لطالما
تساءلتُ عن سر ورود قصة "طالوت" في موضعها من سورة البقرة، فإنها تبدو
للوهلة الأولى مُقْحَمَةً على السياق، منفصلة عما قبلها وعما بعدها..
وإذا
كان الناس يتأملون في كتابة الكاتب البليغ، وفي نظم الشاعر المفلق، فيحاولون سبر
أغوار مقاصده في اختيار اللفظة والعبارة دون غيرها.. فقد علم المسلمون جميعا أن
كتاب الله المُعْجِز، الذي أحسن الكلام وأبلغ النظام، ليس فيه شيء إلا وتحته حكمة
بليغة.. علمها من علمها، وجهلها من جهلها، والله يفتح على عباده بما شاء كيف شاء!
ولَكَم
سمع المرء من أهل القرآن نظرات وخواطر عميقة تدهش العقل، ثم يأتي عليه قوم آخرون
فيذكرون في ذات الآية والسورة نظرات أخرى لا تقل عن سابقتها في الإدهاش والإعجاز..
فكأن كتاب الله طبقات عديدة، وكأنه كتب كثيرة في كتاب، ينهل كل واحد منها على حسب
عقله وقلبه، وبما فتح الله عليه.
أقول:
كنت أحاول أن أفهم لماذا جاءت قصة طالوت في هذا الموضع من السورة، حتى كنتُ في
مجلس علم وذكر، فكأنما فُتِح علي الحكمة في ذلك.
بدايةً،
فإن سورة البقرة -كما ذكرنا في مقال سابق- هي التي رافقت تكوين المجتمع المسلم في
المدينة، فهي قد بدأ نزولها مع بداية العهد المدني، ثم ظلت تتنزل آياتها متفرقة
حتى نهاية هذا العهد، حتى إن آخر آية نزلت على النبي هي آية سورة البقرة {واتقوا
يوما تُرجعون فيه إلى الله... الآية}.
وذكرنا
أن موضوع السورة كما يبدو من جمع أجزائها هو: إعلان انتقال الخلافة الربانية إلى
أمة الإسلام، فإنها تُقَدِّم لذلك بخيانة بني إسرائيل للرسالة ونكثهم، ثم يأتي
الانتقال بحادثة تحويل القبلة، ثم تتنزل الكثير من التشريعات على أمة الإسلام..
وسُمِّيت السورة بهذا الاسم "البقرة" تنبيها للمسلمين وتذكيرا لهم بقصة
البقرة، وأن تشريعات الله وأوامره يجب أن تؤخذ بالطاعة والتسللم لا بالجدال ولا
المفاوضة.
[إن
شاء الله، سأضع لك روابط للمقال ولأمور أخرى آخر هذا المنشور]
وفي
هذا السياق تبدو سورة البقرة على هذا النحو:
1.
الجزء الأول منها: يتحدث عن قصة الخليفة وأصل المعركة بين الحق والباطل، وكيف وصلت
الرسالة إلى بني إسرائيل فخانوها!
2.
ثم يُسَلِّم هذا الجزء إلى الجزء الثاني الذي يروي قصة البيت الحرام وبنائه،
تمهيدا للحديث عن تحويل القبلة، ثم تنزل آيات التشريع كثيرة: في الصلاة والصيام
والزواج والطلاق والخلع والبيع وغيرها.. ثم يختم هذا الجزء الثاني بقصة طالوت مع
بني إسرائيل.
3.
ويبقى في السورة أقل من نصف جزء، كله تقريبا عن الأموال، فمعظمه عن الإنفاق في
سبيل الله، ثم الربا والدَّيْن.. وهذا الأمر تناولناه في مقال سابق، سأضع لك رابطه
في نهاية هذا المنشور.
السؤال
الذي نقصده هنا: لماذا جاءت قصة طالوت في هذا الموضع من السورة؟
والجواب،
والله أعلم وأحكم، أن في هذه القصة نهجًا للمسلمين يعرفون بها الدواء إذا فسد
حالهم وضعفوا وتغلب عليهم عدوهم، فطردهم من أرضهم واستولى على مقدساتهم..
لقد
استعرضت السورة قصة خيانة بني إسرائيل، وأقامت قواعد أحكام تنظم حياة المجتمع
المسلم، فما بقي إلا أن يُقال: ما هو العلاج إذا وقع الفساد.
ولئن
صحَّ تصوري، فالعلاج في سورة البقرة قد جاء في هذه القصة، ثم لم يبق بعدها في
السورة إلا حديث الإنفاق في سبيل الله وتحري الحلال والحرام في الأموال.
وخلاصة
العلاج كما في قصة طالوت هي: توسيد الأمر إلى أهله!
وفيها
أيضا بشرى للأمة المسلمة، وهي: أن توسيد الأمر لأهله يأتي بنتائج سريعة مثمرة في
وقت قصير.. كما أن نزع الأمر من أهله يؤدي إلى النكبات الكبيرة.
نحن
نرى كيف أن بني إسرائيل طُردوا من الأرض المقدسة، واستولى العمالقة على مقدساتهم
(التابوت)، مع أنهم كانوا يحتوون في مجتمعهم هذا الرجل القائد الذي سيحررهم، ويحتوون
فيه أيضا: الجنود الأبطال الذين سيأتون بالنصر.
ولكن
صلب الأزمة كان في أن هذا القائد ليس في موقع القيادة، وكان في أن هؤلاء الجنود
ليسوا خالصين للجندية.. كان حولهم كثيرون ممن يتكبرون عن الحق، أو يتثاقلون عن
الكفاح، أو ينفرون من الجندية والتنظيم.
ولهذا،
فسرعان ما تغير الوضع.. ما إن تولى طالوت موقع القيادة، حتى تساقط عنه عدد من
الناس: تساقط الذين ثقل عليهم القتال، وتساقط الذين تكبروا أن يكونوا جنودا تحته..
ثم مضى مرحلتين فتساقط عنه من لم يتحمل التكاليف، ومن لم تصمد نفسه أمام قلتهم
وكثرة العدو!
بقي
معه ثلاثمائة رجل فحسب..
بالحساب
المادي البحت، فإن طالوت قد فرَّق المجتمع ومزَّقه وخسر كثيرا جدا من عناصره، ودخل
إلى الحرب في موازين قوة منهارة..
ولكن
بحساب الحق وبحسبة النتائج، لقد تخلص طالوت من عناصر الفساد الكثيرة التي تشوش
وتخلط وتثير الأزمات، وبقيت له الصفوة الذين أنزل الله عليهم النصر.
اللافت
للنظر هنا، وهو موضع الشاهد الذي نريد العناية به، أن بني إسرائيل لم يأتهم مدد من
غيرهم، ولم تنزل عليهم معجزة سماوية محسوسة.. لقد انتصروا رغم أنهم في ظاهر الأمر
قد نقصوا وقلت أعدادهم.
السر
هنا هو في: توسيد الأمر لأهله.. أن يكون الرجل في مكانه الصحيح، مكانه الذي
يستحقه، مكانه اللائق به.
[طبعا
في القصة دروس أخرى كلها مهم.. وسأضع لك في آخر المنشور مقالا يتناول بقية الدروس]
لقد
كان المجتمع المهزوم المنكوب مهزوما ومنكوبا رغم أنه يحتوي القائد المخلص الكفء،
ولكنهم لم يعرفوا موهبته ومقامه فلم يفكروا في الانضواء تحته.. وكان يحتوي الجنود
المحررين لكنه لم يكن يعرف لهم مقامهم فلم يجعلهم جيشه ومقاتليه..
شيء
يمكن تشبيهه بلوحة "البازل"، لا بد أن تكون كل قطعة في مكانها لتتضح
الصورة وتكتمل وتستوي لوحة رائعة تسر الناظرين.. فأما إذا لم تأخذ كل قطعة موضعها،
فالنتيجة منظر قبيح مشتت مُنَفِّرٌ غير مفهوم!!
نحن
الآن أمة مهزومة منكوبة.. والعلاج -كما نفهمه من هذه القصة- أننا نحتوي داخلنا
قادة النصر وجنوده.. الواجب علينا الآن أن نبحث عن القائد الكفء وأن نجتهد ليتولى
مكانه الصحيح.. وأن نبحث عن الجند الأكفاء ونجتهد في أن نضع كل واحد منهم مكانه
الصحيح.. ذلك هو واجب الجميع.. كلٌّ في مكانه ورتبته ووفق إمكانياته!
يستحيل
أن تكون أمة الملياريْن خالية من مائة يصلحون للقيادة، أو خالية من 10 مليون
يصلحون للجندية.. لا شك في أن أمتنا تحتوي من يستطيع أن ينهض بها.. لكن المأساة
أنهم ليسوا في مكانهم الصحيح..
فذلك
هو الواجب.. ابحث فيمن حولك عن كل كفء لمكانه، واجتهد أن تضعه فيه أو توصله إليه
أو تساعده في الوصول إليه أو تدعمه في البقاء فيه إن كان قد وصل..
ذلك
هو الواجب الذي تعتدل به حياة الأمة كلها.
إنك
إذا قرأت سورة البقرة على هذا الحال، فأحسب أنها تستقيم في ضميرك، وتبدو كالموضوع
الواحد.. والله أعلم.
روابط
مفيدة في فهم سورة البقرة:
1.
لماذا سميت سورة البقرة بهذا الاسم | https://melhamy.blogspot.com/2024/04/blog-post.html
2.
سنن الانتقال من الذل إلى المجد | https://melhamy.blogspot.com/2015/01/blog-post_3.html
3.
هل القيادة مثل الحرية تُنْتَزَع ولا توهب؟ | https://t.me/melhamy/3233
4.
حلقات تحويل القبلة من مجالس السيرة النبوية
-
52. تحويل القبلة .. أول محنة مدنية | https://youtu.be/RyqjHfHntiI
-
53. إعلان استقلال الأمة | https://youtu.be/TnUBeOGrniI
-
54. معركة تحويل القبلة | https://youtu.be/tCeo9zEEH5c
5.
الإنفاق دواء النفاق | https://youtu.be/Jfg3B-VTqNg
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق