الجمعة، أكتوبر 04، 2019

ثورة متسولة!


تعددت الأقوال والأمثال والحِكَم التي تُحَقِّر من لا يستفيد من تجاربه، حتى قال بعضهم الإنسان حيوان ذو تاريخ، وذلك أنه يستطيع تذكر الماضي واختزان تجارب الجيل السابق فيستفيد منه، وهذه الاستفادة هي التي تصنع تقدمه وتطوره، بينما الفأر يمكن أن يُصاد بنفس المصيدة وقطعة الجبن التي وقع فيها جده قبل ألف سنة، ونفس هذه المصيدة تصيد بقية إخوانه من بعده.

نحن الآن بعد أكثر من ثماني سنوات من ثورة يناير، ولكن البعض يريد تكرار نفس المشهد! يكفي هذا وحده لنحكم عليه بالحمق والسفاهة.

لكن الأكثر إثارة للاستغراب أنه أنه لا يريد حتى تكرار نفس المشهد، بل هو يريد تكرار الجزء الألطف والأسهل فيه، جزء الهتافات واللافتات والتجمعات الكثيرة، وينسى تماما المشهد الأهم والأقوى والأخطر في الثورة، المشهد الذي واجه فيه الشعب السلطة حتى أحرق أقسام الشرطة وقاتل في الشوارع وكاد أن يقتحم وزارة الداخلية، ونزل بأسحلته ليحمي الشوارع ويغلقها في وجه الشرطة، بل قاتل فيه الوحدات الأولى من الجيش التي نزلت إلى التحرير وأحرق سيارات الجيش.. هذا المشهد هو الذي شلَّ الذراع الأمنية للنظام وأجبر النظام على الاستعانة بالجيش، وساعتها كان القرار الأمريكي الذي أمر الجيش بعدم استعمال العنف ضد المتظاهرين والبدء بالتغيير هو الذي شلَّ الذراع العسكرية للجيش.

لم يكن الشعب ساعتها يعرف ماذا سيكون عليه القرار الأمريكي، من فضل الله على الجميع أنه كان في صالح التغيير (ولسنا الآن بوارد الحديث حول ما إن كان هذا القرار الأمريكي صحيحا أم خاطئا، فهذا أمر لا يزال يتجادل فيه الأمريكان أنفسهم، وتروي مذكرات هيلاري كلينتون وروبرت جيتس وغيرهم كيف تجادلوا فيه)، نقول: لم يكن الشعب ساعتها يعرف ماذا سيكون عليه القرار الأمريكي، لكن الجزء الذي يقوم به من مواجهة حقيقية للنظام قد تمَّ فعلا، وصارت أجهزة الأمن وعناصرها يختبئون ويخشون من الانتقام.

لولا هذا ما استطاعت النخبة اللطيفة من الشباب المرفه وطلاب الجامعات الأجنبية وغيرهم من المتعلمين والمواطنين الصالحين أن يظلوا في التحرير بأمان يمارسون هتافاتهم وصياحهم ويكتبون لافتاتهم بالإنجليزية ويمثلون مشاهدهم المسرحية الكوميدية في ميدان التحرير. بل وحتى اللحظة الفاصلة في ميدان التحرير (يوم معركة الخيول والجمال) لم يتصدى لها إلا شباب القرى والأقاليم والصعيد والمناطق الشعبية، ولولا أولئك لسُحِق المتعلمون اللطفاء كما تسحق الكيك تحت الأشواك والسكاكين.

لماذا ينسى الأكثرون هذه الحقيقة رغم أنهم عايشوها؟

الإجابة: هذا هو الدور الذي قامت به وسائل الإعلام في انتقاء واستعراض مشاهد معينة من الثورة، وتلميع وترميز شرائح بعينها من الشباب باعتبارهم صناع هذه الثورة وأبطالها، ومن وراء وسائل الإعلام المنظمات المحلية والدولية التي جعلت من صاحب صفحة على الفيس بوك أو حساب على تويتر قائدا ثوريا قاد التغيير في مصر!

الذين تشربوا هذه الرواية الإعلامية الدولية المسبوكة، وغفلوا عن الذي حدث على الأرض، تصوروا في لحظة غيبوبة غريبة أن التجمع والهتاف في ميدان ما يساوي حصول تغيير سياسي في واحدة من أهم دول العالم، مصر التي ترتكز فيها مصالح إقليمية ودولية في غاية الحساسية، والتي تجاور إسرائيل، وإسرائيل هي عقدة الصراع العالمي كله كما يقول جمال حمدان.

لا شك، لقد طرب الأكثرون لما حدث من تغيير قليلة التكلفة لطاغية ظن الناس أنه ضد الزمن ورغم أنف التاريخ، ثلاثين سنة يحكم بقبضة حديدية، لا يموت رغم شيخوخته ولا تؤثر فيه معارضة سلمية ولا مسلحة، بدا الأمر كالخيال أو الحلم، سرت حالة من عدم التصديق أنه خُلِع بهذه البساطة..

ومع أن كثيرا من الحصفاء كان يعرف ما جرى ويحذر منه (حفظ الله شيخنا الحبيب حازم أبو إسماعيل وأتباعه) إلا أن الأكثرين أحبوا أن يشربوا من خمر السهولة التي حصل بها هذا الأمر، وساروا وراء هذا الوهم (وهم أن التجمع السلمي والهتاف يغير الأنظمة) طوال السنين التالية، حتى دفعوا ثمن هذا الوهم آلافا من الشهداء في سلسلة مذابح غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث وفي التصفيات الجسدية وفي القصف المستمر في سيناء، مع مئات الآلاف من الأسرى والمطاردين والمهاجرين.

هنا يجب أن نستفيق.. أن نستيقظ.. ألا نشرب من هذه الخمر مرة أخرى.. أن نفهم أن التجمع والهتاف لا يغير النظم السياسية، وحتى لو أنه يغير بعض هذه النظم (جدلا وتنزلا) فلن يكون هذا مناسبا أبدا لتغيير نظام عبد الفتاح السيسي.

وقديما كان أبو نواس يحب الخمر مع أنه يعرف أنها داءٌ، فتفلسف حتى جعلها الداء والدواء، وقال أبياته المشهورة:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء .. وداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها .. إن مسه حجر مسته سراء

وطفق يتغزل في الخمر حتى ليشتهي قارئ قصيدته أن يشربها حتى وهو يعرف أنها أم الخبائث، ولو أن أجيالنا المعاصرة تحسن فهم العربية لانصرفوا بقصائد أبي نواس وأمثاله من فحول الشعراء عن الرداءة التي يسمعونها الآن، إلا أنه خرج فيهم من يغريهم بخمر أبي نواس باللغة الرديئة، ويطلب منهم النزول إلى الميادين بسلمية والتجمع فيها والهتاف وتصوير هذا لكي يراه العالم فيتغير السيسي؟

والشرطة؟ والجيش؟

هنا ننادي (وزير الدفاع المحترم) لكي لا يطلق الرصاص على الشعب، وننادي (وزير الداخلية المحترم) لكي لا يطلق الرصاص على الشعب..

وإذ فجأة، انقلبت الثورة الموعودة إلى ثورة متسولة!! هل حصل في التاريخ قبل هذا ثورة مستولة؟! تتسول النظام نفسه أن يسمح لها بتغييره؟!

يا قومنا..

إذا عجزنا عن الثورة فلنستوعب دروسها حتى إذا جاءت لحظة قادمة فعلناها كما يجب أن نفعلها، ولئن متنا فلنورثها لأبنائنا دروسا واضحة ظاهرة تعصمهم من أن يكرروا نفس غفلتنا وأوهامنا وأن يشربوا من نفس كأس الخمر التي سقيت لنا!

إذا عجزنا عن إخراج الأسرى المعتقلين فلنجتهد ألا ندفع إلى السجون بالمزيد منهم بنفس نفس الطريقة التي دخل بها السابقون كأننا نفس الفئران التي تصاد بنفس المصيدة!

إذا أخفقنا لأننا لا نملك الرؤية أو لا نملك القوة أو لا نملك الحلفاء، فلا يليق بنا أن نكرر نفس المحاولة لتتكرر نفس النتيجة ثم نعود فنبكي ونصرخ ونجلد أنفسنا لأننا لم نكن نملك الرؤية أو القوة أو الحلفاء!

في هذا العالم ليس ثمة حلول سهلة، ولا قصيرة، والذي يتحدث عن حلول سهلة إما أنه مخُادِع أو هو نفسه مخدوع، ولسنا أول أمة تُقاوِم الاحتلال الأجنبي أو الحكومات المستبدة، ربما نكون أول أمة تقاومهما معا متحدين في نفس اللحظة، ذلك أن زمن ضعفنا –كأمة- ترافق مع زمن التطور العلمي الذي ربط العالم كله في شبكة واحدة، فنشأ من جملة ذلك وجود نظام عالمي يستطيع بفارق القوة صناعة العملاء وتنصيبهم في البلاد المحتلة وتغطية ذلك كله بأنظمة قانونية وسياسية يملك الهيمنة عليها.

سنحتاج دائما أن نتعلم ونستفيد من كل حركة مقاومة في التاريخ، كما سنحتاج فوق ذلك إلى ابتكار الجديد الذي يوافق التحدي الجديد المفروض علينا، ومعنا عدة ضخمة كبيرة لا تملكها أي أمة أخرى، معنا موعود الله بأن هذه الأمة لن تباد ولن تستأصل، بل وبأنها ستعود وتنتصر، وبأنها كالغيث فيها الخير المستمر، وبأن الله يبعث فيها المجددين كل فترة من الزمن، وبأنها تضم الطائفة الظاهرين على الحق إلى يوم القيامة، وبأنها خير أمة أخرجت للناس، وبأن كتابها ومصدرها المعرفي المقدس وهو القرآن محفوظ في الصدور وفي السطور لا يمكن تحريفه ولا تبديله.

هذه عدة ضخمة عظيمة، ولذلك لا تزال أمتنا تقاوم وتثير دهشة العدو قبل الصديق، وتنبعث من بعد ما يُظَنّ فيها الركود والخمود والخفوت، وتروي وتزدهر من بعد الضعف والذبول، ولا تزال تبدو أكثر الأمم مناعة وإعاقة للتغرب والعلمنة، هكذا يرصدها أعداؤها أنفسهم، ولهذا تمثل كابوسا دائما لهم، وقلقا مستمرا لا يهدأ، وفي أرشيفي دلائل لا أحصيها من كثرتها من تصريحاتهم أو مواقفهم.

ومع هذا فـ: لا تحسب المجد تمرا أنت آكله .. لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

ولو كنت شاعرا لنسجت على منواله بيتا تقول: لن تبلغ المجد إن لم تترك الخمرا

نشر في مجلة "كلمة حق


هناك تعليق واحد:

  1. غير معرف4:09 م

    بارك الله فيك استاذنا الكريم.
    أصبت جوهر المشكلة بشكل مباشر.

    ردحذف