الأحد، فبراير 12، 2006

وقائع حية من السلام 98


كنت فى ضيافة طبيب صديق ، وتطرق الحديث إلى موضوع العبارة الغارقة السلام 98 فى الماساة الأخيرة ، فحكى أن صديقا له ركب هذه العبارة فى رحلة العمرة منذ ثلاث سنوات كاملة ، وتعطلت بهم هذه العبارة فى عرض البحر لمدة أربع ساعات كاملة .. فلما سألوا قيل لهم : أصل والله هى كانت المفروض تدخل الصيانة ، بس قلنا نخطف الدور ده بسرعة ونبقى ندخلها .
وهكذا .. من اجل خطف الدور لا مانع من المغامرة بأرواح الركاب ، خصوصا والموسم موسم عمرة والركاب كثير .
قال له الطبيب : لو أنكم وقفتم بحزم ضد ما حدث منذ ثلاث سنوات ما كانت حدثت مثل هذه المأساة الآن .. أنا أشك والله أنكم تتحملون ذنبا فى غرق هؤلاء الناس بسبب هذا السكوت .

لم تمض دقائق وإلا واكتشفت أن صديقى وزميل الدراسة ( محمد على إبراهيم يوسف ) الذى كان فى الصيف الماضى فى عمرة مع والدته كان قد ذهب وعاد على هذه العبارة نفسها ( السلام 98 ) ، وياللقدر !
وأخبرنى عن مهازل ما يحدث على هذه العبارات ..
فالعبارة التى طاقة احتمالها 1000 راكب ، كانت تحمل فى هذه الرحلة حوالى ثلاثة آلاف أو ثلاثة آلاف ونصف راكب ، يركبون فى كل مكان حتى بين الطرقات ، ويتكسدون بشكل لا يمت للآدمية بصلة ، ويمكن أن تركب فى الدرجة الثانية أو الثالثة رغم حجزك فى الدرجة الأولى ، ويمكنك إذا اعترضت أن تلقى بنفس فى البحر أو أن تشرب من البحر .. أيهما أحببت ؟
وقد اكتشف هذا بنفسه فى العودة ، إذ ركب فى العودة الدرجة الأولى فاكتشف أن التى ركبها فى الذهاب كانت الدرجة الثانية دون أن يدرى .. وقد كان معهم فى رحلة العودة محافظ المنيا الذى أُخلى له طابق كامل بالعبارة ، وكل من كان حظه العاثر فى هذا الطابق تم طردهم منه ، ومن اعترض كان له الحق فى أن يلقى نفسه فى البحر أو أن يشرب من البحر .. أيهما أحب ؟
ثم ، وقبل الوصول بساعتين يتم إخراج كل ركاب الغرف لتنظيف الغرف قبل الوصول ، ولا يراعى فى هذا الإخراج أى حالات صحية أو كثرة وثقل الحقائب ، مما يجعل الساعتين قبل الوصول قطعة من الجحيم فى ظل التكدس الزائد فوق التكدس الطبيعى المستمر منذ أول الرحلة .. ومن اراد ان يعترض كان له الحق فى أن يلقى نفسه فى البحر أو أن يشرب من البحر .. أيهما أحب ؟

هذا بخلاف المحسوبيات والوسائط ويستطيع أى عامل أن يأتى لك بتذكرة من الدرجة الأولى فى أى وقت ، وليذهب صاحب الغرفة إلى الجحيم ، كذلك يمكن لأبسط عامل أو موظف أن يأتيك بطعام مجانى فى المطعم السياحى الفاخر الموجود بالعبارة .
ولأول مرة اكتشف أن النقل البحرى مثله مثل ركوب السرفيس والأوتوبيسات فى احياء القاهرة والمحافظات .

فإذا كانت السفينة بهذا الحال منذ ثلاث سنوات ، وبهذا الحال منذ الصيف الماضى .. فإنه من الطبيعى جدا أن تغرق الآن ، فإن لم تكن هذه الرحلة فلاشك أنها فى الرحلة التالية أو التالية .. لكن لابد من حدوث كارثة ، ثم إذا عرفنا أن العمر الافتراضى لعمل العبارة هو 25 سنة ، ثم نكتشف أن السفينة تعمل منذ 35 سنة .. فلا بد أننا كنت ننتظر كارثة ، وها قد حدثت .

وحيث أن الكارثة معروفة بتفاصيلها فليس من فائدة فى إعادة السرد ، لكن نلتقط فقط بعض المشاهد :
1_ ملخص الغرق أن السفينة اشتعل فيها حريق ، فحاول الركاب تنبيه القبطان إليه فأخبرهم أنه تحت السيطرة ، لكن الحريق امتد وبدا الذعر يجتاح الركاب ، لكن يبدو أن القائد اصيب بحالة جنون إذ أصر على عدم العودة إلى ضبا واستكمال الرحلة ، ثم اختفى هو وطاقمه من السفينة ليتركونها تواجه الموت وحدها دون أن توزع على الركاب سترات النجاة ولا أن يتم فك زوارق الطوارئ من مكانها .
وهى حالة طبيعية لقبطان سفينة يتبع شركة لاتخضع للقانون لنفوذ صاحبها ، ولا تهتم فى أى حال بأرواح الناس .

2- لا أفهم كثيرا فى فنيات البحرية ، لكن إذا تحدثنا عن غرق على بعد 900 متر من السواحل ، ولا أظن 900 متر مسافة كبيرة ، بما يعنى أن الوصول إليها داخل فى نطاق القوات البحرية بسهولة ، لكن أحد الناجين قال لقناة الجزيرة أنه " 25 ساعة فى المياة ، فى المياة المالحة ، لما الواحد جسمه داب .. ده احنا لو كنا يهود أو كنا أى شئ تانى كانت الحكومة اهتمت وخدت بالها " .
فبأى عرف تم استغراق 25 ساعة كاملة فى الوصول إلى الغرقى ؟ هذا على افتراض أن الإنقاذ بدأ بعد التأكد من غرق السفينة لا بعد مجرد انقطاع الاتصال بها .. والسفينة غرقت خلال أربع ساعات كما قالت الأخبار .
أى ان الإنقاذ بدأ بعد 18 ساعة على الأقل من خبر التأكد من غرق السفينة .
ونشرخبر غريب مفاده أن مصر رفضت عروضا لسفن بريطانية وامريكية بالمساعدة فى الإنقاذ .. ولا يدر أحد لم ؟ .. لكن - وهذا توقعى الشخصى - ربما كانت مصر تخشى من الفضيحة التى ستعلن حين يعرف الناس أن هناك قواعد بحرية عسكرية وأمريكية فى مياهنا الإقليمية منذ حرب العراق ( وربما منذ أكثر والله أعلم ) .. ولو صح هذا ، فإن سمعة السيد مبارك أهم عند كلاب السلطة من أرواح البشر .
وكان طبيعيا فى هذه الأحوال أن تخور قوى الكثير من المتشبسين بأى زوراق ، وهو ما حدث بالفعل ، كما حكى الضحايا وخارت قوى الكثيرين الذين ابتلعهم البحر ، ولعنة الله على السلطة الفاسدة .

3- وفى لفتة إنسانية عميقة جدا ، قام المتسبب الأول فى الكارثة بزيارة الناجين فى مستشفى الغردقة وامر بصرف 30 ألف جنيه لكل ضحية ( قال يعنى هيدفعهم من جيبه ! ) ، وخرجت الأهرام فى اليوم التالى فرحة بهذا القرار الأسطورى العظيم وأعلنت بكل فخر : الرئيس يأمر بصرف 30 ألف جنيه لكل ضحية .
فى ذات الوقت الذى لم يلتفت فيه إلى أهالى الضحايا الموجودون على بعد أمتار فى سفاجا ، حيث لا يصح أن يزورهم أثناء إطلاق الغاز المسيل للدموع عليهم من قبل الأمن حين احتجاجهم على عدم وجود أى معلومات عن الناجين أو المصابين أو حتى المفقودين .
فى ذات الليلة كان السيد مبارك - جزاه الله بما يستحق - يزور المنتحب الوطنى ليحضر تدريباته قبل مباراة السنغال وجلس جلسة لطيفة تبادل فيها المزاح والمداعبات مع أبطال مصر الذين سيحصلون على القدس .. عفوا أقصد الكأس .

ولأن الله يشاء أن يفضحه ، تتكشف الوقائع حول علاقة ممدوح إسماعيل صاحب العبارة الذى غرقت له حتى الآن ثلاث عبارات ( سالم إكسبريس ، السلام 95 ، السلام 98 ) بالحزب الوطنى الذى كان أمينه فى مدينة نصر ، أى فى دائرة مبارك نفسه ، وكان عضوا معينا فى مجلس الشورى أى أن الذى عينه هو مبارك نفسه .. بما يعنى أن الرجل من عشيقات السيد مبارك المقربات .

4- أما ما فعله الأمن فى الناس ، فى أهالى الضحايا الموتورين الذين فقدوا أقاربهم وأحبابهم ، فلا يختلف ولن يختلف طالما أن العقلية السافلة الوحشية والنفوس الساقطة المريضة هى التى تسيطر على هذا الجهاز .. فقد تعاملوا مع الناس بالعصا والغاز المسيل للدموع والهراوات .. فى ذات الوقت الذى كانوا يغازلون فيه مشجعى المنتخب الوطنى الذين اغلقوا مرور القاهرة .
وهنا أنقل ما كتبته الدكتورة بلوروز لما يحمله من مفارقة : " لم اتمكن من النوم الليلة الماضية
كل 5 دقائق زفة طويلة قوية بالكلاكسات احتفالا بالانتصار المدوي على الكونغو في معركة الاستاد

و مع كامل احترامي لحق السادة الافاضل في الابتهاج حيث ان المصريين على حد تعبير سمعته بالامس "مابيصدقوا يفرحوا من النكد اللي هم فيه على طول" فلا يمكنني الا ان اتعجب من ان يحدث هذا في نفس الوقت الذي يتم فيه انتشال 1400 بريء بين مصاب و قتيل , بينما يقف الآلاف من ذويهم على الشاطئ ينتظرون معرفة ما حل باحبابهم

بمجرد انتهاء المباراة خرج الآلاف الى الشوارع يقيمون مهرجانات في وسط الطريق
قريبة لي مريضة بالقلب استغرقت للوصول من منزلها لمنزلنا (مشوار يستغرق 10 دقائق) تم احتجازها في نفق لمدة ساعتين لان المحتفلين قرروا اغلاق الشارع و لا لوم عليهم لان ضباط و عساكر المرور لم يحاولوا لحظة منعهم بل وقفوا يتفرجون باستمتاع على الاحتفالات
و تساءلت حين عرفت , هذا الطريق ممكن ان يسلكه متجه للمطار , الا يمكن ان يكون احد المحتجزين هو احد اهالي الضحايا الذين تم تخصيص طائرة العاشرة مساء من مصر للطيران لنقلهم لسفاجا "باسعار مخفضة" (يظهر مصر للطيران زهقت من كثرة الكوارث التي تم فيها نقل اهالي الضحايا مجانا مثل طائرة شرم الشيخ فقررت ان تكتفي بالتخفيض هذه المرة)

لا اصدق ان تكون قلوبنا قد قست لدرجة الا تؤثر فيها كارثة كهذه ام ان اخبار القتلى ليل نهار جعلت الكوارث روتين يومي لا يلفت حتى انتباهنا
**************************************************************
اكبر صدمة كانت المعاملة شديدة السوء (لفظ مهذب لوصف ما حدث)التي تعاملت بها قوات امننا مع اهالي الضحايا
يعني اللي بيحتفل في الشارع مسئولي المرور لم يتخذوا معه اي اجراء , و بعضهم احتفل معاه
بينما الساخط الغاضب لعدم استطاعته معرفة اي بيانات عن ذويه تمت اهانته بغباء رهيب
مش عارفة اقول ايه " انتهى


5- وبدأت حملة قومية للتبرعات جمعت خلال اليوم الأول والثانى فقط 6 ملايين جنيه حسبما يكشف شريط الأخبار على التليفزيون المصرى فى يوم السبت 4/2/2006 .
ورغم أن ما سبق من حوادث يثبت أن هذه الأموال تذهب لجيوب الكبار ، فحادث قطار الصعيد مثلا أعرف أناسا بأعينهم لم يأخذوا مليما كتعويض رغم إثباتهم وجود متوف لهم فى القطار بعد رحلة إثبات مريرة تبدع فيها أجهزة الإدارة فى مصر فى تعذيب الناس .. وهناك من لم يستطيعوا هذا الإثبات فلم يأخذوا شيئا .
وهذه صورة لكل ما يحدث من كوارث بدءا من الزلزال وغرق سالم إكسبريس ثم الطائرة المصرية ثم قطار الصعيد ثم السلام 95 والسلام 98 .

وهذا يعنى فى بساطة مدهشة وقاتلة أن الكوارث هى موسم للكبار لكى تمتلئ جيوبهم ، ولن يصبح غريبا أن يكونوا فى غاية السعادة بكل الكوارث طالما هم محصنون ضد المحاكمة والمساءلة ، بل يصل التحصين إلى أقاربهم ومعارفهم وأصهاره وأصدقائهم .
وهذا يعنى بالتبعية أننا كبشر فى مصر تحولنا إلى سلعة تتم المتاجرة فيها ولكن بأساليب الكبار .

6 - أما المشهد السادس فأتركه لأخى وصديقى وليد عبد الله حول مساء الجمعة فى عرض الأمواج التى تنساب فى المدرجات : " مصر مصر




فتيات يتراقصن على طبول ووجههن ملونة بلون العلم
كنت هناك ساقتنى قدماى خارجا من معرض الكتاب فى اليوم الأخير
ومررت لجوارهن
يهتفون مصر مصر
تهتز اجسادهن
تهون العورة فداء لمصر
كانت تصرخ والأرض تسخن من أسفلها فاحتضنت طفلتها وقفزت فى الماء
لم تضع مولدها تحت قدميها لتهرب
مصر مصر
الحقونى ابنتى تتجمد من الماء
ارقص يا حضرى ارقص يا حضرى
العبارة تترقص والجماهير تتراقص
الماء يدخل رئة الوطن
والطفلة تتجمد بين يدى امها الغارقة
هى ايضا غارقة فخشبة ضعيفة لن تحتمل جسدها واسماك القرش قادمة
قاعدين ليه ما تقوموا تغرقوا
مصر مصر
الليل يخيم على الام وطفلتها الجثه
يديها تعبت من حمل جثة الطفلة
اربطيها فى جسدك واستسلمى للنوم فى الماء
هى اقسمت ان تدفن ابنتها على الارض او تغرق معها
ارقص يا حضرى
حرام كفاية حرام
مصر مصر
الامواج فى المدرجات تهتز معها نهود الفتيات
والامواج فى البحر تلعب باجساد الغارقين
والغارقات
مصر مصر
ارقص يا حضرى
يتفلت الجسد الصغير من الحبل ويخطفه الموج , تصرخ الأم من جديد ابنتى ابنتى
يا حرقة قلبك يا امى
يا لوعة فؤاد
كيا نهار اسود يا امى
يا رب يارب يارب
مصر مصر
الله حى الرابع جاى
الله حى فين النجده
الله حى خدنا الكاس
الله حى فين الناس
الجثث تطفوا بين الاحياء
اسمها لقاء طفلة فى عامها الثانى امها اسمها سح
رالبحر واسع غويط والسمك جعان واحنا ارخص اكل
مصر مصر
خرجت الأم شبه مجنونه تصرخ باسم ابنتها لقاء
حسنا هى دائما سخرية القدر منا بنى البشر
لقاء تموت فى البحر
ومصر تشاهد لاعبيها الذين يريدون زيادة النسبة على الاعلانات ويتفاوضون على المكافات
مصر مصر
ارقص يا حضرى
هل جربتم الغرق ؟
هل جربتم دخول الاستاد مع فتاة صاحبة جسد وطنى رائع ؟
هل جربتم فقد طفل فى عرض البحر؟
هل تخيلتم سكة القرش الجائعة وهى تتلذ بجسد طفلتكم
هل تخيلتم عظمها النئ وهو يجول ويوصل بين فكى القروش
انا تخيلت منة الله بنتى كذلك كدت افقد الوعى
بل قولوا اننى فقدته للحظات
النجدة الغوث الماء يتسرب لجسدنا والاسماك تحوطنا والليل يغشانا
ظلمات بعضها فوق بعض
اين مصر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
مصر كانت فى الاستاد ترقص وتغنى وتمرح
وابنائها الشقيانين
فى عرض البحر يتحضرون ليكونوا جبة عشاء لاسماك القرش الجائعة
تصبحون على خير
ونراكم فى المبارة النهائية
وارقص يا حضرى
راجع المصرى اليوم العدد603


انتهى "


5/2/2006