الخميس، نوفمبر 17، 2011

فقه التولي يوم الزحف

كم مرة سمعت الشيخ يقول:

"لماذا خلقنا الله؟ لقد خلقنا الله لعبادته، يقول تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، والعبادة ليست كما يتبادر إلى ذهنك أنها الصلاة والصيام فحسب، بل العبادة اسم جامع لكل أنواع الخير والصلاح وتعمير الأرض، ولهذا يقول الله تعالى على لسان نبيه صالح لقومه (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها).. فالعبادة المطلوبة، التي هي دورنا في الحياة، هي الاستخلاف في الأرض، وإقامة دين الله وشرعه، وتعمير هذا العالم بالإسلام"..

لا أشك أنك سمعت هذا كثيرا، لا سيما إن كنت من الملتزمين الحريصين على طلب العلم وتتبع أقوال الشيوخ.. ولكن..

كم مرة أمرك هذا الشيخ نفسه بدور مؤثر في هذه المهمة الكبرى، مهمة "الاستخلاف في الأرض وإقامة دين الله وشرعه، وتعمير هذا العالم بالإسلام"؟؟

***

إن ما نراه الآن من حال الحركات الإسلامية في مصر لدليل جديد بين على أن الله لا يظلم أحدا، وأن ما نزل بالبلاد والعباد من بلاء إنما كان مستحقا لأن القائمين برسالة الله في الأرض قد قعدوا.. منهم من قعد لأنه لم يعرف من دين الله غير حفظ المتون ولم يفقه كيف يستفيد من هذه النصوص في التعامل مع زمانه ومشكلات عصره وهؤلاء لا يستحقون وصف العلماء بشهادة الإمام مالك الذي قال: "إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب"، ومنهم من قعد لأنه آثر السلامة..

ولأن الله خلق في الإنسان كائنا عجيبا اسمه "الضمير" يلهب صاحبه تعذيبا حين يحيد عن الحق، فإن الإنسان يستمر في التحايل على هذا الضمير ليقنع نفسه بأن ما يفعله من قعود ونكوص ليس إلا واجب الوقت وضرورة المرحلة، وكلما وقع على رأي أو تأويل يثبت موقفه في القعود كلما تمسك به، وأفضل منه أن يصنع لنفسه طريقا طويلا طويلا يقدر على أوله ولا يرى آخره، فيسير فيه موهما نفسه بأنه يبذر البذرة ليأخذها الجيل القادم أو الذي بعده أو الذي بعدهما.. المهم أن ما يفعله الآن أمر قليل الكلفة.

وهنا يبدأ التشوه الفكري، هنا يبدأ فقه ما نريد لا فقه ما ينبغي، الإخلاص –فعلا فعلا- أمر في غاية الصعوبة، هو الأمر الذي تمنى بعض السلف أن يموت إذا خلصت له سجدة واحدة.. ذلك أنه أمر يجردك من كل مصلحة ومن كل هوى ومن كل راحة، يجبرك على استفراغ الوسع حقا في دراسة الواقع، وعلى استفراغ الوسع حقا في دراسة الشرع، ثم على استفراغ الوسع مرة أخرى في تحديد واجب الوقت ثم استفراغا أخيرا في العمل لهذا الواجب مع التضحية بكل شيء..

***

لقد أمضت الحركات الإسلامية ستين سنة تحت الحكم العسكري، المهيمن على دولة مركزية باطشة، وذاقوا تحت هذا الحكم ويلات التعذيب والتنكيل والتقتيل حتي أبدعت بلادنا "أدب السجون"، لكن لا ينبغي أن نقول هذا ونسكت، بل يجب أن نذكر أن الحركات الإسلامية نفسها لم تدرك اللحظات الفارقة، وتركت الوقت يمضي فلما حاولت بعد ذلك استعادة زمام المبادرة كان الوقت قد فات!

وحين فات الوقت، وبدلا من أن توثق الحركات الإسلامية تجاربها وتنقدها نقدا بصيرا، فضَّلوا الحديث عن المدائح والفضائل وكتبوا تاريخا مناقبيا ورفعوا رموزهم مقاما عاليا حتى ذهب التقييم الموضوعي أدراج الرياح، وأصبح العقل الجمعي العام في تلك الحركات يرى في طريقه وجماعته الطريق الصحيح والجماعة الصائبة، وأنها كانت وما زالت في المسار الصحيح الذي ينتظر أن يكتمل ذات يوم!!

حديث التاريخ طويل، وقد كتبنا كثيرا منه سابقا، ولكن المأساة التي وصلنا إليها هي ما نعانيه الآن.. لقد وصلنا الآن إلى ذروة الكارثة، فلقد ابتدع لنا الشيوخ فقها جديدا، ذلك هو فقه "التولي يوم الزحف"..

وهو ذلك الفقه القائم على الهروب من المواجهة، الابتعاد عن الصدام، فقه يرفع شعار "حقن الدماء" و"دفع الضرر" و"تجنيب البلاد البلايا" و... و... إلخ

وبدلا من أن تكون مهمة الشيوخ والعلماء "الجهاد" لإقامة دين الله وشرعه، أصبحت مهمتهم "القعود" لدفع الضرر وحقنا للدماء، ويا ليته كان الضرر بالمقياس الشرعي، بل هو الضرر بالمقياس المادي الدنيوي، فلا أكبر في الشرع من ضرر استعباد البلاد والعباد وقهرهم بحكم يضرب بشرع الله عرض الحائط ويلعق أحذية اليهود والصليبيين، وهذا الضرر هو الذي شرع الله لأجله الجهاد، وحرض فيه على بذل الدماء لا حقنها، بل جعل الجهاد في سبيله ذروة سنام الإسلام!

جلس أحد الشيوخ مع أحد القيادات العسكرية، فقال له اللواء: يا شيخ فلان، برأيك: إذا تعارضت مصلحة التيار الإسلامي مع مصلحة مصر، في تصورك ما هي المصلحة التي سنقدمها؟ فقال الشيخ مُسَلِّمًا: مصلحة مصر طبعا!

هذا الشيخ الذي هو واحد من الرموز الإسلامية المعروفة، والذي يمكنه أن يسحرك بمحاضرته وتفصيله وشرحه للإسلام، لم يدرك للحظة أن مصلحة التيار الإسلامي هي هي مصلحة مصر، ومصلحة مصر هي هي مصلحة التيار الإسلامي، لقد ظن أن ثمة تعارضا يمكن أن يقوم بين "الدين" و"الوطن"، بربك: كيف وقع في هذا؟!!

ثم انظر الكارثة الأخرى: إن اللواء يقول له ببساطة: قد أضطر لذبحك إذا كان في هذا مصلحة مصر، والشيخ الغافل لم يدرك المعنى الواضح الصريح المباشر الذي لا يفوت على أحد.

وخذ لديك كارثة ثالثة: إن العسكر في مصر يتكلمون مع الشيوخ بهذه اللغة، لغة الأمر الواقع لا لغة الاستشارة ولا الخداع.. وقد فات كل هذا على الشيخ صاحب الرسائل والمسائل والفضائل!!

إن الفقه الذي ينظر للشهادة على أنها خسائر وللجهاد على أنه فتنة وللاعتراض على أنه خروج ليس فقها إسلاميا، ولن يكون أبدا.. فقه الإسلام هو الذي ينطلق من رؤية الإسلام بأن الإنسان مكلف بعمارة الأرض بمنهج الإسلام، ومنهج الإسلام هذا يعرض على الناس اختيارا لا إكراها، ولذا فتوفير الحرية واجب مقدس، ولم يحدث أبدا أبدا أبدا أن توفر مناخ الحرية، وعُرِض الإسلام على الناس إلا وقبله الناس فأسلموا ودخلوا في دين الله أفواجا.. بل نحن أصحاب الدين الوحيد الذي كان الداخلون فيه يتحولون في أيام إلى مجاهدين في سبيله فاتحين لبلاد أخرى!

إن فقه التولي يوم الزحف، هو ذلك الفقه الذي آثر السكوت حتى صارت المسلمة في بلد الأزهر الشريف تُرجع إلى الكفر قهرا وقسرا.. وكفى به عارا كبيرا!

هذا الفقه هو الذي يريد الآن أن نسكت ونصمت ونقعد في بيوتنا والعسكر يسرقون ثورتنا بعد ستين سنة، وبعد الدماء والأعراض والأهوال، وأعمار دفعناها في التخلف الحضاري.. هذا فقه لا يدرك أن اللحظة الفاصلة إن مضت فإنها لا تعود..

موعدنا 18 نوفمبر، ميدان التحرير..

نشر في شبكة رصد الإخبارية