الجمعة، أبريل 12، 2013

لافتات على طريق الثورة





1. أعتبر أن الثورة فشلت ودفنت في اللحظة التي استبعد فيها قضاة الفساد بأمر العسكر مرشحين بعينهم من رئاسة الجمهورية، في تلك اللحظة فرضت إرادة غير الشعب على الشعب.

2. استسلام الإسلاميين لهذا الاستبعاد (الإخوان كان لديهم بديل - حزب النور "ممثل السلفيين السياسي آنذاك" كانوا يرون هذا أفضل للوطن "بنص نادر بكار") معناه قبولهم بسيطرة الإرادة الفوقية غير الشعبية على الخيار الشعبي.

3. القلة التي حاولت مقاومة هذا تم سحقها عند العباسية، في وسط تهليل العلمانيين وفرحتهم، واستسلام الإسلاميين (الإخوان أنهوا فعالياتهم في ميدان التحرير - حزب النور "ممثل السلفيين السياسي" خرج منهم من حرض على المتظاهرين).. وبهذا تم التوافق بين الهيمنة العالمية وممثليها في الداخل (عسكر - قضاء - إعلام) على حدود حركة الشعب واختياراته وثوريته.

4. كنا في لحظة انتخابات رئيس الجمهورية نحاول اختيار الأقل سوءا، لا الأكثر تعبيرا عن الآمال والطموحات.

5. وحين انحصرت المنافسة بين شفيق ومرسي كنا نختار مرسي هروبا من جحيم شفيق لا رغبة في جنة مرسي.

6. وقد نجحنا والحمد لله في الهروب من جحيم شفيق، وما انبعث في نفوسنا من الآمال التي علقناها على مرسي كلها أحبطت ولم يبق من نعمة ننعم بها الآن إلا الهروب من جحيم شفيق (كنا سنكون الآن في السجون أو القبور أو المنافي - أو مقاتلين في الشوارع وكل شيء في العالم ضدنا بما فيهم الإسلاميين المستسلمين)

7. ويجب الآن أن نكون صادقين مع أنفسنا، فإن اندفاعة الشباب وحماستهم غير كافية في موازين القوى، ولأن شباب الثورة فشلوا في صناعة كيان يعبر عنهم فإنهم صاروا لعبة بين القوى الموجودة فعليا؛ فالقوى العلمانية سحبت العلمانيين والقوى الإسلامية سحبت الإسلاميين، وأعيدت صياغة المعسكرات القديمة بوجوه جديدة لا غير.

8. وينطبق هذا حتى الآن على شباب الإسلاميين الساخطين على ما يفعله الكبار، فبغير الكيانات الواعية لن يكون شيء إلا الانحياز لطرف من بين الأطراف القوية أو السكوت والخمول أو الاكتفاء بالنقد والهجوم.

9. فإذا انقضت فترة مرسي طوعا أو كرها، بانتخابات يعد لها منذ الآن أو بانقلاب وفوضى فقد بدأ عصر النار والحديد، ومحاولة إنهاء ما تبقى من آثار الثورة وإعادة السيطرة القديمة كما كانت.

10. فإن لم يكن أحد مستعدا لتلك اللحظة، فليزدد إيمانا بقول النبي (صلى الله عليه وسلم) "ما نزل بلاء إلا بمعصية":

- معصية من أضاع الوقت ولم يعد أو يستعد

- معصية من حمل الأمانة فلم يحملها بحقها

- معصية من خذل إخوانه وكان مُسْتَغْفلا مغرورا يظن أن ما مضى لا يعود

الثلاثاء، أبريل 09، 2013

رهبة الحق




"لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله، ذلك بأنهم قوم لا يفقهون"

نزلت هذه الآية في بني إسرائيل وهم ممن يعرفون الله، بل هم الذين أكثر الله إليهم من الأنبياء والمعجزات، وهم الذين كانوا يعرفون رسول الله -من قبل أن يبعث ومن غير أن يروه- كما يعرفون أبناءهم.. لكن رهبة المسلمين في صدورهم كانت أشد من رهبة الله!

وفيما هم يسبون الله جهرة وعلنا وجرأة وتحديا "يد الله مغلولة"، "إن الله فقير ونحن أغنياء"، "سمعنا وعصينا".. إلا أن كل هذا يتحول رعبا وخوفا أمام مواجهة المسلمين "لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر"!

فلو أن الناس يخضعون للحق لأنه الحق ما كان لله حاجة في أن يوجه عباده المؤمنين "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم".. ولو أنهم يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالواقع ما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

ما الذي يزعج إسرائيل؟

أيزعجها أن يثبت في المحافل الدولية أنها مبطلة منتهكة للحق آكلة لأرض الفلسطينيين؟ أتزعجها الإدانات؟ أتزعجها البيانات؟ أتزعجها أحكام المحاكم الجنائية الدولية أو قرارات مجلس الأمن؟

أم يزعجها أن يقوم قوم منهم يحملون السلاح ويعلنون المقاومة؟

ما الذي يزعج أمريكا؟ روسيا؟ فرنسا؟.. أيزعجهم تصوير الكاميرات لضحاياهم، أو إدانات دولية لاحتلالاتهم؟ أم يزعجهم مقاومة المقهورين لهم وإنزالهم الخسائر بهم؟!

إن الباطل لا ينزعج لفضيحته، إنما ينزعج لهزيمته!

من أجل ذلك كان لابد للحق من قوة! من أجل ذلك كانت "وأعدوا"!

ومهما اتخذ الحق طريق المجادلات والمفاوضات والبكائيات في الصحافة والإعلام لإثبات أنه حق، فهذا لا يهتز له شأن الباطل.. إنما يهتز شأنه حين يصير للحق قوة تأتيه بالرهبة "ترهبون به عدو الله وعدوكم"!

ولو أن الباطل يهتز لمجرد الحق لكانت أول خشية المبطلين لله جل جلاله، لكنما الأمر أنه يهتز لقوة الحق أكثر مما يهتز للحق نفسه.. اسمع مرة أخرى قوله تعالى: "لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله".

الأحد، أبريل 07، 2013

صناعة مجتمع الجسد الواحد (2/2)



ذكرنا في المقال السابق كيف أن نبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم) هو أعظم رجال العالم أثرا في التاريخ الإنساني وبشهادة المؤخين غير المسلمين، ذلك أنه أنشأ من شتات العرب المشرذمين أمة واحدة متماسكة قوية انطلقت في زمن قياسي تنشر رسالتها في العالم كله، فما كان يمكنها نشر رسالتها بهذه القوة والرسوخ ومواجهة القوى العالمية العدوانية بهذه البسالة والحسم بغير تكون الأمة الواحدة التي صارت كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

وفي محاولة لتتبع كيف تمت صياغة هذا المجتمع الجديد من الشراذم المشتتة في سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) تناولنا بالنظر الفترة الأولى في دولة المدينة، ووجدنا أن ثمة قرارات أربعة مصيرية قد استطاعت إنجاز هذا التحول الكبير وهي: بناء المسجد، والإخاء بين المهاجرين والأنصار، وإصدار وثيقة المدينة، وإنشاء سوق المسلمين، بالإضافة إلى منهج استقلال الأمة وعلوها فوق السلطة في البناء السياسي للدولة الإسلامية.

وقد تناولنا في المقال السابق بناء المسجد والإخاء بين المهاجرين والأنصار، وبقي أن نلقي النظر على: إصدار وثيقة المدينة، وإنشاء سوق المسلمين، ثم العبور على المنهج الإسلامي في جعل الأمة فوق السلطة في النظام السياسي.

***

القرار الثالث: إصدار وثيقة المدينة

وهي الوثيقة القانونية التي حددت دولة المدينة وواجبات مواطنيها وحقوقهم وسبيل الفصل في التنازعات بينهم، "على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصيحة والبر دون الإثم... وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين... وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله... وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم".

وبهذا قطعت الطريق أمام أي خلافات قبلية أو دينية أو تاريخية ليصير الفصل في المنازعات قائما على أساس قانوني، فالجميع أمام القانون سواسية، "... وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسبٌ إلا على نفسه، وإن الله على ما أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره".

وبهذه الوثيقة أُقِرّ العدل على الجميع، وتعامل المسلمون مع خيانات اليهود والمنافقين على أساس قانوني لا على أساس ديني أو قبلي مما كان له أكبر الأثر على إسكات خلافات الماضي وتحالفات قبائل اليهود مع الأوس أو الخزرج، بل كان سعد بن معاذ –حليف بني قريظة- هو من وَقَّع عليهم عقوبة الخيانة[1].

وبهذا مَثَّلَتْ الوثيقة الحصن القانوني الحافظ لتماسك المجتمع ووحدته وكفلت مقاومة محاولات ضربه.

القرار الرابع: إنشاء السوق

وكان الهدف كسر احتكار اليهود، ورفع اقتصاد المدينة المعتمد على الزراعة وحدها بإنشاء ما يصلح أن نسميه "منطقة تجارية" على ملتقى الطرق خارج المدينة، وإيجاد فرص العمل للمهاجرين ممن لم يخبروا العمل في الزراعة.

وقد تمتع سوق المسلمين بما جعله خيرا من سوق اليهود، فلا غش ولا تدليس، ولا احتكار ولا ربا، ولا ضرائب على المبيعات والمشتريات، وهو خاضع للقيم والتنظيمات الإسلامية (مثل التراحم والتكافل، وعدم بيع ما لا يُملك، وعدم التسعير... إلخ) التي جعلته مرادفا لنهضة المجتمع واكتفائه الذاتي لا لتصارع طبقاته الاجتماعية، فكانت النتيجة في صالح المجتمع اقتصادا وأخلاقا وسياسة، ونزع فتيل الأزمات  مع اليهود، وفتيل أزمة البطالة، مما كان له أبلغ الأثر في الحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه.

كما وفر السوق الاستقلال الاقتصادي الذي وفَّر إمكانية اتخاذ القرار السياسي بإجلاء بني قينقاع –وهم أصحاب السوق بالمدينة- حين صاروا خطرا على هذا المجتمع.

***

هذه القرارات الأربعة لم تكن نهاية المطاف، بل لقد وضع الإسلام تشريعاته بحيث جعل "الأمة فوق السلطة"، وأبرز هذه التشريعات ثلاثة أمور:

1. الشورى: وهو الأمر الكفيل بعدم استبداد السلطة، أو ادعاء أحد بأنه الأحق بالحكم، أو ادعاؤه أنه قادر وحده على القيادة بغير مشورة، بل كان قول عمر (رضي الله عنه) صريحا حين أعلن: "من بايع رجلا من غير مشورة المسلمين فلا يُتَابع هو ولا الذي بايعه"[2]، ومثله قول علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) "أيها الناس، إن هذا الأمر (الحُكْم) ليس لأحد فيه حق إلا من أمَّرْتُم"[3].

وقد اضطرد في عهد النبي وسنة الخلفاء الراشدين مشاورة الأمة والنزول على رأيها، حتى حكم العلماء بأن "من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب"[4]، ومعروف بأن الاستبداد هو أخطر ما يمزق تماسك الأمة، فالمستبد لا يحكم مجتمعا متوحدا بل يجعل (أهلها شيعا، يستضعف طائفة منهم)[5]، ثم يشمل الاستضعاف جميعهم حتى ما يبق إلا أهل المستبد وحاشيته وحدهم غير مستضعفين.

2. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وقد جعله الإسلام من الإيمان، وأقله تغيير المنكر بالقلب حال العجز التام وأبلغه الثورة على السلطان الجائر ولو كان الثمن هو القتل دون النجاح، بل تلك هي منزلة "سيد الشهداء"، ولكل مسلم أن يغير المنكر ما استطاع إلى ذلك سبيلا بشرط ألا يؤدي إلى منكر أكبر منه وأن تكون البداية بالنصح والموعظة الحسنة، وقد أبدع الإسلام نظام الحسبة والتي تجعل المجتمع مقاوما للانحراف من تلقاء نفسه[6].

وقد تطورت مؤسسة الحسبة عبر التاريخ الإسلامي حتى بلغت شأنا عظيما، ويكفي العبور على مؤلفات الحسبة -مثل "نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة" لعبد الرحمن بن نصر الشيزري أو "معالم القربة في طلب الحسبة" لابن الإخوة- لندرك كيف بلغت العناية والحرص في استقامة المؤسسات والفئات والشرائح المختلفة من المهن في المجتمع الإسلامي.

3. نظام الوقف: حيث يتطوع المسلم بتخصيص جزء من ماله تحت إشراف جهة مستقلة لوجه معين من وجوه الخير، ولا يملك أحد أن يعتدي على هذه الأموال أو أن يصرفها في غير وجهها أو يصادرها.

وهو ما يوفر الاستقلال المالي للأمة بعيدا عن السلطة، بما يجعل عمل الخير ناميا ومستمرا مهما انتاب السلطة ضعفٌ سياسيٌّ أو عسكريٌّ، وهذا ما جعل الأمة تغزو أعدائها حضاريا وإن انهزمت أمامهم عسكريا، كذا فعلنا مع الصليبيين في الشام والأندلس وصقلية ومع التتار الذين صاروا مسلمين آخر الأمر، والوقف هو ما وفر استقلال العلماء في وجه السلطان ووفر استمرار الجهاد ولو ضعفت الدولة، وتفرغ طلبة العلم، وعددا لا حصر له من المشروعات الخيرية مثل المستشفيات، الجسور، القناطر، الكتاتيب، المكتبات، المدارس، الخانات، الخانقات، الحدائق والمتنزهات، أهل العشوائيات، رعاية حالات المصائب (الأيتام، زواج اليتيمات، الأسرى، المُهَجَّرون، من عجز عن الحج ...) حتى رعاية القطط والكلاب والحيوانات المريضة وغيرها كانت لها أوقاف[7].

وهذا ما جعل الثورات الاقتصادية أقل أنواع الثورات في التاريخ الإسلامي، وجعل الأمة متحررة من سيطرة الحكام على أموالها، بل ووَفَّر للحكام تمويلا دائما لمشاريع التنمية والنهضة والبحث العلمي وغيرها.

وظل الوقف يؤدي عمله حتى ظهرت "الدولة الحديثة" التي تجعل الشعوب أسرى عند الحكام والتي مثلت نكبة فاصلة في مسيرة الأمة الحضارية، لا سيما والذين تسلطوا على الأمة منذ ظهورها كانوا فاسدين مستبدين تعمدوا سجن الأمة ونزع مقومات المقاومة والاستقلال عن السلطة.

وبهذا "تمكَّن المجتمع الإسلامي -الذي قام على الدين- من الصمود في وجه التفكيك السياسي"[8].

***

إن المزية الكبرى أن بذور صناعة المجتمع كامنة في الدين نفسه، في المسجد والإخاء، في الشريعة الإسلامية وقوانينها ونظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يجعل هذه البذور موجودة وخالدة وغير قابلة للفناء، فكل المؤمنين يرون أنفسهم مطالبين بالجهاد في سبيل تطبيق الشريعة وتحقيق الإسلام كاملا غير منقوص.

وحيث أن المسجد جزء من سلوك المسلم اليومي، فسيظل المسجد قادرا دائما على إعادة إنتاج وصناعة المجتمع المسلم المتماسك والقائم على التعاون والتناصر والتناصح.



[1] البخاري (3895)، ومسلم (1768).
[2] البخاري (6442).
[3] الطبري: تاريخ الطبري 2/700 (ط1 دار الكتب العلمية، بيروت)
[4] ابن عطية الأندلسي: المحرر الوجيز 1/534 (ط1 دار الكتب العلمية، بيروت)
[5] (القصص: 4)، وانظر: عبد الرحمن الكواكبي: طبائع الاستبداد ص66 (المطبعة العصرية، حلب).
[6] للمستشرق الأمريكي مايكل كوك في مزايا هذا النظام كتاب كبير مهم سماه "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي".
[7] د. محمد بن أحمد الصالح: الوقف في الشريعة ص163 وما بعدها (ط1)، وانظر بحوث مؤتمر الوقف الأول (جامعة أم القرى، السعودية، 1422هـ)
[8] مارسيل بوازار: إنسانية الإسلام ص73، 74 (ط دار الآداب، بيروت)