الأربعاء، يناير 31، 2018

متى وُجِد لدينا موسى مصطفى موسى؟

حينما أراد مبارك تمثيل مسرحية الانتخابات في 2005م لم يجد من يفكر في الترشح، كانت المسرحية مفضوحة، فأعلنت أجهزة الدولة أن كل حزب سيتقدم بمرشح سيحصل على 10 ملايين جنيه لمصاريف الدعاية الانتخابية. هنا اكتشف المصريون أن لديهم عشرة أحزاب مرخص لها في مصر، وقد تقدم كل منها بمرشح طمعا في الأموال، وبهم تمت المسرحية.. واكتشفنا ساعتها رجلا لا يزال يرتدي الطربوش واسمه أحمد الصباحي ويقال إنه رئيس لحزب اسمه الأمة، وكان ساعتها أكبر من مبارك نفسه، كان يخطو إلى التسعين من عمره، ويعاني من مشكلات في السمع فضلا عن مشكلات الفهم فضلا عن مشكلات أنه خارج التاريخ. أحمد الصباحي هذا هو أول من قال الإجابة البديعة التي ذهبت مثلا، وذلك أنه سُئل: من ستنتخب؟ فقال: الرئيس مبارك! ولم ير في هذه الإجابة أي تناقض مع المنافسة المفترضة والتي يُفترض أنه يخوضها.

بعد أن اكتمل عدد المرشحين أعلنت أجهزة الدولة أنها ستراقب العشرة ملايين جنيه، جنيها جنيها، لتتأكد من إنفاقها في الشأن الانتخابي فقط.. وهكذا خسر المرشحون الأموال بعدما خسروا سمعتهم وصاروا أضحوكة الإعلام والجمهور.

هل تعلم أحد الدرس؟!

بالطبع لا، فليس يتعلم إلا الحريص على التعلم، أما الذي يؤدي دوره في المسرحية فهو موظف بالأجر.. ولقد احتاج النظام إلى موظف بالأجر في 2014 فوقع الاختيار على حمدين صباحي! دخل صباحي الانتخابات تيسا مستعارا أمام السيسي ليخسر ما بقي له في نفوس المغفلين، ثم أهانه السيسي الإهانة المخزية حين خرجت النتائج فجاء في المركز الثالث بعد الأصوات الباطلة!

بعد بحث وتعثر وجد السيسي تيسا مستعارا ليركبه ويعبر به الانتخابات ثم يركله.. فذلك هو: موسى مصطفى موسى. ولا يُعرف بعد هل قبض ثمن فضيحته، أم ارتكبها إيمانا واحتسابا لوجه السيسي! المهم أنه يحاول الآن تمثيل الدور أمام جمهور يعرف أنه تيس مستعار، وهو يعرف أنهم يعرفون.. ومع هذا فإنه سيقوم بالدور.

متى وُجِد فينا أمثال هؤلاء؟!

أحد الظرفاء قال عنه: موسى مصطفى هذا حصيلة اندماج بين أحمد موسى ومصطفى بكري! وصحيحٌ أنه لم يخل زمن من نفاق ومنافقين، ولكن زماننا هذا شهد في هذا الباب عجائب وغرائب مدهشة.. حتى لقد صار المرء يترحم على زمن إبراهيم نافع! الذي كنا في زمنه نترحم على زمن موسى صبري، وقد كانوا في زمنه يترحمون على هيكل، الذين كان أهل عصره يترحمون على زمن التابعي وداود بركات!

وبمناسبة إبراهيم نافع فقد شاءت صراعات أجنحة السلطة قبل نحو ثلاث عشرة سنة أن تسرب له بعض الفضائح، فعرفنا أن راتبه الشهري بلغ 2 مليون جنيه، وهذا بخلاف أنواع النهب الأخرى التي تجري في الظاهر وفي الباطن عبر الإعلانات وشركات الأحبار والمطابع ونحوها.. فقال أستاذنا –وكنا في مجلس علم- مم تعجبون؟ الرجل يستيقظ فيجد تحت الوسادة يوميا 67 ألف جنيه.. ألا يكفي هذا ليبيع بها شرفه؟!

لقد كانت صفقة رابحة.. بل هي صفقة يتزاحم على بابها آلاف المنافقين، كلهم يعرض شرفه في المزاد! قبل أسابيع مات إبراهيم نافع.. كما مات قبله أنيس منصور وهيكل! وبقيت أموالهم في الدنيا، وبقي لهم الحساب في الآخرة.

بغير أي تبرير لهؤلاء ولا انتقاص من جرائمهم، فإنما هم على الحقيقة نتاج لهذا العصر الذي هيمنت فيه الحضارة الغربية.. الحضارة المادية التي حكَّمَتْ معاييرها ومقاييسها في دنيا الناس، فصار المرء يُقاس في عالمه بما يملكه من مال وما يطاله من نفوذ وما تستطيعه يده من الأذى! الحضارة التي رفضت الاعتراف بإله وعبدت العلم فانهارت الأخلاق والمبادئ والقيم لأنها ليست حقائق علمية بل هي مواقف إنسانية!

طبيعي أن الحضارة التي تحكمها المعايير المادية تقف والأخلاق على طرفي نقيض، فالأخلاق بطبيعتها ضد مكاسب الربح والخسارة، بل هي لا تصير أخلاقا إلا إن سمت وارتفعت عن حسابات المكسب والخسارة. الأخلاق بطبيعتها استجابة ومظهر للروح الإنسانية التي لا تستطيع المقاييس المادية أن تقيسها. نعم ربما يبستم في وجهك البائع لا لأنه يعبر عن بشاشة صادقة ولكن لأنها أداة ترويج السلعة، مثلما يستقبلك عامل الفندق ومضيفة الطائرة ومذيعة النشرة بابتسامة ميتة تتلاشى بعد لحظة. بقدر ما يبدو هذا من حسن الخلق لأول وهلة، بقدر ما يبدو أنه في الحقيقة من سوء الخلق، فكل هذا مصنوع ومتكلف، كله وجه من وجوه الكذب والخداع. ويسقط القناع حين يتعرض هذا كله لاختبار حقيقي تتضرر فيه المصالح!

على ما كان لدى العرب في الجاهلية من خطايا على ما كان فيهم صدق ومكاشفة ووضوح، ولقد تأثر بهم من عايشهم حتى صار مضرب المثل فيهم، فهذا اليهودي السموأل بن عادياء قد ضربت به العرب المثل في الوفاء، وذلك أنه رفض تسليم أمانة امرئ القيس لعدوه الذي طلبها منه، حتى لقد حوصر السموأل في حصنه، ثم ظفر الذي حاصره بابنه وساومه بولده على أمانة امرئ القيس، فرفض، فقُتِل ولده! فخلد بهذا اسمه في عالم الوفاء.. وهو القائل في قصيدته العصماء المشهورة:

تُعَيِّرُنا أنّا قليلٌ عديدنا .. فقلت لها: إن الكرام قليل
وما قلَّ من كانت بقاياه مثلنا .. شبابٌ تسامى للعلا وكهول
وما ضرنا أنا قليل وجارنا .. عزيزٌ، وجار الأكثرين ذليل

ولسنا نذهب بعيدا، فقد ظلت تلك الأخلاق فينا إلى وقت قريب. وكان بيع المرء لشرفه مقابل المال من عمل الأسافل القلة المنبوذين.. ومما قرأته مؤخرا في هذا ما ذكره الأديب المفكر المبدع وليد سيف في مذكراته أخلاق أهل القرى في فلسطين زمان آبائه، فيقول: "تلك قرية عُرف أهلها بكثرة المنازعات مع الحفاظ على آداب التعامل، فإذا تقاضى شخص مع عمه حول حق متنازَع عليه، وصارا إلى باب المحكمة لم يسع ابن الأخ أن يعبر الباب قبل عمه، فيقدمه تجلة واحتراما، وهو الذي يتهم ذمَّته".

ولقد ذكرني هذا بصديق لي كان يروي ويتعجب من سلوك جديه اللذين أدركهما، فربما أَوْلَم الرجل منهما فيدعو الآخر إلى وليمة الطعام، فيأتي هذا مسرورا ويستقبله هذا مرحبا، ثم يأخذان بأطراف الحديث حتى يقول أحدهما للآخر: تذكر بعد غد موعد الجلسة في قضية الأرض التي بناحية كذا، فيقول الثاني: بل الجلسة التي بعد غد هي قضية الأرض الأخرى. أي أن الرجلين يتحاكمان إلى السلطة في أكثر من نزاع ولا يمنعهما هذا من الوصال والاحترام.

ولقد أدركت بنفسي في قريتنا الصعيدية أخلاقا تقاوم الفناء وتعيش في الرمق الأخير، لقد أدركت زمن هروب الأطفال الصغار من اللعب إن برز شيخ الكُتَّاب أو أستاذ المدرسة في أول الطريق، فمن واجب الحياء ومن احترام الأستاذ الأ يراهم على تلك الحال. ثم أدركت بعدها بقليل في المدينة التلاميذ الذين يضربون أستاذهم ويستهزؤون به! أدركت في القرية كيف يمكن لكل كبير أن يأمر كل صغير، فلا يسع الصغير إلا الاستجابة ولو كان ابن شيخ البلد ولو كان الآمر هو من فقرائها. وأدركت في المدينة ابن ضابط الشرطة يبصق على الصول ولو كان أكبر من عمر أبيه!

قد انهارت أمور كثيرة من الأخلاق القديمة التي كانت تسري في المجتمع، فتكون هي القانون فوق وقبل القانون، وهي الحاكمة قبل وفوق الحاكم.

والمشكلة أن تلك الأمور تُنْسَى مع طول الزمن حتى كأنها لم تكن، بل حتى تكون مستغربة منبوذة لا تكاد تُصَدَّق. وكنت كثيرا في بعض المحاضرات أرى هذا حين يستغرب الناس ما أحكيه من أن الصحابة قد يقع بينهم اقتتال في النهار ثم يجمعهم إمام واحد بصلاة واحدة حين يتوقف القتال أو يجنّ الليل. وما استغرابهم هذا إلا لبعد العهد بتلك الأخلاق، ولا يمكن تفتيت هذا الاستغراب إلا بذكر بعض المواقف من زمن الآباء والأجداد التي تدل على حضور المروءة والاحترام والأدب والكرم في حياة الناس.

تلك البيئة التي طبعتها الحضارة المادية الحديثة بطابعها منزوع الأخلاق هي التي أفرزت أمثال عمرو أديب وإخوته وأبيه وزوجته، أمثال جيل من الصحافيين والإعلاميين والسياسيين والعسكريين والأمنيين ممن يبيعون أنفسهم للشيطان وللعار وللفضيحة طالما ثمة من سيشتري ويدفع الثمن!

ولن يكون مستغربا أن بلادنا يهيمن عليها العدو الأجنبي لأن هؤلاء هم من يحكموننا، وأولئك بعدما باعوا شرفهم هان عليهم بيع كل شيء.. ولو أن حمدين صباحي أو موسى مصطفى مكان السيسي لفعلوا مثلما فعل ويفعل، إلا أن كلا منهم يندب حظه لأن دوره في المسرحية دور صغير ومؤقت، ويودُّ لو كان أكبر وأطول.

والبلاد التي يكثر فيها من لا أخلاق لهم هي البلاد المعرضة للانهيار، فعند أول اختبار حقيقي لن تجد أمام هذه الطبقة الحاكمة إلا خيارا من اثنين: إن نشبت فيها ثورة هدموها على رؤوس أهلها وجاؤوا بالاحتلال الأجنبي ليحفظ لهم عروشهم ولو قتل ملايين الناس. وإن جاء احتلال سلموا لهم البلاد وهربوا.. وتلك سيرة بلادنا المنكوبة منذ حكمها العسكر: فجور وقتل للناس وانسحاب وهروب أمام الاحتلال، فلم يسجل لهم التاريخ نصرا واحدا على عدو أجنبي، مع أنهم أكلوا الأموال وشربوا الدماء بدعوى الحفاظ على البلاد!

وكثير من مفكري الغرب أنفسهم يشعرون بالتهدد من شيوع الانهيار الأخلاقي، ومن أن الحضارة الغربية نفسها مهددة لأنها بطبيعتها تنتج الإنسان المهتم بمصالحة الذاتية ولذته المؤقتة، فهي لا تهتم بالبطولة ولا المثالية ولا النموذج، ويرتقبون لها أن تكرر تجربة جمهورية فايمار التي سقطت أمام البرابرة لسبب بسيط: أنها لم تجد من يدافع عنها[1].

وصدق شوقي: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت .. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا




[1] انظر مثلا كتاب "الاستغراب: تاريخ النزعة العدائية للغرب" لإيان بوروما وأفيشاي مرجليت، ص65 وما بعدها.