محمد إلهامي
أصبحنا ذات
يوم على استهزاء جديد من ترمب، ظل يشير إلى اسم مرشح الحزب الديمقراطي "عبد
الرحمن السيد" باسم: محمد، ويكرر الاسم بنغمة ممطوطة ومُمَدَّدة في لهجة
سخرية واضحة! وفيما بعد، خرج في خطاب آخر ساخرا ومستهينا من خطئه في اسم المرشح،
باعتبار أنه من الشرق الأوسط، وهذا الاسم منتشر هناك بكثرة.
والحق أن هذه
السخرية المتقنعة من اسم نبينا الأكرم ﷺ ليست الأولى، وفيما يبدو فإنها لن تكون
الأخيرة.
ولا تزال
الذاكرة تستدعي من قريب إساءات أخرى في دول أوروبية، ولعل أبرزها ما تبنته الدولة
الفرنسية ووزير داخليتها في مطلع هذا العقد من الرسوم المسيئة للنبي ﷺ حتى جرى
تعليقها بأحجام عملاقة على مباني حكومية رئيسية في تحدٍ وقح واستهزاءٍ فج بأمة
المسلمين كلها، وأولهم: المسلمون في فرنسا أنفسهم.
والجدير
بالإشارة هنا أن هناك حوادث صريحة في السخرية من نبينا ﷺ وسبِّه، ولكن يتواطؤ
الأغلب من الناس على تجاهلها، وهي سخرية المغتصبين المستوطنين الذين صار اقتحام
المسجد الأقصى نشاطا متكررا لهم، ولطالما هتفوا ساخرين ومستهزئين في مواجهة
الكاميرا "محمد مات.. خلَّف بنات".
وأجدر
بالإشارة من كل هذا أن نبينا ﷺ يساء إليه فعلا في الدول العربية والإسلامية نفسها،
لكن بأساليب أقل فجاجة وصراحة على ألسنة الإعلاميين والعلمانيين، كالإساءة إلى
سنته وهديه وأحاديثه، والطعن في صحابته ورواة الحديث وجامعيه ومصنفي الكتب فيه،
والغرض من ذلك: هدم السنة نفسها حتى لا يبقى للنبي إرث محترم ولا تعاليم موقَّرة.
ولا يبعد أن
تجد إساءات للنبي نفسه، صريحة وقحة، حتى في الدول التي ينتسب ملكها إلى النبي ﷺ
ويحكم باسم الشرفاء الهاشميين، مثلما فعل قريبا محمد الفايد في المغرب، وما مسَّه
أحدٌ بسوء!
ومثلما تكرر
قبل ذلك في الأردن، بل إنني أكتب هذه السطور الآن في خضم حملة عاتية يقوم بها
العلمانيون والنصارى وعلماء السوء في الأردن على المسلمين الذين لا يترحمون على
قتلى النصارى في كنيسة الكرك، وقد علموا جميعا أن النبي ﷺ قد قال: "والذي نفس
محمد بيده، لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي
أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار" (رواه مسلم).
ومن تأمل في هذا
الموقف رأى بالبديهة أن محاولة دفع المسلمين للترحم على النصارى هي أشد الإساءة
إلى النبي ﷺ، فهي إبطال لدعوته ورسالته بالكلية، فما معنى أن يبعث نبي ويجاهد
حياته كلها في سبيل هذا الدين، ثم يعلم أصحابه ويُحَمِّلهم أمانة الحفاظ على هذا
الدين ونشره، ثم يجتهد كل مؤمن بالنبي حقا في خدمته وتبليغه والعمل في سبيله.. ما
معنى هذا كله إن كان الذي يؤمن بالنبي كمن لم يؤمن به، كلاهما يدخل الجنة، وكلاهما
تجوز عليه الرحمة؟!
هل كان النبي ﷺ
عابثا يتلهى؟.. حاشاه حاشاه ﷺ!
أم كان ربنا
الذي أرسله قد اتخذه واتخذ البشر كلهم لهوا؛ فهو يرسل رسولا ويكلف تكاليف ويخبر
مرارا بما يترتب على ذلك من الثواب أو العقاب.. ثم يكون من آمن بالرسول كمن كفر
به؟!.. حاشاه حاشاه، جل في علاه!!
وما هي
الرسالة التي سيفهمها المسلمون والنصارى معًا، ومعهم غيرهم من اليهود والملاحدة
وأصحاب الديانات الأرضية، إذا علموا أن المسلمين يترحمون على سائر من مات، ويرجون
له الرحمة والجنة.. أي شئ إذن يدعوهم إلى الإسلام ليدخلوا فيه؟ بل ماذا يدعوهم إلى
احترام الإسلام أصلا، إن كان أهل الدين أنفسهم لا يحترمونه ويرونه أمرا تافها
وهامشيا ولن يؤثر في مصير الإنسان لا في الدنيا ولا في الآخرة؟!
على كل حال،
أريد أن أطمئن جميع العلمانيين والإعلاميين ومن نحا نحوهم: لن تبلغوا مرادكم هذا؟
ولن يكون الترحم على غير المسلمين جائزا لا اليوم ولا غدا، مثلما كان كذلك دائما
فيما مضى. ولن يجرؤ على تجويز الرحمة على غير المسلم إلا واحدٌ من هذه الأصناف
الثلاثة:
1.
شيخ سوء مفضوح
يشتري دنياه بدينه، ويرقع من دينه ليغطي عورة السياسة في بلده، وهذا لا يسمع الناس
له ولا يأخذون دينهم عنه، فيكفي في هدمه أنه من علماء السلطة وعملاء الشرطة!
2.
شيخٌ يزلّ في
هذه المسألة، فما من إنسان معصوم، فسيبقى قوله هذا شاذًّا منفردًا لا يؤخذ به، ولن
يغير في الموقف الإسلامي العام شيئا!
3.
جاهلٌ بالدين
لم يرفعه العلم، فلن يرفعه الإعلام! فمهما تسلطت عليه الأضواء فلن تلبث أن تنحسر
عنه، ليعود صفرا مجهولا من جديد.
إن مزية
الإسلام الخالدة هي ذاتها عقدتكم الخالدة معه، أنه دينٌ غير مُحْتَكَرٍ بيد فئة
ولا سلطة ولا مؤسسة كهنوتية، لا أحد يملك أن يحل الحرام أو يحرم الحلال، والأمة
بمجموعها وعلماؤها بمجموعهم هم حراس هذا الدين والمحافظون على هذه الشريعة!
وانظروا كم
مرة أثيرت فيها هذه القضية، ثم انظروا: هل حققتم فيها تقدما؟!
بل إن من أطرف
الطرائف في قصة فشلكم وإخفاقكم أنكم في كل مرة مثل هذه تصيحون وتصرخون بالمناداة
على شيخ الأزهر أو المفتي أو وزير الأوقاف أو غيرها من رؤساء المؤسسات الرسمية
ليتدخلوا بالإفتاء في هذه القضية.. تريدون الآن أن تحكروا الفتوى في مؤسسة،
وتريدون الآن أن تحددوا الناطق الوحيد باسم الله!! مع أن سائر تجارتكم بالعلمانية
كانت تحت شعار مكافحة احتكار الدين وتنقيص رجال الدين ومحاربة من تحسبونهم متحدثين
باسم الدين!!.. وكفاكم بهذا فشلا وإخفاقا!!
على أنه يجب
علينا، ونحن في ظل هذه الأيام البائسة أن نقرر أمرًا مهما في هذا الباب..
والسؤال
الحارق هنا: لماذا صارت الإساءة إلى نبينا ﷺ عملا متكررا لدى أعداء الإسلام حتى من
الرؤساء والزعماء؟ ثم لماذا صارت عملا هينا مباحا في بلادنا العربية والمسلمة؟!
وقبل الإجابة
عن هذا السؤال يجب أن أُذَكِّر بأن المواقف المشهورة التي يتناولها الإعلام لا
تستوعب كل ما في بلادنا من الإساءات، ذلك أن المختلط بالحالة الثقافية الفكرية
النخبوية لا يكاد يمر عليه كثير زمن إلا ويجد في الكتب والمجلات إساءات أخرى لكنها
لا تلمس الناس فلا يعرفونها، فلم ينتفض أحدٌ لما صدرت الترجمة العربية لكتاب مايكل
كوك "محمد نبي الإسلام" للعلماني السوري نبيل فياض (بيروت، 2017م) والذي
قدَّم له بمقدمة حقود عن الإسلام ونبيه ﷺ، ولا شعر أحد بمقال سمير درويش –رئيس
تحرير مجلة ميريت- في كتاب ميريت (القاهرة، أكتوبر 2023م) الذي يشكك فيه في سلامة
النص القرآني ويقول بأن ما بين أيدينا ليس هو القرآن الذي نزل على محمد ﷺ! وكم من
كوارث تعج بها الساحة الثقافية النخبوية لا تلامس أسماع الناس ولا أبصارهم!
ثم نعود إلى
السؤال الحارق: لماذا صارت الإساءة إلى نبينا ﷺ عملا متكررا لدى أعداء الإسلام حتى
من الرؤساء والزعماء؟ ثم لماذا صارت عملا هينا مباحا في بلادنا العربية والمسلمة؟!
لا ريب أن
للأمر جذورا بعيدة تعود إلى عصر الاحتلال الأجنبي في بلادنا، فتلك هي حقبة التأسيس
للاستهانة بالنبي ﷺ وبالدين كله، وفيها كان التصعيد المالي والاجتماعي للمتغربين
والعلمانيين إلى مواقع الثقافة والتعليم والإعلام!
غير أن هذه
السنوات الأخيرة حملت من الأحداث ما هو لافت ومؤثر وأساسي في إباحة الاستهانة
بالنبي ﷺ، ومن أهم هذه المحطات:
1.
حادثة شارلي
ايبدو، الصحيفة الفرنسية التي تعمدت وكررت نشر الرسوم المسيئة للنبي ﷺ في أكثر من
مرة، وهو ما ترتب عليه أن قام شابان فرنسيان مسلمان بالهجوم على مقر الصحيفة، في
الحادثة المشهورة (يناير 2015م). المثير هنا أن الدول العربية والإسلامية بدل أن
تتخذ موقفا يحذر من استفزاز مشاعر المسلمين وأن نشر السخرية والإساءات لنبي
المسلمين ﷺ يؤدي إلى عواقب وخيمة، وقفت كثير من هذه الدول موقف الإدانة من هذا
الحادث، لا بل شارك زعماؤهم في مسيرة تضامن مع الصحيفة، التي كررت في ذات الأسبوع
نشر رسوم مسيئة أخرى للنبي ﷺ. وتصدر هذه المسيرة ملك الأردن وزوجته، ورئيس السلطة
الفلسطينية، ورؤساء مالي والنيجر والسنغال وكوسوفا، ورؤساء الحكومة في تونس وتركيا
وألبانيا وتشاد، ووزراء خارجية مصر والجزائر والإمارات والبحرين وقطر والمغرب
والبوسنة!
2.
جائحة كورونا (فبراير
2020م) وما تلاها من تدابير حكومية تفرض التباعد وتلغي الاجتماعات وتقرر الحظر. ما
يهمنا في هذا الحدث أن هذه الجائحة أثبتت قدرة السلطة في الدولة الحديثة على
التحكم في الشعائر الدينية وتغييرها، فقد استطاعت الحكومات حظر شعائر إسلامية
أصيلة لم تُحْظَر منذ جاء الإسلام، مثل: صلاة الجمعة وصلوات العيديْن وصلاة
التراويح والحج، وسائر ما يلتحق بذلك من مظاهر أخرى. وهو ما يعني: قدرة الدولة
الحديثة على التحكم في آخر معاقل الأمة، لا بالإجبار والقهر وحده كما كان في أزمنة
الاحتلال والتغريب والحكومات الشمولية الحاكمة بالحديد والنار، بل هذه المرة في ظل
فتاوى مؤسسات رسمية وشعبية بجواز ما أقدمت عليه السلطة، دون أن تطمئن هذه المؤسسات
العلمية للحد الأدنى المتحقق من وجود الضرورة، ولا الحد الأدنى المتحقق من نفع هذه
الإجراءات في الحد من انتشار الوباء. لا سيما وقد شهدت أكثر هذه الدول استمرارا
طبيعيا في تصوير المسلسلات وإقامة الحفلات ومباريات الكرة وغيرها من مظاهر
الاحتشاد الجماهيري.
3.
الإساءات الفرنسية
للنبي ﷺ في عام 2020م، وذلك حين أقدم الرئيس الفرنسي ووزير داخليته على تبني
الرسوم المسيئة للنبي ﷺ، ودافعوا عن نشرها باعتبارها من حرية التعبير. فها هنا
كانت لحظة واضحة للتمييز بين موقفين، فبالرغم من الهبة الشعبية الكبيرة لمقاطعة
المنتجات الفرنسية والحملات الإلكترونية الواسعة، إلا أن المواقف الحكومية الرسمية
تعاملت مع هذا الأمر ببرود شديد، بل وذهبت بعض الدول في الاتجاه المعاكس للشعوب
فوقعت اتفاقيات وصفقات تسليح جديدة مع فرنسا، وصمتت المؤسسات الرسمية عن هذه
الإساءات تماما وتماهت مع المواقف الرسمية للحكومات. هذا الافتراق الكبير والواضح
كانت له ثمرتان خطيرتان؛ الأولى: لم تعد الحكومات والأنظمة تداري ولا تناور في
مسألة التعامل مع إهانة النبي ﷺ بل صارت لا تبالي بذلك في أحسن الأحوال أو تسعى في
التعاون وتمتين العلاقات مع من يتبنى هذه الإساءة. والثانية: أن المواقف الشعبية
رغم اتساعها الكبير إلا أنها لم تستطع أن تخرج عن هيمنة الحكومات وقيودها
الحديدية، فوقعت المظاهرات حيث سمحت الحكومات بذلك، فإن لم تسمح الحكومات ولو
بالتغريد فقد عجز أبناء هذه البلد حتى عن كتابة تغريدة. لقد كانت تلك لحظة كاشفة
ومهمة في بيان ما تستطيعه الشعوب وما تستطيعه الأنظمة، وكيف أن هذه الأخيرة قد
أحكمت سيطرتها على الشعوب!
4.
وأخيرا: حرب
غزة، وقد انكشف فيها بوضوح تام أن الشعوب قد صارت سجينة، وأن غضبها المتفجر على
مشاهد القتل والقصف والتجويع والتهديم لم يستطع أن يغادر زنازين الحكومات القائمة.
لقد استطاعت الحكومات العربية والإسلامية منع أية فاعلية شعبية يمكن أن تساهم في
تغيير الوضع. بل حتى المجهود الإعلامي والشعبي لم يكن متاحا إلا في دول محدودة
عربية ومسلمة، بينما أُحْكِمَت القبضة تماما في بقية البلدان، ومن حاول أن يفعل
شيئا فقد صار نزيلا في سجونها.
هذه الأحداث
الأربعة الفارقة يقرأها السياسي الغربي بوضوح، بل يقرؤها المستوطن الصهيوني الذي
يقتحم الأقصى بسهولة، وهو ما يجعله متجرئا تماما على توجيه الإهانات إلى نبي
المسلمين ﷺ، وهو آمن مطمئن، فالشعوب لم تعد تستطيع أن تفعل شيئا سوى الصراخ على
مواقع الانترنت في الدول التي تسمح بهذا النوع من الصراخ، بينما حلفاؤه القائمون
على رأس هذه الأنظمة لا يبالون بهذه الإهانات الدينية، ولا لهم حمية ولا نخوة ولا
عندهم حتى سياسة أن يقفوا موقفا متصلبا أمامها!
ومن أمن
العقوبة أساء الأدب.. وقد أخليت الساحة، فما على كل جبان أن يهين ويطلب النزالا،
كما قال الشاعر:
وإذا ما خلا
الجبان بأرض .. طلب الطعن وحده والنزالا
فما على رئيس
صليبي حقود ولا على مستوطن صهيوني عنيد من بأس لو أنه أساء إلى النبي ﷺ، فإنما
يستند إلى ركن شديد من أنظمة حديدية قد سجنت الأمة وحبستها وأخلت ساحة النزال
منها!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق