الأربعاء، يوليو 04، 2018

عام على "كلمة حق"

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله..

يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك..

هذا هو العدد الثاني عشر من مجلة "كلمة حق"، أي أن المجلة الوليدة قد أكملت من عمرها عاماً، وهذا بالنسبة لعمل تطوعي علامة من علامات الإنجاز، إذ الأعمال التطوعية بطبيعتها مهددة دائماً. كما أنه بالنسبة لعمل مُقاوِم علامة إنجاز أخرى؛ إذ المقاومة التي تنتمي للأمة جريمة في ميزان الفرعونية العالمية والفرعونية الإقليمية، وهذا العالم في هذه اللحظة يكاد أن يكون كله منظومة فرعونية قاهرة!

وأدل شيء على هذا أن المجلة ما كادت تصدر إلا وكُتِب عنها بعد ساعات تقريرٌ على موقع إخباري تابع لجهات الأمنية، وعلى كل حال فإنهم لم يُقَصِّروا في المتابعة الدقيقة للمجلة، وهي متابعة فاقت توقعاتنا حقاً.. ولئن كنا نسأل الله لهم الهداية –كما أسلم سحرة فرعون من بعد ما كانوا يبذلون المجهود لتحصيل القرب منه- فإننا نخشى أن يطمس الله على قلوبهم فيكونوا كجنود فرعون: عذبوا السحرة الذين أسلموا مع أنهم رأوا نفس المعجزة، وخاضوا البحر وراء فرعونهم رغم أنهم رأوا بأعينهم معجزة انشقاقه لموسى!

وهكذا ما أبعد ما بين الخاتمتين رغم أن المعجزة واحدة والمشهد واحد! فالأمر ليس متوقفاً على عظمة المعجزة بل على استقبال القلب لها، ولقد سمع القرآن عمر بن الخطاب وسمعه كذلك أبو جهل، فأسلم هذا وصار فاروق الأمة وكفر هذا وصار فرعون الأمة، ولقد وصف الله قرآنه فقال {شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82].

وهذه فرصة نوجِّه فيها الكلام لأولئك الذين يعملون في جهاز الطغيان، إن أقصى ما يبلغه أحدكم أن يكون رئيسا كعبد الناصر أو السادات أو مبارك، فإما مات مسموما أو مقتولا أو خُلع، بل ولو أنه مات في السلطة لما أغنى عنه هذا من عذاب الله شيئا..

على أن هذا المنصب لا يصل إليه إلا النادر القليل، لقد اجتهد أن يصل إليه الأكثرون فماتوا دون ذلك، ماتوا بعد عزل وقهر أو نحر (سُمِّي انتحارا أو حادثة سير) فما بلغوا حظهم من الدنيا ولا نالوا نصيبا من الآخرة، خسروا الدنيا والآخرة.. ولقد كانوا مثلكم لا يتعظون بمصير الذين من قبلهم، فهم -كما وصفهم الله- {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].

كانت فكرة المجلة بسيطة واضحة في أذهاننا وقد اجتهدنا أن تكون تطبيقاً لها.

إن القنوات والصحف ومواقع الانترنت والحسابات تفيض وتسيل بالكلام في كل اتجاه، ولا تشكو الأمة من قلة الكُتَّاب والمتحدثين ومن يتصدرون لموقع الفكر والتنظير والتوجيه، على أن الواقع أن أقل القليل وأندر النادر من أولئك الناس من إذا سُئِلوا: ماذا نفعل؟ لم نحصل منهم على شيء ذي قيمة.. إغراق في التنظير وانشغال بالقيود الأكاديمية للكتابة، ودفق متصل من البلاغيات والزخارف والكلام الذي لا ينبني عليه عمل ولا يقترب من الأسئلة الحرجة.. وهذا حال من يتصدرون موقع التفكير والتنظير للثورات، وهم أنفسهم قلة وسط من انشغلوا بالمناطق الفكرية الآمنة: كدقائق الفلسفة وغرائب الفقه وعجائب العلوم وطرائف الحياة.. إلخ!

فكانت الفكرة بسيطة: يا معشر الذين تنصحون وتوجهون الثوار والمقاومين والمجاهدين: اكتبوا كلامًا إذا قرأه الثائر أو من يخطط لثورة استفاد منه، اكتبوا كلاما يمكن أن ينبني عليه عمل، اعتبروا أنكم تخططون لمن آمنوا بأهمية الرؤية والرسالة والتخطيط والعلم وقولوا لهم كلاما بعد تحقق هذا الإيمان! وهذا مجال واسع وفسيح أيضا لكنه يعاني ندرة المتكلمين فيه.. إنه لا قيمة لعلم ولا لتخصص إن لم يكن صاحبه يستطيع أن يصوغه في كلام مفيد ينبني عليه عمل، فلا فائدة لمن درس الإعلام إن لم يكن يستطيع أن ينصح ويوجه ويكتب كلاما مفيداً وعملياً في "كيف ينبغي أن يكون إعلام المقاومة"، ولا فائدة لمن درس السياسة إن لم يستطع أن يكتب كلاماً عملياً يحدد بها سياسة الثورة والمقاومة ويُشرح بها سياسة الخصوم والحلفاء وكيفية بناء العلاقة مع الأطياف المختلفة، لا فائدة للقانوني الذي لا يستطيع أن يحدد خطوات حركة المقاومة في لحظات إدارة الفراغ وإدارة النزاع أو في لحظات النصر الأولى... وهكذا في كل مجال، ومن المؤسف أن الثغور جميعاً تعاني الندرة والفراغ!

لذلك كتبنا في العدد الأول وكررنا في الثاني أن المجلة تستقبل المقالات من جميع القراء إذا اجتمعت فيها ثلاثة شروط: أن تكون علمية عاقلة لا عاطفية حماسية فإن الحماسة لا تنصر الحق ولا تفيد في بناء الوعي، وأن تكون في باب الثورة إذ هي قضية الأمة الراهنة وواجب الوقت، وأن تكون مفيدة لمن أراد العمل. وشرط رابع فني: أن ينشر باسم صاحبه لا باسم مجهول إلا إذا رغب كاتبها في الكتابة باسم مستعار وهو معروف لدينا بعينه، وأخيراً ألا تكون منشورة من قبل.

وبكل صراحة وشفافية نقول: إن العثور على مثل هؤلاء لم يكن سهلاً، كثير من المقالات التي جاءتنا لم تكن تنسجم مع هذا الخط، فإما غلب عليها الإغراق في التنظير أو اقتصرت على الدعوة للاهتمام بالتخطيط أو كانت تحلق بعيداً في مشارب لمعرفية أخرى، فضلاً عما رددناه من المقالات لأسباب فنية كأن يكون مقالاً مسروقاً أو ضعيفاً أو نشره صاحبه من قبل أو غير ذلك. كذلك فإن بعض المقالات قد دارت حولها نقاشات ساخنة بين فريق المجلة: هل تقع ضمن هذا الخط أم لا.. وكان رأي الشورى غالباً!

ونكرر الدعوة لكل صاحب قلم مميز أن يشاركنا بمقالاته ويراسلنا على بريد المجلة بها klmtuhaq@gmail.com، فالمجلة ليست حكراً على أحد، وهي تركز في نشرها للمقالات على مناسبة الموضوع لخط المجلة آنف الذكر لا على اسم الكاتب وشهرته.

هنا أنتهز الفرصة لأشكر أخي الحبيب معتز زاهر، مدير التحرير، ومحرك المجلة ورجلها النشيط.. كما أشكر من يقف وراء هذا المجهود الراقي في تصميم المجلة ويتحمل سيل طلبات التعديل والتصحيح والاقتراحات، ثم الشكر الوافر للكتاب الأكارم الذين اقتطعوا من وقتهم وجهدهم ما لو صرفوه في الكتابة لغيرنا لعادت عليهم أموالاً وأجوراً فجعلوا أجرهم عند الله، وأخص بالذكر منهم من تابعوا الكتابة معنا حتى الآن: المهندس أحمد مولانا وهو من فرسان القلم وذوي اليقظة والنباهة والرشد، والدكتور عمرو عادل وقد عرفته مخلصاً غيوراً كان السجن والفصل من الجيش أهون عليه من كتم الحق الذي يعرفه ويؤمن به، والأستاذ الصغير منير من أحبابنا في الجزائر وهو صاحب تجربة كفاح قديمة وقد جمعتنا الأقدار في إسطنبول، والأستاذ عبد الغني مزوز الفتى الصغير الكبير وصاحب النشاط الوافر والمتابعة الجادة، والأستاذة يسرا جلال الأديبة ذات القلم الرشيق التي تحول المادة الجافة إلى قصة عذبة.. وآخرون انقطعوا عنا انقطاعاً نسأل الله أن يكون مؤقتاً، ولا تثريب عليهم فكل جهد في خير سيصب في نهر الأمة الكبير نهاية المطاف.

وبقي شكر خاص وافر لأساتذتنا ومشايخنا من أهل العلم والدين، أولئك الذين أفردنا لهم قسماً خاصا بالمجلة نستمتع فيه بجهادهم بالقرآن تحت شعار "وجاهدهم به جهادا كبيرا"، فهم روح المجلة وريحانها ومستراحها، وفي واحتهم وظل دوحتهم نرى ونسمع من ديننا ما يطمسه علماء السلطة، نخص منهم بالذكر من استمروا معنا طول الوقت: أستاذي الدكتور عطية عدلان المتخصص بفقه السياسة الشرعية وصاحب المؤلفات المشهورة، وهو الرجل الطيب الرقيق الذي لا يجد في دينه ما يتحرج منه (وما أندر هؤلاء في باب السياسة الشرعية)، والشيخ الكريم الدكتور وصفي أبو زيد المتخصص بمقاصد الشريعة وصاحب الجهد المشكور المذكور في بيانها وتلمس تنزيلها على واقع الثورة والمقاومة.

ولقد خصصنا في كل عدد مختصر كتاب مفيد نشرناه على حلقات، فنشرنا أربعة كتب في الأعداد السابقة، ثم خصصنا في باب العلماء مقالاً لعالم أو داعية أو كاتب أسير.. ثم فتح الله علينا أن نجعل مع كل عدد هدية منفصلة: مختصر كتاب مفيد، وافتتحنا هذا الأمر بكتيب للشيخ الأسير البصير، حازم صلاح أبو إسماعيل، زينة مصر ومن مهَّد فيها للمشروع الإسلامي وعظمته تمهيداً عظيماً، اقتبسنا مادته من مقدمة سلسلته الصوتية في السيرة النبوية وجعلنا عنوانه: "ما لا نعرفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"، عازمين إن شاء الله أن يكون هذا عادة مع كل عدد قادم.

ثم قد بقي الشكر الكبير للقراء الكرام، من لا نستطيع أن نوفيهم شكراً يليق بهم، فإن القارئ نعمة الله على الكاتب، وهو باب دخوله الجنة إن أخلص وقال حقاً، فكيف يستطيع كاتب أن يشكر من كان باباً له إلى الجنة؟! هذا أمر فوق الطاقة ولا تسعه العبارة.. ولقد عوضنا الله من قلة الكُتَّاب كثرة القراء والحمد لله، وبلغت المجلة انتشارا لم نتوقعه كذلك.. وقد وصلتنا الرسائل بأن المجلة التي تصدر إلكترونية تُطبع في عدد من الأنحاء، كما أخبرنا الموقع وصفحة الفيس بوك أن المجلة لها قراء في روسيا وإندونيسيا وكذلك في أمريكا وكندا وما بينهما.. فالحمد لله رب العالمين.

في هذه المجلة عايشتُ حقاً معنى لم أعرفه من قبل، وهو معنى أن يكون العدد الحالي هو العدد الأخير، ولقد وجدتني حين أتخيل انقطاعها راضياً عما قدَّمتْ، إذ لم أدخر جهداً في خروجها على أفضل ما استطعت في ظل الظروف المحيطة، ولقد كنت كثيراً ما أشعر بتوفيق الله يظلل صدورها.. فالحق المحض أنها محض فضل من الله ونعمة، وما كان فيها من توفيق فمن الله وحده: كم ذلل لها سبلاً وفتح لها قلوباً، وما كان فيها من قصور وتقصير فمن أنفسنا ومن الشيطان ولا يزال عمل البشر دليل نقصانهم وقصورهم!

ونسأل الله تعالى أن يشرفنا بخدمته والعمل له، وأن يجعلنا ممن يستعملهم لنصرة دينه، وأن يجعل هذه الأقلام في سبيله، وأن يعصمنا من فتنة الذهب والسيف، فإن أراد بقومنا فتنة قبضنا إليه غير مفتونين.