الأحد، يونيو 04، 2023

الانتخابات التركية شاهدٌ جديد على تفوق النظام الإسلامي

 

سيصدر هذا العدد بعد نهاية الانتخابات التركية، بينما تُكتب هذه السطور قبل أن ينقشع الغبار، والذي نسأل الله تعالى أن ينقشع وقد انتصر أردوغان وحزبه على هذه الديناصورات التي ترجو ويرجو لها أسيادها الغربيين أن تتجدد لتهدم تركيا ولتطعن الأمة المسلمة من جديد.

لكن، وحيث أنه مهما كانت النتجة، فلا بد أن الطرف الغالب وأنصاره سينشؤون حفلة كبيرة وينصبون سوقا فكريا ضخما حول مميزات الديمقراطية وقدرة الشعوب على اختيار مصيرها، وحيث أن الطرف المغلوب وأنصاره سيقيمون سرادقا موازيا حول مشكلات الديمقراطية وقدرة الزعماء المستبدين أو قدرة مراكز القوى على خداع الجماهير.. حيث كان ذلك كذلك، فما هو قولنا نحن المسلمين، في مجلة مثل هذه المجلة "مجلة أنصار النبي ﷺ" عن حدث ضخم كهذا، وفي سوق فكرية عظمى كهذه؟

نحن المسلمين نؤمن بأن ديننا جاء بالوقاية التامة ثم بالعلاج الشافي لمشكلات البشر، ونؤمن بأن نبينا محمدا ﷺ هو رحمة الله للعالمين وهو البشير النذير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وهو الذي إذا أطاعه البشر اهتدوا به.

لقد كانت الانتخابات التركية مناسبة طيبة لنفتح فيها الموضوع الكبير: كيف حرر محمد ﷺ البشر من الطغيان؟

لن يكفي المقام هنا إلا لإشارات سريعة، فاجتهد معي –أخي الحبيب- في القراءة والتأمل، كما قد اجتهدت لك في البيان والإيجاز.

(1)

إذا وُضِع أمام الجائع المنهك شطيرة من البرجر وزجاجة من الكولا، فإنه سينهمر عليها، وله العذر في ذلك، ومهما حاولت أن تحدثه عن أضرارهما فسيكون كل الكلام نوعا من العبث، على نحو قول شوقي:

لقد أعرتُك أذنا غير سامعة .. ورب مُنْتَصِتٍ والقلب في صمم

إن الحال الشنيعة التي نحياها في بلادنا العربية تجعل الديمقراطية الغربية هي غاية المنى والأحلام، إذ هي المعروضة المتاحة التي يسيل لها اللعاب، ويجعل كل حديث عن مشكلاتها، وعن تفوق النظام السياسي الإسلامي عليها غير مسموع ولا مفهوم. فالغارق في المأساة الذي لا يملك ترف الاختيار، لا يُحسن أن يميز الأمور كما يُمَيِّزها من نجا من القاع السحيق، إن المصيبة تعطل الحواس، وهذا ما يجعل مهمة بيان النظام السياسي الإسلامي وتفوقه على غيره من النظم، بما في ذلك النظام الديمقراطي، أكثر صعوبة.

(2)

لنبدأ بالمشهد المزري الذي كشفت عنه الانتخابات التركية، لنحاول تقريب الصورة بالمثال، هذا الخطاب العنصري البغيض الذي خيَّم على مشهد الانتخابات التركية، لا سيما ضد السوريين والعرب والمسلمين، (ولاحظ معي أنه لم يكن ثمة خطاب كهذا ضد الروس والأوكران وقد امتلأت بهم تركيا في العام الأخير.. ولكن لهذا حديث آخر).. هذه العنصرية هي واحدة من أبرز مشكلات الديمقراطية ومشكلات الدولة القومية الحديثة، ففي هذه الدولة ينمو ويتمدد خطاب يُشَكِّل أفكار الناس على اعتبار أنهم قوم متميزين عن غيرهم، وأن هذه دولتهم وحدهم، وأنه من المقبول تماما أن نغلق الحدود في وجه قوم يُذَبَّحون وتسيل دماؤهم لأن فتح الحدود قد يؤثر على مستوى رفاهيتنا، أو يسبب لنا بعض الصعوبات الاقتصادية!

لقد شقَّ هذه الانتخابات مرشحٌ صعد بقوة الصاروخ، لا رصيد له إلا هذا الخطاب العنصري الذي يتغذى على طرد الأجانب، وحصل على أكثر من خمسة بالمائة من الأصوات، ولما بدأت جولة الإعادة شهدت الساحة ارتفاعا ضخما لهذا الخطاب ابتغاء جذب هذه الأصوات، حتى حزب العدالة والتنمية هُزِم أمام هذا الخطاب ولان له.

ولقد بدأت هزيمة الحزب أمام هذا الخطاب منذ أن خسر انتخابات البلدية في اسطنبول وأنقرة، وتسارعت إجراءات التضييق على الأجانب في تركيا، ولا سيما المدن الكبرى مثل اسطنبول، حتى لقد هربت بالفعل كثير من رؤوس الأموال العربية التي كانت تستثمر في تركيا، فالبلد على الحقيقة تخسر جراء هذا الخطاب، ولكن المزاج الشعبي الذي يتغذى على الإعلام والأكاذيب لا يمكن للسياسي إهماله وهو يبحث عن الأصوات في الانتخابات.

وهذه إحدى المشكلات في التجربة التركية، التي يشهد نظامها صعودا قويا للقوميين، سواءٌ منهم من كان مؤيدا لأردوغان وعنده مفهوم القومية الممتزجة بالإسلام، أو من كان منهم معايدا لأردوغان وعنده مفهومٌ للقومية يرثه من أتاتورك!

في النظام الإسلامي لا يمكن لهذا الخطاب أن يولد ولا أن يتمدد ولا أن يهيمن، فالإسلام حاسمٌ تماما في هذه القضية، ولا مكان فيه لارتفاع قومية على أخرى لا في النصوص ولا في نظام المجتمع، ولا يمكن في مجتمع إسلامي أن يصعد زعيم يتبنى خطابا عنصريا أبدا، بل ولا يمكن أن يكون مقبولا إغلاق الحدود أمام محتاجين لأن قدومهم سيؤثر على مستوى رفاهيتنا ومستوى الأجور والإيجارات وفرص العمل... إلخ!

(3)

هذا النموذج من ارتفاع العنصرية يفتح سؤال: هل الديمقراطية هي بالفعل الحل الإنساني والأمثل لمشكلات الشعوب؟

هنا يفترق الناس في بلادنا؛ يقول قائل: الديمقراطية ليست مجرد الوسائل والآليات، بل لا بد لها من مرجعية فوقية لكي لا تكون الديمقراطية وسيلة للعنصريين في اضطهاد الأعراق الأخرى، أو وسيلة للمتعصبيين في اضطهاد الأقليات الدينية والمذهبية، أو وسيلة للطغاة الدمويين ذوي الزعامة والكاريزما، الذين يستطيعون خداع الناس ثم يوردونهم المهالك، مثل هتلر وموسوليني!

ويقول قائل غيره: بل الديمقراطية هي وسيلة وغاية معا، وأي محاولة لإيجاد مرجعية فوقية عليها هو بمثابة الاستبداد بالشعب والتحكم في اختياراته، وهذا نوع من الديكتاتورية التي وُجِدت الديمقراطية أصلا لتجنبها، وبالتالي، فللشعب أن يختار الخيار كما يرغب فيتمتع بفضله إن كان قرارا صحيحا، ويذوق ويلاته إن كان قرارا خاطئا، وله أن يصحح مساره في الانتخابات القادمة.. وعلى المتضرر من الديمقراطية –مثل الأقليات والمهاجرين وغيرهم- أن يبحث له عن مكان آخر يذهب إليه، أو فليذهب حتى إلى الجحيم، كي لا يكون وسيلة لسلب شعبٍ حرٍ ديمقراطيته وقدرته على الاختيار الخاطئ.

وأصحاب القول الأول يختلفون حول المرجعية الأنسب للديمقراطية، ولأننا في عصر تفوق الغرب فالإجابة السائدة الغالبة تقول: المرجعية هي الليبرالية وحقوق الإنسان (بمفهومها الغربي)، فهي أكمل ما وصلت إليه الإنسانية في ترقيها وحضارتها. ويشاغبهم آخرون من الإسلاميين يقولون: بل الإسلام هو المرجعية المهيمنة على الديمقراطية، فالديمقراطية حلال ما لم تحل حراما أو تحرم حلالا، ولن نترك أبناءنا لتكتسحهم موجات الإباحية والشذوذ ودعوات التحول الجنسي من امرأة إلى رجل، ولن نقبل أن يسلبنا هذا النظام قدرتنا على تربية أبنائنا على الدين والأخلاق والفضيلة!

ومن نافلة القول الآن أن كاتب هذه السطور هو من أنصار هذا الرأي الأخير، فالإسلام عندنا فوق كل شيء وهو المهيمن على كل شيء، وكل وسيلة تخرق نظام الإسلام هي مرفوضة أو يجب تعديلها لتلائمه، ولسنا في هذا بدعا من الأمم التي توفق سائر الوسائل والآليات بما ينسجم مع أفكارها ومبادئها وروحها وحضارتها.

ولكن الأمر أعمق وأعقد من هذه النظرة البسيطة، فالإسلام هو المرجعية الوحيدة التي تضمن العدل وترسخ الأخلاق وتحول دون شهوات البشر الطغيانية كالظلم والعنصرية والتعلق بالمصلحة، وهذا هو مدخلنا إلى الفقرة الرابعة من هذا المقال.

ولكن قبل الدخول فيها نريد أن نؤكد على خلاصة هذه الفقرة الثالثة: الديمقراطية ليست حلا أخلاقيا ولا مثاليا لمشكلات الشعوب، ولا هي تعصم دون نمو مظاهر العنصرية وتحكيم المصلحة المادية القصيرة ولو على حساب المظلومين والمحتاجين، وهذا واضح ظاهر في كلام من يرونها فوق المرجعيات، ولا حكم على رغبة الشعب إلا مزاج الشعب وهواه، ثم هو واضح ظاهر أيضا في تصرفات وسلوك من يُحَكِّمون عليها مرجعية حقوق الإنسان الغربية، فقد رأيناهم وخبرناهم كيف يفعلون بالديمقراطية في بلادنا حين لم تأتهم بما يحبون، وكيف فرحوا وطربوا لمحاولة الانقلاب في تركيا 2016م، وكيف هاجت صحافتهم وإعلامهم لتشويه أردوغان في هذه الانتخابات، وكيف هو حال المسلمين والأقليات في بلادهم حيث يُلزمونهم بما ينافي دينهم ويأخذون أبناءهم قسرا منهم وما لا يتسع له المقام من أنواع المظالم التي تلبس ثوبا قانونيا.

(4)

لماذا نقول: الإسلام هو المرجعية الوحيدة التي تحول دون شهوات البشر الطغيانية، التي تدفعهم إلى الظلم، وكيف يكتسي هذا الظلم ثوبا فكريا وتاريخيا كالقومية والعنصرية، وثوبا سياسيا ومصلحيا كرفاهية المواطنين ومصلحة الأمن القومي ونحوها؟

الجواب ببساطة لأن الإسلام شريعة ربانية لا يملك البشر تغييرها ولا تعطيلها ولا العبث فيها.. فالحقوق التي منحها الله للأقليات من أهل الذمة والمستأمنين وغير المسلمين، أو منحها الله للمهاجرين واللاجئين، أو للضعفاء والمظلومين... إلخ! سائر هذه الحقوق هي تشريع لا يستطيع البشر إلغاءه بدعاوى المصلحة الوطنية ولا الأمن القومي ولا رفاهية المواطن. ولا يستطيع البرلمان أن يجتمع ليعدل فيها.

فإذا شاء حاكم ظالم أو عالم سوء أو حاشية منحرفة أن تفعل ذلك، رأى المجتمع المسلم نفسه مكلفا بمقاومة هذه الرغبة الظالمة والحاشية الفاسدة، وطفق يدافع هو عن حقوق هؤلاء، لأنه بدفاعه عنهم يقيم دينه ويرجو بذلك الدار الآخرة.

وهذا ما جعل الأقليات تبقى في أراضينا وأمتنا بعد أكثر من أربعة عشر قرنا كانت حافلة بالفرص التي يمكن فيها إبادتهم، وما من حاكم مسلم صالح يُروى عنه اضطهاد الأقليات، بل إن الحوادث التي سجلت لبعض حكام المسلمين في اضطهاد الأقليات إنما كانت للحكام الظالمين الذين عمّ ظلمُهم المسلمين أيضا.

المزية العظمى في الإسلام أنه نزع من البشر حق السيادة، ونزع منهم حق التشريع، وذلك حين وَحَّد مصدر المعرفة، ومصدر الصواب والخطأ، وتلك هي الأمور التي يستعبد الناس بها بعضهم بعضا، وتلك هي المداخل التي ينشأ منها الطغيان والظلم والاستبداد.

ما من حاكم طاغية إلا وقد جعل نفسه فوق الناس بنوعٍ من الدعاوى التي منح فيها الحق لنفسه في التشريع، وبحق التشريع هذا يجعل رغباته قانونا وشريعة، وبه يسلب أموالهم، ويجند أبناءهم، وينظم لهم حياتهم وطرائق معيشتهم. فإذا لم يعجبه شيء أو رغب في شيء أصدر قانونا فجعله تشريعا يأخذ به ما أراد.

وهذا هو نفسه الواقع الحاصل في الغرب الآن، ولكنه مغلف بغشاء مزخرف من عمل البرلمانات ومعلب في بنود قانونية، وهو ما لا يخفى على منظريهم ومفكريهم، بل يخفى علينا نحن لأننا في قاع المحنة كما سبق بيانه.

الإسلام هو الضمانة الوحيدة للحقوق لأن السلطة في نظامه السياسي غير قادرة على تعديل المبادئ الإسلامية، بل غاية ما تفعل أن تحاول التحايل عليها، وهي في هذا معرضة لسخط الناس ومقاومتهم، ويكون أول الواقفين في وجهها هم علماء الحق.. وهذا أمرٌ لا يوجد في منهج بشري آخر، فكل الأنظمة الأخرى أدخلت بالفعل –وتملك أن تُدخِل- تغييرات جوهرية وأصلية على المبادئ الحاكمة عندهم.

(5)

وآخر ما يمكن قوله في هذه العجالة، أن هذا المبدأ العظيم، مبدأ نزع التشريع وحق السيادة من البشر، والذي أغلق الطغيانية في عالم الإسلام لم يكن مجرد مبدأ نظري، لم يكن مجرد نصوص مقدسة في القرآن والسنة، بل كان هذا بناء عميقا في أصول المجتمع، ومنهجا صيغت به حياة الناس الاقتصادية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية.

إن الفرد هو من يملك أن يتمتع بالجنسية الإسلامية، هذا إن صحّ التعبير، فالإنسان هو من يملك أن يكون مسلما فينتمي بذلك إلى أمة الإسلام.. على عكس الواقع الذي تحتكر فيه الدولة حق الجنسية، فمن منحته إياها صار مواطنا له كافة الحقوق، ومن لم تمنحه إياها صار أجنبيا رهينة بما تمنحه الدولة من الحقوق المنقوصة ولا بد عن حقوق المواطن.

لو أن الإنسان في عالمنا هذا يمتلك أن يختار الجنسية التي يريد لوجدت أكثر الناس قد صار أوروبيا أو أمريكيا، لكن هذه الدول تقيم على نفسها حواجز من التأشيرات والشروط والقيود والالتزامات، وتقيم معها حواجز من حرس الحدود وخفر السواحل والجيوش كذلك. وهذا وحده كفيلٌ أن يجعل الإسلام أعلى من كل هذه المناهج الوضعية، فما من حاكم مسلم يستطيع أن يمنع أحدًا الحق في أن يكون مسلما ويتمتع بحقوق المسلم وواجباته!

وهذا الأمر نفسه هو ما يضرب العنصرية والقومية في مقتل، فالإسلام حين ينسج أخوة الإسلام بين أبنائه، فهو يحذف في نفس اللحظة فوارق اللون واللغة والعرق والمكان، فيجتمع في مساجد المسلمين وفي بيت الله الحرام من لا يربطهم شيء إلا هذا الدين.. وحتى العرب الذين نزل القرآن بلسانهم وفيهم أرسل رسوله، حتى هذه العروبة قد أعلن النبي أنها هوية لسان لا عرق، فقال: "إنما العربية اللسان"، فدخل في العروبة من تكلم بالعربية ولو لم يكن من نسل قحطان وعدنان، وخرج من العروبة من فقد هذه اللغة ولو كان من آل بيت النبي ﷺ!!

هذا حال الفرد المسلم في نفسه، حالٌ تتلاشى معه فكرة القومية العنصرية والمصلحة المادية التي تجعل دولة الإسلام مقتصرة على جنس محدد، فتواليه ولو تضررت مصالح الأجناس الأخرى.

ثم أقام الإسلام بناء عظيما للمجتمع، بناء تمتزج فيه العبادات والشعائر والمعاملات والأخلاق، بحيث لا يمكن معه إلا أن يكون المجتمع مجتمعا قويا متماسكا، وتحت هيمنة أخلاقية قوية، وأن تكون صفوته ونخبته هم خير الناس دينا وكرما وأخلاقا، وأن تكون عناصر القوة موزعة بين السلطة والمجتمع والعلماء بما يحول دون الطغيان، وبما يُقَصِّر صلاحية السلطة والحكام إلى أقصى حد ممكن. وذلك أمرٌ كررته من قبل كثيرا، فيستحسن هنا الإحالة إليه[1]، ويضيق المقام عن تكراره.

بينما في ظل هذه الدولة الحديثة ذات الأساس العلماني الغربي، لا يأخذ موقع الصدارة والنفوذ والقوة إلا وحوش البشر ممن يستطيعون إدارة المال، ثم يستطيعون دعم غناهم وثرواتهم بالهيمنة على ساحة الإعلام والسياسة، ومن خلال هذه القدرات الهائلة يرسمون مسرح الانتخابات ويتحكمون في المرشحين وبرامجهم، وينمو حول العالم تدريجيا شبكة من الحكام الأخفياء الذين يتحكمون بمقدرات الشعوب والأوطان، وعن هؤلاء صدرت كتب بعنوان "السيطرة الصامتة"، و"أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها"، و"المتلاعبون بالعقول"، و"السيطرة على الإعلام".. إلى آخر هذه الكتابات التي تئن وتتألم من مسرحية تشعر فيها الشعوب أنها تقول كلمتها، بينما هم مجرد مفعول به منصوب عليه مجرور من شهواته!!

***

يمكن إجمال الخلاصة المقصودة في قول الله تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون}

ولكننا لا نبصر معالم الجمال التي عندنا ولا نرى الشمس المحجوبة مع أنها في أيدينا، وما ذلك إلا لشدة المحنة التي نحن فيها، فيلوح لنا ضوء المصباح الذابل الخافت في ليلنا البهيم كأنه غاية المطلوب، وذلك على نحو ما قال المتنبي:

يُقْضى على المرء في أيام محنته .. حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

فلعل هذه التجربة من الانتخابات التركية تكون درسا شاهدا جديدا على تفوق النظام السياسي الإسلامي.

نشر في مجلة "أنصار النبي"، يونيو 2023


[1] يرجى متابعة الروابط في هذه المقالات والمنشورات: https://t.me/melhamy/4891 ، https://t.me/melhamy/6376

الأحد، مايو 07، 2023

عن موقف العلماء من الانتخابات التركية!

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..

كتبت قبل يومين أدعو إلى أن يصدر العلماء ومجالسهم العلمية والفقهية بيانا في شأن الانتخابات التركية لدعم السيد الرئيس رجب طيب أردوغان، وأن هذا هو من قضايا الأمة العامة التي لا يليق بهم أن يتخلفوا عنها..

وخلال هذين اليومين جرت نقاشات بيني وبين بعض السادة العلماء والفضلاء، وبعضهم أرسل لي يستدرك أو يعترض أو يبدي تحفظا، وقد قدّرتُ أن بعض الكلام الذي أجبت بعضهم به قد يكون من النفع نشره.. فها هو بَسْطٌ لما كنتُ أجملته في المنشور السابق.

نقول، وبالله التوفيق..

نحن الآن في معركة، ومعركة شرسة وفاصلة ومؤثرة، ومن الطبيعي في المعارك أن تستخدم كافة ما بيدك من الأدوات، وأن تقدم جانب الجسارة على جانب التحفظ والحذر.

وهذا نراه من أعدائنا أيضا مع أنهم غير متضررين من أردوغان كتضررنا نحن لو فازت المعارضة.. وما تزال وسائل الإعلام والمجلات الغربية تكتب بصراحة في التنفير من أردوغان والهجوم عليه.. ومع أن مؤيدي أردوغان يستثمرون هذا ويقولون: انظروا إلى التدخل الخارجي، انظروا إلى الهجوم الغربي، انظروا إلى عمالة المعارضة.. مع هذا فإن الصحف والمجلات الغربية ووسائل إعلامهم مستمرة ولا يعرقل الوسيلة منها ما أثارته من غضب ولا من إحراج للمعارضة.. ومن جانب المعارضة فهي تسكت إزاء هذا العمل الذي يحرجها، إن لم تكن ترحب به، ويقول قائلهم: انظروا ماذا فعل أردوغان وكيف خسَّرنا العالم وكيف تتناوله وسائل الإعلام.

القصد أنه لا أحد يتحفظ في البذل عند المعارك، حتى لو كان هذا البذل مسببا بعض إحراج لحلفائه لأنه يرجو بهذا البذل أن يأتيهم بالمكسب الذي هو أفضل من الإحراج.. فإذا فازت المعارضة فلن يضرها الإحراج، وإذا خسرت لن يكون هذا الإحراج إلا سببا واحدا ضمن جملة أسباب أكبر..

وكذلك نحن، إذا فاز أردوغان فلن يضره الإحراج وأن يقال دعمه العلماء المسلمون، لكن إذا خسر فسندفع جميعا ما هو أعظم بكثير جدا جدا من الإحراج.. وساعتها سيتمنى كل من تحفظ وتحسس أن لو بذل ما استطاع وليكن ما يكون، وساعتئذ، سيعرف أن الإحراج ما هو إلا تخوف ضئيل ما كان ينبغي له أن يقدره.

والرأي -كما أراه- أن على العلماء أن يكتبوا البيانات الجماعية والفردية والفتاوى الجماعية والفردية وأن ينزلوا بثقلهم في هذا المضمار.. وساعتها سيخرج فعلا من يدين ويستنكر ويعتبر أن هذا تدخلا خارجيا وأن هذا خيانة للعلمانية.. ولكن ساعتها أيضا سيخرج مؤيدو أردوغان وحلفاؤه ليقولوا: انظروا إلى زعيمنا صار زعيما للأمة كلها.. كيف تتركون رجلا يؤيده العلماء والصالحون وتنتخبون هذا الكافر الذي يطأ بحذائه سجادة الصلاة؟.. انظروا إلى العلماء الذين يعرفون الله والدين كيف أنهم جميعا يختارون أردوغان .... وهكذا.

السؤال الأهم: هل هذه البيانات ستكون فعلا في مصلحة أردوغان؟ أليس من الممكن أن تأتي بنتيجة عسكية وأن تثير حساسية الأتراك القومية ويعتبرونها تدخلا في شؤونهم، فتؤدي للانفضاض عنه؟

الجواب عن هذا أنه ما من أحد حتى هذه اللحظة يستطيع أن يقول بشكل حاسم بل ولا بالظن الراجح والغالب أن صدور بيان عن علماء مسلمين في تأييد أردوغان قد يؤدي إلى هذه النتيجة.. هذا أمر انطباعي بحت، ولذلك تجد في القادة الأتراك أنفسهم من يؤيد بقوة ومن يعارض بقوة ومن يتشكك ومن يحاول أن يتوسط.. فأرجو أن نزيل هذا الانطباع من أذهاننا.. وعلى حد علمي فإن علم الاجتماع لم يصل بعد إلى الجزم بأن تصرفا واحدا بعينه يؤثر على نتيجة انتخابات في بلد ما.. سائر ما يقال في هذا توقعات وتحليلات صحافية وإعلامية، وأكثرها منطلق من الهوى ومغرض وليس مبنيا على تحليل إحصائي أو تجارب ميدانية.

نتيجة الانتخابات تتأثر بجملة من العوامل النفسية والشخصية والاقتصادية والاجتماعية الضيقة والاجتماعية الواسعة والمصالح الذاتية، والشعوب شرائح متعددة ومتداخلة ومتراكبة بشكل معقد.. وبيان العلماء المسلمين في دعم أردوغان ستتلقاه شرائح بالحفاوة وشرائح أخرى بالعداوة وشرائح أخرى باللامبالاة وشرائح أخرى لن يصل إليها البيان أصلا.. وحتى الشرائح التي ستتلقاه سيختلف موقفها منه، وستدور حوارات بينهم رفضا وقبولا، على الواقع وفي مواقع التواصل وفي وسائل الإعلام، وسينتقل بعضهم من الرفض إلى القبول ومن القبول إلى الرفض... إلخ!.. ولا يمكن بأي طريقة علمية حساب مآلات البيان ولا الجزم بأنها سلبية.

ولهذا فإن التخوف من إصدار البيان أراه مبنيا على انطباعات أكثر منها حقائق، ولا أحسبه يرقى حتى إلى درجة الظن الراجح.

وها هنا أمر مهم آخر.. إن في صدور البيان مصالح أخرى مهمة..

1. مصلحة للإسلام بإثبات أنه ليس دينا علمانيا معتزلا لشأن السياسة ومعاركها، حتى لو أن هذا الشأن وهذه المعارك تؤثر مباشرة على المسلمين.. فكل الناس تعرف أن الإسلام يتأثر بهذه النتجة سلبا وإيجابا.. والمسلمون يتأثرون.. فلو أن العلماء أحجموا عن بيان حكم الإسلام في المعركة الحالية المباشرة المؤثرة عليهم، فهذا منهم اعتزال في غير محله، وإحجام في موضع إقدام، وفيه انتصار عملي للعلمانية إذ صار المشايخ يتحسسون من الخوض في معركة سياسية حتى وهي تؤثر عليهم وعلى الدين وعلى المسلمين.

بمعنى: لو كانت المصحلة أن نعزز ونرسخ ونثبت أن الإسلام دين واقعي له في الواقع حكم، وكانت المفسدة أن هذا قد يحرج بعض أصحابنا وحلفائنا، وقد يثير بعض أعدائنا ومبغضينا.. فتقدير هذه المصلحة أعظم وأكبر من تلك المفسدة، فكيف ونحن لا نستطيع الجزم بأنها مفسدة؟

2. لو صدر البيان وفاز أردوغان فأقل الأحوال أن مصلحة فوزه تحققت، وقد يتذكر هو هذه الوقفة وهذا الجميل فيكون منه في حق العلماء ما هو أكبر وأكثر.. ولو لم يصدر البيان وفاز كمال كليتشدار أوغلو فلن يكون إحجام العلماء عن إصداره مخففا لغلوائه في اجتثاثهم، ولن يتذكر لهم أنهم أحجموا! ولن يتورع عن إغلاق ما نوى من المؤسسات والجمعيات وطرد ما ثوى من العلماء والصالحين والمهاجرين.. هو لا يخفي أنه سيغير بعض القوانين بل وبعض مواد الدستور التي ستوفر له الغطاء لهذا كله.

فمصلحة العلماء أنفسهم، ومصلحة مؤسساتهم العلمية، ومصلحة مشاريعهم التربوية تقف أمام تهديد مباشر، تحملهم وتلزمهم بخوضه بكل القوة.

3. المصلحة المهمة الأخرى التي أحسب أنها منسية، هي تثبيت وتعزيز وتأكيد أن العلماء مستقلون في النظر والموقف، وأنهم لا يخضعون لأحد رغبا ولا رهبا، وأنهم يقولون ما اعتقدوا واجب بيانه إذا دعت الحاجة ويقدمون على ذلك، وأن مجالسهم ومجامعهم الفقهية والعلمية ليست محصورة في سقف دولة أو قُطر أو نظام.. بل هم علماء المسلمين، وهم يفتون للمسلمين، ويفكرون للمسلمين، لا يحجبهم عن ذلك تقسيمات وطنية حددها الأجانب ورسخها وكلاء الأجانب من بعدهم.. بل هذه المجالس العلمية والمجامع الفقهية الأصل فيها أنها متجاوزة لهذه التقسيمات وأنها من وسائل مقاومتها.

فلا ينبغي، والحال هكذا، أن يحجم علماء العالم الإسلامي عن البيان والفتوى في أمر يخص المسلمين في بلد بعينه.. حتى وإن كان هذا يغضب بعض أولئك الموجودين في هذا البلد..

(ولو افترضنا أن هؤلاء الغاضبين كثير، وأنه لا يحركهم نحو رفض أردوغان إلا بيانات العلماء، فإن أمام هؤلاء الغاضبين تدخل خارجي آخر لدعم المعارضة.. فلو كانوا بالفعل مخلصين لشعاراتهم الوطنية الضيقة، فقد استوى الجانبان أمامهم في أن الخارج يدعمهما.. فلن نخسر أولئك الغاضبين لهذا السبب.. وإن لم يكونوا مخلصين لشعاراتهم الوطنية -وهذا أرجح وأغلب- وتحسسوا من دعم العلماء والمسلمين لأردوغان وحده، فأولئك ما عليهم من سبيل، ولا لنا من سبيل إلى مودتهم).

ولهذا أجدني غير مقتنع ولا منجذب للاقتراح القائل، فليصدر العلماء المجنسون فقط بيانا، لا.. إننا بهذا نثبت أن العلماء لم يكن لهم حق الكلام في شأن المسلمين إلا لما أعطتهم الدولة الوطنية الحديثة هذا الحق.. وليس هذا بحق، بل هم مكلفون بهذا الأمر من قبل الله، وهم ورثة الأنبياء، وهم القائلون بما يرونه الحق سواء أكانوا أتراكا أم غير أتراك.

4. مصلحة العلماء الشخصية المباشرة.. وهذه لن أطيل فيها، لأني أعرف أن أكثر العلماء متجردون من مصلحتهم الشخصية.. ولكن هذه المصلحة لن يشعر بها حق الشعور إلا من كانت تركيا مأواه وملجأه الوحيد.. فأما من يتمتعون بإقامة آمنة في مكان آخر فسيخفت عندهم هذا الشعور (وهذا أمر طبيعي، لست هنا أدينه، وإنما أشير إليه).. على أن الزلزلة التي ستحدث بخسارة أردوغان ستنعكس على كل المسلمين حتى في مناطق أمنهم! فإن أردوغان يحفظ الأمن على كثير من المسلمين وعلماءهم حتى خارج تركيا، ومواقفه من سوريا وقطر وليبيا معروفة.

وأرجو ألا ينسى أحد كيف تأثر المسلمون جميعا بالانقلاب على مرسي في مصر.. فلم يكن مجرد معركة وطنية داخلية!

وأكاد أجزم أن لو استقبل العلماء ما استدبروا، وعلموا هذا المصير من قبل أن يروه، لكانوا قد أمطرونا بالفتاوى الفردية والجماعية التي تحرم الانقلاب العسكري وتجرمه وتنهى عنه، والتي تجيز مقاومته ومكافحته بكل وسيلة.. فها هي مصر من بعد ما كانت فتحا على المنطقة كلها صارت نكبة.. ولولا انقلاب مصر لم يحصل ما حصل في السودان ولا غزة ولا ليبيا ولا تونس ولا قطر.. ولو أن أحدهم قال: ما كان ليبقى بشار فإنه لم يبعد، وها هو بشار الآن يعود إلى جامعة الدول العربية منتصرا..

يكفي أن نتخيل بقاء مرسي الآن وتكوين محور قوي مع تركيا ومع قطر والسودان وليبيا وتونس، (وهذا أقل الأحوال) لنرى كيف كانت ستنقلب خريطة القوة في المنطقة، وكيف كان سيكون الأمر بالنسبة لغزة، بل بالنسبة للعلماء أنفسهم.. حتى العلماء الأسرى الآن في بلاد الحرمين وفي غيرها، ما كان لأحد أن يفجر ويفعل بهم ما فُعِل لو كانت خريطة السياسة والقوة في المنطقة يمسك بزمامها مرسي في مصر وأردوغان في تركيا.

والكلام في هذا الشأن كثير.. أحسب أن هذا فيه الكفاية.

والله المستعان، وصلى اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.


السبت، مايو 06، 2023

"أنصار النبي ﷺ" في عامها الأول

 

يمكن اختزال مشكلة المسلمين، ومشكلة البشرية كلها، في أنهم لا يتخذون محمدا ﷺ إمامًا!

ترى لماذا لا يفعلون ذلك؟

(1)

دون ذلك عوائق متينة؛ أولها الجهل بالنبي ورسالته، فمع كثرة المسلمين إلا أن أقلهم أولئك الذين يستطيعون البيان والشرح لفكرة أن النبي ﷺ هو منقذ الإنسانية، وأن رسالته احتوت على أسباب السعادة ونشر العدالة. ولقد يكون الإنسان تائها والخريطة في يده لكنه لا يحسن قراءتها ولا يعرف فائدتها، وقد ضرب شاعرنا القديم مثلا على ذلك فقال:

ومن العجائب، والعجائب جمة .. قربُ الدليل، وما إليه وصول

كالعيس في البيداء يقتلها الظما .. والماء فوق ظهورها محمول

أي: كالإبل في الصحراء يكاد العطش يقتلها، ولا تعرف أنها تحمل الماء فوق ظهرها.

وأشدُّ من ذلك ما ضربه الله من المثل في قوله تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]، فالحمار مهما حمل من الكتب لا ينتفع بذلك، بل لو أنزلت الكتب من فوق ظهره ونُشرت أمام عينه لما انتفع بذلك، إذ هو يجهل قراتها وفهم معانيها!

وثانيها: ما تنطوي عليه النفوس من الشهوة والأثرة، فكم في الناس من يعرف الحق ثم تغلبه شهوته وأثرته، فينصرف عن الحق إلى الباطل، وعن العدل إلى الظلم، وعن الخير إلى الشر. فإذا هو واصل السير في هذا الطريق فإنه يصير من أئمة الباطل، فيكون بذلك عدوا للحق وحامليه، وعدوا للمصلحين ودعوتهم، بل عدوا للأنبياء والرسل {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112].. ويبلغ أولئك الحدَّ الذي قال الله فيه {كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70].

وثالثها: ما بلغته الأمة في زماننا هذا من حال ضعف مزرية، جعلها مقهورة تحت عدوها الذي يغمرها بأفكاره ويُلزمها بنظامه ويشكك أبنائها في دينهم، فلستَ ترى منفذا من منافذ التعليم والإعلام والثقافة إلا وهو يُفسد في المسلمين أكثر مما يصلح، ويبعدهم عن دينهم ونبيهم أكثر مما يقربهم إليه، فصارت العقول والقلوب منغمسة في بحر من الشهوات والشبهات، حتى صار من الغريب المستغرب أن يقنع المسلم بأن نبيه ﷺ هو منقذ الإنسانية، وأن ما جاء به هو الدواء الشافي والجواب الكافي!

تأمل في هذه الآية: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 64، 65].

وفي حالة نبينا محمد ﷺ تبدو المسألة أوضح وأعظم، إن رجلا ظهر في التاريخ فجأة فنقل أمة العرب من التمزق والفرقة والحروب، في سنوات معدودة إلى الوحدة والسيادة لهو رجلٌ جديرٌ بالوقوف طويلا أمام قصته وسيرته، وجديرٌ بأن يتعلم منه كل من تفكر في سبيل النهضة!

هكذا ينبغي أن يفكر في الأمر العلماني المادي الملحد الذي لا يبتغي من الحياة إلا النهضة المادية وحدها لنفسه ولقومه، فإن تاريخ محمد ﷺ هو أنجح تجربة على الإطلاق لانبعاث أمة وانبثاق حضارة، يشهد بذلك مؤرخون غير مسلمين قبل أن يشهد له المسلمون.

فكيف، ومحمد ﷺ فوق ذلك وقبله وبعده نبيٌّ يجب على من آمن به أن يتبعه وأن يطيعه؟! وأن ينصت لقوله ويقتدي بفعله ويستسلم لحكمه؟! فإن هذا الذي آمن بالنبي لا يقتصر همُّه على الدنيا وتحقيق النهضة فيها، بل يمتد همُّه إلى مصيره الكبير في الآخرة: الجنة أو النار!

كيف نستطيع أن نرفع حواجز الجهل التي تحول بين المسلمين وبين أن يؤمنوا عن قناعة راسخة وفهم مطمئن أن اتباع النبي هو السبيل الوحيد لإنقاذ البشرية؛ إنقاذها في الدنيا ثم في الآخرة أيضا؟!.. ذلك والله هو التحدي!!

إنه ما من عاقل يستهين أو يستسخف قولَ العالِم المتخصص في علمه، فإذا فاجأك الخبير برأي مُستغرب فإن ما عنده من العلم والخبرة يحملك على التوقف والتفكر في كلامه وتأمله! فكيف إن كان الذي نتحدث عن طاعته والتسليم له نبي رسول، موصول بالسماء، جاء بالعلم الذي ينطق به وحيا صافيا نازلا من عند الله؟!

{يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 170]

يبدو الأمر سهلا ومنطقيا وواضحا، ولكن بيننا وبين فهمه وتطبيقه تلك الحواجز العتيدة!

كان أبسط ما واجهناه في هذا العالم الأول من "مجلة أنصار النبي" هو سياسات مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما الفيسبوك، إنه مصمم لنشر التفاهة والانحلال، فهو يزيد من الوصول إليها ومن التفاعل عليها، وأما المحتوى الجاد النافع فإنه مُصَمَّمٌ لدفنه وإخماده. وما هذا بالمستغرب! فإنه ابن الحضارة الغربية المادية المنحلة أخلاقيا التي تسعى سعيا محموما وراء الشهوة واللذة!

ومع ذلك، فيجب القول أيضا بأن هذه المواقع لا تزال مفتوحة، ويمكن النشر عليها، فإن تلك الحضارة المادية الغربية ذاتها قد سيطرت على العالم المادي سيطرةً لا يمكن معها نشر هذه المجلة في عالم الواقع ولا تيسير وصولها إلى الجمهور، فمواقع التواصل –إذن- على كل ما فيها، هي المتنفس الصغير الباقي، في عالم يزداد حصارا وإحكاما على من يقولون: اتبعوا محمدا ﷺ!

ترى هل هو نجاحٌ أم إخفاقٌ أن نقول، بعد مرور عام من صدور هذه المجلة، أننا استطعنا الوصول إلى ثلاثة عشر مليون شخص على الأقل؟!

من نظر من باب الحصار المحكم والإمكانيات المحدودة وسيادة التفاهة رآه نجاحا وعدَّه في سجل المناقب. ولكن من نظر من باب حجم المشكلة التي يحياها العالم والمسلمون رآه إخفاقا! فماذا يفعل مجرد الوصول إلى هذا العدد في مقاومة هذه العوائق الثلاث المتينة؟!

 

(2)

وماذا على أتباع الأنبياء أن يفعلوا إلا ما فعله الأنبياء؟!

لا أتذكر متى انتبهتُ أول مرة إلى هذا المعنى: لقد نزل قول الله تعالى لعباده المؤمنين {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] في أخطر لحظة مرَّت على الدولة الإسلامية، في غزوة الأحزاب، حين كانت عاصمة الإسلام مهددة بالاجتياح، وكانت المعركة معركة وجود! كانت لحظة مهولة مرعبة، وصفها الله تعالى بقوله: {جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10، 11].

في هذا الهول الهائل والرعب الرعيب نزل قول الله تعالى "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"!

وبعدها مباشرة جاءت الآية التالية تقول: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22]، فكأن هذا الذي تعلق برسول الله واتخذه أسوة حسنة، يتنزل عليه الأمن والسكينة والاطمئنان، حتى إنه ليصل إلى أن يرى العدو، فلا يشعر بالفزع والخطر بل يشعر بصدق الوعد وبرد اليقين وزيادة الإيمان والتسليم!!

وفي هذا يقول القاسمي في تفسيره: "إذ لا يصح الجبن لمن صح اقتداؤه برسول الله لغاية قبحه"! ويقول الشهيد سيد قطب: "كان رسول الله على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد، مثابة الأمان للمسلمين، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان. وإن دراسة موقفه في هذا الحادث الضخم لمما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم؛ وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر".

هكذا إذن.. خير ما تحصل فيه الأسوة الحسنة بالنبي ﷺ هو وقت المحنة والشدة، وقت الخوف والكريهة، وقت الزلزلة الكبيرة!

إن تعلقنا بالنبي ﷺ هو فوق تعلق الضال التائه بمن يهديه في الطريق المخوفة! وهو فوق تعلق الضعيف الخائف بالقوي الذي يحميه ويسعفه! وهو فوق تعلق الابن العاجز بأبيه وأمه اللذان يرحمانه ويرعيانه ويخلصان له النصيحة! وهو فوق تعلق التلميذ الجاهل بالمعلم الخبير الذي يعلمه ويفهمه! وهو فوق تعلق الحائر المضطرب بالمربي الشفوق الذي يهذبه ويؤدبه! وهو فوق تعلق الكسول الخجول برائده الذي يأخذ بيده ويرفع همته! وهو فوق تعلق الجندي المحدود الرؤية والمهمة بقائده الذي يستشرف ساحة الحرب ويأخذ القرار.. هو فوق كل ذلك، لأنه كل ذلك معًا!

{رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151]

{رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]

{يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]

{اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24]

{وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور: 54]

{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6]

 

(3)

بقي في هذا المقام أن أتقدم بالشكر الوافر للسادة الأفاضل الأماثل أصحاب السماحة والفضيلة من علماء الهيئة العالمية لنصرة النبي ﷺ، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ المؤسس الدكتور محمد الصغير، وهو –بعد الله جل وعلا- صاحب الفضل الأول على المجلة بما أولاها من رعايته وعنايته واهتمامه، ثم أعضاء الأمانة العامة للهيئة، وأعضاء مجلس أمناء الهيئة، والسادة العلماء والأساتذة والباحثون الذين أثروا صفحات هذه المجلة بمقالاتهم الزاهرة الناضرة فاستحالت بهم صفحات المجلة حديقة غناء ذات ثمر شهي يشبع الآكلين ويروي الظامئين!

وأخص بالذكر منهم علماءنا الأسرى الذين نسأل الله تعالى لهم الفرج القريب العاجل، وأن نتشرف بمقالاتهم التي يكتبونها أحرارا، من بعد ما تشرفنا بنشر نتاجهم قبل أَسْرِهم.

ثم الشكر للعلماء الأكارم الذين كتبوا لنا في مناسبة إتمام العام هذه العبارات الغالية الرائقة التي تجدونها مبثوثة في هذا العدد، وعلى رأسهم فضيلة العلامة الكبير الشيخ محمد الحسن ولد الددو، وفضيلة الشيخ الحبيب القريب السهل اللين البشوش الدكتور عبد الحي يوسف رئيس أكاديمية أنصار النبي ﷺ، وغيرهم من مشايخنا المكرمين.

 ثم الشكر لفريق عمل المجلة في الإعداد والتحرير والتصميم الفني، فبمجهودهم خرجت المجلة حديقة ذات بهجة تسر الناظرين والقارئين.

ثم الشكر لإخواني من السادة العلماء ومن غيرهم من الإعلاميين والفنيين الذين تعاهدونا بالملاحظات ومقترحات التطوير والتحسين، ثم لسائر القراء الأفاضل الذين تفضلوا علينا بالقراءة والمتابعة، وخصوصا لمن تفضل منهم بالنشر والترويج وساعدنا في الوصول إلى غيرهم من القراء، وبعضهم ساعدنا في ترجمة بعض المواد المنشورة في المجلة إلى اللغات الأجنبية.. وكنا في كل حين نكتشف أن المجلة وصلت إلى حيث لا نعرف، وبعض من لا نعرف قد نشرها أو ترجم منها إلى لغات، ومنها لغات إفريقية محلية في بلاد نائية!

والمجلة تفتح أبوابها للتعاون مع سائر المحبين والمخلصين من أنصار النبي ﷺ، فمن أراد الكتابة تشرفنا بالنشر له، ومن أراد أن يختار لنا من تراث أئمتنا الراحلين أو علمائنا الأسرى نشرنا ما يقترح مع الإشارة إليه، ومن أراد أن يساعدنا في النشر والترجمة كنا له من الشاكرين، ومن استطاع أن يأخذ بأيدينا إلى وسائل الإعلام أو يأخذ بأيديها إلينا كان له أجر الدلالة على الخير إن شاء الله، وكل امرئ أدرى بما يستطيع أن يفعل من وجوه الخير والدعم، وفي كلٍّ خير.

أسأل الله جميعا أن يكتب لكل أولئك الأجر الجزيل والثواب الوافر. وأن يجمعنا دائما على طاعته وفي نصرة نبيه، وأن يتوفانا على ذلك حتى يجمعنا مرة أخرى في ظل عرشه وعند حوض نبيه ﷺ، فنُسقى من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا.

 نشر في مجلة "أنصار النبي ﷺ"، مايو 2023

الاثنين، أبريل 24، 2023

من فضل الله الذي تم علينا في رمضان

يسَّر الله تعالى، بفضله وكرمه وجميل عطائه، إنتاج برنامجين في شهر رمضان الماضي.. ولقد لقيت فيهما من تيسير الله ما لا أحسن وصفه.. فلله المنة والفضل الجزيل.


(1)

أولهما: برنامج "قصة الفتنة الكبرى" التي تتناول ما وقع من الخلاف والقتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، منذ بداية التمرد على عثمان رضي الله عنه، وحتى استشهاد علي رضي الله عنه.. وقد استفزني إلى سرعة إخراج هذا البرنامج ما أعلنته قناة MBC عن بث مسلسل "معاوية"، وهو ما ردَّت عليه جهات شيعية في العراق ولندن ببث فيلمين عن "أبي لؤلؤة المجوسي" -لعنه الله- وعن السيدة عائشة -رضي الله عنها-.. ثم قضى الله وقدَّر وأوقف بث هذه جميعا.

لقد يسر الله في هذا البرنامج كل شيء، جرى تصويره في أربعة أيام متتالية، بإمكانيات بسيطة، وكنت حينها ما أزال أعاني من أثر الأنفلونزا، ثم تطوّع بالمونتاج له أخ فاضل قدير، ترك ما بيده من عمله وشأنه ليتوفر عليه، وجرى تيسير عجيب في انتقاء كلمات لنشيد التتر ثم تلحينه وتسجيله صوتيا، وكان هذا التتر كله إهداء من قناة التناصح التي رحبت إدارتها بالبرنامج بحفاوة كبيرة، ثم جرى بثه على بعض القنوات الفضائية مثل: مكملين (مصرية) والتناصح (ليبية) والأنيس (جزائرية)، فضلا عن منصات يوتيوب مثل القناة المتميزة "شؤون إسلامية".

وتم فضل الله تعالى بأن لقي البرنامج ما لم يلقه شيء قبله من القبول، وكان أعظم ما أدهشني أن بعض العلماء والباحثين المتخصصين في الفتنة والذين تتلمذت على كتاباتهم، كانوا يتابعونه يوميا، ويمدونني بالملاحظات والتعقيبات بعد كل حلقة، ويثنون عليه ثناء ما خطر ببالي أن يكون أبدا!! والحمد لله أن أغلب هذه الملاحظات كانت في أمور دقيقة جدا وتخصصية -مثل ضبط الألفاظ وأسماء الرواة- لا تؤثر على المادة أو الأفكار.. وانتفعت بذلك أيما انتفاع، وهو ما سأستفيد منه حين يخرج كتابي عن الفتنة إن شاء الله.

وهنا أعيد الشكر والثناء لكافة من أرسلوا إلي تعليقاتهم على منصات التواصل الاجتماعي أو على بريدي أو على وسائل التواصل المختلفة، وأعتذر لهم أني لم أستطع التفاعل مع هذه الرسائل والتعليقات، ولكني قرأت كثيرا منها.. وإذا يسر الله تعالى في الأيام القادمة، فقد نفرد بعض الحلقات أو الجلسات لمتابعة ما ورد من أسئلة وتعقيبات.. فلا تنسونا من صالح دعائكم بعلو الهمة والبركة في الوقت، وأن يرزقنا الله وإياكم الإخلاص في القول والعمل.

وبالأمس، تفضل علي أخي "مصطفى الشرقاوي" بكرم جديد.. وقد تطوع قبل ذلك بأنه يعيد مونتاج الحلقة لضبط بعض الفنيات الدقيقة المتعلقة بالصوت قبل أن يبثها عنده، أسأل الله أن يجزيه عن ذلك.. ثم أتم فضله هذا بأن صنع ملفا واحدا للحلقات كلها (31 حلقة) لتكون في فيديو واحد بمدة 12 ساعة.

رابط السلسلة: https://cutt.ly/I5hPcro

رابط السلسلة في حلقة واحدة: https://youtu.be/QWCvPVya7fk

 

(2)

وثانيهما: برنامج "في أروقة رمضان"

فلئن كان البرنامج الأول صعبا وثقيلا، فهذا برنامج طريف لطيف، كنا نتوقف في كل يوم من رمضان عند حدث وافق حصوله ذكرى هذا اليوم.. فكان كالحديقة أو المتحف، يوما مع ابن خلدون ويوما مع المقريزي ويوما مع المنصور بن أبي عامر ويوما مع ابن ماجه ويوما مع أسامة بن منقذ ويوما مع علي بن أبي طالب ثم مع ابنه الحسن بن علي..

ويوما مع فتح مكة وفتح الأندلس وفتح الإسكندرية وفتح حارم ومعركة البويب وإنقاذ بغداد من الدولة البويهية..

ولم يخل الأمر من أحداث مريرة ومؤلمة قصدنا به أن ننظر في العبرة والعظة منها كالحديث عن الباطنية والقرامطة والمغول وفتنة بابك وثورة إبراهيم بن المهدي العباسي!

وهذه أيضا ثلاثين حلقة جرى تصويرها في سبعة أيام، صحبت فيها الفريق المتميز لقناة "الرافدين" العراقية، والذين لقيت منهم انضباطا واحتراما وحفاوة فوق ما كان منهم من التميز الفني وحسن المتابعة، فالشكر لهم جميعا من المدير العام إلى المدير التنفيذي إلى فريق التصوير والمونتاج.

رابط البرنامج: https://cutt.ly/R5hDHIe


(3)

ثم تفضلت قناة التناصح مرة ثالثة فأعادت -في رمضان أيضا- عرض البرنامج الأخير الذي كان عندهم، هو برنامج "ويبقى الأثر - الموسم الثاني".. وفيه تناولنا مذكرات بعض الساسة والزعماء والأدباء، توقفا عابرا، نلتقط منها بعض المواقف المهمة التي تنير لنا بعض الإفادات التاريخية الثمينة، استفادة من خلاصات مسيرتهم الحافلة!

وسائر هذه الحلقات تجدونها على قناتي على يوتيوب ( youtube.com/melhamy ) أو على منصات هذه القنوات المشار إليها.

أكتب هذا المنشور اعترافا بفضل الله ومنته أولا.. ثم شكرا لكل من ساعد وبذل شيئا في إتمام هذه الأعمال، ومنهم من لا أعرفه ومن لا أستطيع أن أوفيه، ثم شكرا وامتنانا لكل من تابع ووفر من وقته ليستمع وينتفع، ولكل من نفعني بتعليق أو ملاحظة أو دعاء..

وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتعاونين على الخير المجتمعين في طاعة الله، ثم في جنته ومستقر رحمته ودار كرامته!

الخميس، أبريل 20، 2023

معركة الإسلام في تركيا

  

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله..

لا يخفى على مهمومٍ بأحوال الأمة الإسلامية، أنها مقبلة على معركة كبيرة وفاصلة، وهي: الانتخابات التركية في مايو 2023م، وتلك معركة لا يهتم لها المسلمون وحدهم، بل يهتم لها كذلك الغرب والأنظمة العربية، وجميع هؤلاء يعرف ويعلم حجم الفارق الضخم والتأثير العظيم والمدى الخطير بين فوز أردوغان بها وبين فوز كمال كليتشيدار أوغلو، زعيم المعارضة العلمانية.. ولأنهم يعملون، فهم يعملون كذلك!

وبداية، وقبل الدخول في الموضوع، فإن ثمة أمرًا أرى أن العرب في بلادنا لا يعرفونه ويغفلون عنه، وإني أهتم بذكره هنا لأن العرب هم جمهوري الذي يقرؤون ما أكتب.. يحسب الأكثرون أن تركيا تمثل ملجأ للعرب الفارين من بلادهم، سواءٌ فرُّوا من القتل والسجن، أو فرُّوا من الفقر والحاجة.. وهذا جزء من الصورة. من كان في تركيا هنا يعرف أن تركيا صارت ملجأً للمسلمين جميعا! لا للعرب وحدهم!

فهنا في تركيا ترى شعوب الترك والأوزبك والطاجيك والشيشان والقوقاز والتركستان والروهينجا، بل ترى كذلك الذين فَرُّوا من أوروبا وأمريكا بعد أن تبين لهم استحالة المحافظة على دينهم هناك، أو تعرض أولادهم لخطر الاختطاف الذي تمارسه الدول الغربية لأبناء المسلمين إذا هم علموهم دينهم أو حثوا بناتهم على الحفاظ على شرفهن.. فتلك الأمور هي من التهم والجرائم واضطهاد الأطفال عند الحكومات الغربية، وبها ينتزعون الأطفال من أسرهم، وهذا موضوع مأساوي شنيع بشع لا تتسع له هذه السطور.

وإلى فترة قريبة كانت مصر وأرض الحرمين والشام من البلاد التي يهاجر إليها هؤلاء المضطهدون من شعوب آسيا المسلمة من الترك والقوقاز والأوزبك والطاجيك وغيرهم، حتى جاءنا زمان السيسي وابن سلمان وبشار، فإذا بهم جميعا يتقربون من الصين بتسليم المسلمين والمسلمات إليهن، ففرغ الأزهر من شطر كبير من طلابه الآسيويين، لا سيما التركستان، وأما النشطاء الروهينجا فهم الآن في سجون ابن سلمان، ولم يبق طالب علم من أهل القوقاز في الشام إلا وخرج بنفسه إذا لم يُسَلَّم إلى بوتين.. فهؤلاء جميعا تراهم الآن في تركيا!!

ويعلم جميع الناس، أن تركيا لم تصر ملجآ لهؤلاء العرب والمسلمين إلا لأنها تحت قيادة أردوغان، وأنه لو زال عن هذه القيادة غدا لصار هؤلاء جميعا في مهب الريح.. وفيهم العلماء والفضلاء والصالحون وأهل الدين، فضلا عن النساء والأطفال والعجائز!

ولا يخفى على متابع هذا الغزل المتبادل بين المعارضة التركية وبين أنظمة دول آسيا الوسطى وغيرها، ولا نواياهم في إخراج هؤلاء اللاجئين وتسليمهم إلى بلدانهم!

وزيادة في حماية هؤلاء، فقد منح أردوغان لكثير منهم إقامات استثنائية أو طويلة أو دائمة، ومنح كثيرا منهم أيضا الجنسية التركية. ومع أنه أبدى مرونة أو خضوعا (والتوقف عند اللفظ لا يهمني الآن) في إعادة علاقاته مع أنظمة الشر العربية ودولة الكيان الصهيوني، فإنه في ذات الوقت أبدى تصلبا تامًّا وعنادًا حديدًا في مسألة تسليم اللاجئين إليه، مع أن نظام السيسي –كمثال- وضع هذا البند على رأس مطالبه، وأَخَّر من أجله كل ملفات البلد المهمة كغاز المتوسط والوضع في ليبيا، فكان ذلك دليلا آخر على أن هذا السيسي عدو الله ليس إلا رئيس عصابة مجنون بنفسه! ليس له في حب الوطن أدنى نصيب.

والقَصْدُ: أنه لو لم يكن من فضل لأردوغان إلا أنه صيَّر بلده ملجآ للمظلومين لكان ذلك الفضل كافيا في إيجاب دعمه والوقوف من خلفه، كذلك: فلو لم يكن من خطرٍ يترتب على خسارته إلا تشرد هؤلاء الملايين وتعرضهم للطرد والإذلال وخطر السجن والموت وعودة القادرين منهم إلى أوروبا إلى حيث يفقدون دينهم وأبناءهم، لو لم يكن من خطر إلا هذا، لكان هذا كافيًا في تحريم التخلي عن هذه المعركة لكل قادر، فضلا عن تحريم دعم هذه المعارضة ولو بأقل القليل!

ووالله، لو كان أردوغان على هذا الحال ليس إلا رئيسا كافرا لدولة أوروبية، يفعل هذا انطلاقا من شعور إنساني فحسب، لكان المسلمون هم أجدر الناس أن يدعموه ويقفوا من خلفه ويحرصوا على فوزه وبقائه، بل لو قيل: من يحارب معه؟ لكانوا هم أولى الناس بذلك وأسبقهم إليه.. فكيف وهذا الاحتضان للاجئين ليس إلا حسنة من حسناته؟!

ولا أقصد بحسناته هنا الإنجاز الاقتصادي فحسب، وهو إنجاز ضخم هائل يستحق وحده أن يكون سببا كافيا لدعمه ولكن لست أخوض فيه لأن الكلام فيه كثير، بل حتى إنجازه في نشر الإسلام في بلده، ومن كان على مشارف الأربعين –مثلي- فقد شهد بنفسه كيف تحولت المسلسلات التركية من العشق الممنوع والعلاقات المحرمة إلى بطولات أرطغرل وعثمان وألب أرسلان وعبد الحميد الثاني... وغيرها. ولما قدمنا إلى تركيا سمعنا ممن كانوا يقيمون بها قديما ما لا يكاد يصدق عن أحوال هذا البلد الأخلاقية والمعيشية وازدراء أهل الدين فيها.. وهذه أمور لا يُحسن تصورها ولا تصويرها مثلُ الذين عاشوها.. إن أردوغان –في نظر العلمانيين الأتراك وفي نظر الغرب- أعاد فتح تركيا وأدخلها في الإسلام من جديد! وهذه العبارة وإن لم تكن دقيقة إلا أنها توضح لك حجم التحول الذي يرصده الأعداء!

وهو ذاته هذا التحول الذي سترتد إليه تركيا لو فقدت رجلا مثل هذا، وجاء بعده من كانوا قبله! هل تصدق عزيزي القارئ أن المعارضة العلمانية نفسها التي كانت تقنن نزع الحجاب وتطرد المحجبات من المستشفيات لا تترك الآن ملصقا ولا مظهر دعاية لها إلا ووضعت عليه صورة المحجبة؟!!

سيقول السفهاء من الناس ما يحمله على الدفاع عن أردوغان إلا أنه لاجئ في بلده أو حتى مستفيدٌ منه، فلو شئت والله أن أدفع عن نفسي لفعلت، ولكنهم أتفه من أن أضيع معهم وقتا. ولقد قال سفهاء الناس مثل هذا يوم كنتُ أدافع عن مرسي وكانوا يتوقفون في الدفاع عنه (إما لأنهم ثوريون جدا لا يقبلون بخدش نقاء الثورة، أو أهل دين جدا لا يقبلون بأقل من حكم الشريعة)، فأدَّاهم هذا الغلو –في الثورية وفي الدين- إلى أن يكونوا حميرا يركبها السيسي حتى ضاع الدين وضاعت الثورة على الجملة، وصار بعض أولئك كلابا أحذية ينافقون السيسي ويبررون له، وصار أحسنهم حالا طريدا مثلنا، فمن كان ذا نفس سوية أقرّ بالخطأ والندم (وقت أن لم ينفع الندم) ومن كان ذا نفس خبيثة لفَّق لنفسه الأعذار والمبررات!!

ولقد كنا وقتها نحدثهم ونجادلهم بالتاريخ، فنقول انظروا من البديل، وتذكروا عصر عبد الناصر.. فالآن نجادلهم بالواقع ونقول: انظروا من البديل، وتذكروا مرسي والسيسي.. فمن كانت له عند أردوغان مظلمة أو مثلبة أو منقصة فليعلم أن منافس أردوغان وبديله ليس واحدا من الخلفاء الراشدين!!

وفي الأتراك هنا، كما عندنا في العالم العربي، سفهاء من السلفيين والمتصوفين الذين يقولون أيضا إن الديمقراطية كفر وإن أردوغان عميل للصهاينة والأمريكان، ولا يفطن هؤلاء أنفسهم إلى أنهم لا يستطيعون أن يقولوا هذا ولا أن يختاروا ولا أن يتعلموا لولا هذا الفضل الذي جاءهم به أردوغان نفسه.. وكم في الناس من مطموس البصيرة، يورد نفسه الحتوف راغبا راضيا..

ولكن الطريف هنا، أن هؤلاء بدؤوا يظهرون في البرامج التركية، تريد المعارضة بهم أن تصرف أهل التدين عن انتخاب أردوغان لأنه لا يحكم وفقا للدين والشريعة، أو أن تصرفهم عن الانتخاب بالكلية ولينتظروا في كهوفهم حتى يأتيهم من جديد نظام البيعة الشريعة المعقودة من أهل الحل والعقد!!

تماما مثلما فتحت الفضائيات وقنوات التليفزيون المصري في عهد مرسي مساحات للتكفيريين ليقولوا عبر هذه الشاشات: الانتخابات كفر، وكل من شارك فيها كافر.. وفتحوا الباب كذلك لرؤوس المنافقين من المداخلة وحزب برهامي ليقولوا بأن مرسي لا يطبق الشريعة، والعلماني الصريح خير من العلماني المتخفي مرسي.. فجاءهم العلماني العسكري الصريح فجعلهم حيث يستحقون، من لم يكن جارية في بلاط السيسي كان كلبا في حراسته ينبح على من خالفه!

لست فقيها ولا مفتيا، ولكني لا أعرف فقيها ولا مفتيا له من الاطلاع على الواقع نصيب إلا وهو يؤكد على ضرورة دعم أردوغان.. ومما لا يعرفه كثيرون أيضا أن ما لقيه جماعة العلماء من حفاوة وإكرام في هذا البلد ما كانوا يحلمون بشيء منه في بلادهم التي أخرجتهم.. ولا يخلو الأمر من أخطاء.

وفي حدود ما أعرف من الدين، فلا أحسب أن أحدا من المسلمين يمكنه أن يساهم في هذه المعركة بسهم فيسعه أن يتخلى أو يمتنع، وفي مقدمة هؤلاء أولئك الذين حصلوا على الجنسية التركية وصار لهم حق الانتخاب، وكذلك الإعلاميين والكُتَّاب وأهل اللسان والبيان ممن يستمع لهم الناس ويملكون أن يؤثروا فيهم، ومثلهم الإعلاميون الجدد مثل اليوتيوبرز والتيكتوكرز وغيرهم ممن يجمعهم اسم "المؤثرين" (الانفلونسيرز)، فعليهم كذلك هذه المسؤولية الواجبة التي يُسألون فيها أمام الله، فما القضية نصرة حاكم ولا رئيس، بل هي قضية مصير للمسلمين.

وهل ننسى ما كان في واقعنا قريبا، هل ننسى كيف كانت ليلة محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا (15 يوليو 2016م)، يوم أن تعلقت قلوب الجميع بالمشهد التركي، فقام كل عدو لهذا الدين ولهذه الأمة فرحا مسرورا يرجو نجاح الانقلاب، ثم ردَّهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا. وقام كل مسلم صالح ناصح يرجو أن يفشل هذا الانقلاب فمنهم من نزل بنفسه ومنهم من لم يجد غير الدعاء يبذله!!

نعم، إن المشاعر تُنسى! ولو أن المرء يتذكر هذه الليلة ويتوقع ماذا كان سيكون تأثيرها على المسلمين، لوجد أن السواد التام يعم ديار المسلمين كلها!

وقد طال المقال ولم نقل شيئا عن مواقف الرجل السياسية الخارجية، فليس أول ذلك منعه اجتياح قطر سنة 2017، ولا آخرها إداناته للإساءة إلى النبي ولما يحدث في الأقصى.. ومواقف أخرى طويلة وكثيرة.. ربما ينتقدها البعض الآن ويرى أنها ليست كافية، ولكنه ينسى أن إذا كان غير هذا الرجل في هذا المكان، لكانت هذه المواقف أحلام لا تراود حتى الخيال!

ها نحن نودع شهر رمضان، ولقد رأيت من نفسي ومن غيري حرصهم على الدعاء له في أوقات الإجابة، وأكثر هؤلاء الذين يدعون ويتضرعون لم تمسهم من الرجل منفعة ولا مصلحة، وإنما كانوا مثل جدهم عبد الله بن عمر، يفرح للغيث إذا نزل في أي أرض للمسلمين. وإني لأشهد أن هذا الرجل في هذا الزمن هو من نعم الله الكبرى على أمة المسلمين أجمعين.