الأربعاء، ديسمبر 28، 2016

في محاولة فهم الشعب المصري

نضع اليوم الكتاب الرابع في سلسلة "مكتبة الثائر المصري"، وهي المكتبة التي نرى أنه ينبغي على ثوار مصر أن يستوعبوها في كفاحهم ضد الانقلاب العسكري، وكنا ذكرنا أنها أربعة أقسام: قسم في تجارب الثورات الناجحة أو الفاشلة، وقسم في علم الاجتماع السياسي، وقسم في خصائص الشعب المصري، وقسم في العلوم العسكرية والأمنية.

وفي المقالات السابقة وضعنا خلاصات ثلاثة كتب في قسم التجارب الناجحة والفاشلة، فاستعرضنا:

§       تجربة تأسيس حركة حماس على لسان زعيمها الشيخ الشهيد أحمد ياسين في جزئين: الأول، الثاني.
§       وتجربة مقاومة الانقلاب العسكري الفاشلة في الجزائر على لسان مؤرخ الجهاديين ومنظرهم أبي مصعب السوري في ثلاثة أجزاء: الأول، الثاني، الثالث.
§       وتجربة النظام الخاص للإخوان المسلمين على لسان مؤرخه والقيادي فيه محمود الصباغ في خمسة أجزاء: الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس.
واليوم نفتح كتابا جديدا في قسم "خصائص الشعب المصري" هو "ماذا حدث للمصريين عبر نصف قرن" لأستاذ الاقتصاد الشهير جلال أمين، لنقدم خلاصاته ضمن مهمة فهم نفسية وتطور الشعب المصري، والاستفادة من هذا الفهم في صياغة الخطاب والحركة الثورية.

وللكتاب عدد من الميزات منها تخصص مؤلفه في موضوعه وشهرته فيه، ثم ما لأسلوبه من سلاسة وعذوبة، ثم إن المؤلف من عائلة استطاعت البقاء على سطح الحالة الاجتماعية رغم انحدارها من عائلة بسيطة، فمن يقرأ مذكرات أحمد أمين (والد المؤلف) يرى انتقال عائلته من ملاك أرض فقراء هاجروا تحت ضغط الظروف العصيبة ثم سكنوا حارة، ثم أتاح التعليم للابن المجتهد أن يكون من كبار أدباء عصره فتغير الوضع الاجتماعي لهم، وفي هذا الوضع الجديد نشأ المؤلف، واستطاع الحفاظ على مكانة مرموقة وإن نزل مستوى الفكر والأدب كله في مصر مع حقبة العسكر (وهو أمر لمسه المؤلف بلطف رغم شدة أهميته، إذ هو في النهاية ضمن النخبة العلمانية التي لا يمكن لها النمو ولا البقاء إلا في ظل حكم يحرس العلمانية ولو بالديكتاتورية، إلا أنه لم يفرط كثيرا في شرفه ليصير ضمن أبواق النظام). كذلك فللكتاب بعض العيوب أهمها أنه ذاتي وانطباعي ومصبوغ بالتفسير الاقتصادي لحركة التاريخ الاجتماعي، وكونه في الأصل سلسلة مقالات.

ونعيد التأكيد أن هذه الخلاصات تحتاج القراءة بعناية فهي تركيز شديد التكثيف، كما أنها لا تغني عن قراءة الأصل لمن أراد استيعابا أعمق، كما أننا لا نوافق بالضرورة على كل ما فيها، فهي في النهاية رؤية فرد وإن حرصنا على أن يكون متخصصا بارعا في الأمر الذي ننقل فيه عنه.

خلاصات الكتاب:

1. "الحراك الاجتماعي" هو المؤثر الأكبر على تطور المجتمع المصري، ومعناه "ما يطرأ على المركز النسبي للطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة صعودا وهبوطا"، وهو ظاهرة شديدة الصلة ببعض أقوى النوازع الاجتماعية كالرغبة في التفوق والرغبة في اكتساب الاحترام. وفي نصف القرن هذا (1945 – 1995) شهد المجتمع المصري أعلى حراك اجتماعي في التاريخ الحديث.

2. كان المجتمع المصري متماسكا على صورة طبقة من كبار الملاك الزراعيين، وشريحة محدودة من أصحاب رؤوس الأموال الصناعية والتجارية، أولئك على رأس المجتمع، بينما باقي الشعب من العمال والفلاحين. ثم بدأت هذه التركيبة تتغير منذ الأربعينات مع إتاحة مجانية التعليم قبل الجامعي وإتاحة الالتحاق بالكليات العسكرية للجميع، وهو ما أدى إلى قيام ثورة يوليو وتدشين حكم العسكر، وهو الحكم الذي جاء بمزيد من القوانين التي ساهمت في تغيير هذه الصورة كمدّ مجانية التعليم حتى الجامعة، وقوانين الإصلاح الزراعي، والتأميم، والتزام الدولة بتعيين الخريجيين مما ضخَّم طبقة الموظفين، وكان أكبر اختلال في هذه الصورة هو هيمنة العسكر ونموهم الهائل اقتصاديا واجتماعيا مهما كانت بدايتهم الطبقية.

كانت محصلة كل هذا الترقي السريع لمستوى واسع من طبقة صغار الملاك والعمال والانهيار السريع لطبقة الملاك ورؤوس المال الصناعية والتجارية.

3. ثم جاءت السبعينات فتغير توجه النظام فظهرت صورة جديدة، إذ تخلى النظام عن التوسع الاقتصادي، فقلل هذا من فرص العمل والترقي، وظهرت منذ (1974) ظاهرتا: الهجرة والتضخم، وهما من أكثر الظواهر أثرا في واقع المصريين.

4. لم يكن المصريون يحبون الهجرة، وكانت الدولة تعالج زيادة السكان بمزيد من الزراعة ومشاريع الري، فلما انحسرت الفرص في السبعينات كانت الطفرة النفطية تظهر في الخليج، فاندفعت موجات من العمال الزراعيين والحرفيين والبنائين والمدرسين فغلبوا وهيمنوا على فئة الهجرة التي كانت تقتصر على الأطباء والمهندسين ونحوهم. ولم تعد الهجرة مستقرا نهائيا كما كان من قبل، بل صار أولئك يعملون ويرجعون، وبهذا فتحت الهجرة بابا لصعود سريع أمام شرائح واسعة من المجتمع المصري، وفتحت كذلك نمطا استهلاكيا ومترفا.

5. تخلي النظام عن التوسع في الصناعة والزراعة مع هيمنة الطبقة العسكرية مع الأموال المتدفقة من الهجرة مع عائدات قناة السويس مع النمط الاستهلاكي أدى إلى نمو حجم الأموال في البلد دون نمو حقيقي في الإنتاج، وهذا هو "التضخم"، وقد أحدث هذا التضخم تقلبا عنيفا في المركز النسبي الطبقي، إذ صار يضغط على أصحاب الدخل للبحث عن وسائل أخرى للتربح للمحافظة على وضعهم الاجتماعي أو التربح من فرص جديدة ظهرت بفعل الأنماط الاستهلاكية وأنماط الاستثمار الجديدة.

6. إن تخلي النظام عن الاستثمار في الزراعة والصناعة لحساب فروع غير منتجة أنتج اختلالا في الإنتاج وفي مجتمع العمال أيضا، وقد أنعش هذا الاقتصاد غير الإنتاجي، مما جعل أموالا ضخمة تذهب في السلع الاستهلاكية والترفيهية أو مشروعات أسرع عائدا وأقل مخاطرة، وأسفر عن زيادة الهجرة من الريف إلى المدينة مما ضغط على الدولة لتنفق ميزانيتها في الطرق والكباري دون التوسع الزراعي والصناعي، وهو ما أنتج ليس تدهورا في الحرف والصناعات فحسب وإنما خللا في قطاع العمالة. وزاد الطين بلة أن أصحاب السلطة هم أنفسهم أصحاب الثروة الكبرى، وهم من يصدرون قوانين الضرائب ذات الثغرات التي تتيح لهم التهرب منها.

7. أسفر هذا كله عن طبقة من الأثرياء الجدد ليس لهم أي ولاء للدولة، فهم قد كوّنوا ثروتهم من القطاع الخدمي كالسمسرة والمضاربة وتأجير الشقق المفروشة، أو كونوها من هجرتهم إلى الخارج، وهذه الأنشطة -التي هيمنت على الاقتصاد وتأثرت بها الفئات الأوسع في المجتمع- بذرت في هذا المجتمع قيم الشطارة والسرعة وانتهاز الفرص على حساب قيم الكرامة والالتزام بالكلمة والصدق والأمانة لتصبح قيما معيقة للصعود. فكان أن ظهرت أنواع جديدة من الجرائم كالعمارات الجديدة المبنية بالغش، وسرقة المال العام، والرشوة، وقتل الأبوين استعجالا للميراث، فالجريمة هي أفضل نشاط اقتصادي غير إنتاجي تحقق الثروة بأسرع وقت.

8. يضغط كل هذا على روابط الأسرة حتى يفككها، فالزواج صار من وسائل الترقي والصعود، وربما تزوج اثنان تقاربا في المستوى ولكن تباعدا في أصل النشأة والتفكير فينهدم البيت، والوالد تحت ضغط التضخم يعجز عن ملاحقة طلبات أولاده ذوي الطموح، ويجنح الأولاد للتمرد، ويستسلم الآباء وتنهار مكانتهم.


إلى هنا انتهت المساحة، ونواصل في المقال القادم إن شاء الله تعالى.