الأحد، فبراير 12، 2006

حماس .. والصفعة الثانية .

لعل فوز حركة حماس بالانتخابات البرلمانية ينافس ، إن لم يكن أشد ، فوز الإسلاميين فى عشر دول على الأقل ، وذلك لما تمثله حماس من خصوصية بالنسبة للحركات الإسلامية بذات قدر خصوصية الوضع الفلسطينى بالنسبة لباقى الدول .
فى المشهد الفلسطينى تبرز عدة دروس فى غاية الأهمية ، وفى غاية الوضوح .. بل ربما كان وضوحها فى الساحة الفلسطينية يتضاءل بجانبه أى وضوح لأى ساحة أخرى .

1- أثبتت الانتخابات الفلسطينية أن الحركات الإسلامية أصبحت تملك الشعبية فى الشارع ، وبلا منافس . وبالأمس فقط فاز الإخوان المسلمون رغم محاولات تزوير فى غاية الغباء ، ومن قبلهم فازت الحركات الإسلامية بنسبة كبيرة فى كل من المغرب وتركيا والأردن واليمن والكويت .. وأصبح الإسلاميون هم النتيجة الوحيدة تقريبا التى تسفر عنها صناديق الانتخاب ، على الرغم من الإسلاميين فى عامة الدول العربية محرومون من أبسط حقوقهم فى التواجد الشرعى ، بما يعنى أن هذه النتائج هى النتائج الحقيقية فى صورتها الأدنى .. لأنه مطروح منها نضال الإسلاميين فى سبيل هذه الشرعية القانونية ، وهو بلاشك نضال شغلهم عن الالتفات لجماهير الشارع .

2- وكان فوز حماس فى فلسطين صفعة هائلة لكل نظريات العلمانيين واليساريين وبقايا الشيوعيين والحكوميين فى مصر الذين ملأوا الصحافة المصرية والإعلام المصرى الحكومى نفاقا وتزييفا وتبريرا وتفسيرا لأسباب اكتساح الإخوان المسلمين بمصر ، فأرجعوا هذا إلى رفع الإخوان شعارا دينيا خادعا انخدع به الشعب المتدين بطبيعته وهو شعار الإسلام هو الحل ، ولم تكن تجدى صرخاتنا وسط هذه الآلة الضخمة حين نقول : إنه لم تكن هناك لافتة انتخابية فى مصر كلها إلا وتحمل آيات قرآنية كـ ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) و ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم ) و ( وما توفيقى إلا بالله ) ، بل اجتهد الكثيرون فى التمحك بالشعار الإخوانى فخاض بعضهم الانتخابات تحت شعارات ( الإسلام هو العمل ) و ( القرآن هو الحل ) و ( وا إسلاماه ) .. ومع ذلك فشلوا ، بما يثبت أن الشعب اختار الإخوان اقتناعا بهم لا انخداعا بشعارهم ، وإلا لكان انخدع بأكاذيب الإعلام الحكومى وفضيحته فى " حالة حوار " .
يبدو هذا مستحيلا فى حالة الشعب الفلسطينى ، إذ فاز الإسلاميون هناك دون أن يرفعوا شعارا دينيا ، بل كان شعارا سياسيا بحتا وهو ( من أجل شعب حر ووطن محرر ) ، واختارهم الشعب فى سقوط مروع لنظرية انخداع الشعوب بالشعار الدينى .
استمر - كذلك - سقوط نظرية " التصويت الاحتجاجى " ضد فساد الحزب الحاكم - فى مصر - أو السلطة الحاكمة - فى فلسطين - وهى النظرية التى دائما تحاول التقليل من شعبية الإسلاميين فى الشارع بادعاء أن فوزهم كان احتجاجا على الطرف الآخر ، وهى النظرية التى تحولت - بكل صراحة - إلى نكتة فقدت قدرتها على الإضحاك ، فإذا فهمنا أن هناك محتجون ، فإن التلقائى والمنطقى وطبيعة الحال تؤدى إلى تناثر أصوات المحتجين خلف كل التيارات دون تكتلها خلف المرشح الإسلامى وهو مالم يحدث .. إذ شهدت الانتخابات سقوط اليسار بنفس القدر الذى شهدته به سقوط السلطة الحاكمة ، فى دليل آخر على فشل هذه النظرية .

3- حمل فوز حماس - ومن قبله فوز الإخوان - تأكيدا جديدا على سقوط الحركات اليسارية والعلمانية وسائر الاتجاهات التى لم تنبت فى أرضنا العربية الإسلامية ، ورغم استيلاء وسيطرة اليسار على أجهزة الحكم فى عالمنا العربى فترة من الزمان ، وسيطرتهم القديمة والحالية على منافذ الفكر والثقافة فى عالمنا العربى فى تحالف غريب بين الرأسمالية الحاكمة واليسار المثقف .. رغم هذا لم تفلح المناهج اليسارية فى التسلل إلى عقول ووجدان الشعوب العربية والإسلامية والتى ظلت - برغم طول السنين وبشاعة الحملة على الإسلام السياسى - تنتمى إلى توجهها الإسلامى وعقيدتها الإسلامية .. وكان هذا تأكيدا آخر على انفصال النخبة المثقفة عن القاعدة الشعبية العريضة ، والذى يبدو أنه انفصال لم يعد يصلح معه رتق أو عودة بعد أن ركز اليساريون فى العالم العربى حملتهم حول تغيير الثقافة الإسلامية للشعوب فى حين لم يُر منهم انحيازا حقيقيا نحو مصالح هذه الشعوب التى ترزح تحت أمواج القهر والديكتاتورية فى مشهد يؤكد خيانة المثقفين لشعوبهم فى سبيل مطامعهم الشخصية .

4- كان المشهد الانتخابى فى فلسطين يؤكد كذلك سقوط نظريات فراعين العرب وحكامهم حول الشعب الذى يحتاج إلى الديمقراطية بنسب معينة ، حتى لا تصبح فوضى ، وأن الشعوب لم تصل بعد إلى حالة النضج الديمقراطى الذى يمكنها من استثمار مكاسب الديمقراطية ، وليست على درجة من الوعى تسمح لها باختيار الأصلح .
فإذا كانت هذه النظرية فاشلة حتى على المستوى النظرى واشبعها المعارضون ردا ، وبدت كسذاجة طفولية رغم كونها صادرة عن قيادة سياسية حاولت التنظير لديكتاتوريتها ، إلا أن الدرس الفلسطينى كان أكثر نسفا لهذه النظرية ، فهذا الشعب الذى يحتوى على فصائل ولكل منها جناح عسكرى مسلح ، وسلطة ضعيفة نسبيا تعتمد على الأجهزة الأمنية مارس يوما انتخابيا هادئا لم تسمع فيه طلقة رصاص واحدة ، ولا تدخل أمنى وقح .. واثبت أنه شعب واع ويختار فى حرية وهدوء ، ثم تذعن طوائفه المختلفة لهذا الاختيار دون أن تبدأ بالتمرد والتدخل - مع قدرتها عليه - خصوصا السلطة الحاكمة التى وضعت نفسها فى بوابة التاريخ باعتبارها أول سلطة عربية تجرى انتخابات نزيهة وتنزل عن الحكم طواعية رغم بعض الهنات المقبولة هنا وهناك .
وهو عكس المشهد المصرى الذى لم تمض عليه ستون يوما ، حين وجدنا الدولة الهادئة التى تحكمها سلطة مركزية قوية هى التى حفلت بالبلطجة والتزوير المفضوح ، وتدخل الدولة نفسها بكل إمكانياتها الإعلامية وقدرات وزارة الداخلية للتزوير والتلاعب فى النتائج ضد طرف بعينه ورأينا البلطجة الحكومية واعتداءات الشرطة على الناخبين ومحاصرة لجان الانتخاب حتى سميت انتخابات الخمس عشرة قتيلا ممن سقطوا على أيدى أجهزة أمن النظام .
وإزاء هذه المفارقة يمكن القول بأن الشعب واع وناضج ، أما السلطات فهى التى يجب أن تتلقى الديمقراطية فى جرعات !!

5- كان فوز حماس فى الانتخابات يؤكد على استمرار خصائص المقاومة فى الشعوب العربية والإسلامية ، ولا أزال أذكر كيف كانت الدولة فى المشهد المصرى تعبئ كل طاقتها الإعلامية لابتزاز الشعب المصرى وحمله على التصويت ضد الإخوان المسلمين وهو الابتزاز الذى أثبتت النتائج فشله الذريع .. وهو الابتزاز الذى لا يقل عنه ابتزاز أمريكا والاتحاد الأوروبى والسلطة الفلسطينية وتدخلها بوضوح بالتحذير من ان وجود حماس - مجرد وجودها - فى الحكومة يعنى انقطاع المساعدات والمعونات الدولية لشعب يفهم أنه يعيش على هذه المساعدات ، ويعنى إعادة احتلال غزة ، ويعنى تصلب طريق المفاوضات واستمرار اسرائيل فى احتلال الضفة ، ويعنى زيادة الشراسة والوحشية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطينى ... وكل هذه الحجج والابتزازات فشلت تماما فى تهديد الشعب الفلسطينى الذى لم يدفع فقط بـ " وجود " حماس فى الحكومة ، بل دفعها إلى تشكيل هذه الحكومة كلها - لو أرادت - .
هذه القدرة على المقاومة ، وعلى استقبال التهديد وكأنه لم يكن مهما كانت الجهة التى صدر عنها ولو كانت أمريكا أو الاتحاد الأوروبى .. هى دليل على أن الشعوب لم تمت وأنها مازالت تحتفظ بعزتها بنفسها وإيمانها الداخلى وروحها المعنوية المتصلبة فى وجه الضغوط .. بما يعنى كذلك أن الشعوب نفسها مستعدة - إن لم تكن مصرة - على خوض معركة المقاومة والتحرير ضد الهيمنة الأمريكية والأجنبية بالمنطقة .. وأن الخوف من أمريكا أو الاتحاد الأوروبى أو الجهات الدولية قاصر على طبقة الحكام وطبقة المتغربين بطبعهم ، وطبقة مثقفى أجهزة الأمن والمخابرات فقط لا غير .

6- فى كل الانتخابات فى العالم ، يمكن للشعب الخارج للانتخابات أن يتخذ موقفا انتخابيا " مزاجيا " ، تتغلب فيه روح العاطفة على صوت العقل .. ويقيس الأمر بميزان الفاضل والمفضول والأحسن والأجمل والأليق .. إلا أن هذا لا يمكن أن يكون صحيحا فى الحالة الفلسطينية ، فالشعب الذى خرج لانتخاب حماس ، خرج وهو يعرف جيدا أن انتخاب حماس معناه زيادة الضغوط الخارجية ، ووقف المعونات ، وربما زيادة عمليات القتل والحصار والتجريف .. خرج وهو يعرف ذلك مسبقا ، فى دليل لا يقبل الشك على أن التصويت لايمكن أن يكون احتجاجيا أو " مزاجيا " ضد فتح ، وأن فوز الإسلاميين فى فلسطين فى كل هذه الظروف والملابسات المعقدة والتى يرتبط فيها القرار الانتخابى بالقتل أو الجوع هو دليل أقوى وأوضح من فوز الإسلاميين فى عشر دول على الأقل .

7- كل تصريحات الإسلاميين سواء فى مصر أو فى فلسطين أو فى المغرب وغيرها قبل الانتخابات لم تكن تتوقع الفوز بهذه الدرجة التى أسفرت عنها الانتخابات ، كذلك اليساريين تماما وإن كانت صدمة اليساريين تفوق فى ضخامتها أى فرحة للإسلاميين بفوزهم .. إلا أن هذا يعنى أنه مازال الإسلاميون واليساريون كذلك يجهلون بعض ملامح شعوبهم والتى اصبحت تأتى من الأفعال ما لا تبلغه التوقعات .. أى أن الشعوب مازالت بها مناطق تحتاج لاستكشاف المفكرين ، ومازالت أرضا بكرا بها كثير من النقاط الحرجة والحساسة التى لا يُعرف - على وجه الدقة - رد فعل الشعوب إزاء الضغط عليها أو التعامل معها .. وهو درس يحمل فى جوفه دعوة لكل التيارات إلى إعادة النظر داخل هذه الشعوب واستكشاف ميولها وطبيعتها من جديد بنظرة أشد عمقا .

8- لا أظن أن دليلا على أكذوبة الديمقراطية الأمريكية اكبر ولا أوضح ولا أقوى من رد الفعل الأمريكى تجاه فوز حماس ، ولا أتصور كيف أن بوش أشاد بنزاهة الانتخابات الفلسطينية ، ثم وفى نفس الخطاب قرر معاقبة الشعب الفلسطينى على دفعه لحركة " إرهابية " لتشكيل الحكومة .. إذن : الديمقراطية الأمريكية هى أيضا لها نوعيات محددة تماما مثل الحكومات الديكتاتورية فى العالم المتخلف التى تفصل شروطا معينة لوجود أحزاب تمنع بها حركات شرعية من الوجود الرسمى ، فعلى الذين تخيلوا أنه يمكن الاستعانة بأمريكا لإزاحة طواغيت العرب تحت عنوان " تقاطع المصالح " أن يراجعوا حساباتهم ليتأكدوا أن الخيار الأمريكى لن يكون الأفضل ، ولن يكون المعبر عن رأى الشعوب .
9- منذ فترة تسيطر على فكرة سيئة الطالع ، تزداد مع الأيام قوة ، وتغذيها الأحداث فى عقلى .. وهى أن الشعوب الحية فى عالمنا العربى هى التى تعيش بلا سلطة كفلسطين والعراق ، ففلسطين التى حقق مقاتلوها بأقل الإمكانيات توازن الرعب مع اسرائيل الدولة القوية المدعومة .. كذا العراق الذى لم نكن نسمع له صوتا يوم أن كان له سلطة اصبح اليوم بؤرة مقاومة مذهلة وعنيفة للمحتل الأمريكى .
وكأن الحكام استطاعوا بالفعل إنهاء مظاهر الحياة فى هذه الأمة التى لا تزال حية فعلا ، فلم تحدث فى العالم العربى انتخابات حرة ونزيهة كالتى حدثت فى فلسطين والعراق ... فهل سيأتى علينا اليوم الذى نتمنى فيه الاحتلال ؟


1/2/2006