الاثنين، أغسطس 16، 2021

بين طالبان والحركات الإسلامية العربية

ربما تبلغ خبرتي الآن في مجال المتابعة والسجالات السياسية ثلاثين سنة، لا أدري ما الذي جذبني لمتابعة الشأن العام منذ بواكير الصبا، وُلِدت آخر 1983 لكنني أتذكر جيدا تسمّري أمام التليفزيون المصري وهو يعرض مشاهد الجزائر مطلع التسعينات.. ثم جاء الانترنت مطلع الألفية ثم مواقع التواصل الاجتماعي لتعطي هذه الخبرة دفقة قوية، إذ صار الكلام كثيرا، وصار الكل خبيرا.. ولهذا كله أكاد أتوقع ردود الأفعال على كل حدث، مع اعترافي بأن ثمة من يبدع أقوالا غير متوقعة!

وبينما أنا في هذا الليل الهادئ، أحاول لملمة بحث، إذ وقفت أمامي مسألة، فهربت منها إلى تويتر، فوجدتني أمام تغريدة تجمع ما تفرق في غيرها، وأعطتني إغراء لحوحا بالتعليق عليها لأجل ما اجتمع فيها من المغالطات.. ولعل الشيطان زين لي هربي من البحث.

وأشدد تشديدا مؤكدا، قبل كل شيء، على أن النقاش هنا متعلق بالفكرة، بعيدا عن شخص صاحبها.. فإن التشخيص يزيد الأزمة ويُقَزِّم المشكلة.

قال صاحبنا:

"المقارنة بين مقاومة طالبان للاحتلال الأمريكي ونضال الحركات الإسلامية ضد الأنظمة القمعية في العالم العربي مقارنة في غاية السذاجة والسطحية!

الانطلاق من بقايا دولة وجيش ليس كالانطلاق من واقع سياسي/دعوي/خدمي.

ومقاومة غازٍ وجيش أجنبي، ليست كمواجهة طاغية محلي يتحكم بجيش البلد.

كثيرون حملوا السلاح في مواجهة الأنظمة، لم يجلبوا على بلادهم إلا الوبال!

المقارنة الصحيحة هي مع جبهة الإنقاذ في الجزائر لا مع طالبان، فالشكر والتحية لا اللوم والتقريع لمن جنب بلاده عشرية سوداء"

انتهى كلامه.

وقبل البدء في التعليق على هذا الكلام يجب أن أؤكد على مجموعة من المسلمات النخبوية لكي لا أبدو شعبويا جهولا ديماجوجيا سفيها :) .. وهي تلك المسلمات التي تتحدث عن الخصوصية الجغرافية والخصوصية الثقافية والخصوصية الاجتماعية... وأي خصوصية أخرى.

مع كامل مراعاة هذه الخصوصيات، فإن التجارب البشرية وإن كانت لا تستنسخ إلا أنها دائما ما تحمل العبرة والعظة.. وإلا ما كان لأحد أن يستفيد من تجربة أحد أبدا، إذ لم تتشابه تجربتان من كل وجه.

ولا شك أن هذه التجربة الطالبانية سيأخذ كل قوم منها ما يرون أنهم افتقدوه، ففي عالم الثورات السلمية سيتألق العمل الكفاحي الطالباني، وفي عالم الثورات المسلحة سيتألق العمل السياسي الطالباني، وسنجد كل قوم ينتبهون في التجربة الناجحة إلى ما كان ينقصهم في تجربتهم التي تعاني الإخفاق.

نبدأ الآن في التعليق:

1. طالبان لم تكن تقاوم الاحتلال الأمريكي وحده، بل إن الاحتلال الأمريكي أقام لهم حكومة أفغانية، لها رئيس ووزراء من الأفغان، وأجرى بينهم انتخابات أيضا.. فالأمر لم يكن محض احتلال أجنبي.. بل كان النظام القمعي "الوطني" بل ((والمنتخب)) حاضرا أيضا.

ولهذا فمحاولة تغييب هذه الحكومة "الوطنية" بل ((والمنتخبة)) من المشهد خطأ في التحليل.

وهنا يجب أن نسأل: كيف تعاملت طالبان مع هذه الحكومة؟.. هل سلكت معها مسلك الدعوة أو مسلك التوافق أو مسلك التعاون.. أم كانت حريصة دائما على وصمهم بالخيانة والعمالة وقطعت كل طريق يمكن أن تلتقي فيه مع هذه الحكومة؟!

إن الحركات الإسلامية في العالم العربي فضَّلت أن تتعامل مع الحكومات العميلة باعتبارها "سلطة شرعية" أو "شركاء الوطن".. ومن ثم فقد كان كل همها أن تحصل منهم على الاعتراف بالوجود الرسمي أو التوصل لصيغة تفاهم تكون فيه الحركة الإسلامية هي اليد السفلى. وفي الغالب أخفقت الحركات الإسلامية في مسعاها هذا، فأحسنها حالا من صار زينة للنظام الحاكم يستعمله كمنديل في رغباته القذرة (التطبيع المغربي نموذجا) وأدناها حالا من صار بين السجون والمنافي يردد رواية المظلومية.

ألم يكن ينبغي على الحركة الإسلامية أن تسعى جهدها في تعرية الأنظمة الحاكمة وفضحها وكشفها، والضغط الدائم على أدلة خيانتها وعمالتها؟!.. لن أهتم الآن بالإجابة على هذا السؤال.. القصد أن أقول: إن رد فعل طالبان على الحالة عندها لم يكن ذاته رد الفعل الحركي الإسلامي على الحالة عندنا مع تشابه الحالتين.

بل حتى الحركات الإسلامية التي تعاني من الاحتلال الأجنبي، كما هي الحالة في فلسطين، لا تزال تتعامل الحركة الخضراء مع سلطة فتح على اعتبارهم إخوة شركاء في الوطن بل وفي الكفاح والنضال. وليس قصدي هنا إدانة الحركة الخضراء بل قصدي توضيح أن نفس الحالة (حالة الاحتلال الأجنبي) لم تؤد إلى نفس رد الفعل الطالباني.. وبهذا فلا يصح قول صاحبنا بأن حالة طالبان مختلفة عن حالتنا من كل وجه.

2. صحيح أن الانطلاق من بقايا دولة وجيش ليس كالانطلاق من عمل دعوي وسياسي وخدمي..

لكن هذا الاختلاف في الانطلاق هو فرع عن اختلاف الخيارات.. فالذين اختاروا توصيف الواقع على أنه احتلال أجنبي وحكومة عميلة اختاروا في نفس اللحظة نوع الطريق الذي ساروا فيه.. بينما الذين اختاروا توصيف الواقع باعتبار حكوماتهم سلطة شرعية وشركاء وطن وجدوا أنفسهم في نفس اللحظة أمام مهمات دعوية وسياسية وخدمية!

وإذن، لم يكن الفارق ظرفا موضوعيا خارجيا متساميا.. بل كان نتيجة منطقية أفرزها خيار الحركة نفسها.

3. نعم، أتفق في أن كثيرين حملوا السلاح في بلادهم ولم يجلبوا إلا الوبال.. صحيح، ما يستطيع أحد أن ينكر هذا!

السؤال دائما هو: هل كان الخطأ عندهم في مبدأ المقاومة أم في طريقتهم فيها؟!

ولذلك إذا نظرت من الزاوية الأخرى ستجد من يقول: ماذا فعل أصحاب البرلمانات والأحزاب والمشاركة السياسية؟! هل حققوا دولة الإسلام في مكان ما؟! إن تجارب أولئك كثيرة ولم ينجح منها تجربة واحدة وحيدة بمحض السياسة.. حتى تجربتي تركيا وغزة اضطرتا لاستعمال القوة لمواجهة انقلاب عسكري وفتحاوي.. ولولا ذلك لكانوا مع إخوانهم الآخرين بين السجون والمنافي.

في واقعنا الإسلامي الحالي، يبدو مزعجا جدا أن يقف أحد الطرفين ليعير الآخر بفشله، فالجميع في الإخفاق سواء، فلا فضل لأحدهم على الآخر.. والأولى بكل منهم أن ينظر فيما أخفق فيه أو ليكمل أحدهما الآخر.

4. أما أطرف ما جاء في التغريدة فهو القول بأن "المقارنة الصحيحة هي مع جبهة الإنقاذ في الجزائر لا مع طالبان، فالشكر والتحية لا اللوم والتقريع لمن جنب بلاده عشرية سوداء"!

فهذه عبارة عجيبة اجتمعت فيها المتناقضات..

فأولا: إن بلد العشرية السوداء لا تزال أقوى من كل جيرانها رغم مرورها بالعشرية السوداء ورغم أن جيرانها لم يمروا بها.. فتلك العشرية لم تكن نهاية التاريخ!

وثانيا: فإن الذين تجنبوا العشرية السوداء منذ الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله أدخلوا بلدهم في سبعينية سوداء مستمرة حتى الآن، ولا نعرف متى ستنتهي.. فلم يكن تجنب العشرية السوداء حلا عظيما!

وثالثا: من المسؤول عن العشرية السوداء أصلا.. لا شك أن لجماعات التكفير نصيب، ولكنه نصيب يتضاءل أمام إجرام السلطة المدعومة دوليا، وها هي مذكرات ضباط العشرية السوداء تعترف بالجرائم التي ارتكبوها.. أي أن العشرية السوداء كانت اختيارا للسلطة ولم تكن اختيارا للجماعات الإسلامية.

ورابعا: هذه العشرية السوداء انتهت بمصالحة وطنية، نزل بها حملة السلاح مظللين بالعفو العام.. بينما الذين حاولوا تجنب العشرية السوداء -كالأستاذ الهضيبي وصحبه- عاشوا عشرين سنة في السجن.. ثم خرجوا برحمة الحاكم الجديد حين احتاج خروجهم.. ثم أدخلهم الحاكم الثالث السجون من جديد!!

يعني أكاد أتصور أن لو طُوِي التاريخ ووُضِع المستقبل أمام الأستاذ الهضيبي ورهطه، فهل كانوا سيختارون الاستسلام لعبد الناصر؟!

وخامسا: وهي المفاجأة.. أن انتصار طالبان كان بعد "عشرينية" سوداء، وليست عشرية واحدة!!!.. أي أن الانتصار الذي يحتفي به الكاتب هو نفسه وليد عشرين سنة من الحرب.. والرجال الذين يتسلمون الحكم الآن قضى بعض قياداتهم عشر سنوات في جوانتانامو.. وإنما خرج من خرج منهم في تبادل للأسرى، نفذه من لم يفكر في تجنب العشرية السوداء.

فلو أنهم فكروا في تجنب هذه العشرينية السوداء لكانوا الآن في السجون، ولعل بعضهم كان يعمل على تقديم المراجعات الفكرية!!

طالما يجري تخويفنا نحن بالعشرية السوداء فسيظل الحكام يقتلوننا بلا رحمة ويهدمون علينا البلاد بلا تردد.. يساوموننا بين العشرية السوداء في الجزائر أو سوريا أو العراق.. وبين أن نعيش عبيدا وكلابا نلحس نعالهم ونهدي أعراضنا لهم!!

لو أن كل حاكم طاغية عرف ووقر في يقينه أنه مخير بين الاستسلام للشعب أو مصير كمصير الخونة، لما تجرؤوا علينا كل هذه الجرأة.. وإنما فعلوا ذلك لأن منا من يخوفنا من الموت، ويفلسف لنا الحياة الذليلة!!

ثم أختم بتأكيد جديد وتشديد جديد، أن نقاش الفكرة هو الذي قصدت، وأن شخصنة الأمر لا يفعله مخلص يبحث عن حل، بل يفعله مغرض يبحث عن معركة.


السبت، أغسطس 14، 2021

سنن تاريخية في ضياع بيت المقدس

 



قصة قصيرة قبل بدء المقال: مُنِع هذا المقال من النشر في مجلة المجتمع الكويتية، وأوقفت المجلة مقالي الثابت فيها منذ ثلاث سنوات أو أكثر، بقرار من رئيس التحرير محمد سالم الراشد. وسبب ذلك تغريدةٌ كتبتها أدين فيها موقف راشد الغنوشي البطئ الثقيل المستسلم من انقلاب الرئيس التونسي قيس سعيد عليه.

 فإذا بمحمد سالم الراشد يوقف التعامل معي بالمجلة، ولما سألتُه: زعم أن ذلك المقال يخالف "سياسات التحرير"، وهو يعرف أني أعرف أنه كاذب، وأوضح دليل على هذا الكذب أن المقال نُشِر بالفعل على الموقع الإلكتروني للمجلة كما يظهر في هذه الصورة، فلو كان مخالفا لسياسات التحرير لما نُشِر على الموقع. ثم ها هو المقال أمام القراء جميعا، ولهم أن ينظروا: هل يمكن أن يكون مخالفا لسياسة تحرير النشر في أي مجلة؟!

لم أكن أتوقع أن أُساوَم على رأيي وعلى ما أنشر في صفحاتي، من طرف رئيس تحرير لمجلة إسلامية تنتسب إلى جمعية الإصلاح الكويتية (الإخوان المسلمين)، ولا أدري كيف خطر له بالبال أنه يمكن أن يلوي ذراعي مثلا فأتوقف عن قول ما أؤمن به، إن الذي حفظنا من نفاق السيسي وابن زايد وابن سعود لن يسوءنا فننافق من لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا حتى بمقاييس الدنيا. ولكن حيث وقعت المساومة، فليهنأ بمجلته ومن يخضعون لمساومته.

وقد ذكرتُ له أني سأنشر مضمون هذا الذي حصل، والقراء يحكمون، فقال: افعل ما تريد. وأي محاولة لتكذيب ما قيل هنا فسأضطر لنشر صور المراسلات.

ذكرنا في المقال الماضي أنه: من خلال مطالعة تاريخ بيت المقدس ستظهر لنا سنة مضطردة خلاصتها أن بيت المقدس هو بمثابة القلب من الضلوع والتاج من المدن، وأنه لا يُوصل إليه إلا من خلال العواصم المحيطة به، وتناولنا في المقال الماضي محطات الفتح العمري والتحرير الصلاحي، وقد ظهر لنا منها أنه لم يمكن فتح بيت المقدس إلا بعد فتح دمشق، ولم يمكن تحرير بيت المقدس إلا بعد تطهير دمشق والقاهرة من الأمراء الفاسدين، وباتحاد مصر والشام صار تحرير بيت المقدس مسألة وقت.

في هذا المقال نتوقف عند محطات ضياع بيت المقدس، وهي ثلاث محطات كبرى: ضياعه في الحملة الصليبية الأولى، وفي الحملة الصليبية السادسة، ثم ضياعه قبل نيف ومائة عام في الاحتلال الإنجليزي.

في محطات الهزيمة سنرى أنه لم يتمكن الأعداء من الوصول إلى بيت المقدس إلا بعد أن ضرب الفساد والخيانةُ أو الاحتلال العاصمتيْن المهمتيْن حوله: القاهرة ودمشق. وفي مرحلة لاحقة: اسطنبول!

عشية الحملة الصليبية الأولى انقسمت مصر والشام، فكانت مر تحت حكم العبيديين (الفاطميين) وهم شيعة إسماعيلية، وكانت الشام تحت حكم السلاجقة وهم من أهل السنة، وقد انقسمت بلاد الشام ودخلت في النزاع بين السلاجقة والعبيديين، وقد كانت كلا الدولتين قد فقدتا أمراءها الأقوياء، فقد تفكك السلاجقة في الشام بعد السلطان القوي ملك شاه (ت 485ه = 1092م)، ودخل العبيديون في ما يسمى بعصر الوزراء بعد ضعف الخلفاء، ثم زاد الوضع سوءا حين تحالف العبيديون مع الفرنجة الصليبيين ضد السلاجقة، وهو التحالف الذي استفاد منه الصليبيون في الاستيلاء على شمال الشام ثم سرعان ما غدروا بهم وانتزعوا بيت المقدس الذي كان في حوزة العبيديين آنذاك!

وهكذا ضاعت القدس حيث كانت العواصم القوية حولها في حال مزرية، فالخليفة الضعيف في بغداد، والأمراء السلاجقة الضعاف المتنازعين في الشام، والخليفة العبيدي الضعيف في القاهرة!! وستظل بعدها نحو مائة عام في ظل الاحتلال الصليبي والأقصى حظيرة خنازير!!

ستبدو هذه السنة التاريخية واضحة في مسيرة الحملات الصليبية التالية، فلئن كانت الحملة الأولى قد نجحت في احتلال بيت المقدس، فلقد جاءت الحملة الثانية بعد تحرير الرها على يد عماد الدين زنكي، لكنها لما وصلت كان عماد الدين قد رحل وتولى الأمر من بعده ابنه نور الدين محمود الذي استطاع أن ينشئ تحالفا مع حاكم دمشق، ومع أن دمشق كانت في هدنة مع الصليبيين إلا أنهم هاجموها أولا ناقضين للعهد بينهما، وهو ما أجبر دمشق على الدخول في مواجهة الصليبيين، وأدى ذلك –مع أسباب أخرى- لإخفاق الحملة الثانية.

وأما الحملة الثالثة فقد جاءت بعد تحرير صلاح الدين لبيت المقدس، وكانت أضخم الحملات الصليبية وأشرسها، ولكنها جاءت وقد توحدت مصر والشام، وكانتا تحت سلطان صلاح الدين، فانتهت الحملة الكبرى إلى الإخفاق ولم تستطع أن تحتل بيت المقدس! وعاد ملوكها يجرون أذيال الخيبة!

وأما الحملة الرابعة فقد انحرفت –لظروف تخص الخلافات الأوروبية الداخلية- فبدلا من أن تأتي إلى المشرق توجهت إلى القسطنطينية واستولت عليها.

وأما الحملة الخامسة فهي الحملة التي تثبت بوضوح هذه السنة التاريخية التي نتحدث عنها، لقد جاءت تلك الحملة بفكرة جديدة بعد قراءتها لأخبار الحملات السابقة، تلك هي السيطرة على مصر أولا. لقد كان الدرس واضحا: لن يمكن الاستيلاء على بيت المقدس ولا الاستقرار فيه دون السيطرة على مصر والاستيلاء على القاهرة. وقد نقل ابن واصل خبر تشاورهم فقال: "اجتمعوا للمشورة في ماذا يبدءون بقصده، فأشار عقلاؤهم بقصد الديار المصرية أولا، وقالوا: إن الملك الناصر صلاح الدين إنما استولى على الممالك، وأخرج القدس والساحل من أيدى الفرنج بملكه ديار مصر، وتقويته برجالها، فالمصلحة أن نقصد أو لا مصر ونملكها، وحينئذ فلا يبقى لنا مانع عن أخذ القدس وغيره من البلاد"[1].

من المؤسف أن صلاح الدين كان قد توفي، بل إن أخاه العادل سيف الدين توفي في أثناء الهجوم الذي شنته الحملة الصليبية على دمياط، وصار الشام إلى عيسى بن العادل، وصارت مصر إلى محمد بن العادل الملقب بالملك الكامل.

وفي واقعة لها دلالاتها الكثيرة والقوية، عرض الكامل على الصليبيين أن يرحلوا عن مصر في مقابل أن يسلم لهم كل ما حرره صلاح الدين من المدن بما في ذلك بيت المقدس، ما عدا الكرك والشوبك، وانقسم الصليبيون أمام هذا العرض فمنهم من وافق ورآها فرصة لا تقدر بثمن، ومنهم من رفض ورأى أنه لا يمكن الاحتفاظ ببيت المقدس دون الاستيلاء على مصر، وانتصر الرأي الأخير!

لم يجد الكامل إلا أن يقاوم، وبعد فصول طويلة استطاع جيشه وجيشا أخويْه اللذيْن قدما لنجدته أن يهزموا الحملة الصليبية الخامسة! ولقد كان بإمكان الكامل أن يبيد جيش هذه الحملة، إلا أنه لنفسيته المشبعة بالجبن والخور رفض أن يفعلها، وسمح لهم بالانسحاب سالمين.

يجب القول أيضا إن سياسة الكامل والرفض الصليبي لعرضه يثبت ما نقول من أن القاهرة مفتاح بيت المقدس، وأنها –من المنظور السياسي والعسكري- أهم من بيت المقدس، وليست الأهمية هنا دينية وقدسية فالقدس أعظم لا شك، لكن ميزان القوة يُحسب من جهة الموارد والنفوذ: المال والرجال!

ثم ما لبث أن دبت الفرقة والخلاف بين الإخوة الثلاثة: الملك الكامل محمد في مصر وأخيه المعظم عيسى في الشام والأشرف موسى في شمال العراق وديار الجزيرة، فتحالف المعظم عيسى صاحب الشام مع جلال الدين الخوارزمي، فتحالف الكامل مع فريدريك الثاني صاحب الإمبراطورية الرومانية المقدسة والذي نشأ يتيما في صقلية، وعرض عليه التنازل عن بيت المقدس وما حرره صلاح الدين.

ومع أن المعظم عيسى مات سنة 624، واستولى الكامل على مملكته بالفعل، ومع أن فريدريك محروم من قبل البابا، وكان الصليبون في الشام ضده وعرضوا على الكامل أن يحاربوه معه، ومع قلة عدده (600 فارس) إلا أن الكامل أعطاه القدس!! أعطاه إياها لمجرد الوفاء بالوعد ولمجرد التحالف والصداقة!!

وهذا استلم فريدريك بيت المقدس بستمائة فارس فقط، لم يحاربوا ولم يخسر منهم أحدا، وبمجرد التفاوض، ودون أية مكاسب تعود على الكامل، في واحدة من أغرب قصص الخيانة في التاريخ!!

ومجاملة لفريدريك منع الكاملُ مؤذن بيت المقدس من الأذان حرصا على عدم إزعاج صديقه وحليفه الملك فريدريك!! وأخبر الكامل صديقه فريدريك بأنه سَجَن أعظم علماء المسلمين الذين عارضوه في هذا التسليم!! وقد وجد الكامل من يفتيه بجواز تسليم بيت المقدس للصليبيين!!

وسجن الكامل كذلك واحدا من قادة جيشه، سيف الدين بن أبي زكري، الذي قال له: اتحد مع أخيك وابن أخيك على هذا العدو، ولا يُقال أعطى السلطان الفرنج القدس[2]!! ثم إن الكامل فضّ اعتصاما أقامه أهل القدس عند خيمته وقد حملوا معهم قناديل الأقصى وستائره!

وبعد وفاة الكامل، وفي خضم اشتداد المنازعات بين أبناء الإخوة الذين ورثوا عداوات أبيهم وتنقلت بينهم المعسكرات وتبدلت أحوالهم بصورة درامية بائسة ومثيرة للاشمئزاز، استطاع الناصر داود بن المعظم (عيسى بن العادل سيف الدين بن نجم الدين أيوب) أن يهاجم بيت المقدس فيحررها (637ه)، ولكنه نكاية في ابن عمه الصالح أيوب (بن الكامل محمد بن العادل سيف الدين بن نجم الدين أيوب) سلطان مصر، وتحالفا مع عمه الصالح إسماعيل (بن العادل سيف الدين بن نجم الدين أيوب) سلمها للصليبيين مرة أخرى في عام 641ه.. بل وتعهد الصالح إسماعيل –قائد التحالف- للصليبيين بجزء من ديار مصر إذا انتصروا على سلطانها الصالح نجم الدين أيوب.

ومع أن المعاهدات بين هؤلاء الأمراء مع الصليبيين حين سلموا لهم بيت المقدس أن يحتفظ المسلمون بالسيادة على المسجد الأقصى وأن تقام الشعائر، إلا أن الصليبيين لم يأبهوا بهذا، حتى إن ابن واصل المؤرخ حين كان في سفارة ببيت المقدس نقل صورة الوضع هناك فقال: "دخلت بيت المقدس ورأيت الرهبان والقسوس على الصخرة المقدسة، وعليها قناني الخمر برسم القربان، ودخلت الجامع الأقصى وفيه جرس معلق، وأبطل بالحرم الأذان والإقامة وأعلن فيه بالكفر"[3].

وفي النهاية استطاع الصالح أيوب، سلطان مصر، أن يقضي على خصومه من أبناء عمه، وأن يعيد توحيد مصر والشام، وتحالف مع الخوارزميين، ثم استطاع تحرير بيت المقدس (642ه)، وذلك في أعقاب انتصاره في معركة غزة على التحالف الذي ضم الأيوبيين الشوام مع الصليبيين، وقد وصفهم سبط ابن الجوزي بقوله "(ساروا) تحت أعلام الفرنج وعلى رؤوسهم الصلبان المسلمين والأقساء فِي الأطلاب يصلِّبون على ويقسقسون عليهم، وبأيديهم كاساتُ الخمر والهنابات يسقونهم"[4].

ظلت بيت المقدس في يد المسلمين حتى الاحتلال الإنجليزي المعاصر، أي لمدة سبعة قرون، وفي هذه القرون السبعة كانت مصر والشام دولة واحدة، إما تحت السيادة المملوكية، أو تحت السيادة العثمانية، فكانت مسؤولية بيت المقدس –ومعها الحرمان الشريفان أيضا- تقع على عاتق القاهرة ودمشق في العصر المملوكي، وعلى عاتق اسطنبول في العصر العثماني، واستطاعت الدولتان أن تقوما بالمهمة خير قيام، فظلت بيت المقدس وظل الحرمان الشريفان في حصن منيع!

ولم تضع بيت المقدس في التاريخ المعاصر إلا عندما ضعف اسطنبول وضربها الفساد والوهن، وهي اللحظة التي استطاع فيها الاحتلال الإنجليزي أن يستولي منها على القاهرة –المدينة الثانية في الإمبراطورية العثمانية بعد العاصمة- ومن القاهرة تحرك الجيش الإنجليزي الذي احتل بيت المقدس!! لقد كان الجيش الذي أسسه الإنجليز في مصر، والمعروف خطأ باسم الجيش المصري، هو الذي قاتل العثمانيين في الشام وفتح الطريق لاحتلال بيت المقدس.

وقبل الإنجليز كانت نفس المحاولة قد جرت على يد نابليون، احتل القاهرة أولا، ومنها خرج بجيشه إلى الشام يريد بيت المقدس، لكن الظروف السياسية لم تساعده على إنجاز مهمته.

لقد جرى احتلال بيت المقدس بعد خمس وثلاثين سنة من احتلال القاهرة، واستعمل الإنجليز في احتلالها كل موارد مصر من مال ورجال بل حتى الخيول والحمير انتزعوها من المصريين ليخوضوا بها الحرب العالمية الأولى التي أسفرت عن غروب الدولة العثمانية وغروب بيت المقدس معها.

وأدنى نظر في مذكرات هرتزل، مؤسس المشروع الصهيوني، سيخبرنا بذات السنة التاريخية التي نتحدث عنها، والتي يبدو أن هرتزل فقهها جيدا، لقد كان هرتزل حريصا للغاية على أن يؤسس دولة للصهاينة في بيت المقدس من خلال التأثير على قرار العواصم المهمة المتحكمة في مصيره من خلال نفوذها المباشر عليه مثل اسطنبول، أو من خلال نفوذها على اسطنبول مثل لندن وبرلين والفاتيكان وموسكو.. ولكن هذا حديث طويل ومهم، ولعلنا أن نفرده في مقال قادم إن شاء الله تعالى.

نشر في مجلة المجتمع الكويتية، على الموقع الإلكتروني فقط، أغسطس 2021



[1] ابن واصل، مفروج الكروب، 3/258.

[2] ابن شداد، الأعلاق الخطيرة، (تاريخ لبنان والأردن وفلسطين)، ص224.

[3] ابن واصل، مفرج الكروب، 5/333.

[4] سبط ابن الجوزي، مرآة الزمان، 22/381.

السبت، يوليو 24، 2021

عن كتاب "نقد التقليد الكنسي"

لست باحثا في مجال الأديان، ولا أنوي أن أكون، ولم أعرف بكتاب "نقد التقليد الكنسي" إلا من خلال التحريض الكنسي عليه، وهو التحريض الذي استجاب له السيسي فصدر الأمر بمصادرة الكتاب!

وأول ما سمعتُه عن الكتاب كان هو هذا التحريض الكنسي لأحد آباء الكنيسة المصرية "أغاثون، أسقف المنيا" واستفزني منه عبارتان على وجه التحديد، وهما:

1. قوله: أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكتبه مسلم، لأنه لا يمكن للمسلم أن يحيط بهذه التفاصيل!

2. قوله: هذا الكتاب جعل الكنيسة المصرية صفرا وهدم كل ما قامت عليه!

ثم هدد بأن بقاء الكتاب قد يشعل فتنة طائفية، ولأن السيسي يمكن أن يفرط في أي شئ إلا في بقاء الكنيسة قوة في ظهره فقد استجاب سريعا

وهكذا ترى عزيزي المسلم في مصر أن الكتب التي تسب الإسلام تُطبع طباعة فاخرة، بما في ذلك كتب التنصير التي تطبعها الكنيسة نفسها، وكتب الإلحاد، بل إنك لتجد كبار العلمانيين والملحدين والمشككين في القرآن والسنة والصحابة أصحاب برامج على القنوات المصرية.. بينما باحث مسلم يتخوف من مصادرة كتابه إذا كتب في نقد المسيحية، دين الأقلية التي لا تتجاوز 5%.

بالمناسبة: من الضروري يا أيها القارئ أن تتذكر جيدا أن كاتب هذا الكتاب ليس سلفيا وهابيا، وليس إخوانيا معارضا، إنه أزهري.. نعم، كما تقرأ الآن، أزهري ينتسب إلى الأزهر الشريف.. هذا الأزهر الذي لطالما استعملته السلطة كغطاء لها في حرب الإسلام، فألبسته ثياب الاعتدال والوسطية كأنهما حكر عليه ولا يخرجان عنه!!

فكاتب الكتاب أزهري، وممن قدَّموا له أستاذ بالأزهر..

ولكن، لا قيمة للأزهر -قلعة الوسطية والاعتدال والاستنارة- إذا غضبت الكنيسة، فليُصادر الكتاب ولو كان كاتبه أزهريا، ولو كان الذي يزكيه من أساتذة الأزهر!!

قصة الأقباط في مصر قصة طويلة ومريرة ولا يتسع لها المقام، إنهم حقا أسعد أقلية في العالم.. ومن رأى منكم دولة تُصادَر فيها الكتب العلمية لأنها تغضب الأقلية، فليخبرنا مشكورا مأجورا.

لنعد إلى غرض هذا المنشور.. وغرضه أني قرأت من الكتاب مائة صفحة، وهي حوالي ربع الكتاب.. وهو غاية ما أستطيعه في ظل انشغالي بأمور أخرى، ولولا استفزاز هذا الكاهن ما تحمست لقراءته!

ولقد كنتُ منتبها في قراءته لأمريْن؛ أولهما: لغة الكاتب وهل يمكن أن يتطرق الشك لكون الكاتب ليس هو نفسه؟ وثانيهما: هل يمكن أن يبلغ كتاب من الخطورة بحيث يكون تهديدا وهدما لكل الكنيسة المصرية؟!

فأما لغة الكتاب فلا شك عندي في أن صاحب الكتاب هو صاحبها، فللأزهريين لغة معروفة، فيها مسحة أصيلة من علم الكلام الذي يدرسونه، وطريقة صياغاتهم في التعبير عن المعاني لا تزال واضحة.. وهي تفارق -بوضوح- طريقة الباحثين من غير الأزهريين ممن تخرجوا في الجامعات المدنية! وهذا أمر لا أستطيع التعبير عنه، ولكنه أمر يتذوقه بسهولة من يمارس الكتب والبحوث!

ثم إن المؤلف كان حريصا على اللغة العلمية الهادئة، فلم ينجرف إلى السخرية والاستهزاء، مع أن بعض المواطن تشد القارئ شدًّا لكتابة تعليق ساخر.. بل كان الرجل من الحساسية بحيث أنه لما نقل نقلا عن الأستاذ علي الريس تحفظ على كلمة ساخرة قالها علي الريس في الحاشية!!!

ومع أصالة لغة المؤلف التي تظهر فيها طريقته الأزهرية، فإن المؤلف قليلا بل نادرا ما تكلم.. إن الكتاب هو حشد من الاقتباسات، ومن المراجع الكنسية المعتمدة، وما فعل هو إلا أن ربط بينها بعبارة أو بعض عبارة!!

وأما أن الكتاب يهدم الكنيسة -كما قال أغاثون- فأمرٌ يكاد يكون صحيحا.. وإنما أقول "يكاد" لأني لست من أهل هذا المجال وأتحفظ أن أدخل فيما ليس لي به علم!!

ولكنني مع كل صفحة من الكتاب أزداد اندهاشا..

إن النقد العلماني والاستشراقي المتوجه لعلم الحديث النبوي الشريف، قد أجبرنا أن نخوض بعض الحوارات في شأن الحديث وطريقة روايته وأسانيده وعلله.. وفي كل مرة كان يثبت بغير شك أن علم الحديث بناء شامخ صلب متين، وأن نقد العلماء المسلمين للمرويات وطرائقهم في تصحيح الحديث وتنقيحه هي غاية ما يمكن أن يصل إليه عقل بشر أو مجهودهم.. وأبسط دليل على هذا هو أننا لو عاملنا الأخبار التاريخية بمنهج المحدثين لانهار التاريخ كله ولم تصح منه رواية واحدة!!!

ولذلك لا يمكن كتابة أي تاريخ وفقا لمنهج المحدثين.. بل إنني أحيانا يداخلني الغيظ من هذا التشدد الحديثي!!

عندما قرأت كتاب "نقد التقليد الكنسي" كنت أهتف من أعماق قلبي: أين العلمانيون والمستشرقون من هذا؟!.. أين هم من هذه المعلومات المتناثرة التي لا يصلح لها حتى أن توصف بالروايات المهلهلة.. إن أصول الدين نفسها معرضة للنقد بسهولة، فصاحب الإنجيل لا يُعرف من هو على وجه التحديد، ولا يعرف تاريخ مولده ولا وفاته على وجه التحديد، ولا يعرف هل زار مصر أم لا، ولا يعرف هل هو من الرسل السبعين ليسوع أم لا.. وكل المعروف عنه معلومتان أو ثلاثة، ثم بُنِي حولهما بناء ضخم.. مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يمكن الجزم بأن هاتين المعلومتين يخصان مرقص كاتب الإنجيل، فربما كانتا عن مرقص آخر!!

إن الكتاب يصيب بالدوار حقا..

ومن الغريب أن الكاتب لا يتكلم من تلقاء نفسه، بل يحشد المقولات المسيحية من المراجع المعتمدة المشهورة التي تؤخذ منها أصالة هذه المعلومات.. وبعض هذه المراجع التي أخذ منها هي المراجع التي توصي الكنيسة بقراءتها!!

وبعض النقاشات والأقوال هي لرؤوس الكنيسة الذين تولوا كرسي البطريركية مثل الراحل شنودة!

إن الكتاب يضع المسيحي في محنة حقا.. ولكن الأهم من هذا أنه دليل جديد يُرسِّخ في وعي المسلم أن كبار أهل الكتاب وعلماءهم يعرفون مقدار ما هم عليه من الباطل، ويدركون هشاشة ما يستندون عليه من الأدلة، فما هي إلا ظنون أو أوهام!

على العلماني أو المستشرق أو التنصيري الذي يأتي ليجادل المسلمين في علم الحديث وتدقيقهم في المصادر، أن يأخذ جولة عند النصارى إن كان يهمه بالفعل طلب الحق والوصول إلى الحقيقة.. أما أن يترك الخشبة التي في عينيه ويأتي ليبصر الذي يظنه قذى عندنا فهو دليل على أن طلب الحق هو آخر ما يريد!!


الجمعة، يوليو 09، 2021

سنن تاريخية في تحرير بيت المقدس


 

يمكن إيجاز تاريخ بيت المقدس في العصر الإسلامي في ست مراحل كبرى فاصلة:

1.    مرحلة الفتح التي كانت في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صدر الإسلام، في العقد الثاني من القرن الأول الهجري، وبالتحديد في ربيع الآخر 16ه.

2.    ثم مرحلة الاحتلال الصليبي التي جرت في أواخر القرن الخامس الهجري، وبالتحديد في 492ه.

3.    ثم مرحلة التحرير التي جرت على يد السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي أواخر القرن السادس الهجري بعد تسعين عاما من الاحتلال الصليبي، وبالتحديد في رجب 583ه.

4.    ثم مرحلة الضياع مرة أخرى التي جرت على يد الأيوبيين المتأخرين: الملك الكامل الأيوبي –وهو ابن أخي صلاح الدين- ثم الناصر داود وهو ابن أخي الملك الكامل، وذلك في النصف الأول من القرن السابع الهجري، وبالتحديد في 624ه، و641ه على التوالي.

5.    ثم مرحلة استرجاعه مرة أخرى على يد الملك الصالح نجم الدين أيوب بالتحالف مع الجيش الخوارزمي بعد سنة من ضياعه، وبالتحديد في 642ه.

6.    ثم مرحلة الضياع مرة أخرى في العصر الحديث على يد قوات الاحتلال الإنجليزي بعد سبعة قرون، وبالتحديد في 1917م ( = 1366ه)، ثم الاجتياح الإسرائيلي للنصف الشرقي من المدينة المقدس 1967م ( = 1387ه).

ولم يزل المسلمون ينتظرون المرحلة السابعة، مرحلة التحرير من الاحتلال الصهيوني، نسأل الله أن يكون قريبا، وأن نكون من جند هذا التحرير.

ومن أبرز ما يُلاحَظ، من خلال التأمل في هذا التاريخ، أن بيت المقدس يبدو كدُرَّة التاج، أو كالقلب من الضلوع، لا يمكن الوصول إليها ولا الظفر بها إلا بعد المرور بالعواصم المهمة المحيطة بها، بمعنى أن احتلال بيت المقدس أو تحريره إنما هو الثمرة الأخيرة لتاريخ من الكفاح والنضال للسيطرة على العواصم السياسية المهيمنة على بيت المقدس.

 

أولا: الفتح

لما خرجت الجيوش الإسلامية الفاتحة إلى الشام، وكانوا خمسة جيوش، كانوا يستهدفون بهذه القسمة تشتيت جيش الروم الضخم وتقسيمه إلى خمسة كذلك، فقد كان جيش الروم عشرة أضعاف الجيش المسلم، ولهذا حاول أبو بكر من خلال توجيه خمسة جيوش أن يستدرج هرقل –قيصر الروم- إلى إخراج خمسة جيوش مقابلة لكي ينكسر هذا التفوق العددي الهائل، ولكن هرقل فطن لهذه الخطة فأرسل قطعة من جيشه في مقابلة جيش عمرو بن العاص في جنوب فلسطين، وأبقى بقية الجيش ككتلة واحدة، ولم يكن هذا الجيش يستهدف استرجاع المناطق التي فتحها المسلمون، وإنما استهدف تطويق الجيش المسلم، فكان يتوغل إلى الجنوب، وهو الأمر الخطير الذي كان يُجبر المسلمين على ترك ما فتحوه والعودة جنوبا حتى لا يجري تطويقهم وقطع الطريق عليهم، ولهذا تكررت في فتوح الشام أن يفتح المسلمون البلد أكثر من مرة، وأن يعيدوا الجزية التي أخذوها من أهل هذا البلد، كما تكرر أيضا أن ينتقض بعض البلاد على المسلمين حين يتصورون أن انسحابهم كان ضعفا.

ما يهمنا في سياقنا هذا أن عاصمة الشام دمشق فُتِحَت قبل فتح بيت المقدس بعاميْن، فقد كان فتح دمشق (الأحد: 15 رجب 14 هـ = 5 سبتمبر 635م)، بينما كان فتح بيت المقدس (ربيع الآخر 16هـ = مايو 637م).

وبعدما فتح المسلمون دمشق، اضطروا للانسحاب منها لئلا يطوقهم الروم، ثم خاضوا المعركة الكبرى مع جيش الروم الرئيسي، وهي اليرموك بعد عام من فتح دمشق (رجب 15ه)، ولما نصرهم الله النصر الكبير فيها انفتح الطريق إلى بيت المقدس وفُتِحت بعد اليرموك بتسعة أشهر.

لو كان الصحابة مجموعة من الدراويش لكان حرصهم على فتح بيت المقدس أشد من حرصهم على فتح دمشق، فبيت المقدس هي القبلة الأولى ومسرى النبي وفيها صلى النبي بالأنبياء، إلا أنهم كانوا أهل عقل وحكمة وسياسة وتدبير، وقد عرفوا أن الطريق إلى بيت المقدس لا بد أن يمر بدمشق.

 

ثانيا: التحرير

وفي التحرير الصلاحي لبيت المقدس سنرى ذات السنة جارية مضطردة، فقد انبعث عماد الدين زنكي واستطاع أن يستقطع لنفسه إمارة في منطقة الموصل ثم حلب، ومن هذه البقعة بدأت معركة تحرير بيت المقدس مع الصليبيين، واستطاع عماد الدين زنكي أن يقضي على واحدة من الإمارات الصليبية، وهي إمارة الرها، ولكنه لم يستطع أن يفعل أكثر من ذلك.. لسبب بسيط، أنه لا بد له من دمشق! وهو الأمر الذي قُتِل قبل أن يحققه، ثم استطاع بعده ابنه نور الدين أن يحقق هذه الأمنية ويستولي على دمشق في عمليةٍ أشبه بالثورة الشعبية والانقلاب الناعم، وذلك في (549ه)، أي قبل أربع وثلاثين سنة من تحرير بيت المقدس.

واشتعلت بعدئذ معركة محمومة بين المسلمين بقيادة نور الدين وبين الصليبيين للسيطرة على القاهرة، وكانت آنئذ أثرى بلاد المسلمين وأغناها، وكانت تحت حكم العبيديين (الفاطميين)، وكان واضحا للجميع أن من استطاع أخذ مصر فقد حسم المعركة لصالحه، وجرت فصول عديدة انتهت بقدرة نور الدين السيطرة على مصر في (564هـ) أي قبل تسع عشرة سنة من تحرير بيت المقدس. وفي القاهرة استطاع نائب نور الدين –أسد الدين شيركوه، ثم صلاح الدين- إنهاء الدولة الفاطمية وتوحيد مصر والشام (567ه) أي قبل ست عشرة سنة من تحرير بيت المقدس.

ولكن نور الدين تُوفي، وجرت فصول كثيرة هددت الشام بالعودة إلى التمزق مرة أخرى، وحينئذ ردَّت مصر جميل الشام، فانطلق منها صلاح الدين ليعيد الوحدة المهددة، واستطاع أن يكون سيد الشام وأن يحرر دمشق من أمرائها الفاسدين الذين عادوا للتحالف مع الفرنجة (570ه) أي قبل ثلاث عشرة سنة من تحرير بيت المقدس.

عندئذ صارت مسألة بيت المقدس مجرد وقت، وهو ما تحقق فعلا وتحررت (رجب 583ه) على يد سلطان مصر والشام الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين الأيوبي.

ما كان بالإمكان أن تتحرر بيت المقدس دون عواصم مصر والشام: القاهرة ودمشق، وما كان ممكنا إخراج جيش التحرير وفي الشام أمراء يسيطرون على مدنها ومواردها ورجالها ويستطيعون عقد العهود والاتفاقيات مع الصليبيين، فيأكلون أموال البلاد والعباد ويجندونها في خدمة مصالحهم بل وفي خدمة الصليبيين.

لقد قضى صلاح الدين الأيوبي وحده في رحلة تحرير بيت المقدس عشرين عاما، كانت ثلاثة أرباعها في تحرير الديار الإسلامية من الأمراء الفاسدين والمتعاونين مع الصليبيين في مصر والشام، وذلك أنه وصل إلى مصر ضمن جيش عمه أسد الدين (564ه) فقضى خمس سنوات في إصلاح حالها، ومنها تمدد إلى برقة والمغرب الأدنى وإلى اليمن كذلك، ثم جاءت وفاة نور الدين (569ه) لتهدد ما جرى إنجازه على يد أمراء الشام الذين أعادوا التواصل مع الصليبيين بل وأطلقوا لهم الأسرى وبذلوا لهم الجزية مرة أخرى، فنهض صلاح الدين من مصر ليعيد توحيد الشام، وظل في شغل بهذا الأمر لمدة أحد عشر عاما حتى (580ه)، ولم يستغرق أمر فتح بيت المقدس بعد ذلك إلا ثلاث سنوات فقط، ثم قضى بقية عمره في التصدي للحملة الصليبية الثالثة حتى صدَّها ثم مات رحمه الله.

في المقال القادم إن شاء الله تعالى، نتعرض لتاريخ ضياع بيت المقدس في الحملات الصليبية، ثم ضياعه في الاحتلال الغربي المعاصر، لنرى اضطراد هذه السنة التي تجعل بيت المقدس كدرة التاج أو كموضع القلب من الضلوع، لا يُخلَص إليها إلا عبر منافذها من العواصم العربية المحيطة بها.

نشرت في مجلة المجتمع الكويتية، يوليو 2021

الثلاثاء، يوليو 06، 2021

موجز تاريخ الإسلام - كارين أرمسترونج

 


§        الكتاب: موجز تاريخ الإسلام

§        المؤلف: كارين أرمسترونج

§        المترجم: أسامة شفيع السيد

§        الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية

§        سنة النشر: 2021

§        عدد الصفحات: 239

 صدرت قبل أيام الترجمة العربية لكتاب "موجز تاريخ الإسلام" للباحثة البريطانية المعروفة كارين أرمسترونج، وهذه الترجمة كانت -على حد ما أعلم- آخر شيء كتبه الدكتور أسامة شفيع السيد رحمه الله، الذي فارق دنيانا إلى رحاب الله في رمضان الماضي، متأثرا بفيروس كورونا.

وهي الوفاة التي هزَّت أوساط الشباب والباحثين في مصر، فلقد كان د. أسامة ممن تعقد عليه الآمال، وكان كما وُصِف بحق "نابغة الشباب"، وقد كان على مستوى رفيع من الأخلاق يناظر ما هو عليه من التميز العلمي.

وهذه الترجمة -وقد أتيح لي الاطلاع عليها قبل صدور الكتاب بأشهر- دليل صدق، وذلك أنها لغة سلسة سهلة مع كونها رصينة عالية، لا تصدر إلا عن ذائقة أديب، وفير الحصيلة من الأمثلة والتراكيب العربية.

ويشعر المرء إذ يقرأ الكتاب أن المترجم -رحمه الله- كان منشطرا بين الدقة العلمية وأمانة النقل التي يلتزم بها الباحث، وبين التصرف في التركيب الذي يقتضيه تحويل المعنى إلى اللفظ العربي، لذلك كثيرا ما كتب العبارة ثم فتح قوسا كتب فيه [حرفيا: كذا]، يشير إلى الفارق بين الترجمة الحرفية وبين اللفظ الذي سبكه للتعبير عن المعنى.

والإقدام على ترجمة كتاب لكارين أرمسترونج فيه روح التحدي، وذلك أنها من أشهر اللذين تترجم كتبهم إلى العربية، بل قد تعددت ترجمة الكتاب الواحد لها مثل كتابها "سيرة النبي محمد" وهو هو نفسه "محمد نبي لزماننا"، وكذا كتابها "معارك في سبيل الله" وهو نفسه "النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام".. وغيرها.

كذلك فقد سبق إلى ترجمة كتب كارين أرمسترونج عريقون في الترجمة مثل محمد عناني الذي ترجم كتبها "سيرة النبي محمد"، وكتابها "القدس: مدينة واحدة وعقائد ثلاث" وكتابها "معارك في سبيل الله".. وكذلك محمد الجورا الذي ترجم "الإسلام في مرآة الغرب" و"النزعات الأصولية" و"الله والإنسان". وللصديق الشاب المترجم الواعد أسامة غاوجي تجربة في الترجمة لها، حيث ترجم كتاب "حقول الدم: الدين وتاريخ العنف".

وهذه العوامل تثير إحجام المترجم عادة لأن المقارنة حاضرة، ولكن د. أسامة -رحمه الله- كان على قدر التحدي، مع أنه يصف نفسه في سيرته الذاتية بأن إتقانه للإنجليزية جيد لا أكثر، بينما هو أقدر على الترجمة من الفرنسية.

أجمل ما في هذا الكتاب أنه سلس مختصر، يأخذ بعضه بزمام بعض حتى نهايته، وهذا ما دفع المترجم إلى الإقبال على نقله إلى العربية، مع أنه صدر لأول مرة في عام 2000 أي قبل عشرين سنة! وهي عشرون سنة تدفقت بالأحداث التي تصب بشدة في صلب الكتاب.

وبرأيي فإن هذا الكتاب هو أضعف كتب أرمسترونج، وتكمن قيمته في أنه يفسر تصور الكاتبة عن الإسلام أو عن الأديان عموما، وهو التصور الذي يتوقف أمامه القارئ لكتب أرمسترونج، لا سيما: سيرة النبي محمد، والقدس، والله لماذا..

لئن كان كتاب سيرة النبي محمد مشبعا برائحة مونتجمري وات، فأشعر أن هذا الكتاب مشبع برائحة مارشال هودجسون. أقول: أشعر، لأنها صرَّحت بنقلها عن مونتجمري في بداية كتابها "سيرة النبي محمد" وكنتُ قد قرأت كتابي مونتجمري "محمد في مكة" و"محمد في المدينة" فصدَّق الخبر النظر.. ولكنها لم تصرح في هذا الكتاب بنقلها عن هودجسون كما أني لم أُنْهِ بعد كتابه "مغامرة الإسلام" فيظل كلامي في مجال الظن والحدس.

للكاتبة قصة في الانتقال من الرهبانية المسيحية إلى الخروج من دائرة الأديان والنظر إليها نظرا موضوعيا كما يفعل العلماني، لكنها مع ذلك شديدة التعلق بالروحانية والروحانيات، بل كانت بداية قصتها مع الإسلام الروحانيةُ التي شعرت بها في زيارة إلى سمرقند.

ولهذا، فمجمل أفكارها الرئيسية، وهي التي دارت عليها كتبها، تتلخص في أن الأديان ضرورة للإنسانية، وأن الإنسان لا غنى له عن الروحانيات والأخلاق التي توفرها الدين، وأن كل ما تقوله العلمانية عن العنف الديني وتاريخه الدموي قد فعلته العلمانية بأعتى وأوسع وأشرس مما فعله تاريخ الدين، بل إن العلمانية -مع ذلك- خربت حياة الإنسان الروحية وأظلمت علاقاته الاجتماعية!

ولهذا، فهي بقدر ما تدافع عن الإسلام أمام الصورة المشوهة التي صنعها الغرب، فهي تريد من الإسلام أن ينسجم مع تصورها للروحانية.. ويفلت منها الزمام تماما حين تعالج مسائل السياسة والجهاد والنبوة، إنها تريد من الدين أن يكون الرائحة الجميلة التي تعبق الحياة الإنسانية، بشرط أن تبقى رائحة غازية، أو عطرا سائلا.. ويصيبها التوتر إذا كان الدين شيئا صلبا له رأي وتوجه وطريقة لإدارة الحياة.. هنا تحاول بقوة أن تفسر "تصلب الدين" بأوضاع اجتماعية واقتصادية وتاريخية!!

إنها ذات وجه مشرق فيما يخص الدفاع عن الإسلام مقابل التشويه الغربي له، وتحسن للغاية في تذكير الغرب بما أعطاه الإسلام للإنسانية من إنجاز حضاري ومن روحانية، وفي تذكيره بما اقترفته المسيحية والعلمانية من جرائم وخطايا عبر تاريخها، وفي تذكيره بأن هذه الجرائم والخطايا لها نصيب قوي في نشأة "التطرف" (أو: الأصولية)، فالأصولية هي ردة فعل الأديان وأهلها على الحداثة العلمانية، وهي موجودة في كل الأديان.. فلماذا تتخوفون من الإسلام وحده؟

ولكنها ذات وجه آخر حين تتحدث عن ضرورة أن ينتج المسلمون أفكارا إسلامية جديدة تتكيف مع الحداثة ومع المجتمع الصناعي (ففي تصورها أنه دين مناسب للمجتمعات الزراعية)، وهي تنزع أيضا إلى إدانة ما تراه تطرفا وإرهابا حتى لو أنها ساقت الظروف التي أنتجته وأثارته.

ولهذا كله فهي حفية بنموذج ابن عربي، وجلال الدين الرومي، وإلى حد ما بالغزالي.. وتنفر من نماذج ابن تيمية وسيد قطب، بل تنفر من الفقهاء الذين تراهم حوَّلوا الدين إلى مؤسسة دينية ظاهرية حرفية افتقدت الروح.

وهي ترى في عصور التفكك الإسلامي (ما بعد العصر العباسي الثاني) روحا أقرب إلى الإسلام من عصور الوحدة (الدولة العثمانية مثلا)، وذلك لأن الدين في تلك الفترات كان شأنا شخصيا أو شأنا شعبيا أو شأنا يرعاه العلماء، بينما كان حاضرا بقوة في بلاط الدولة وسياستها كما هو في العصر العثماني.

لقد كان أفضل فصول كتابها هذا "موجز تاريخ الإسلام" هو الفصل الأخير، وهو الفصل الذي تحدثت فيه عن الهجوم الاستعماري الغربي على العالم الإسلامي، وردة الفعل الإسلامية.. لقد كان هذا الفصل أقرب إلى أفكارها وأبحاثها وعالمها الذي تفهمه.. بينما كثرت أخطاؤها في الفصول الأولى التي تتناول التاريخ.

ومع أن المترجم د. أسامة -رحمه الله- أمسك أعصابه كثيرا في التعليق على أخطائها إلا أنه اضطر اضطرارا لكي يعلق على أخطاء شديدة الوضوح، فقد زعمت أن العدالة الاجتماعية في الإسلام أهم من الاعتقاد بالله. وأن الأنبياء كانوا يبنون رسالاتهم على الموروثات الجاهلية لأقوامهم. وأن الفتوحات كانت بغرض الغنيمة أو تحت ضغط الحاجة الاقتصادية. وأن الإسلام لم يهتم بنقد العقائد الأخرى بل اهتم بنقد السلوك الفاسد فحسب.

ولما نالت المؤلفة شيئا من التصوف لم يطق د. أسامة صبرا، فقد كان متصوفا، وانطلق قلمه في تعليق طويل، هو أطول ما في الكتاب من اعتراضاته عليها.

وفي الكتاب أخطاء أخرى واضحة تجاوز المترجم التعليق عليها، مثل: زعمها أن المسلمين أحجموا عن استكمال الفتوح في أوروبا لأنهم اكتشفوا فقرها وبرودة جوها وضعف غنائمها (ص68)، وهي في هذا متأثرة بنظرة جوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب" وجاك ريسلر في كتابه "الحضارة العربية". وزعمها أن حرب الأمين والمأمون دليل على سيطرة الروح العلمانية على القصر العباسي (ص79). وقد فهمت من فعل المؤرخين المسلمين -كالطبري- بإيرادهم جميع الروايات أنهم يضعونها كلها في مرتبة واحدة من الأهمية رغم تضاربها (ص100) وهذا هو عكس مقصودهم تماما، وإلا لما اهتموا بالإسناد!!. وزعمت أيضا أن المغول كانوا يتخذون من ثقافة الشعوب التي احتلوها ما يبنون عليه سياستهم (ص112) وهذا أمر ظاهر الخطأ.

كما فيه أخطاء من جهة المعلومات المشهورة كقولها إن آخر خلفاء بني أمية هو "المنصور" الثاني (ص71) والواقع أنه "مروان" ولم يلقب بالمنصور. أو أن بيبرس هو الذي انتصر في عين جالوت (ص111) والمشهور أنه قطز.

 

ويكفي هذا في باب ضرب المثال.

ومع هذا، فيجب القول أن في الكتاب نظرات جميلة، وتعليقات ذكية، وتحليلات جيدة، وسلاسة في الانتقال بين الأفكار، وإنصاف للإسلام وتاريخه.

ولكنه -مع هذا- لا يقارن في الجودة بأشباهه من الكتب الغربية ككتاب تاريخ الشعوب الإسلامية لكارل بروكلمان أو تاريخ المجتمعات الإسلامية للابيدوس أو تاريخ الشعوب العربية لألبرت حوراني.. فهذه الكتب أجود كثيرا جدا.

وإن محاولة الإقدام على تلخيص تاريخ أمة وحضارة هي محاولة كبيرة يتهيبها المتخصص الذي شاب شعره في هذا الباب وحده، ولا أدري لم استسهلت المؤلفة ذلك.. فهي لم تكتف بالتاريخ السياسي -وإن غلب هذا على كتابها- بل خاضت في التاريخ الفكري الفلسفي والصوفي والفقهي والمذهبي أيضا.. فكانت تأتي بالعجائب كحال من يتكلم في غير فنه.