعنة الله على الظالمين..

اللهم لا تحرمنا الشهادة في سبيلك.

نشر في شبكة رصد الإخبارية