الأحد، فبراير 12، 2006

لغز : ما محل هيكل من الإعراب ؟



كعادة الألغاز التى كنا نقرأها صغارا مثل المغامرون الخمسة والثلاثة ، وأوائل أعداد ملف المستقبل .. تأتى المعلومات واحدة تلو الأخرى دون أن تعبر عن أى شئ أو أن تفيد بأى جديد ، أو بتعبير أدق لا نستطيع اكتشاف موقع هذه المعلومات من الحل حتى تأتى معلومة واحدة قد تكون فى غاية البساطة وربما التفاهة لكنها تلقى بقعة الضوء الفسيحة التى تضيئ ساحة التفكير كلها وتفسر ما كان قبلها من معلومات .

شئ من هذا حدث معى حين كنت اقرأ حوار جريدة الأسبوع بتاريخ 30/1/2006 مع محمد حسنين هيكل ، وتحدث فيه عن مأزق حماس والديمقراطيات العربية وغيرها .. شد انتباهى أن هيكل قال : " منذ اسابيع كان يجلس خالد مشعل على هذه الكنبة وتحدثنا وتشاورونا و.... " .
هذا يعنى أن خالد مشعل - رئيس حركة حماس - كان فى مصر منذ أسابيع ، وهذه زيارة لم يعلن عنها قط بما يدل على سريتها وأهميتها .. ثم حين يكون فى وقت خالد مشعل الزعيم لحركة مثل حماس تحفل بالاهتمام العالمى ولها من القضايا والمشكلات ما يجاوز الحصر .. حين يكون فى وقته متسع لزيارة محمد حسنين هيكل فى منزله الريفى البعيد عن القاهرة ليتشاوروا فهذا أمر يثير التفكير .

فليس من الممكن أن يملك مفكر سياسى معتزل ما يمكن أن يفيد به واحد من صناع القرار كخالد مشعل .. إذن ، فهيكل أكبر من مجرد كونه مفكر معتزل أو متابع فقط .. لابد أن لهيكل دورا وتأثيرا فى صناعة قرار ما لا أعرف - وربما لن أعرف فى المدى القريب - أى شئ عن حدود وطبيعة هذه الصناعة وهذا القرار .

وكانت هذه هى المعلومة التى أنارت كثيرا من المعلومات ، فمن المعروف أن هيكل كان واحدا من صناع القرار فى عهد عبد الناصر وبعضا من عهد السادات .. لكن الكاتب العظيم جلال كشك يرجح فى " ثورة يوليو الأمريكية " فى هامش عن أن دور هيكل فى لقاء الخمينى بعد عملية السفارة الأمريكية فى طهران كان تقييم الوثائق الأمريكية التى بحوزة إيران ، بما يعنى أنه كان فى عام 1979 وما بعدها واحدا فى مجال صناعة القرار .

لكن هذه من الممكن أن تكون نظرة صحفى كجلال كشك عدو لهيكل ويرى أن هيكل كان عميلا للمخابرات الأمريكية ( عن نفسى مقتنع بهذا الرأى ) ، وبالتالى فإن تفسيره لهذه الزيارة فيه قدر كبير من الضغط على الحدث وتأويله .
لكن هيكل الذى يتحدث فى كل حلقة من حلقاته على قناة الجزيرة عن صلاته بالملوك والرؤساء والقادة فى شرق الأرض وغربها من زوجة وبنات الملك فاروق ثم عبد الناصر والسادات ثم ديجول ونهرو وتيتو وغيرهم وغيرهم وصولا إلى الخمينى والسيستانى وجلال طالبانى .. ولا تكاد حلقة تخلو من لقاء مع قيادات عالمية من الدرجة الأولى .. وهو مالا يمكن أن نراه عملا صحفيا بحتا لا يخرج عن نطاق المهمة الصحفية ، خصوصا وهو يذكر عن لقاءات تعلو درجة الصداقة والحميمية فيها عن العلاقة بين الصحفى الأجنبى ورئيس الدولة .

ثم أتذكر أن هيكل قال فى حلقة أنه يستنكر حركة بيع القطاع العام ونية بيع شركات كذا وكذا وذكر مصنع الألومنيوم بنجع حمادى قنا وقال - فيما معناه طبعا - : " وانا اتصلت بثلاثة شخصيات اقتصادية منهم وزير حالى وسابق وطلبت ارقام عن المصنع ده وجالى التقارير اللى بتقول .......... " .

ورغم عدم ارتياحى لكلمة " طلبت " فى حينها إلا انى تجاوزتها ، لكن السؤال ما زال فى رأسى ، وماهى سلطة هيكل على الوزراء ، بل ما هى علاقة هيكل أصلا بهؤلاء الوزراء ومنهم الحالى .. يعنى مازال فى الخدمة ، ويعتبر إعطاؤه أرقاما عن نشاط شركة أو مصنع لصحفى أيا ما كان من قبيل الإخلال بالمصلحة الوطنية ؟
ثم يقول وصلت له التقارير .. فإما أن يكون هيكل كذابا أو أن علاقته بالوزراء حميمية جدا جدا أو أن يكون هيكل أكبر من مجرد صحفى .

لكن إذا تذكرنا أيضا أنه تكلم فى يوم الانتخابات الرئاسية على قناة الجزيرة ، وقال إنه قابل مسؤول بحزب العمال البريطانى الذى زاره فى بيته ( المسؤول بحزب العمال زار هيكل فى بيته ) فسأله هيكل عن الأقسام التى طلبت لجنة الانتخابات المصرية أن تزورها فأجابه المسؤول بأنها قسم العمليات القذرة وقسم آخر لا أتذكره الآن ، وذلك فى مقابل سؤال من هذا المسؤول يجيب عنه هيكل .

فمالذى يدعو مسؤول بحزب العمال البريطانى لزيارة صحفى أصبح متفرغا ومجرد متابع فى بيته ؟
ومالذى يدعوه لأن يسأله فى شئ هو مما لا يعرفه إلا العالمون ببواطن الأمور ؟
ومالذى يجبره كذلك على إجابة سؤال يعد من الأسرار بالمقابل ؟
هل يمكن أن يكون هذا مجرد صحفى متفرغ ؟؟!!!!!!

هناك مواقف أخرى لا أستطيع استدعاءها بشكل دقيق من الذاكرة الآن ، لكنى اسأل الله ان ييسر لى بحث هذا الموضوع .
إننى استشعر الآن غبائى إزاء هذه المواقف ، لكن كانت عبارة خالد مشعل هى بقعة الضوء كما ذكرت .. وبقعة الضوء التى تشعرنى بأن هيكل ما زال فى الخدمة .. إذ ظننت أنه قد ترك الخدمة منذ فترة .

وهذه مواقف فعلية ، وليست تحليلاته التى من الممكن أن نختلف حولها دون أن نملك الاتهام ، لكن هيكل فى أحاديثه للجزيرة حتى الحلقات التى تكلم فيها عن الواقع وعن الامبراطورية الأمريكية عام 2004 ، قبل أن تكون له حلقات ثابت كل خميس على الجزيرة .. هذه الحلقات تحمل من الشبهات ما يشير إلى ما هو غريب عن مفكر ناصرى قومى عروبى .. فقد كان يؤيد مجلس الحكم الانتقالى بالعراق ، ويقول إن السودان لاتصلح دولة واحدة بل أربعة دول ، وأن امريكا ليس لها هدف فى المنطقة إلا البترول ، ثم معاداته الشديدة للسعودية بالذات ومؤسسها عبد العزيز وابنائه .... إلخ ، واشياء أخرى كثيرة لايمكن إجمالها فى عبارة لبراعته فى عرضها .

كذلك انتقاله فجأة من الكتابة إلى التلفاز على دريم ثم على أشهر قناة عربية كالجزيرة ، رغم أنه لايقول جديدا ، فكل ما يقوله قد كتبه بالفعل .

فإذا كان هيكل أكبر من مجرد صحفى ، وأكاد أكون على ثقة بأنه فى مجال صنع القرار ، فمعنى هذا أن حلقاته التى تبث تخدم جهة معينة أو مشروعا معينا .

وهنا أقف .. فليس لدى إلا التساؤل .

1/2/2006