الخميس، نوفمبر 24، 2011

خلاصات البيان في معارك الميدان


لا أحب العناوين المسجوعة في عصرنا هذا فهي –في العموم- تعبر عن نوع استعراض بلاغي لا يليق بالظروف التي نحن فيها، ولكن العنوان قفز إلى ذهني وكان معبرا عما أريد قوله فكتبته كما هو دون التفكير في غيره.

وطالما بدأ المقال توضيحيا فلا بأس من مزيد توضيحات شخصية لكي لا يلتبس الموقف على أحد.


كاتب هذه السطور هو أحد المصابين في معارك محمد محمود، إصابات طفيفة والحمد لله، خمس طلقات خرطوش في الرأس والظهر والساقين، وضربتي حجارة في الرأس، وما سوى هؤلاء من جروح والتهابات واختناقات قد شُفي والحمد لله، وكاتب هذه السطور يصنف نفسه من الإسلاميين المستقلين الذين لا يتبعون حزبا ولا جماعة وينعي على التيار الإسلامي الموجود حاليا افتقاده للثورية وروح المبادرة، وهو ممن يرى أن الشيخ حازم أبو إسماعيل يكاد يكون رجل المرحلة الوحيد.

كان من فوائد الإصابات أنها أقعدتني في البيت أياما طالعت فيها وسائل الإعلام، ولهذا تبدت لي الصورة التي يحاولون رسمها، ولن أستغرق في التفاصيل فهي كثيرة وفادحة، بل نكتفي بالخلاصات.

1.    المجلس العسكري عدو الثورة
ويحسن أنك إذا لم تكن مقتنعا بهذا ألا تكمل باقي المقال، فالمجلس العسكري الذي بدأ أيامه في الحكم وهو محط أمل المصريين انتهى هذه الأيام وقد خسر أنصاره جميعا، اللهم إلا المنافقون والطيبون.. وقد قام المجلس العسكري بكل ما من شأنه تفجير الثورة وإنهاء الزخم الثوري طوال هذه الأشهر، ثم ختمها بوثيقة السلمي التي أعلن فيها بكل صراحة أنه يريد أن يكون كالجيش التركي سابقا والجزائري والباكستاني حاليا، وهو الأمر الذي ما كان ينبغي السكوت أمامه.

ومجلس كهذا لا يمكن أن يؤتمن على إدارة انتخابات نزيهة، وما فعله في مط المراحل الانتخابية وفي قانون الانتخابات المعيب (أصلا الانتخاب بالقائمة النسبية مع خفض الحد الأدنى هو أظلم نظام انتخابي يعطي القوى الصغيرة مقاعد القوى الكبيرة بالقانون ولا يعبر حقيقة عن التمثيل الشعبي) وفي الإصرار على كتابة الدستور تحت الحكم العسكري وغيره كثير، كل هذه أمور تكشف النية المبيتة في اغتيال الثورة وإعادة إنتاج الحكم القديم مع تحسينات شكلية!

              2. التصعيد المتعمد 
وعلى غير عادة المجلس مع المليونيات في أول أمره حيث كان يستجيب لها، أقام المجلس عنادا مع القوى الوطنية (وفي الصلب منها القوى الإسلامية) التي دعت إلى جمعة 18 نوفمبر، وكان واضحا أن المجلس العسكري مصر على الاستفزاز والتصعيد، ففي مساء هذه الجمعة أُعْلن أن وثيقة السلمي قائمة وأن "خريطة الطريق" كما هي.. أي أنه رد على الملايين بقوله "اخبطوا دماغكم في الحيط"..

كنت –وما زلت- من مؤيدي الاعتصام ليلة 18 نوفمبر، ولست ممن يتخذ منهج سحب الذرائع مع الخصوم، لسبب بسيط، هو أن الخصم –لا سيما إن كان حاكما مسلحا- قادر في كل اللحظات على إبداع فخاخ جديدة، لكنني نزلت على ما استقر عليه الرأي عند الشيخ حازم وانصرفت (من الطرائف أني انصرفت فوجدت بيتي مقتحما وقد سرقوا اللاب توب وفلاش ميموري فقط.. وما زالت الدلائل تزيد عندي على أنها أصابع أمن الدولة، عفوا: الأمن الوطني).

لكن المجلس الذي سُحبت منه الذرائع وتم فض الاعتصام أمر بهجوم على اعتصام بسيط لجرحى الثورة وأهلهم، هجوم وحشي أخلاهم به من ميدان التحرير، ليختبر به آخر درجات التصعيد الثوري، وتقديري أنه أراد أن يعرف درجة تيقظ هذا الشعب وحرارته الثورية فإن كان باردا انفتح الطريق لتزوير الانتخابات واسعا، وإن كان يقظا كان ذلك أول الطريق لصناعة عدم استقرار تبرر تأجيل الانتخابات أو تفجيرها أمنيا (هل تذكرون الإشارة البليغة التي قالها المجلس بأن سقوط 200 قتيل قد تعني إلغاء الانتخابات.. هذا معناه لمن يفهم في السياسة أن قنبلة واحدة في لجنة واحدة تنتظر إشارة التفجير من القيادة لينتهي الأمر).

لكن الشعب أثبت أنه حي يقظ، وأن حرارته الثورية لم تبرد ولم تخفت، وأنه –على عكس ما توقع كثيرون- لا يرضى بالفتات وأنه لم يكره الثورة ولم يلعن الثوار ولم يعد كل همه في لقمة العيش فحسب.. بل يريد أيضا كرامة غير منقوصة.

         3. معارك محمد محمود
كتب الكثيرون عن معارك الكر والفر في شارع محمد محمود، وهو الشارع الذي سيتذكره التاريخ حين تنجح الثورة باعتباره واحدا من نقاط المقاومة البديعة التي تجلت فيها بطولات المصريي البسطاء الذين لا يظهرون على الشاشات ولا يكتبون في الصحف، الشجعان ذوي البسالة والإقدام الذين كانوا يتسابقون على القنابل لإعادة إلقائها على الأمن المركزي الغشوم الغادر.. كتب الكثيرون تفاصيل كثيرة، لا يهمني منها إلا التأكيد على نقاط محددة هي:

1.    مقاتلوا محمد محمود ثوار حقيقيون مصريون وطنيون مخلصون دفعوا أرواحهم، وأي كلام عن كونهم بلطجية أو مستأجرون هو كلام لا قيمة لصاحبه الذي يتردد بين الجهل وبين السفالة.
2.    صحيح لم يكن يمكن كثيرا السيطرة على اندفاعهم، وفشلت كثير من المحاولات التي بذلناها لتهدئة القتال في محمد محمود، ولكن الذي غدر هو الأمن المركزي، وكان هذا سببا إضافيا لفشل محاولات التهدئة اللاحقة.. لا ثقة فيهم، كلما حاولنا تهدئة الناس وهدأوا غُدر بهم فما عدنا نملك إلا الصمت.
3.    كيف يمكن السيطرة على من قتل صاحبه أو أخوه أو عزيز عليه أمامه؟ لماذا يريد منظروا الفضائيات والصحف أن يكون الناس بلا مشاعر؟ إن ثمة غليانا رهيبا تفيض به الصدور من جراء ما فقدت من الأحباب والأصدقاء.. من يستطيع أن يلوم هؤلاء على حرقتهم وثأرهم؟
4.    كثر الكلام عن مندسين، ونعم، بينهم مندسون، لكنهم مندسون لا يفعلون أكثر من رمي الحجارة كلما هدأ الموقف، وهي الحجارة التي لا تصل كثيرا إلى الأمن المركزي، فلماذا نرى الرد بالقنابل والمطاط والرصاص الحي (كل ما نفاه المجلس العسكري عن رصاص حي ومطاطي ورش وغاز غير مرئي، كل هذا كذب صريح فاحش وقح يزيد في عدم ثقتنا في هذا المجلس العسكري.. إن إجسادنا تشهد على ما تم إطلاقه بالفعل)

          4. الإسلاميون هم المشكلة دائما
حاولت وسائل الإعلام الرسمية والعلمانية تلبيس المشاكل للإسلاميين، وذلك حين كانوا يصفون الموجودين بالبلطجية ومثيري الشغب، وألحوا على أن هذا من توابع جمعة 18 نوفمبر (حتى الوقاحة لها حدود!) وصالت النخبة وجالت وعلى رأسها البلطجي المجرم ممدوح حمزة (واحد من أهم عناصر تفجير المشهد المصري) ومعه البلطجية المجرمة تهاني الجبالي، وآخرون معهم وإن كانوا أقل منهم صوتا ولهجة.. كلهم يريدون تحميل ما حدث للإسلاميين، ويشيرون بتأجيل الانتخابات أو إلغائها (بالأمس أعلن اللواء العصار أن المجلس اتخذ لنفسه هيئة استشارية وذكر من أسمائها: مممدوح حمزة وعمرو موسى والبرادعي.. يا فرحتي!!).. فلما أعلن الإسلاميون أنهم لا ينزلون ولا يريدون من أحد النزول وثبت هذا بالواقع والحقيقة، وثبت أن الشعب نفسه شعب حي ويقظ وثائر انقلبت ذات النخبة لتسحب صفات البلطجية والفوضى والقلاقل وتصبغ على التحرير صفات الثورة والحرية والمقاومة ثم تسأل –ببراءة الوحوش السافلة- لماذا لا ينزل الإسلاميون؟ أين الإخوان؟ أين السلفيون؟... هكذا، كما قال الله تعالى (لا يألونكم خبالا، ودوا ما عنتم، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر)..

وما زالت الدائرة تسير نحو تأجيل الانتخابات، يحاول المجلس التبرؤ من هذا بالتأكيد على أن الانتخابات في موعدها، ولكن وزير الداخلية (في الحكومة المستقيلة) يقترح تأجيلها، ويصرح أعضاء المجلس للتليفزيون المصري بأن الانتخابات في موعدها ولكن (انظر وتأمل) لأنهم يثقون أن هذه الأزمة ستنتهي (والمعنى المباشر أن الأزمة طالما استمرت فلا انتخابات)!

أختم بنقطتين مهمتين؛ عن مشاهد في الميدان وتعليق على موقف الإخوان والسلفيين من النزول.

في الميدان ترى المجتمع المصري الذي لا يخرج في الفضائيات، وإذا كنت من متابعي الصحف والفضائيات فستكتشف أن الشعب المصري على الأرض شيء آخر غير الذي تراه في الفضائيات.. لقد رأيت بعيني التحاما كاملا بين كافة مكونات الشعب، بل إني حين أصبت (وأنا الملتحي المحسوب إعلاميا على السلفيين) كان الذي أمسك بي أثناء الخياطة شاب مسيحي، وحين بدا علىّ الإرهاق ذات لحظة وجدت الفتاة المتبرجة تقدم لي الطعام، وبينهما عشرات يغسلون وجهك من آثار الغاز ويعطونك الخل والمياه وغيرها.. هذا المشهد رأيته عشرات المرات بلا مبالغة، ما يجعلني اسأل: أين الاحتقان الطائفي الذي أراد أن يشبهنا بالحرب الأهلية في لبنان؟!!

في ميدان التحرير ترى شعب مصر على حقيقته.. وكفى!

تعليق على موقف الإخوان والسلفيين:

لا أحب منهج الإخوان والسلفيين في سحب الذرائع، ولا أوافق على كونهم دائما وضعوا أنفسهم في موضع رد الفعل لا أخذ زمام المبادرة، وكنت أتمنى أن أراهم ينزلون من اليوم الأول طالما علموا أن المجلس العسكري عدو للثورة وأنه –بما ثبت عبر الشهور- لا يريد سلطة حقيقية مدنية منتخبة في مصر..

على أني أتفهم موقفهم في سياق تفكيرهم ومنهجهم، ويساهم في هذا أني أرى شبابهم موجودا في الميدان ومساهما بقوة في حمايته (في لحظة من اللحظات كان كل من رأيتهم في الصف الأول المواجه للأمن المركزي كله أصحاب لحى.. والله يشهد على كلامي)، إنما ما لا أقبله هو التحريض على المتظاهرين، وقد قام بهذا تحديدا أحمد أبو بركة في أكثر من مرة، وكان خطابه لا يختلف عن خطاب ممدوح حمزة على الإطلاق، ومن موقع النصيحة المحضة أتمنى أن يراجع الإخوان أداء أبو بركة الإعلامي بشكل مجمل في هذه القضية وفي غيرها..

خلاصة
نحن الإسلاميون لدينا خبرة طويلة وسنين طويلة من حكم العسكر المستبد، دفعنا الأرواح والدماء والشهداء، وذقنا الخوف والجوع، هذه الخبرة الطويلة خلاصتها أننا لا نملك ترف الاختيار، معركة وجود دولة تسودها الحرية ويحكمها نظام ديمقراطي هي بالنسبة لنا معركة حياة أو موت، فإن لم نمت وسط الناس في الميدا، فسنموت معهم أيضا في السجون والمعتقلات.