الجمعة، ديسمبر 02، 2016

عن الجيل المهزوم

ثمة جيل يمكن أن نطلق عليه "جيل الهزيمة"، وذلك حين يعاين الرجل انكسار فكرته وحلمه وأمله انكسارا لا يبدو معه أمل! فحينئذ يعتزل المرء ما كان فيه أول أمره، فإما اعتزل فسكت وخفت نجمه، وإما اعتزله هاربا منه إلى جبهة أخرى يظن أن فيها الدواء وأنها المسلك الأقوم.. والغالب في الأمر أن يكون المتروك هو السياسة والثورة وأن يكون المهروب إليه هو التعليم والتربية والدعوة ونحوه، وأن يكون الزمن زمن هزيمة لممثلي الحق وانتصار لممثلي الطغيان!

(1) مصائر الأبطال في الثورة العرابية

حين فشلت الثورة العرابية تبددت الأحلام العليا للمجد والشرف ونهضة البلاد والرقي بالعباد، وصار همُّ أصحابها التماس النجاة لأنفسهم، كأي مهزوم مُطارَد، فمن نجا منهم من المطاردة نحا سبيلا آخر في الإصلاح، سبيلا يتجنب فيه السلطة الحاكمة، يُقنع نفسه أنه يستطيع من خلال المتاح أن يصل إلى آماله إما في نهاية العمر أو حتى في الجيل التالي.

هذا مثلا الشيخ محمد عبده، سُجِن ثم نُفِي من مصر، وكتب في التشنيع على عرابي وحركته كلاما كثيرا، وقد كان من بين رجال الثورة أول الأمر، ثم أنشأ "مراجعاته" فكتب لأستاذه الأفغاني يقول: "أرى أن نترك السياسة، ونذهب إلى مجهل من مجاهل الأرض لا يعرفنا فيه أحد نختار من أهله عشرة غلمان أو أكثر من الأذكياء السليمي الفطرة، فنربيهم على منهجنا ونوجه وجوههم إلى مقصدنا، فإذا أتيح لكل واحد منهم تربية عشرة آخرين لا تمضي بضع سنين آخرى إلا ولدينا مئة قائد من قواد الجهاد في سبيل الإصلاح، ومن أمثال هؤلاء يرجى الفلاح". لكن الأفغاني الثائر البعيد النظر الشجاع القلب نهر تلميذه في رسالة لاذعة، فقال له: "إنما أنت مثبط نحن قد شرعنا في العمل ولابد من المضي فيه ما دمنا نرى له منفذاً"[1].

فاقترق عبده عن شيخه الأفغاني بل ونزل إلى مصر (التي صار يحكمها الإنجليز باسم الخديوي توفيق) ووصل هناك إلى أرفع المراتب، بل ووجد من كرومر حفاوة ظاهرية وصداقة معلنة.. فماذا فعل؟! لم يفعل شيئا، ومات ولم يستطع الإصلاح من خلال التربية والتعليم، وطبعا لم يستطع أن يرى جهادا ولا مجاهدين!

وأما عبد الله النديم خطيب الثورة ولسانها وشاعرها، فقد ظل مطاردًا تسع سنين، تسع سنين لا يأمل فيها إلا حفظ حياته من بعد ما كان أمله قلب النظام الحاكم وإقامة نظام عادل!! ثم قبض عليه بعد هذه التسعة ونُفي خارج مصر، ثم استقر منفاه في الآستانة، ثم كانت غاية أمله أن يعود إلى مصر، لكنه لم يستطع ولم تتحقق له هذه الغاية، فمات في منفاه!

وأما أحمد عرابي،  الرجل الزعيم الذي قاد أحلام الجماهير وصار معقد رجائهم، لما هُزِم وقُضِي عليه ونُفِي عشرين سنة، عاد بعدها شيخا هرما محطما، وأصدر تصريحات سيئة تتحدث عن صداقة الإنجليز وأيد فيها سياستهم ووجودهم بمصر[2]!

وجرى هذا على سائر رجال الثورة فكان أحسنهم حالا من إذا عاد إلى مصر بعد المنفى ظل في بيته ولم يتكلم بالسياسة كمحمود سامي البارودي (رئيس حكومة الثورة قديما، ورب السيف والقلم)، وقد جرى في المنفى نزاعات بين رجال الثورة تبادلوا فيها إلقاء مسؤولية الفشل على بعضهم وتنافروا من بعد ما كانوا على قلب رجل واحد!

وحتى السلطان عبد الحميد الذي انتعشت آماله بالثورة العرابية وسعى في دعمها سرًّا، ما إن بدا له فشلها حتى انقلب عليها ووصم عرابي بالعاصي، بل وحبس وعطَّل الطاقات الثورية الهادرة التي كان بإمكانها أن تواصل العمل أو تحييه في مكان آخر مثل جمال الدين الأفغاني وعبد الله النديم حتى ماتا في "القفص الذهبي" وهو تعبير عن الإقامة الجبرية التي وضعهما فيه، ظاهرها الحفاوة والتكريم وحقيقتها الحبس والاعتقال، فلا هو استفاد من تلك الطاقة ولا هو تركها تعمل وتفيده.. ثم انتهت دولته هو نفسه بانقلاب عسكري علماني[3].

(2) بديع الزمان سعيد النورسي

هو ابن الجيل الذي هزمه أتاتورك، وبعد الهزيمة أطلق على نفسه "سعيد الجديد" مقابل "سعيد القديم"، فأما القديم فهو الذي خطب في دمشق وقاتل في القوقاز وأُسِر ونهض يخاطب السلطان بما فيه إنقاذ الأمة من هذا الشر المستطير، وأما ذلك الجديد فهو الذي ترك السياسة والسلطة وهرب منها إلى التعليم والتربية ونشر الرسائل، ومع ذلك لم تتركه السلطة فظل بين سجن ومحاكمة ونفي، ورفض دعم ثورة الشيخ سعيد بيران الكردي ضد مصطفى كمال أتاتورك.

وقد ترك الشيخ النورسي دفاعا عن نفسه في هذا الشأن يخرج هو ودفاع محمد عبده من مشكاة واحدة، لقد ذهب "الثائر" القديم صاحب همّ الأمة وسلطانها وجاء "الداعية" الجديد الذي لا يريد سوى حرية القول والكتابة أو حرية تركه في كهفه العلمي.

وقد سجل بعض ذلك في قسم المكتوبات من رسائل النور، ومنها أقتبس هذه العبارات:

"بينما كنت منعزلا في مغارة أحد الجبال، وقد طلقت السياسة وتجردت عن الدنيا منشغلا بأمور آخرتي، أخرجني أهل الدنيا من هناك ونفوني ظلما وعدوانا... وعلى الرغم من أن أهل الدنيا أعطوا للمنفيين جميعا وثائق العودة وأخلو سبيل المجرمين من السجون وعفوا عنهم، فقد منعوا الوثيقة عني ظلما وجورا". "إنني تركت دنياهم تركا نهائيا –تبًّ لها- وفي الوقت الذي أعرضت عن سياستهم كليًّا –وتعسا لها- فإن كل ما يساورهم من شكوك وأوهام لا أصل لها إطلاقا... فلو كان لي أقل رغبة في التدخل بسياستهم الدنيوية –التي طرف حبالها بأيدي الأجانب- لكانت تظهر نفسها في ثماني ساعات وليس في ثماني سنوات. علما أنني لم أرغب في قراءة جريدة واحدة ولم أقرأها طوال ثماني سنوات".

"قلتُ: أعوذ بالله من الشيطان والسياسة، لكي أحافظ على نور القرآن"[4].

"لقد خاض سعيد القديم غمار السياسة ما يقارب العشر سنوات علّه يخدم الدين والعلم عن طريقها، فذهبت محاولته أدراج الرياح، إذ رأى أن تلك الطريق ذات مشاكل، ومشكوك فيها. وأن التدخل فيها فضول بالنسبة إلي فهي تحول بيني وبين القيام بأهم واجب. وهي ذات خطورة. وأن أغلبها خداع وأكاذيب. وهناك احتمال أن يكون الشخص آلة بيد الأجنبي دون أن يشعر. وكذا فالذي يخوض غمار السياسة إما أن يكون موافقا لسياسة الدولة أو معارضا لها... وإذا دخلتُ ضمن المعارضة أو السياسة المخالفة للدولة، فلا بد أن أتدخل إما عن طريق الفكر أو عن طريق القوة. فإن كان التدخل فكريا فليس هناك حاجة إليّ ايضا، لأن الأمور واضحة جد، والجميع يعرفون المسائل مثلي، فلا داعي إلى الثرثرة. وإن كان التدخل بالقوة، أي بأن أظهر المعارضة بإحداث المشاكل لأجل الوصول إلى هدف مشكوك فيه. فهناك احتمال الولوج في آلاف من الآثارم والأوزار، حيث يُبْتلى الكثيرون بجريرة شخص واحد.. لأجل هذا فقد ترك سعيد القديم السياسة ومجالسها الدنيوية وقراءة الجرائد مع تركه السيجارة"[5].

وعلى هذه الحال مات سعيد.. مات في ظل السطوة العلمانية الكاملة لأتاتورك، مات وقد اندرس كثير من الإسلام في تركيا، لا يزال بعضه حتى الآن مُسْتَغربٌ يقال فيه: ما شأن الدين بهذا؟! كما مات محمد عبده في ظل السطوة الكاملة للاحتلال الإنجليزي، مات والعلمانية تفرض هيمنتها وأفكارها وروحها على الطبقة العليا في مصر.

إنه ينبغي فهم مواقف الرجال ضمن سياق زمانهم وظروفهم، لفهمهم وفهمها، دون إجحاف بهم وبقدرهم، ودون تقديس لآرائهم منزوعة عن ظروفها، وهم وإن عذرناهم في هذه الأقوال لمراعاة تلك الظروف، فلا شك أن تلك الأقوال في نفسها خاطئة تماما، ودائما ما أتذكر حسرة أستاذنا جلال كشك التي صاغها في عبارة عبقرية، يقول: لماذا انتصرت إسرائيل وهُزِمنا؟ لأن هرتزل إسرائيل ورثه حاييم وايزمان فأكمل ما بدأ وجمال الدين الأفغاني عندنا ورثه محمد عبده فطلق ساس ويسوس!

إنه لم تنتصر الأفكار إلا لما انتصرت بالسياسة، ولو أن العلمانية طلقت السياسة ما رأينا لها هيمنة في بلادنا، بل إن تراث عبده والنورسي وعبد الله النديم وأمثالهم لم تظهر في هذه الدنيا إلا بجهاد من جاهدوا في عالم السياسة، كحسن البنا وجماعته وتلاميذه ونجم الدين أربكان وأنصاره وتلاميذه، ولو أن هؤلاء اتبعوا مشايخهم لاندرس تراث أولئك على الجملة.

وفي المقال القادم إن شاء الله أسوق وقائع ناصعة من داخل أجيال الإخوان المسلمين، في معنى الجيل المهزوم وخطره على الفكرة.

والغرض من هذا كله بوضوح أن نعرف تماما أن هزيمة ثوراتنا الآن تعني نكبة دينية وفكرية أعظم من النكبة السياسية والأخلاقية[6]، وأن الذين هُزِموا وسكنتهم الهزيمة يجب إقصاؤهم لأنهم عقبة في طريق الثورة فضلا عن عجزهم عن قيادة ثورة أو توجيهها.

إنها الخلاصة التي صاغها شيخنا الأسير البصير حازم أبو إسماعيل حين قال: "لا تسمعوا لمن عايش الظلم طويلا".




[1] محمد رشيد رضا، تاريخ الأستاذ الإمام، (القاهرة: مطبعة المنار، 1906م)، 1/416، 417.
[4] سعيد النورسي، رسائل النور: المكتوبات، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، ط3 (القاهرة: سوزلر للنشر، 2001م) 2/56 وما بعدها.
[5] المصدر نفسه ص76، 77.