الأربعاء، ديسمبر 07، 2016

الجهاد والاغتيال لدى النظام الخاص للإخوان المسلمين

نحن الآن في الحلقة الثالثة من الكتاب الثالث في "مكتبة الثائر المصري"، وهو كتاب "حقيقة التنظيم الخاص ودوره في دعوة الإخوان المسلمين"، وهنا تجد الحلقتين: الأولى والثانية.

23. لقد كان قرار حل الإخوان المسلمين أمرا صهيونيا، لا سيما بعد الجهاد الباسل الذي قدمه أبناء النظام الخاص في فلسطين، والذي مثل 90% من حجم المتطوعين، والذي كاد يفسد خطة إنشاء إسرائيل لولا أن السياسة العربية تركت الخطة الأصلية (دعم أهل فلسطين بالمال والسلاح) وقررت الدخول بجيوش ضعيفة العدد والعدة والروح المعنوية، وذلك بهدف الهزيمة أمام العصابات الصهيونية لكي تتحول إسرائيل إلى واقع على الأرض.

24. لم يتصور أحد أن المتطوعين يمكنهم تغيير نتائج المعركة، فلما رأت الحكومات عكس هذا شنوا الحرب على المتطوعين فصادورا مخازن أسلحتهم وأمتعتهم ووضعوا العراقيل أمام حركتهم ووصول الإمدادات إليهم. فالأسلحة التي جمعها الإخوان تكفي الجيوش العربية مجتمعة لعشرين سنة تدريبا وقتالا.

25. قتلت حكومة إبراهيم عبد الهادي أحمد شرف الدين المسؤول عن جمع الأسلحة من الصحراء الغربية من مخلفات الحرب العالمية الثانية، وقتلت حكومة عبد الناصر علي الخولي بالتعذيب في السجن الحربي وكان المسؤول عن الورش التي أنشأها النظام الخاص لإصلاح الأسلحة المجموعة من الصحراء الغربية لتكون صالحة للاستعمال في حرب فلسطين.

26. يمكن تقسيم النشاط الجهادي للنظام الخاص إلى قسمين: الجهاد في فلسطين، والأعمال الفدائية (الاغتيالات). وكان ذلك الزمن معروفا بالاغتيالات السياسية، وكان النشاط الوطني ضد الإنجليز شاملا وفاعلا من قبل أن يوجد الإخوان، والفارق بين عمليات الإخوان وغيرهم أن الأولى دافعها ديني في سبيل الله بينما الآخرون دافعهم وطني، وإن كان القانون لا يفرق بينهما ويعتبرها جميعا من الجرائم لأن الحكم موالٍ للاستعمار. والفارق الآخر أن قضية مثل فلسطين لا تهتم لها الحركات الوطنية بينما يهتم لها الإخوان المسلمون، لأن وطنهم هو الوطن الإسلامي.

27. عملية اغتيال القاضي أحمد الخازندار لم تقع بإذن المرشد ولا بقرار قيادة النظام الخاص، وإنما فهم عبد الرحمن السندي –قائد النظام- من عبارات المرشد الساخطة على هذا القاضي أنه يسمح بقتله فبدأ في الإعداد لذلك، وأصل القصة أن الخازندار كان مثالا للقاضي الذي يفكر أي وطني في اغتياله، وفي ذلك الوقت كانت أمامه ثلاث قضايا: رجل اغتصب سبعة أطفال حتى ماتوا في قضية هزت مصر جميعا وكان المنتظر أن يُعدم فلم يحكم عليه إلا بالسجن سبع سنوات، وامرأة عذبت خادمتها بأن أدخلت سيخا من الحديد المحمي في موضع العفة منها فقتلتها فحكم عليها بالسجن لعام واحد، وشباب أدينوا بإلقاء قنابل على الإنجليز فحكم عليها بالسجن عشر سنوات. لقد عرف الخازندار بموالاته للمحتل وقسوته على الوطنيين، ولما نجحت عملية اغتياله عُقِدت محاكمة داخلية للسندي أقرَّت أنه فهم الأمر على سبيل الخطأ ولم يجر شك في صدقه وإخلاصه، وبقي على رأس عمله في قيادة النظام الخاص.

28. والسندي شاب صعيدي من أسيوط، مريض بالقلب منذ الشباب، ضحَّى بتعليمه العالي وبحياته الميسورة ليتفرغ لأعمال الجهاد في سبيل الله، وقد لمست فيه "الصدق في اللقاء والصبر على العناء والبذل بالمال والوقت دون حدود، مع صفاء في النفس ورقة في الشعور والتزام بأحكام الدين". وقد نفذ العملية الأخ محمود زينهم وكان شابا صادق الإيمان رقيق الحس متواضعا مع كونه بطل مصر في المصارعة الحرة لسنوات، والأخ حسن عبد الحافظ وكان شابا من أولاد الذوات ميسور الحال مرموقا ووجيها.

29. وأما اغتيال أحمد ماهر فلم يقم به الإخوان، وإنما قام به محمود العيسوي من الحزب الوطني، ردًّا على إعلان أحمد ماهر الحرب مع الإنجليز ضد ألمانيا، وهو الأمر الذي غضبت له مصر كلها، إلا أن الإخوان درسوا اغتيال أحمد ماهر لو أنه اشترك في الحرب فعلا، ووضعوا خطة لهذا، لكن اغتياله على يد العيسوي أنهى الأمر برمته.

30. لقد زخرت مصر في هذه الفترة بأعمال الاغتيال السياسي، منها ما يقرُّه منهج الإخوان الملتزمين بالشريعة ومنها ما لا يُقرُّه، فمن ذلك اغتيال أمين عثمان واغتيال سليم زكي الحكمدار وإلقاء قنابل في سينما مترو وإلقاء قنابل على الجنود الإنجليز ومحاولة اغتيال حسين سري عامر ومصطفى النحاس، وهذا بخلاف الاغتيالات التي قامت بها السلطة نفسها.

31. قام النظام الخاص للإخوان المسلمين بعدد من العلميات لم يهتد البوليس إلى فاعلها، ومن ذلك ما فعلوه ضمن مقاومتهم لمشروع إسماعيل صدقي الذي ينظم ويهذب وضع الاحتلال الإنجليزي في مصر، والذي عزم على المضي فيه رغم معارضة الشعب بدعم من حزبي الأحرار الدستوريين والسعديين، فشارك الإخوان في "يوم الحريق" الذي انتفض فيه الشعب ضد هذا المشروع، وكانت مشاركة الإخوان واسعة ولكن ضمن ضوابطهم الشرعية، فمما شاركوا فيه إحراق الكتب الإنجليزية في الشوارع، ولما بدا أن صدقي لا يكترث بهذا نفذ النظام الخاص سلسلة من إلقاء القنابل الحارقة على أقسام الشرطة بعد العاشرة ليلا متوخيا أن تكون قنابل حارقة صوتية تثير الرعب ولا يترتب عليها خسائر في الأرواح، ولم تستطع السلطة القبض على أي فاعل مما أثار مزيدا من الرعب والغيظ في صفوفها، ثم خطط النظام الخاص لإلقاء قنبلتين على سيارتي رئيسي حزبي الأحرار الدستوريين (محمد حسين هيكل) والسعديين (النقراشي) –الداعمين لمشروع صدقي بيفن- ونجحت العملية الأولى وأخفقت الثانية لفقدان أثر سيارة النقراشي، وصدر بيان يحذرهما دون أن تعلن جهة ما تبنيها للعملية.

32. ومن أعمال النظام الخاص إعطاب سفينة يهودية مشحونة بالأسلحة وهي في طريقها لفلسطين بتفجير قنبلة فيها وهي في ميناء بورسعيد، ومن أعماله تنفيذ مهمة سرية لشحن الأسلحة والذخائر لسفينة في عرض البحر أمام بورسعيد إلى المجاهدين في فلسطين.

33. ومن أعمال النظام الخاص نسف شركة الإعلانات الشرقية بسيارة ملغومة، وتفجير في محلات شيكوريل وفي شركة أراضي الدلتا، وهذه أهداف اقتصادية يهودية، وكان ذلك تنفيذا لقرار سري من اللجنة العليا لإنقاذ فلسطين قُصِد به إشعار اليهود بأن إقامة إسرائيل يعني خسارتهم للتوغل الاقتصادي الذي حققوه في جميع البلاد العربية.

34. ومن أعمال النظام الخاص نسف مساكن في حارة اليهود بالقاهرة، ولم يتوسع الإخوان فيها حفاظا على الأرواح، وإنما كان الهدف توصيل ذات الرسالة لليهود. ومن أعماله كذلك إلقاء القنابل على الجنود الإنجليز وهم في حال سكرهم وعربدتهم في ليل الاحتفال بعيد الميلاد، وضرب النادي المصري الإنجليزي، وإلقاء القنابل على القطار الإنجليزي الذي يحمل القوات الإنجليزية إلى القاهرة، وتفجير فندق الملك جورج، ومهاجمة دورية مصفحة جنوبي القنطرة أصيب جميع من فيها، وقذف مئات السيارات الإنجليزية من ناقلات الجنود بالقنابل والزجاجات الحارقة بالإسماعيلية، ونسف مخازن الذخيرة التابعة للإنجليز في منطقة أبو سلطان، وتدمير أنابيب المياه وقطع أسلاك الهاتف التي تزود المعسكرات الإنجليزية ثم اصطياد الأطقم التي تصل لإصلاح الأعطال، ونسف القطار البريطاني الذي ينقل الجنود الإنجليز والذي قتل على إثره كثير من جنودهم، وقد تعددت وتكررت حوادث نسف القطارات في تلك المنطقة.


إلى هنا انتهت المساحة المخصصة، ونواصل في المقال القادم إن شاء الله