الثلاثاء، فبراير 04، 2025

إزجاء البشرى بالعودة الكبرى.. وتحلية السيف بمناقب الضيف

 

هل غادر الكُتّاب في شأن غزة وقادتها الشهداء من متردم؟!

ما أصعب أن يجد المرء قولاً في شأنٍ كلُّ الناس يكتب فيه ويعتصر مشاهده اعتصاراً!

فكيف إن كان المشهد الذي يُراد القول فيه هو مشهد انتصار ترنو إليه أمة مستضعفة مهزومة؟ أو هو مشهد عودة ورجوع تتشوق إليه أمة مُهَجَّرة نازحة؟!

كيف إن كان المشهدُ مشهدَ قادةٍ لطالما افتقدت الأمة أمثالهم وإنجازهم وبطولاتهم؟! ألم تر إلى الأمة المهزومة المستضعفة يموت قادة جيوشها على فراشهم الوثير، كما يموت البعير، وقد تركوا أرضهم محتلة لم يطلقوا نحوها رصاصة ولم يحرروا منها شبراً؟!

ماذا يقول المرءُ للظمآن الذي بدأ يرتشف الماء؟ إن الظمآن الذي لقي الماء عن الكلام كله في شغل شاغل!

ماذا يُقال للشاب إذا تزوج من محبوبته، فارتوت نفسه الملتاعة من الحب، وارتوى جسده المترع بقوة الغريزة؟

كل كلام في هذا الموطن فراغ وخواء وهواء.. لا الكلام يستطيع الوصف، ولا صاحب الشأن في حالٍ يحتاج فيه إلى كلامٍ من أحد!

نعم.. تتصاغر الكلمات أمام بطولة الشهداء العِظام، ما في طاقة الألفاظ أن تحيط بالمعاني والمشاعر.. يكفي أنهم بلغوا الذروة العليا من الشرف.. ذروة الشهادة في سبيل الله!!

لعله كان يسعنا السكوت واحترام اللحظة الهائلة لولا أن في الناس ناسٌ أنزل الله عليهم غضبه وسخطه، فكانوا شياطين الإنس، ينطقون عن لسان الشياطين، ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: 121]، وقد أخبرنا الله أن ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112].

ولقد وقف هؤلاء الشياطين يريدون اغتيال لحظة النصر والإنجاز والعودة المظفرة في قطاع غزة، وتدفق القائلون على محطات الشياطين الفضائية ليتلمظوا من هذا المشهد العزيز، وليثيروا الغبار عليه، فكان واجباً علينا أن نجاهد هؤلاء بالقلم واللسان، وقد بيَّن لنا إمامنا الكبير ابن القيم في مراتب الجهاد أن جهاد المنافقين يكون بالحجة واللسان والبيان، وأنه جهاد ورثة الرسل[1].

وهذا الجهاد باللسان يكون بقول الكلام ذي الثمن، كما يقول ابن القيم: "أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المُعَارِض، مثل أن تتكلم به عند من تخاف سطوته وأذاه"، وذلك مأخوذ من قول النبي ﷺ: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"[2]، وقوله ﷺ: "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله"[3].

وأمرٌ فوق ذلك، ومع ذلك، ودون ذلك أيضاً.. ونعم! نحن نكتب لأنفسنا قبل أن نكتب في نصرة أهل غزة.. نروي صدورنا من المعاني العظيمة التي حُرِمنا منها.. ونتمتع بالنظر في وجوه الشهداء الكبار الذين يتألقون في الليل البهيم.. نتقوى ونتصلب بما نكتب، ننصر بواعث الخير فينا قبل أن تطمسها أثقال الحياة التافهة وركامها السخيف!

 

(1)

ما كان لأبي خالد الضيف أن يموت إلا شهيداً..

كذا، ما كان لصحبه الكرام أن يموتوا إلا هذه الميتة..

لعمرك هذا ممات الرجال .. ومن رام موتًا شريفًا فذا

إذا كنا من أمة الإسلام التي ترى العار فيها أن يموت الرجل حتف أنفه! فلا يليق بالسادة الكبار في هذه الأمة أن يموتوا إلا شهداء، مقبلين غير مدبرين.. كذا كان الصحب الأُوَل! وكذا كان الموكب الجليل.. موكب الأنبياء والصديقين والشهداء.. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]

نعم.. تطلب النفس كمال الحياة ونعيمها، وما في الدنيا كمال ولا نعيم!!

ومهما قال العقل: لا مناص من أن تكون نهاية العظماء عظيمة، ولا يليق بسادة المجاهدين إلا الشهادة الكريمة.. تجادل النفس عن نفسها وتقول: لعل وعسى ولربما وليت ما..

ومع أن بقاء أمثال الضيف ورجاله أحياء لا تطالهم يد إسرائيل الطويلة الممدودة بحبل الناس، في هذه الظروف الصعبة الرهيبة ثلاثين سنة، لهو واحدة من الأساطير، ومن أعاجيب الانتصارات، إلا أن النفس تتمنى لو شهدوا بأنفسهم فتح بيت المقدس!!

ولقد رأى رسول الله في حياته استشهاد قادته وأحبابه: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وزيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وغيرهم وغيرهم.. ثم رأى صحابتُه من بعده: وفاتَه هو ﷺ وكفى بها مصيبة.. ثم ساحت دماء المسلمين في أركان المعمورة كلها، ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾. وبلغت خيل المسلمين ما بين فرنسا إلى الصين.. في أعجب مشاهد الفتوح في تاريخ البشر كله!

نعم.. هذه آية نراها الآن رأي عيْن لا رأي عقل وخيال وضمير..

ها نحن أمام حركة قد جاءت الشهادة فأخذت قادتها السياسيين والعسكريين، فما شعر أحدٌ بأنهم وهنوا ولا ضعفوا ولا استكانوا، بل ظلوا حتى اليوم الأخير يقاتلون العدو قتال الأبطال في مناطق الشمال التي طُحِنت حتى سُوِّيت بالأرض!!

وقد ظلوا في ساحة التفاوض ثابتين فما استطاع أحدٌ أن ينتزع منهم شيئاً سوى ما قبلوا به قبل استشهاد هؤلاء القادة: السياسيين والعسكريين.. كأن القادة أنفسهم في مكانهم لم يبرحوه! بلى، بل كان الجند في مكانهم ما وهنوا ولا ضعفوا ولا استكانوا!

ثم جاءت مشاهد تسليم الأسرى التي غيظ لها العدو وفقد لها أعصابه وطار فيها صوابه، فكأنما هؤلاء قومٌ لم يحاربوا ولم يذهب قادتهم.. ما وهنوا ولا ضعفوا ولا استكانوا!

طارت قلوب العدا من خوفهم فرقا .. فما تفرق بين البَهْم والبُهُم

وكفى بهذا المشهد دليلاً على أصالة هذه الحركة وعظمتها وثباتها..

إن موتهم وإن كانت مصيبة لنا، وطعنة في صميم قلوبنا، إلا أنها جائزة لهم بل هي أسمهم أمانيهم، وتلك هي الميتة اللائقة بهم!! ولو أنصفنا، لكان الذي هو أحبُّ إليهم أحبَّ إلينا.. ولكن: كيف تدرك نفوس القاعدين المتثاقلين همم الأرواح العلية التي تطوف حول منازل الشهداء؟!

 

(2)

"غبة من السبع، ولا النذل كله"

كتبت الروائية نردين أبو بنعة روايتها "قد شغفها حباً"، عن الشهيدة زوج الشهيد؛ عن وداد عصفور زوجة القائد محمد الضيف!

كان أبو خالد الضيف قد حُرِم الأبناء من زوجته الأولى، ومع ما بُذِل من تدخلات طبية لم ينتهِ الأمر إلى شيء. فكان يطلب زوجة أخرى.. ولما تردد الكلام في جلسة نسائية، قالت امرأة: لو كان عندي ابنة لزوَّجته إياها!

ما كان عند تلك المرأة من بنات يصلحن للزواج، إلا ابنة حديثة العهد باستشهاد زوجها، فقد صارت أرملته!

فتأمل –أيها القارئ- في أسطورة جديدة من أساطير ذلك الشعب الصلب.. شعب فلسطين! هذه امرأة ترشح ابنتها لواحد من أخطر الرجال في العالم.. رجل ينتظره الموت في كل لحظة، حرفياً، بلا مبالغة!!

وقد اختصرت المرأةُ العظيمةُ الحكيمةُ فلسفتَها في الحياة والزواج والحب بهذه الكلمة المختزلة المختصرة المعتصرة: "غَبَّة من السبع ولا النذل كله"! ومعناها: رشفة من الرجل الأسد، خير من الظفر بكل الرجل النذل!!.. أو بمعنى أوضح: لحظات مع رجل أسد، خير من حياة مع النذل!!

وهكذا أعطت المرأة ابنتها للرجل الأسد: محمد الضيف!!

وصدق الله تعالى ﴿وَٱلطَّیِّبَـٰتُ لِلطَّیِّبِینَ وَٱلطَّیِّبُونَ لِلطَّیِّبَـٰتِۚ﴾ [النور: 25].. لقد كان الأسد لائقاً بهذه المرأة وابنتها.. وكانت المرأة وابنتها لائقتيْن بالأسد!!

وأما في حياة الشعوب المدجنة المضطهدة المذبوحة التي حُرِمت نعمة الكفاح والنضال.. فاسرح بعينيك وتأمل كيف خربت البيوت وكيف تخرب، لكثرة الأنذال والحمقاوات.. بيوت تخرب من أجل "اهتمام لا يُطلب" أو "رفاهية لا تتوفر" أو "فُسْحَة تتأجل".. أو غيرها من اهتمامات الفارغين في البيوت الخاوية!!

ها قد ذهب السبع.. فيا لسعادة من رشف منه رشفة!!

 

(3)

ذلك الرجل السبع.. كيف لا تتآمر عليه الضباع؟!

نعم، كيف لا تتآمر الأنظمة العميلة وجيوشها على حركات المقاومة؟!! كيف ووجودها يحرجهم ويفضحهم ويجلِّلهم بالعار والشنار؟!!

كيف ولن تجد قائدَ جيشٍ عربيٍ انتصر ولو نصرًا واحدًا وحيدًا في حياته.. وإنما حياته كلها كلها هزائم في هزائم.. بل كم منهم من مُزِّق جيشه ومُرِّغ أنفه أمام حركات مسلحة لم تبلغ أن تكون جيشا؟!!

كيف والقائد في تلك الجيوش يعيش في الحياة رغداً، يسمن من المال الحرام المنهوب من الشعوب، ثم يموت على فراشه الوثير، حتف أنفه كما يموت البعير.. قلب في صفحات التاريخ ومنصات الانترنت وابحث في قادة جيوش هذه الأنظمة العربية منذ وقعت النكبة حتى الآن.. هل ترى واحدًا منهم مات في المعركة؟! فهل ترى واحدًا منهم حرَّر شيئاً من أرضه؟!

هذا مع أنه لا تكاد تجد نظاماً من هذه الأنظمة إلا وله أرض محتلة يطالب بها، بمن في ذلك من يزعم أنه حرر كل أرضه.. لا تصدق هؤلاء، فإنما لهم أرض محتلة ولكنهم قرروا أن يتنازلوا عنها فنسوها!

كيف لا يتآمر الضباع على السبع الذي تجرأ على إسرائيل.. إسرائيل التي التهمت جيوش العرب في ساعات وأيام، مع ما كانت مدججة به من السلاح والدبابات والمدرعات والطيران.. فإذا بهذا السبع الرابض في القطاع المحاصر يفاجئها بالصفعة المدوية الأعظم في تاريخها، ويشن عليها حرباً لا يمكن أن يفهمها ولا أن يستوعبها عقلُ واحدٍ منهم!!

كيف لا يتآمرون عليهم كما تتآمر العاهرات على المرأة العفيفة التي لم تفرط في نفسها؟!!

من يشتري منا جيوشنا وقادتها ورؤساء أركانها، ومعهم أكوام نياشينهم وأوسمتهم، ويعطينا بديلاً عنها: حركة من تلك الحركات العظيمة التي تركع أمامها إسرائيل المدججة والممدودة بحبل حلفائها؟!!

يا رب الطف بقلوبنا، وبلغنا مما يرضيك آمالنا!

(4)

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 154]

يا عجباً للسادة الشهداء.. حياتهم قدوة، وموتهم حياة.. واسمع هذا الكلام النفيس البديع للشهيد سيد قطب في تفسير هذه الآية:

"هنالك قتلى سيخرون شهداء في معركة الحق. شهداء في سبيل الله. قتلى أعزاء أحباء. قتلى كراماً أزكياء -فالذين يخرجون في سبيل الله، والذين يضحون بأرواحهم في معركة الحق، هم عادة أكرم القلوب وأزكى الأرواح وأطهر النفوس- هؤلاء الذين يقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتاً. إنهم أحياء. فلا يجوز أن يقال عنهم: أموات. لا يجوز أن يعتبروا أمواتاً في الحس والشعور، ولا أن يقال عنهم أموات بالشفة واللسان. إنهم أحياء بشهادة الله سبحانه. فهم لا بد أحياء.

إنهم قُتِلوا في ظاهر الأمر، وحسبما ترى العين. ولكن حقيقة الموت وحقيقة الحياة لا تقررهما هذه النظرة السطحية الظاهرة.. إن سمة الحياة الأولى هي الفاعلية والنمو والامتداد. وسمة الموت الأولى هي السلبية والخمود والانقطاع.. وهؤلاء الذين يقتلون في سبيل الله فاعليتهم في نصرة الحق الذي قتلوا من أجله فاعلية مؤثرة، والفكرة التي من أجلها قتلوا ترتوي بدمائهم وتمتد، وتأثر الباقين وراءهم باستشهادهم يقوى ويمتد. فهم ما يزالون عنصراً فعالاً دافعاً مؤثراً في تكييف الحياة وتوجيهها، وهذه هي صفة الحياة الأولى. فهم أحياء أولاً بهذا الاعتبار الواقعي في دنيا الناس.

ثم هم أحياء عند ربهم، إما بهذا الاعتبار، وإما باعتبار آخر لا ندري نحن كنهه. وحسبنا إخبار الله تعالى به: ﴿أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ لأن كنه هذه الحياة فوق إدراكنا البشري القاصر المحدود. ولكنهم أحياء.

أحياء. ومن ثم لا يُغسلون كما يُغسل الموتى، ويكفنون في ثيابهم التي استشهدوا فيها. فالغسلُ تطهير للجسد الميت وهم أطهار بما فيهم من حياة. وثيابهم في الأرض ثيابهم في القبر لأنهم بعد أحياء.

أحياء. فلا يشق قتلهم على الأهل والأحباء والأصدقاء. أحياء يشاركون في حياة الأهل والأحباء والأصدقاء. أحياء فلا يصعب فراقهم على القلوب الباقية خلفهم، ولا يتعاظمها الأمر، ولا يهولنها عظم الفداء".

وها نحن بعد السنين الطويلة نتذكر بالفخر والاعتزاز، وتحيا القلوب بذكرى الشهداء، ومن في الناس لا يتذكر أمثال ياسين والرنتيسي وصلاح شحادة، ومن قبلهم حسن البنا وسيد قطب، ومن قبلهم عز الدين القسام، ومن قبلهم عمر المختار، ومن قبلهم طابور طويل مديد وموكب جليل فريد يمتد حتى يصل إلى النبيين والصديقيين..

ولقد عرف العرب في جاهليتهم أن خلود المرء لا يكون بطول الحياة بل بخوض المعارك والقتل فيها، فالمرء مهما عاش مات، ولكنه إذا قُتِل في سبيل المجد خلد ذكره! ولذا قال قائلهم:

تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد .. لنفسي حياة مثل أن أتقدما

وتتابع الشعراء على مثل هذا القول، وهذا أبو فراس الحمداني ينشد قائلاً:

يقولون لي: بعتَ السلامة بالردى .. فقلتُ: أما والله ما نالني خُسْرُ

وهل يتجافى عني الموتُ ساعةً .. إذا ما تجافى عني الأسر والضُرُّ؟

هو الموت فاختر ما علا لك ذكره .. فلم يمت الإنسان ما حيي الذِّكْرُ

وإن مت فالإنسان لا بد ميتٌ .. وإن طالت الأيام وانفسح العمرُ

سيذكرني قومي إذا جدَّ جدُّهم .. وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدرُ

وإن قصيدة أبي فراس هذه ما أجدر بها أن تكون وصفاً لحالة أبي خالد الضيف رحمه الله.. ولقد وصف فيها نفسه وهو يُصَبِّح القرية الحصينة المنيعة التي أَمِنَت أن تقتحم، فما أشبه ذلك بصباح السابع من أكتوبر المجيد! ووصف نفسه كيف يملك الأسرى من المقاتلين فما أشبهه بإسقاط فرقة غزة في ذلك اليوم! ووصف نفسه ببذل النفس في طلب المعالي، فما أشبه ذلك باستشهاد أبي خالد. فاسمع وتأمل:

فيا رُبَّ دارٍ -لم تَخَفْني- منيعة .. طلعتُ عليها بالردى أنا والفجرُ

وحيٍّ رددتُ الخيل حتى ملكته .. هزيما وردَّتني البراقعُ والخُمْرُ

ونحن أناس لا توسط عندنا .. لنا الصدر دون العالمين أو القبر

تهون علينا في المعالي نفوسنا .. ومن يطلب الحسناء لم يغلها المهر

أعزُّ بني الدنيا وأعلى ذوي العلا .. وأكرم من فوق التراب ولا فخر

(5)

لقد بقيت كلمة لا بد من قولها في مشهد العودة إلى شمال غزة، وهي بإذن الله البشرى بالعودة الكبرى..

لقد أغاظ هذا المشهد أعداء الله من الصهاينة، كما أغاظ أولياءهم وحلفاءهم في القنوات والصحف والمنصات التابعة للأنظمة العربية.. وإن غيظ الصهاينة مفهوم.. وإن غيظ أوليائهم مفهوم أيضا، فذلك أمر مستقيم لا عوج فيه ولا استغراب منه!

إن أصل مشكلة فلسطين منذ كانت هي مشكلة الأنظمة العربية، وما كان أهل فلسطين ليخرجوا من أرضهم، ولا كانت إسرائيل لتنشأ وتستقر حتى تجاوز السبعين سنة لولا مجهود الأنظمة العربية في حمايتها وتثبيت وجودها!

هذه الحقيقة التي تبدو غريبة، هي أبسط الحقائق وأسطعها إذا قرأنا تاريخ قضية فلسطين. وما من أحد قرأ هذا التاريخ إلا وتمنى لو لم تكن ثمة أنظمة عربية ولا أنها تدخلت في القضية، إذن لكان الحال غير الحال!

وذلك مشهد ومسلسل مستمر، وها أنت ترى وتسمع كيف أن ترمب يُصَرِّح علنا بما يكتمه السياسيون عادةً من التفكير في توسيع خريطة إسرائيل، ويتصل بالأنظمة لتستعد لاستقبال المهجَّرين الفلسطينيين!

هل ترى الرئيس الأمريكي يمكن أن يتكلم بهذا علناً لو كان يعرف حقاً أن تهجير الفلسطينيين خطٌ أحمر لدى الأنظمة العربية؟ إنه يعرف، كما يعرف الجميع، أن هذا أمرٌ متاح وممكن، ولئن كان ثمة خلاف حوله، فهو خلاف حول التوقيت والثمن والإجراءات والتدابير!

ألم ير الأمريكان والصهاينة وسائر هذا العالم كيف وقفت هذه الأنظمة مع الصهاينة، وكان أشد ما يريدون منهم أن ينتهوا من حرب غزة بسرعة؟! لقد وفرت هذه الأنظمة لإسرائيل سائر ما أمكن أن تقوم به في سبيل تسريع إبادة المقاومة وإنهاء الحرب في غزة: طرق أصلية وطرق بديلة لتوصيل البضائع، وموانئ لاستقبال الأسلحة الذاهبة إلى الصهاينة بل وتوقيع اتفاقيات أمنية وعسكرية مع الدولة الصهيونية في خضم الحرب نفسها، وحصار وإغلاق للمعابر، واستصفاء أموال الفارين من الجحيم بمن في ذلك المرضى والجرحى (ثلث الشهداء في غزة ماتوا جراء الحصار ونقص الأغذية والأدوية والمنع من العبور للعلاج خارج غزة)، وضغط على المقاومة في المفاوضات. وهذا كله فضلاً عن المجهود السابق في هدم الأنفاق وتفجيرها وزيادة السور العازل حول غزة ومضاعفة طوله وعرضه وعمقه وإغراق خندقه بالماء!!

هل هذا فعل قومٍ يرفضون التهجير حقاً، ويصرون على بقاء القضية الفلسطينية حية؟!

ألم يقل أحدهم علناً: إذا شاءت إسرائيل أن تهجّر أهل غزة فلتهجرهم إلى صحراء النقب ثم تعيدهم مرة أخرى بعد القضاء على المنظمات الإرهابية؟!

أهذا لسان حاكمٍ حريصٍ على فلسطين وقضيتها؟!

أين هذا من سيِّدٍ مثل أبي خالد الضيف وأصحابه؟!!

تالله ما يستريب في هذا المشهد إلا من طمس الله على قلبه، واختار أن يكون مع أعداء الله!

﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: 7، 8].

نشر في مجلة أنصار النبي - فبراير 2025 



[1] انظر التفصيل في: ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد، ط27 (بيروت – الكويت: مؤسسة الرسالة – مكتبة المنار، 1994م)، 3/5 وما بعدها.

[2] رواه أصحاب السنن بسند صحيح.

[3] رواه الحاكم بسند صحيح.

الأربعاء، يناير 15، 2025

سر ورود قصة طالوت في موضعها من سورة البقرة

 

 

لطالما تساءلتُ عن سر ورود قصة "طالوت" في موضعها من سورة البقرة، فإنها تبدو للوهلة الأولى مُقْحَمَةً على السياق، منفصلة عما قبلها وعما بعدها..

وإذا كان الناس يتأملون في كتابة الكاتب البليغ، وفي نظم الشاعر المفلق، فيحاولون سبر أغوار مقاصده في اختيار اللفظة والعبارة دون غيرها.. فقد علم المسلمون جميعا أن كتاب الله المُعْجِز، الذي أحسن الكلام وأبلغ النظام، ليس فيه شيء إلا وتحته حكمة بليغة.. علمها من علمها، وجهلها من جهلها، والله يفتح على عباده بما شاء كيف شاء!

ولَكَم سمع المرء من أهل القرآن نظرات وخواطر عميقة تدهش العقل، ثم يأتي عليه قوم آخرون فيذكرون في ذات الآية والسورة نظرات أخرى لا تقل عن سابقتها في الإدهاش والإعجاز.. فكأن كتاب الله طبقات عديدة، وكأنه كتب كثيرة في كتاب، ينهل كل واحد منها على حسب عقله وقلبه، وبما فتح الله عليه.

أقول: كنت أحاول أن أفهم لماذا جاءت قصة طالوت في هذا الموضع من السورة، حتى كنتُ في مجلس علم وذكر، فكأنما فُتِح علي الحكمة في ذلك.

بدايةً، فإن سورة البقرة -كما ذكرنا في مقال سابق- هي التي رافقت تكوين المجتمع المسلم في المدينة، فهي قد بدأ نزولها مع بداية العهد المدني، ثم ظلت تتنزل آياتها متفرقة حتى نهاية هذا العهد، حتى إن آخر آية نزلت على النبي هي آية سورة البقرة {واتقوا يوما تُرجعون فيه إلى الله... الآية}.

وذكرنا أن موضوع السورة كما يبدو من جمع أجزائها هو: إعلان انتقال الخلافة الربانية إلى أمة الإسلام، فإنها تُقَدِّم لذلك بخيانة بني إسرائيل للرسالة ونكثهم، ثم يأتي الانتقال بحادثة تحويل القبلة، ثم تتنزل الكثير من التشريعات على أمة الإسلام.. وسُمِّيت السورة بهذا الاسم "البقرة" تنبيها للمسلمين وتذكيرا لهم بقصة البقرة، وأن تشريعات الله وأوامره يجب أن تؤخذ بالطاعة والتسللم لا بالجدال ولا المفاوضة.

[إن شاء الله، سأضع لك روابط للمقال ولأمور أخرى آخر هذا المنشور]

وفي هذا السياق تبدو سورة البقرة على هذا النحو:

1. الجزء الأول منها: يتحدث عن قصة الخليفة وأصل المعركة بين الحق والباطل، وكيف وصلت الرسالة إلى بني إسرائيل فخانوها!

2. ثم يُسَلِّم هذا الجزء إلى الجزء الثاني الذي يروي قصة البيت الحرام وبنائه، تمهيدا للحديث عن تحويل القبلة، ثم تنزل آيات التشريع كثيرة: في الصلاة والصيام والزواج والطلاق والخلع والبيع وغيرها.. ثم يختم هذا الجزء الثاني بقصة طالوت مع بني إسرائيل.

3. ويبقى في السورة أقل من نصف جزء، كله تقريبا عن الأموال، فمعظمه عن الإنفاق في سبيل الله، ثم الربا والدَّيْن.. وهذا الأمر تناولناه في مقال سابق، سأضع لك رابطه في نهاية هذا المنشور.

السؤال الذي نقصده هنا: لماذا جاءت قصة طالوت في هذا الموضع من السورة؟

والجواب، والله أعلم وأحكم، أن في هذه القصة نهجًا للمسلمين يعرفون بها الدواء إذا فسد حالهم وضعفوا وتغلب عليهم عدوهم، فطردهم من أرضهم واستولى على مقدساتهم..

لقد استعرضت السورة قصة خيانة بني إسرائيل، وأقامت قواعد أحكام تنظم حياة المجتمع المسلم، فما بقي إلا أن يُقال: ما هو العلاج إذا وقع الفساد.

ولئن صحَّ تصوري، فالعلاج في سورة البقرة قد جاء في هذه القصة، ثم لم يبق بعدها في السورة إلا حديث الإنفاق في سبيل الله وتحري الحلال والحرام في الأموال.

وخلاصة العلاج كما في قصة طالوت هي: توسيد الأمر إلى أهله!

وفيها أيضا بشرى للأمة المسلمة، وهي: أن توسيد الأمر لأهله يأتي بنتائج سريعة مثمرة في وقت قصير.. كما أن نزع الأمر من أهله يؤدي إلى النكبات الكبيرة.

نحن نرى كيف أن بني إسرائيل طُردوا من الأرض المقدسة، واستولى العمالقة على مقدساتهم (التابوت)، مع أنهم كانوا يحتوون في مجتمعهم هذا الرجل القائد الذي سيحررهم، ويحتوون فيه أيضا: الجنود الأبطال الذين سيأتون بالنصر.

ولكن صلب الأزمة كان في أن هذا القائد ليس في موقع القيادة، وكان في أن هؤلاء الجنود ليسوا خالصين للجندية.. كان حولهم كثيرون ممن يتكبرون عن الحق، أو يتثاقلون عن الكفاح، أو ينفرون من الجندية والتنظيم.

ولهذا، فسرعان ما تغير الوضع.. ما إن تولى طالوت موقع القيادة، حتى تساقط عنه عدد من الناس: تساقط الذين ثقل عليهم القتال، وتساقط الذين تكبروا أن يكونوا جنودا تحته.. ثم مضى مرحلتين فتساقط عنه من لم يتحمل التكاليف، ومن لم تصمد نفسه أمام قلتهم وكثرة العدو!

بقي معه ثلاثمائة رجل فحسب..

بالحساب المادي البحت، فإن طالوت قد فرَّق المجتمع ومزَّقه وخسر كثيرا جدا من عناصره، ودخل إلى الحرب في موازين قوة منهارة..

ولكن بحساب الحق وبحسبة النتائج، لقد تخلص طالوت من عناصر الفساد الكثيرة التي تشوش وتخلط وتثير الأزمات، وبقيت له الصفوة الذين أنزل الله عليهم النصر.

اللافت للنظر هنا، وهو موضع الشاهد الذي نريد العناية به، أن بني إسرائيل لم يأتهم مدد من غيرهم، ولم تنزل عليهم معجزة سماوية محسوسة.. لقد انتصروا رغم أنهم في ظاهر الأمر قد نقصوا وقلت أعدادهم.

السر هنا هو في: توسيد الأمر لأهله.. أن يكون الرجل في مكانه الصحيح، مكانه الذي يستحقه، مكانه اللائق به.

[طبعا في القصة دروس أخرى كلها مهم.. وسأضع لك في آخر المنشور مقالا يتناول بقية الدروس]

لقد كان المجتمع المهزوم المنكوب مهزوما ومنكوبا رغم أنه يحتوي القائد المخلص الكفء، ولكنهم لم يعرفوا موهبته ومقامه فلم يفكروا في الانضواء تحته.. وكان يحتوي الجنود المحررين لكنه لم يكن يعرف لهم مقامهم فلم يجعلهم جيشه ومقاتليه..

شيء يمكن تشبيهه بلوحة "البازل"، لا بد أن تكون كل قطعة في مكانها لتتضح الصورة وتكتمل وتستوي لوحة رائعة تسر الناظرين.. فأما إذا لم تأخذ كل قطعة موضعها، فالنتيجة منظر قبيح مشتت مُنَفِّرٌ غير مفهوم!!

نحن الآن أمة مهزومة منكوبة.. والعلاج -كما نفهمه من هذه القصة- أننا نحتوي داخلنا قادة النصر وجنوده.. الواجب علينا الآن أن نبحث عن القائد الكفء وأن نجتهد ليتولى مكانه الصحيح.. وأن نبحث عن الجند الأكفاء ونجتهد في أن نضع كل واحد منهم مكانه الصحيح.. ذلك هو واجب الجميع.. كلٌّ في مكانه ورتبته ووفق إمكانياته!

يستحيل أن تكون أمة الملياريْن خالية من مائة يصلحون للقيادة، أو خالية من 10 مليون يصلحون للجندية.. لا شك في أن أمتنا تحتوي من يستطيع أن ينهض بها.. لكن المأساة أنهم ليسوا في مكانهم الصحيح..

فذلك هو الواجب.. ابحث فيمن حولك عن كل كفء لمكانه، واجتهد أن تضعه فيه أو توصله إليه أو تساعده في الوصول إليه أو تدعمه في البقاء فيه إن كان قد وصل..

ذلك هو الواجب الذي تعتدل به حياة الأمة كلها.

إنك إذا قرأت سورة البقرة على هذا الحال، فأحسب أنها تستقيم في ضميرك، وتبدو كالموضوع الواحد.. والله أعلم.

 

روابط مفيدة في فهم سورة البقرة:

1. لماذا سميت سورة البقرة بهذا الاسم | https://melhamy.blogspot.com/2024/04/blog-post.html

2. سنن الانتقال من الذل إلى المجد | https://melhamy.blogspot.com/2015/01/blog-post_3.html

3. هل القيادة مثل الحرية تُنْتَزَع ولا توهب؟ | https://t.me/melhamy/3233

4. حلقات تحويل القبلة من مجالس السيرة النبوية

- 52. تحويل القبلة .. أول محنة مدنية | https://youtu.be/RyqjHfHntiI

- 53. إعلان استقلال الأمة | https://youtu.be/TnUBeOGrniI

- 54. معركة تحويل القبلة | https://youtu.be/tCeo9zEEH5c

5. الإنفاق دواء النفاق | https://youtu.be/Jfg3B-VTqNg

الجمعة، يناير 03، 2025

انهيار الباب الأول في جدار حراسة إسرائيل!

 قد فاضت الأقلام، وحُقَّ لها أن تفيض، بما أنعم الله على المسلمين من إسقاط نظام بشار الأسد، وتحرير دمشق، من بعد نصف قرن مظلم كئيب كانت في سوريا ترزح في أسوأ عهودها على الإطلاق!

والحمد لله أن قيَّض لعباده من الظروف والأحوال ما جعل هذا التحرير ممكنا على رغم قلة العدد وضعف العدة وعموم اليأس وانعدام النصير، فإن إسقاط هذا النظام آية من آيات الله، وما كان لأحد أن يتوقع سقوطه بهذه السهولة ولا بهذه السرعة! لكأنما كان سحابا وانقشع! أو سرابا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا!

إن أمام القوم تحديات عديدة، نسأل الله أن يوفقهم فيها ويهديهم إلى الرشد فيها، لكن العقبة الكأداء قد انهارت، وما بعدها أيسر منها إن شاء الله!

وأهم ما في هذا الفتح ليس ما يتعلق بأهل سوريا وحدهم، بل ما يتعلق بالشام وبمصير المنطقة كلها.. ولقد رأى الجميع كيف سرت صعقة كهربية في سائر الإقليم العربي الإسلامي، بل وفي سائر الدنيا، فإن امتلاك المسلمين لأمرهم في دمشق هو بمثابة قنبلة نووية في قلب النظام العالمي القائم الآن! وما هو بالأمر الذي يُسْمَح به مهما كانت التكاليف!

وما من شكٍّ عندي في أن الأمريكان والغربيين يحاولون اختبار الوضع، واختيار البدائل، مثلما سمحوا لمحمد مرسي بأن يصل إلى رئاسة مصر وهم يظنون ويُقَدِّرون أنهم يستطيعون به إدارة الأمر على ما يحبون ويرغبون، فلما كانت آثار هذا عظيمة لا تحتمل ذهبوا إلى الانقلاب العسكري عليه وتدمير الفرصة التي سبق أن سمحوا بها.

وإني سأقص عليك مختصر القصة، فإن كنت –أخي السوري- لا تجد الوقت أو كنتَ ملولا فاذهب مباشرة إلى آخر قسم في المقال، ففيه الخلاصة.

(1)

لم يكن الرئيس الشهيد محمد مرسي رحمه الله جهاديا، ولا كان في خاطره أن يقاتل الأمريكان والإسرائيليين، بل لقد ظنَّ أن تقديم الوجه الهادئ العملي التصالحي والحفاظ على مصالح هؤلاء الغربيين قد يمنحه الفرصة ليتمكن من البلاد تمكنا هادئا متدرجا، ثم يخرج من هذا التمكن بعد ذلك إلى تغيير الأوضاع!

وما عندي من المعلومات يؤكد أن الأمريكان كانوا يقبلون بهذا، لا حبا في محمد مرسي ولكن لأن هذا يلتقي مع خطة أخرى رغبوا في تنفيذها، تلك الخطة هي: أن يأتي الإسلاميون بالانتخابات النزيهة دون أن يمتلكوا حقيقة السلطة ومفاتيحها، فيعانون هم في الحكم ويعاني الناس من فشلهم فيه وضعف قدرتهم على إدارته، مع التهييج الإعلامي المستمر، والتفزيع الطائفي للأقليات وأصحاب المصالح، والتحكم الغربي عمليا في مراكز القوة العسكرية والأمنية والمالية.. فيكون الرئيس في أحسن أحواله كرئيس البلدية، ويكون أقصى ما يستطيع إنجازه تحسين أحوال الطرق وتنظيم الخدمات المحلية كتوزيع الخبز والغذاء وتحسين أحوال الصحة والصرف الصحي ونحو هذه الأمور! وهذا كله لن يعني شيئا في ظل القصف الإعلامي المتواصل الذي يندب ويصرخ ويشكو من أن هذا ليس كافيا بل ليس شيئا!

فتكون النتيجة النهائية أن تأتي الانتخابات القادمة النزيهة لتُسْقِط الإسلاميين باختيار الشعب وإرادته، فتكون ضربة معنوية قاصمة للإسلاميين في أنفسهم وفي أفكارهم، كما تكون ضربة قوية لأفكار الناس ليس فقط في صلاحية الإسلاميين للحكم، بل في صلاحية الإسلام للحياة!

كان يمكن لهذه الخطة أن تسير جيدا: إن أربع سنوات يراهن فيها الأمريكان على هذا المسار، هي ذاتها السنوات الأربعة التي يودّ مرسي والإخوان أن تسلم لهم؛ فالإخوان مرسي لا يريدون إلا الفرصة والوقت وهم يراهنون أن تمكنهم من تحسين هذه الأوضاع سيعني التفاف الشعب حولهم، وبالشعب وبمن ينحاز لهم من رجال السلطة يمكنهم أن يتمكنوا من الحكم وأن يصلحوا الأحوال تدريجيا وصولا إلى الغايات الكبيرة المنشودة: بداية من تحرير مصر وامتلاك قرارها وحتى تحرير الأقصى!

فإذا وقع اتفاق الإخوان والأمريكان، كلٌّ وفق رؤيته ومصالحه، على شيء.. فلماذا تعطل هذا الاتفاق؟ ولماذا جرى الانقلاب العسكري في مصر؟!

هذا هو مقصود ما أريده من هذا المقال.. فأعطني سمعك وقلبك وعقلك..

(2)

لم يكن أثر وصول مرسي إلى الحكم في مصر قاصرا على مصر وحدها؛ لقد كان لهذا الوضع أصداء واسعة في العالم كله، ولا سيما في الخليج وفي إسرائيل، وفي تركيا وإيران أيضا..

إسرائيل فقدت بانهيار حسني مبارك كنزها الاسترايتيجي –والوصف للوزير الإسرائيلي بنيامين بن إليعازر- وإن آثار الضعف والتفكك الذي عانى منه الجهاز الأمني والعسكري وفَّر فرصة هائلة لنمو المقاومة الإسلامية في فلسطين، لا سيما في غزة التي صارت تأتيها أكداس السلاح، لقد انتعش تهريب السلاح كما وكيفا عبر المسار المصري الذي ضعفت فيه قبضة الجيش والشرطة، وصارت قوة حماس تتضخم في غزة!

وأما الخليج، تلك الممالك التي ترسخ فيها الحكم الملكي والأميري، والذي يعامل الناس عمليا كعبيد لهم المأكل والمأوى ولنا فيهم القرار والسلطان، فقد أصيب بصاعقة حقيقية حين نجحت الثورة المصرية، إذ كيف لرئيس عتيق أن يسقط بعد ثلاثين سنة بهذه السهولة، ثمانية عشر يوما فحسب!! لقد أنعش هذا الآمال المدفونة للشعوب الخليجية لكي تشعر وتتنفس أن يكون لديها من الحرية والإرادة والرأي في النظام. وزاد في ذلك أن تأثير الثورة المصرية سرعان ما انتشر في ليبيا وسوريا واليمن وبدت له بوادر لم تكتمل في البحرين والجزائر والمغرب.. لقد شعر ملوك الخليج أنهم في لحظة تشبه ما عاشه قبلهم ملوك أوروبا القديمة والوسيطة؛ شعروا أنهم أمام ثورة لتحرير العبيد، وقطع رأس الملوك!! فكان لسان حالهم يقول: لئن كانت أمريكا تستطيع أن تصبر أربع سنوات تجرب فيها خطتها، فإن الوضع عندنا لا يحتمل ولا نستطيع أن نصبر! لقد رأوْا كيف أن بعض شعوبهم وضع كلمات الرئيس مرسي كنغمات رنين لهواتفهم الجوالة!.. إن استمرار مرسي سيمثل سقوطا مؤكدا لأنظمة حكمهم!

حتى إيران وتركيا على رغم ما بينهم من التضاد والخلاف، كلٌّ منهم رأى في مرسي فرصة عظيمة يتقوى بها جانبه ويشتد بها محوره..

فأما تركيا فلقد كانت لحظة في غاية الندرة والعظمة للعثماني الجديد –كما تنعته الصحافة الغربية- لكي يجد طريقا ممكنا ليتمدد في العالم العربي بعد مائة عام من العزلة العلمانية الأتاتوركية، فالمتفائل يقول: إنه أول استرجاع تاريخ الدولة العثمانية، والمتحفظ يقول: إنه أول الطريق لتمدد الدولة التركية واتخاذها الموضع اللائق بها في خريطة القوى الإقليمية. والإخوان ومرسي من جانبهم كانوا يرحبون أشد الترحيب بالحليف التركي، الحليف القوي ذي الهوى الإسلامي، في منطقة ترسخ فيها الطغاة والعلمانيون وليس لهم فيها نصير.

وأما إيران، فلقد وجدت في وصول مرسي للحكم فرصة ممتازة لتمد علاقات قوية مع مصر –أكبر الدول العربية وأهمها- بعدما سقطت العقبة الكأداء المتمثلة في حسني مبارك ذي الهوى الصهيوني والأمريكي، إنها لمنحة عظيمة في هذه اللحظة وجود إسلاميين في حكم مصر مثل الإخوان المسلمين، ليس لهم عداء عقدي جذري مع الشيعة، ولهم تطلعات تحررية من الأمريكان، ولهم عداء مع الصهاينة، ويعانون من قلة النصير. ومن ثَمَّ فإقامة علاقة مع هؤلاء هو كسر ضخم في جدار الحصار المفروض على إيران، وتوسيع حضورها، بل وفيها فوق ذلك فرصة كذلك للعمل الشيعي في مصر التي هي بيئة أقرب لقبول الفكرة لما لدى أهل مصر من حب لآل البيت ولما في مصر من معالمهم ومشاهدهم.

السودان أيضا رأى في فوز مرسي فرصة عظيمة للخروج من حالة الحصار التي كان فيها عمر البشير، النظام الفقير الذي أجبر قبل شهور على تنفيذ التقسيم والتخلي عن جنوب السودان بعد طول تصلب ومثابرة، وما كانت له من عقدة أشد وأكبر من العقدة المصرية، فها هي قد انفتحت، ثم ها قد جاء إليها الإخوان المسلمون أنفسهم الذين هم على ذات خط فكر الحزب الحاكم في السودان.

أمورٌ أخرى يمكن قولها، ولكنها أقل أهمية.. على أن القصد الذي يجب التركيز عليه أن التجربة المصرية كانت في بعض وجوهها تجربة اتفق أصحابها واتفق الغرب على منحهم الوقت والفرصة، كلٌّ لأغراضه المعاكسة للآخر، لكن تأثيراتها على الجوار هي التي عصفت بها!

لقد دخلت ممالك الخليج وإسرائيل على الخط لتتحطم هذه التجربة في أسرع وقت وأقرب فرصة ومهما كان الثمن، وفي حين كان الأمريكان يتخوفون من الفوضى لو جرى الانقلاب العسكري على مرسي، فإن إسرائيل وممالك الخليج والخونة في العسكر المصري تكفلوا لهم أن يكون الانقلاب أسهل ما يكون. فما ظنَّ أحدٌ منهم أن مرسي يمكن أن يتصلب في وجه الجيش، كيف ولم يفعلها مبارك العسكري ذي الثلاثين عاما في مقعد الحكم؟ فهل يفعلها الإصلاحي التدريجي الخالي من القوة والذي لم يتمكن في مقعد الحكم؟!.. وكان مرسي قد أبدى من الضعف ما يجعل الانقلاب عليه فكرة تستحق التجربة، وقد خُدِع في السيسي وسُحِر به انخداعا وسحرا يجعل نتيجة الانقلاب عليه تبدو مؤكدة السهولة!

ثم حصل ما حصل مما هو معروف..

وأنا أكتب الآن من موقع شاهد العيان، فلو كان مرسي قد أبدى جرأة وقوة وإقداما مثل الذي أبداه من تصلب وثبات بعد وقوع الكارثة لكنا نكتب تاريخا آخر. ولو كانت الجماعة قد قاومت ونزلت بثقلها بعد الكارثة لكان تاريخ آخر!

(3)

الشاهد الذي أقصده الآن، والذي أتوجه به لإخواني في الثورة السورية.. أن الأمريكان والغربيين يمكنهم أن يحاولوا تجريب الوضع الجديد واختبار الفرص المتاحة ودراسة شخصية أحمد الشرع ومصادر قوته ونقاط ضعفه، وإلى أي مدى يمكن تحقيق مصالحهم في وجوده.. مع الاستعداد لتغييره في كل الأحوال، حربا أو اغتيالا أو انقلابا ممن حوله، ولكن هذا الاستعداد الغربي يحتمل التأجيل!

أما الأنظمة العربية وإسرائيل فلا تملك الوقت ولا الصبر على ذلك، وإن اشتياقها لتدمير التجربة وتحطيمها لا يتمهل، ولئن كان القوم لم يحتملوا مرسي –على كل ما فيه من إصلاحية، وعلى كل ما لهم من نفوذ داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية في مصر- فكيف برجل مثل أحمد الشرع، ذلك القادم من مسار جهادي سلفي، وقد حمل السلاح، وفريقه ليس فيه هذا الحضور ولا النفوذ؟!

لقد أبدت أنظمة الخليج لمرسي تقبلا، ورسمت له في دهاليز العلاقات الخلفية ابتسامات وضحكات، وكانت تطعنه من الخلف (وهذا ملف لم يُعرف بعدُ أكثره)، حتى لقد رأيت بنفسي في فريق مرسي من كان مطمئنا لهم غاية الاطمئنان، وكان سعيدا لما أغرقوه به من الحفاوة، ولا يتصور أن هذا قد يكون غدرا.. أقصد القول: ليس الذي يحدث الآن مع أحمد الشرع غريبا ولا هو يعني تقبلا حقيقيا لوجوده!

إن تحرير دمشق، كما تقرؤه العواصم السياسية العربية، هو إسقاط لأخ عريق في الطغيان والتجبر، وهو دليل على أن نجاح الثورات ممكنة رغم كل المآسي والجراح، وهذا درسٌ هائل عظيم، كم أنفقوا المليارات والمجهودات لإثبات عكسه، حتى صارت سوريا المثال الأبرز عليه، فكان يقال للمقهورين: "احمدوا ربكم أحسن من سوريا"!

وإن تحرير دمشق، كما تقرؤه العواصم العالمية، هو انهيار بوابة حديدية كبرى في جدار حراسة إسرائيل، بل هو انهيار ثلث الجدار، وبقي ثلثاه: مصر والأردن!.. فكيف يكون حال قومٍ خسروا في أيامٍ بابا من ثلاثة أبواب تحمي مشروعهم الأثير: إسرائيل؟!.. وكيف يكون حال إسرائيل نفسها، وهي التي لم تخرج بعد من الصفعة المدوية التي تلقتها في غزة! غزة التي لا تملك إلا السلاح الخفيف والمتوسط، والمحاصرة منذ سبعة عشر عاما؟!

لئن كانت نافذة غزة قد تدفق منها طوفان الأقصى، فكيف يتوقعون أن يكون التدفق الذي سيأتي من باب سوريا الكبير؟!!

أسأل الله تعالى أن يتم نعمته على إخواننا في سوريا، وأن يهدي قائدهم أحمد الشرع ورجاله لما فيه السداد والرشاد والخير والهدى والفلاح، وأن يجنبهم كيد الكائدين وغدر الغادرين.

الأربعاء، ديسمبر 04، 2024

لو كان عرضا قريبا!

 أخبرنا ربنا تبارك وتعالى عن نفسية قومٍ لا يخوضون الجهاد لأنه بعيد الثمرة، وهذا البُعْدُ هو ما جعلهم يتثاقلون ويتباطؤون ويتخلفون عن الجهاد مع النبي ﷺ. وبيَّن ربنا، وهو العليم بالنفوس البصير بما في القلوب، أن الثمرة لو كانت قريبة لكانوا قد خرجوا مجاهدين.

قال تعالى {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 42].

ونحن نرى مصداق قول ربنا هذا في زماننا الآن، فانظر وتأمل كم واحدًا كان فرحا مسرورا فخورا بما وقع في طوفان الأقصى لما وقع، وانظر كم منهم الآن من يتحدث عن خطأ الحساب ومرارة التكاليف وقسوة الأوضاع، بعضهم يُصَرِّح وبعضهم يُلَمِّح أن قرار الطوفان كان قرارا خاطئا، وأن تكاليفه كانت شديدة وأنها كانت مغامرة غير محسوبة!

وما من شك في أن حرب غزة لو كانت قد توقفت بعد شهرين أو ثلاثة أو ستة، لكان أكثر القائلين بهذا يقولون بغيره، بل بعكسه، ولربما جادت قرائحهم بالأقوال اليانعة في عبقرية من اتخذ قرار الطوفان بما يرفعهم عن مصاف البشر وبما يجعلهم معدن الحكمة!

فهل مثلُ هذا الحال حالٌ أدقُّ في وصفِ هذه العلة: بُعْدُ الشُّقَّة؟!

فالمسألة إذن نفسية، وبحسب ما تحتمل النفس من المشقة تُكَيِّف الموضوع، وقد يتبع العقلُ النفس في هوها وتحملها، فما احتملته كان عبقرية وحكمة، وما عجزت عن احتماله كان تهورا وخطأً!

وقد يسأل سائلٌ مستفسرًا ومستفهمًا: فكيف نُفَرِّق إذن بين جهاد محمود بعيد الشقة بعد الثمرة؟ وبين الخطأ المذموم الذي يوصف بالتهور وخطأ الحسبة وركوب الأهوال واقتحام المخاطر بغير عدة؟!

للجواب على هذا السؤال وأشباهه، كُتِبت هذه السطور..

 

(1)

إن الجهاد في غزة وفلسطين، هو جهاد دفع ليس جهاد طلب، فالأصل فيه أنه قائم مشتعل لا يهدأ ولا يفتر، وقد يُقدِّر المجاهدون هدنة قصيرة أو طويلة لالتقاط الأنفاس أو لإعداد عدة، دون أن يعني هذا أن الجهاد قد توقف وارتفع الواجب فيه.

وجهاد الدفع ليس هو الذي يُشترط فيه ويلزم فيه وقوع غلبة الظن بالظفر والنصر، بل هو مطلوبٌ بما توفر وحضر من العدة والعدد، فهو من نوع الذي يجاهد مدافعا عن نفسه وعرضه وماله، قد يخوض غمرة الموت مدافعًا دون أن يتحقق له غلبة الظن بأنه قادرٌ على الدفع والظفر! وقد شهد النبي لمن فعل ذلك بالشهادة في قوله: من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِل دون نفسه فهو شهيد، ومن قُتِل دون عرضه فهو شهيد.

وقد قرر العلماء في جهاد الطلب جواز، وبعضهم قال باستحباب، أن يفعل المجاهد ما قد يكون فيه هلكته إن كان في فعله هذا نكاية بالعدو وإرعاب له، فكيف إن كان الواقع في جهاد الدفع، وفي دفع الصائل، وهو الأمر الذي ليس بعد الإيمان بالله شيء أوجب منه؟!

وإن الناظر في واقعنا المعاصر ليعلم ويرى أن من المستحيل تحققه في المدى المنظور أن يبلغ المجاهدون في العدد والعدة مثلَ الذي هو عند عدوهم، إن الواقع شاهدٌ بهذا، كيف وهم محاصرون من أنظمة الخيانة والغدر، وعدوهم ممدود بحبل الغرب والأمريكان وأنظمة الخيانة نفسها.

إن صرف الوقت انتظارا لاكتمال العدد والعدة ليست له ثمرة إلا أن تزيد الفجوة بين ما لدى أهل الجهاد، وما لدى العدو.. وهو ما يجعل المهمة تزداد في كل يوم عسرًا وعنتًا ومشقة واستحالة!

 

(2)

لقد تكرر في القرآن والسنة الثناء على قوم قاموا بالحق حتى هلكوا فيه ولم ينتصروا..

انظر إلى أصحاب الأخدود، آمنوا بالله وكفروا بالطاغية، فحفر لهم أخدودا ملأه نارًا، ثم أحرقهم فيه.. أبادهم!

وانظر إلى سحرة فرعون، وهم يكفرون بفرعون ويؤمنون بموسى أمام الجمع الحاشد الكبير، ثم يضربون هيبة فرعون وجبروته في مقتل حين يستخفون بتهديده وعذابه، فماذا كان؟.. أتى لهم بالجنود يعذبونهم ويقطعونهم حتى أهلكهم وأبادهم!

وانظر إلى أصحاب الكهف، كيف قاموا بالحق فعبدوا الله وكفروا بآلهة قومهم حتى لم يأمنوا على أنفسهم، فخرجوا يلتمسون المأوى الآمن بعيدًا، فألقى الله عليهم النوم حتى بعثهم بعد ثلاثمائة عام.. إذا نظرت إلى هذا المشهد من جهة القوم الكافرين، فكيف تراه؟!.. ترى قوما من "الإرهابيين" و"الخوارج" و"المتطرفين" هربوا من وجه القانون حتى لا ندري في أي أودية الأرض هلكوا!

وانظر إلى امرأة فرعون وإلى ماشطة ابنته كيف آمنتا بالله وكفرتا بفرعون وتحملتا العذاب، حتى لقد هلكت الماشطة وأطفالها تعذيبا وإحراقا..

ولقد أخبرنا نبينا برجليْن بلغا مرتبة واحدة: أحدهما قُتِل شهيدا وهو يُقاتل، والآخر قُتِل بعدما جهر بكلمة الحق في وجه الجبار الجائر، كلاهما بلغ مرتبة سيد الشهداء، وكلاهما لم يكن بميزان الدنيا من المنتصرين!

وأزيدك من الشعر بيتا.. أو من التاريخ قصصا..

إن الأمة المهزومة المستضعفة لا تبدأ مسيرة نهضتها إلا بأفواج من الاستشهاديين، نعم، بهؤلاء ذوي النفوس الفولاذية التي يبلغ إيمانها مبلغًا تنهار معه القوى المادية كلها، فيُقدم على عمل يراه الناس انتحارًا، ويكون هو البذرة الأولى في كل قصة نهوض!

ماذا كان يرجو بلالٌ من حظ الدنيا حين كان يقول في عذابه الرهيب: أحدٌ أحدٌ؟!

وماذا كان يرجو خبيب بن عدي من حظ الدنيا وهو يقول على خشبة الصلب:

ولست أبالي حين أُقتل مسلما .. على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ .. يبارك على أوصال شلو ممزع

ولا تحسبن هذا قاصرًا على أمتنا وحدها؛ لا.. لقد وُجِد في الأمم كلها أمثال هؤلاء "الانتحاريين" الذين بذلوا نفوسهم في سبيل تثبيت أقوامهم على عقائدهم، حتى وإن كانت باطلة.. لم يزل الإسبان حتى اليوم يُعَظِّمون قوما "انتحاريين" كانوا يأتون إلى قلب الساحة الرئيسية في قرطبة العظيمة إبان ذروتها فيتعالنون بسب النبي والقرآن والإسلام، يريدون بذلك تثبيت قومهم النصارى لما يرونه من ذوبان النصرانية وانكماشها أمام قوة الإسلام وحضارته. ولأن المشهد كان عجيبا فقد تعامل معهم قضاة المسلمين باعتبارهم مجانين فلم يحكموا عليهم بالقتل غير مرة.. أولئك المجانين تراهم أمة الإسبان أول من ثبَّت النصرانية وأول من قاوم الوجود الإسلامي.

وفي التاريخ أمثال هؤلاء مما لا يتسع له المقام.. إنما أذكرهم لأقول: لا بديل لكل أمة مستضعفة تحفظ وجودها عن "استشهاديين" يخرقون قانون القوة ومنطق العقل ليمنحوا الدين والإيمان وقودا من دمائهم المسفوكة ونورا من نفوسهم المسفوحة!.. هكذا بدأ الإسلام قصته! وهكذا بدأت كل قصة نهضة من بعد هزيمة!

 

(3)

وإذن، فهل كان قرار طوفان الأقصى قرار عملية استشهادية جماعية؟!

لست أدري.. وأغلب الظن عندي أنه لم يكن كذلك، وأن الذي اتخذ القرار لم يكن يتوقع ردًّا بهذه الدموية، ولا توقع كل هذه الخيانة من أنظمة الغدر والخيانة العربية والإسلامية!

وقد يخطئ المجاهد فيخوض معركة لا تكون نتائجها كما أَمَّل وترجى وتمنى.. فإنما المجاهد بشر، وهل كان المجاهد معصوما؟!

ما من أحد يستطيع أن يقول بأن كل معركة خرج لها النبي أو خلفاؤه الراشدون أو الفاتحون والصالحون من الأمراء والسلاطين كانت محسومة النتيجة لصالح النصر، وإنما هو التقدير الذي قد يصيب وقد يخطئ، ولو كان الإنسان لا يقدم إلا على معركة النصر فيها محسوم لما كان ذلك منه بطولة ولا جهادا، بل هذا أقرب إلى الانتهازية وركوب المصلحة..

ما البطولة ولا الشجاعة ولا البسالة إلا الثبات في الموطن المخوف والمنزل الرعيب والاستئساد في ساحة الخوف والصلابة حين تميد الأرض وتكفهر الأجواء وتظلم الأنحاء!

ولولا ذلك ما وُصِف بطل بالبطولة، ولا شجاع بالشجاعة، ولا باسل بالبسالة!

ثم إن حسبة النتائج هذه متعذرة أصلا في حال الدنيا وطبائعها، فما من معركة يمكن الحسم بنتيجتها قبل أن تبدأ.

وقد وقع في سيرة نبينا الأعظم ﷺ أن هُزِم جيش المسلمين، ووقع أن حاصروا مدينة ولم تفتح لهم رغم استبسالهم وجهدهم حتى تركوها ورحلوا، ولقد أرسل نبينا ﷺ سرايا في مهمات عسكرية، فمنها ما أبيد ولم يرجع منها أحد! ومنها ما أبيد ولم يرجع منها سوى القائد وحده!! فإذا كان تقدير البشر وعملهم قد مسَّ الخطأ فيه خير البشر وأولاهم بالعصمة، فكيف بمن هم دونه؟!

ولقد خاض جيش الصحابة بعد وفاة النبي فتوحا، فوقعت فيهم الهزيمة أحيانا، واستعصت عليهم المدن أحيانا، وانقلبت عليهم مدن بعد فتحها أحيانا.. فلو كان يشترط لقرار الجهاد التيقن من النصر والظفر لما قام للجهاد أحد!

وفي تاريخنا الإسلامي أمثلة تعز على الحصر، يطول تتبعها، حول مدن صمدت أمام التتار وأمام الصليبيين وأمام القشتاليين وغيرهم، واستبسلت وقاتلت وكافحت ثم سقطت، فلم يكن جهادهم هذا عيبا ولا عبثا ولا خطئا.. بل كانوا أبطالا وخلدوا في ذاكرة الأمة أبطالا، وضربوا بأنفسهم المثل والقدوة لمن في زمانهم ولمن جاء بعدهم.

وقد تكرر في تاريخنا الحديث وفي زماننا المعاصر هذا انتهاء حركات إسلامية مجاهدة دون أن تحقق أهدافها في النصر والتمكين، فمنهم: عبد القادر الجزائري وعمر المختار وعبد الكريم الخطابي وحسن البنا وسيد قطب وأمين الحسيني وغيرهم كثير.. فإن أمتنا التي لم تكف عن المقاومة، لم يتحقق فيها النصر والتمكين في هذا الزمان المعاصر إلا مرات معدودة، لشدة ما نحن فيه من الاستضعاف ولعظيم الفارق بيننا وبين عدونا في القوة، ولكثرة ما فينا من الخائنين والمتخاذلين، ولعيوب أخرى ذاتية أيضا..

والقصدُ أن مرارة النتائج وقسوتها لا تبطل الأصل، فهذا الذي وقع كله لا يجعل الطريق خطأ ولا يجعل هؤلاء مخطئين، بل لقد أنزلت الأمةُ هؤلاء جميعا -وهم مهزومين، لم يبلغوا التمكين- منزلة الأبطال والكبار الذين مهدوا الطريق أو وضعوا لبنات في البناء!

فلو قد تحقق المخوف وقُضِي على المقاومة في غزة، فلن يكون هذا خطأ في الطريق وفي الجهاد.. فإن غاية ذلك أن يكون خطأ في التفاصيل والتقديرات، وليس هذا هو الخطأ الأعظم.. إنما الخطأ الأعظم أمر آخر أحدثك عنه بعد قليل!!

الذي أريد قوله الآن وهنا: أنه، وإن كان قرار طوفان الأقصى قرار استشهاد جماعي، فكم سبقهم إلى ذلك مجاهدون صالحون، ما كانوا يملكون إلا الصمود والصبر والدفع والدفاع، حتى أعذروا إلى ربهم وبذلوا أقصى جهدهم، ثم مضوا شهداء مخلدين، وبقي ذكرهم في التاريخ مخلدا!

 

(4)

أما الخطأ الأعظم حقا، بل الخطيئة العظمى صدقا، فهو هذا التخلي وهذا الخذلان، بل هذه الخيانة لله ورسوله والمؤمنين.

فلو قد اتفقنا –جدلا وتنزلا- أن قيادة المقاومة أخطأت بقرار الطوفان، فإن خطأهم في التقدير والتفاصيل لا يرفع عن الأمة وحكامها وجيوشها وأجهزة أمنها ومخابراتها وإعلامها واجب الجهاد والمساندة والدعم والنصرة لإخوانهم المذبوحين المضطهدين وإن أخطؤوا!

هذا هو الخطأ الذي ينحرف المتكلمون عنه ولا يريدون الخوض فيه لأن الخوض فيه ذو تكاليف وأثمان.. فيهربون من تكاليف قول الحق في أصحاب الخطايا والخيانة لينهشوا بألسنتهم من بذل غاية جهده ثم أخطأ في التفاصيل وفي التقدير!

المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يُسلمه!

ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، وكان صادقا في الحديث عن الأخطاء وتوزيع المسؤوليات، فأوجب الواجب وأولى الأولويات أن يشير إلى هؤلاء الذين خانوا الله ورسوله والمؤمنين، وأسلموا أهل غزة وفلسطين ليُذبحوا، لا بل عاونوا على ذبحهم، بحصارهم، وبإمداد عدوهم بالسلاح والمؤن، وبقهر شعوبهم ألا تنهض لنصرة غزة!

من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليضرب بسهم في قلب الخيانة، لا أن يوجه سهامه إلى قلب المجاهد الذي وقع منه الخطأ!

من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت!

 

(5)

وأخيرا.. هل أخطأ المجاهدون حقا أم كان تقديرهم صوابا؟

والجواب: لست أدري.. إنه ما من أحد يملك جوابا شافيا على هذا غيرُ الذين اتخذوا هذا القرار، وبعضهم الآن شهيد عند ربه..

لكنني أدري أمورًا أخرى قد تغيب عن حساب الذين يتحدثون عن المكاسب والخسائر.

اعلم أولا أن الشعوب، سائر الشعوب، تبع لقادتها.. فالقادة هم الذين يقدرون مصالحها وخسائرها، فيتخذون قرار الحرب وقرار السلم دون عودة ولا استفتاء لشعوبهم.. فمن عجيب ما نحن فيه أننا ابْتُلينا بمن كان يريد من يحيى السنوار أن يستفتي أهل غزة قبل أن يقدم على قرار الطوفان!! يريد منه بذلك أن يكون أعظم ديمقراطية من تشرشل وأيزنهاور وبلير وبوش وغيرهم من قيادة الغرب الديمقراطي (!!) الذين يخوضون الحروب ويسوقون شعوبهم إليها!

ما عرف التاريخ قوما يستفتيهم قائدهم في قرار خوض الحرب قبل أن يفعلها، وإنما الذي كان ويكون وسيكون إلى يوم القيامة أن هذا القائد يقدر أن المصلحة في خوض الحرب فيحمل شعبه إليها، فإن أصاب وفاز سعدوا جميعا، وإن أخفق وغُلِب دفعوا الثمن جميعا!

غير أن الذي أريد لفت الأنظار إليه هنا أن حساب المصالح والمفاسد لا يكون مقصورا على لحظة الحاضر الواقع الآن، بل هو حساب يستدعي تقدير المآلات والمصائر!

دعني أقرب الصورة لك: لقد كان الأقصى مهددا بالهدم، واتخذ القوم من إجراءات التقسيم الزماني والمكاني، ومن طقوسهم التعبدية التلمودية ما يشير إلى قرب نيتهم تنفيذ هذا الهدم.

فالآن.. تخيل أن لو لم يكن طوفان الأقصى قد حصل، ثم استيقظنا يوما على بدء عملية الهدم، بعدما اتخذت إسرائيل سائر احتياطاتها واحترازاتها السياسية والعسكرية والأمنية لتتم عملية الهدم بأهون سبيل.. ماذا كنت تحب أن يكون؟!

إن إسرائيل لا تخفي طموحها في هدم الأقصى وإقامة الهيكل مكانه! بل هذا هو مشروعها الذي تريده منذ أن نشأت، وهي تسعى إليه سعيها الحثيث، ولا يؤخرها عن فعله إلا أنها تخشى هبة وغضبة شعبية تطيح بها..

ولو أنك لم تنسَ لرأيت كيف كان موكب التطبيع سائرا، حتى أنشأت بعض الأنظمة "الديانة الإبراهيمية" وصنعت بيتا لهذه الديانة الجديدة، وافتتحت اتفاقيات سمتها الإبراهيمية لتبدأ عملية تطبيع، بل عملية صهينة محمومة للعرب والمسلمين، بلغت أن يدخل بعض اليهود إلى المدينة المنورة، وأن ينفخ بعض حاخامتهم أبواقهم عند أطلال خيبر!

أريد أن أذكرك أن مسألة هدم الأقصى والاستعدادات الجارية لذلك سياسيا واقتصاديا وأمنيا كانت على أشدها..

فلو كنتَ في موقع قادة المقاومة في غزة، ورأيت هذا المآل بعين التوقع القريب، لكان قرار القيام بعملية استشهاد جماعية إنقاذا للأقصى هو المصلحة.. بل هو المصلحة العظمى! إن إيقاف هدم الأقصى وتوغل الصهاينة إلى مكة والمدينة وخيبر ثمن يستحق أن ندفع من أجله عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف الجرحى!

دعنى أقدمها لك بصياغة أخرى: لو أنك استيقظت يوما فوجدت الأقصى قد هُدِم، ثم قيل لك: قد كانت لدى المقاومة خطة اجتياح لغلاف غزة ولكن تقديراتها كانت أن هذا الاجتياح سيكلفها عشرآت آلاف القتلى ومئات آلاف الجرحى، فصمتت ولم تفعل.. ماذا كنت تراك تقول أو تفعل أو تشعر؟!

ألن تشعر بأنك تحب أن تضحي بنفسك رخيصة قبل أن ترى بعينيك هدم الأقصى مسرى النبي ﷺ؟!

هذا الذي أريد أن ألفت النظر إليه: إن حساب المصالح والمفاسد، حساب المكاسب والخسائر، لا يقارن بين وضع غزة قبل الطوفان وبعده.. بل يقارن بين وضع المسلمين والصهاينة والأقصى بالطوفان وبغير الطوفان!.. عندئذ يعتدل الحساب!

ثم أعود فأكرر: لست أدري ماذا كان في رأس قادة المقاومة حين اتخذوا قرارهم.. غير أن الذين أرى منهم كل هذه الأساطير العجيبة في القتال والصمود لا بد لي أن أحترم عقولهم ونفوسهم وتقديراتهم، وإن لم أكن قد عرفتها ولا اطلعت عليها!

وأعرف قبل ذلك وبعده أنه لا نهضة للأمة إلا بمثل هذه الأثمان الكبيرة المدفوعة.. مثلما لم تنهض أي أمة إلا بفضل تضحيات أبنائها، بمن في ذلك الملحدون والكفار الذين لا يرجون الدار الآخرة.

هذا هو الحساب البعيد.. حسابٌ فيه الجهاد ذا ثمرة، ولكن الثمرة بعيدة.. بعيدة الشقة!

ثمرة لا يصلح لها من لا ينهض إلا لو كان الجهاد عرضا قريبا!!

نشر في مجلة أنصار النبي، ديسمبر 2024م