الأحد، نوفمبر 27، 2011

درس من التاريخ لثوار الربيع العربي (2-2)

لابد للثورة من عقل وقدرة، فالعقل يستعمل القدرة في إنجاح الثورة، والقدرة تحمي العقل وتُبلِّغه أهدافه، بغير اجتماع القدرة والعقل تفشل الثورة، فإما أن تُخْمد وإما أن تُسْرق. ونحن أبناء العرب والمسلمين أكثر من ينبغي أن يفقه هذا، إذ نحن الذين اكتوينا بنيران التخلف الحضاري والعلمي والثقافي، ونحن الذين عشنا حياة الفقر والقهر، وسالت منا الدماء والأموال، وكل هذا لأننا لم نحافظ على ثوراتنا منذ مائتي عام.. وانظر إلى عالم العرب كله، وارجع إلى تاريخه لترى أنه نتاج أمرين: ثورة أُخمدت أو ثورة سُرِقت، فنحن بين استبداد أو احتلال، وما لم ندرك ونتعلم كيف نحافظ على ثوراتنا فنحن قوم نستحق أن يستمر ليلنا الأسود الطويل.

ولكي لا يكون كلامنا نظريا فلسفيا، اقتطعنا من مشاهد التاريخ مشهد ثورة لنرى فيها الصورة الواضحة، واخترنا مشهد الثورة العباسية لأنها واحدة من أشهر الثورات في تاريخنا الإسلامي، تصلح أن نذكرها للعرب من المحيط إلى الخليج، وسيرتها قد مُحِّصت في كتب التاريخ والتراث، وباستطاعة الجميع أن يطالع فصولها.. وقد تناولنا مشهد اشتعالها في خراسان، واستعرضنا أطرافا أربعة كانت تتجاذبها: الطرف الذكي القوي (أبو مسلم الخراساني قائد العباسيين)، والذكي غير القوي (نصر بن سيار الوالي الأموي)، والقوي غير الذكي (علي بن جديع الكرماني زعيم القبائل اليمانية)، وغير القوي غير الذكي (شيبان الحروري الخارجي).

ونحسب أنه لا يمكن فهم هذه السطور القادمة دون الرجوع إلى المقال السابق.

***

في سرخس كان قد استقر أمر شيبان الحروري –حليف نصر بن سيار القديم على أبي مسلم- بعد خروجه من مشهد الصراع في خراسان بعد ضعف موقفه وبإغراءات ابن الكرماني بالولاية على هذه المناطق وجمع الضرائب منها.

ولما انقضت مدة العهد والهدنة بين أبي مسلم وشيبان أرسل أبو مسلم إليه يدعوه إلى البيعة، وكان هذا بالنسبة للعباسيين في حكم الضرورة، فسرخس مدينة إلى الجنوب من مرو (العاصمة)، وكان طبيعيا لقوم يريدون الدولة، فضلا عن الخلافة، ألا تظل في جوارهم القريب مدينة ليست في سلطانهم فضلا عن أن يكون متوليها ليس على الولاء لهم.

وكان هذا بالنسبة لشيبان في حكم المستحيل، إذ أن الخوارج يرون أنهم الأحق بالخلافة لاعتقادهم بأنهم وحدهم على الحق، هذا فضلا عن أن يبايعوا لخليفة من بني هاشم وهم يعتقدون أن الخلافة لا تنحصر في بيت ولا في أهل بلد، فكيف إذا دُعيَ إلى بيعة خليفة مجهول لم يُعرف حتى الآن؟!

فردَّ شيبان: بل أنا أدعوك إلى بيعتي. فأرسل إليه أبو مسلم: إن لم تدخل في أمرنا فارتحل عن منزلك الذي أنت فيه. فأرسل شيبان إلى علي بن الكرماني يستنصره فأبى، فحشد شيبان أتباعه في سرخس وانحاز إليه كثير من قومه من قبيلة بكر بن وائل بدافع العصبية، فبعث إليه أبو مسلم وفدا من تسعة من الأزد –والأزد من العرب اليمانية، ولعله أراد بذلك إنهاء كل أمله في التحالف مع ابن الكرماني وأيضا ضمانة لئلا يعتدي عليهم باعتبارهم من قوم حليفه القديم- يدعونه إلى الدعوة والمسالمة والكف عن الحشد وإشعال الحرب، إلا أن شيبان أخذهم فسجنهم.

فعند ذلك أمر أبو مسلم قائد جيوش العباسيين أن يفصل كتيبة من جيشه لتتوجه إلى سرخس ويبدو –من مقارنة الروايات- أن هذه الكتيبة مارست قدرا من الخداع لشيبان فأعلمته أنها فقط تعبر سرخس في طريقها إلى هراة ولا تقصد قتال شيبان . وأمام هذا الجواب الخادع لا ندري على وجه التحديد هل انخدع به شيبان فوافق على مرورهم، أم أنه توجس خيفة وتشكك غير أنه اضطر للموافقة لأنه لا يملك أن يبدأ أبا مسلم بالعداوة.

على كل حال، انطلقت الكتيبة بقيادة بسام بن إبراهيم وكأنها في طريقها إلى هراة، إلا أنه حين اقترب من سرخس، هاجمها، فخرج إليه شيبان في نحو من ثلاثة آلاف رجل، فاقتتلوا قتالا شديدا، قُتل فيه عامة أصحاب شيبان وانسحب الباقون إلى المدينة، ولجأوا إلى المسجد، وقُتِل شيبان ومن بقي من أصحابه، وبعث بسام برأس شيبان إلى أبي مسلم.

كان فتح العباسيين لسرخس خبرا كبيرا، لأن أهل سرخس لم تتقسمهم العصبية القبلية ولم يكونوا أحزابا، بل كانوا متوحدين ضد جيش العباسيين، ولذا ازداد هم نصر بن سيار ما إن بلغه الخبر، وقال: "اليوم استحكم الشر على بني مروان"

***

وأما نصر بن سيار فقد خاض في أيامه الأخيرة هذه رحلة انسحابات من مدينة إلى مدينة، وذاق فيها مرارات الهزائم العباسية، ثم مرارات الخذلان من قادة الجيوش الأموية التي أقبلت تحاول السيطرة على الوضع في خراسان بعدما تبين أنه أخطر من المتوقع.

لقد بذل نصر بن سيار في حفظ أمر خراسان أفضل ما يمكن أن يبذله قائد في مكانه؛ لقد كانت رسائله تتوارد إلى العراق والشام فلا يجيبها أحد، ولم يخرج من خراسان إلا بعد أن كانت خراسان بالفعل في يد العباسيين وما كان يمكنه المقاومة، بل كانت انسحاباته كلها فيما بعد انسحاب من يخطط للعودة إذ لم يفر إلى أقصى الغرب بل تحول من مدينة إلى أخرى: من مرو إلى باب سرخس، ومنها إلى نيسابور، ثم إلى قومس ثم إلى الري، ولم يكن يترك أحدها إلا حين تصير على وشك السقوط، وأرسل بابنه تميم على رأس فرقة في إحدى المعارك فقُتِل، وكان على استعداد لمواصلة القتال لصالح الأمويين وطلب أن يكون الأمير على القوة الأموية القادمة التي يقودها نباتة بن حنظلة، إلا أن طلبه لم يُرفض فحسب بل لقد قَطَع عنه نباتة راتبه بالكلية، ثم إنه لم ينسحب أيضا انسحاب الفار بل ظل في مدينة "قومس" وبعث بقوة أوقعت بفرقة من جيش العباسيين أسرى.

لقد ظلت الهزائم تجبره على الانسحاب المتتالي، لقد كان يري تساقط الدولة وفوات الوقت، ولهذا قال لمن أرادوه على البقاء: "تركتموني حتى صرت جسرا، قلتم: أقم؟!! شأنكم بالقوم، أما أنا فقد أعذرت".

كان نصر بن سيار قد بلغ الخامسة والثمانين من العمر، وخرج من الري إلى همدان، وهو شديد المرض، فلما صار ببلدة "ساوة" جاءه الأجل.

ما أغنى عن نصر بن سيار موهبته السياسية الفائقة، ولا ثباته الطويل، ولا فروسيته وشجاعته، ولا مواهبه البلاغية فلقد كان شاعرا موهوبا، ما أغنى عنه كل هذا حين افتقد القوة التي يستعملها وتحميه، وعلى رغم أنه نجا بأعجوبة من يد أبي مسلم الخراساني، إلا أنه كم نجا ليرى مزيدا من الذل والمصائب بل ليشهد مقتل ابنه تميم في حياته لتجتمع عليه مرارات الهزائم ومرارات الخذلان.. ليقضي أيامه الأخيرة هاربا كلما دخل أرضا لفظته إلى غيرها.

***

وأما علي بن جديع الكرماني، فقد استمر أميرا على خراسان وكان أبو مسلم الخراساني يناديه بـ "الأمير"، ويصلى وراءه الصلوات، وتم بهذا كسب ابن الكرماني تماما إلى جانب الدعوة العباسية، ولا شك أن علي بن الكرماني كان يعيش في هذه اللحظات نصرا معنويا عاليا، وهو يظن أن الأيام قد أتت له أخيرا بما عجز عنه والده من الزعامة على خراسان، بل بما هو أكثر من ذلك: بدخول التاريخ، إذ هو الأمير على أهل دعوة هاشمية يلوح في الأفق أنها على وشك الانتصار بعد هذا الحال المتضعضع الذي تعيشه الدولة الأموية.

وظل علي بن الكرماني يشهد انتصارات الدعوة العباسية وتقدمها، وفجأة.. وبلا أي مقدمات توحي بها كتب التاريخ قَتَل أبو مسلم الخراساني علي بن الكرماني وأخاه عثمان في يوم واحد، وقتل معهما جماعة من أقوى أنصار علي.

كان أبو مسلم يُقَدِّم علي بن الكرماني تأليفا لقومه اليمانية لا سيما ممن لم يدخلوا الدعوة بعد، وكان يستظهر به كذلك على الربعية والمضرية، حتى إذا انتهت هذه المهمة قتله .

لا تورد المصادر سببا مباشرا لقتل أبي مسلم لابني الكرماني، إلا سبب الانفراد بالسلطة والتخلص من المنافسين الأقوياء، لكن بعضا من الغموض يحيط بهذا الحادث، فلئن كان لأبي مسلم حجة في قتله لاهز بن قريظ باعتباره ارتكب خيانة الدعوة، فما هي الحجة التي اتخذها أبو مسلم لقتل ابني الكرماني؟ وكيف استقبل قومه اليمانية مثل هذا الخبر إذ لا نجد رد فعل ظاهر على مقتل الزعيمين من أتباعهما!!

إلا أن نهاية حياة علي بن الكرماني بهذا الشكل تثير الكثير من التأملات، فهذا الرجل الذي نشأ في ظلال أبيه القوي جديع الكرماني وورث زعامته لليمانية بعد مقتل أبيه، وحادثة مقتل أبيه هذه هي التي أثرت على خريطة خراسان كلها، إذ منعته من التفكير في التحالف مع نصر بن سيار مهما قدم له من التنازلات مفضِّلاً التحالف مع أبي مسلم الذي أظهر طول الوقت أنه داعية بالحق يريد إقامة العدل وإزالة الجور، كان علي بن الكرماني أحد أهم الشخصيات التي سهلت للعباسيين انتصاراتهم في خراسان، من خلال زعامته لليمانية وعلاقته بشيبان بن سلمة الحروري وعداوته لنصر بن سيار. ربما يصح القول بأنه لم يكن يملك طريقا آخر غير الذي سلكه فما كان بالذي يستطيع أن يأمن لنصر بن سيار وكان في الوقت ذاته مضطرا لحلف أبي مسلم لكي ينتصر على نصر بن سيار ويحقق حلم أبيه القديم في ولاية خراسان. لكن يصح أيضا أن نقول: إنه لم يكن في نفس قوة أبيه، وأنه أعطى كل شيء لأبي مسلم دون أي ضمانات إلا الوعود والكلام، وهو الأمر الذي لم يفعله أبدا سياسي ماهر كنصر بن سيار الذي تعطلت تحالفات أبي مسلم معه على صخرة الضمانات هذه.

إن الدرس الكبير في حياة علي بن الكرماني أنه لابد من استمرار اليقظة مع امتلاك القوة، وعدم الارتماء في حلف أحد بلا ضمانات، أو كما يقال: لا تضع كل البيض في سلة واحدة، هذا الدرس الذي غفل عنه ابن الكرماني جعله أميرا على خراسان بالاسم فحسب لكنه فعليا كان في موضع التابع لأبي مسلم، ثم نقله في لحظة واحدة من القصر.. إلى القبر!!

***

قال المتنبي:

الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أولٌ وهي المحل الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان

نشر في المركز العربي للدراسات والأبحاث