السبت، أبريل 09، 2016

المشكلة الأخلاقية في الحضارة الإسلامية

نواصل في هذا المقال ما كنا افتتحناه في المقالين السابقين: شرعية السلطة بين الإسلام والعلمانية، قيمة ومعنى وجود نموذج سياسي إسلامي. والغرض من هذه المقالات هو توضيح أن النموذج السياسي الإسلامي هو نموذج متفرد ومتميز عن سائر النماذج السياسية، وأن تميزه هذا راجع إلى أمرين:

الأول: وجود النص المعصوم من القرآن والسنة والذي لا يستطيع حاكم إلغاءه أو تغييره أو إسقاطه، حتى إن حاول تأويله أو حمله على وجه باطل كان أمره مفضوحا ومكشوفا إذ ليس في الإسلام جهة أو سلطة كهنوتية تحتكر تفسير النص أو اعتماد تفسير له غير ما استقرت عليه الأمة في قرونها السابقة، وهي التفاسير التي لم تتدخل السلطة في صياغتها أصلا. كذلك فإن النص المعصوم هو الحاكم المهيمن على النموذج الإسلامي والذي يرتبط بحياة المسلمين في أدق شؤونهم كالصلاة ويحفظه حتى الصغار في الكتاتيب.

وهذا بخلاف النموذج العلماني الذي تملك فيه السلطة الجديدة إلغاء القديم وحذفه وإسقاطه، ووضع دستور جديد يمنحها الشرعية كما يمنحها المبرر لمحاكمة وإدانة خصومها.

الثاني: وجود تجربة عملية واقعية استمرت لمدة ثلاثين سنة، هي عصر الخلافة الراشدة، التي تمثل التطبيق والنموذج السياسي الملهم، ففي حين تحاول كل الفلسفات الوصول إلى نموذج لم يوجد بعد تحل فيه سعادة الإنسان، يحاول المسلمون الاقتراب من نموذج الخلافة الراشدة الذي تحقق فعلا، والذي شهد كافة مراحل تقلب الدولة: التأسيس والنضوج والرفاهية والفتن الداخلية.

بهذين الأمرين، النص المعصوم والتجربة التاريخية، تميزت التجربة الإسلامية عن سائر التجارب السياسية الأخرى.

ونحن إذا فقدنا النص المعصوم لوجدنا أنفسنا نقرأ تاريخا آخر ونستنتج منه أحكاما أخرى، ولنضرب على هذا بعض الأمثلة:

1. إن أي تقييم مادي لعصر الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه سيكون في صف معاوية لا في صف عليٍّ، فعلي لم يستطع إقرار الأمن طوال فترة خلافته التي استمرت لأربع سنوات، ولم يمثل قيادة زعامية لأنصاره كتلك التي مثلها معاوية، ففي حين تكتل أهل الشام خلف معاوية تفرق أهل الأمصار عن علي، ثم افترق معسكر أنصاره فخرج منه الشيعة والخوارج، ثم اغتيل على يد الخوارج. في المقابل: استمر معاوية زعيما محبوبا على أهل الشام، ثم حكم بعد علي لمدة عشرين سنة استطاع فيها توحيد الأمة وإعادة عصر السيادة واستئناف الفتوح الإسلامية وتوسع الدولة.

هذا الذي تسوق إليه القراءة المادية (العلمانية) لم يعتنقه أحد في أجيال المسلمين، بل ظل علي رضي الله عنه أجل وأعلى عند المسلمين من معاوية، بل تجتمع الأمة على أن معاوية وأنصاره هم الفئة الباغية بنص معصوم من السنة كشف عن هذه الحقيقة "ويح عمار تقتله الفئة الباغية"، وعلي هو خليفة المسلمين الراشد في حين أن معاوية هو أول ملوك الإسلام غير المحسوب على الفترة الراشدة، وهي الفترة التي بدأ فيها انحلال عرى الإسلام بعروة الحكم.

وهكذا كان للنص المعصوم أثره الواضح في الانحياز الفكري والشعوري واختيار الموقف الأخلاقي للأمة كلها.

2. نفس الكلام يُقال عن عبد الملك بن مروان –وقائد جيشه الحجاج بن يوسف الثقفي- في مقابل عبد الله بن الزبير، فقد استطاع عبد الملك بن مروان في ظروف سياسية أقرب إلى المستحيل وانطلاقا من انقسام في الشام أن يستعيد السيطرة على كل الأمة وأن يعيد توحيدها وأن يستأنف من جديد عصر الفتوحات بعد توقفه الثاني وأن يبدأ موجة إعمارية واسعة وأن يضع أساس تعريب الدواوين وتعريب العملة وغير ذلك. بينما كان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قد جاءته الخلافة تسعى وظل خليفة تسعة أعوام لا ينازعه إلا هذه القطعة في الشام، إلا أنه لم يستطع الحفاظ على هذا الملك الواسع وظل يتناقص ويؤخذ من بين يديه حتى تفرق عنه بعض أهله وقُتِل في النهاية.

إن القراءة المادية للتاريخ تنحاز مباشرة إلى عبد الملك بن مروان، وتنحاز أيضا إلى قائد جيشه الحجاج بن يوسف الثقفي[1] في مقابل عبد الله بن الزبير. إلا أن الأمة لم تعتنق هذا المذهب، وإنما انحازت فكريا وشعوريا إلى عبد الله بن الزبير الخليفة الشرعي المظلوم، واعتبرت عبد الملك أول خليفة يحكم بالتغلب، ولا زالت تدين الحجاج وتقسو عليه وتراه من أعظم ذنوب بني أمية.

ما كان ذلك كله ليكون لولا أن النص المعصوم والتجربة التاريخية الراشدة رسخت صورة للحق وجعلته فوق القوة، بينما انعدام هذا يؤول عمليا إلى أن الحق هو ما تقرره القوة وتسبغ عليه الشرعية.

وقد بلغت هذه الحساسية الأخلاقية مبلغا عظيما، إلى حد أن بعض المسلمين بل وبعض علمائهم يحتدون في وصف التاريخ الإسلامي والحكم عليه وتقييمه، ويبالغون في ذلك مبالغة شديدة تصل إلى أن يتخذها بعض العلمانيين مدخلا للطعن في التاريخ الإسلامي كله بل وفي صلاحية الإسلام ليكون حلا وليصنع نموذجا يمكن تطبيقه في واقع البشر.

لكن هنا تولد إشكالية أخرى، وهي بالأحرى موجودة بكثافة عند العلمانيين العرب، ولم أرها بذات القدر عند المستشرقين، تلك هي أن نصف قراءتهم للتاريخ علمانية مادية ونصفها الآخر أخلاقية مثالية، فهو في قراءته المادية يرى أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين قُتِلوا ويعتبر هذا نموذج فشل في حفظ الدولة لكنه لو ارتدى النظارة الأخلاقية لرأى فيها اقترابا من الناس إلى الحد الذي يستطيع الغريب الأجنبي الصلاة في الصف الأول وليس بينه وبين عمر (حاكم نصف العالم المعروف وقتها) حجاب، أو أن يأتي قوم من مصر والعراق يريدون خلع أمير المؤمنين فلا يتعرض لهم أحد حتى يناقشهم ويجادلهم ويمنع الناس عن التعرض لهم وهم يمثلون تهديدا عليه. ثم هو إذا قرأ تاريخ يزيد أو الحجاج أو بعض فصول التاريخ العباسي أو المملوكي ارتدى النظارة الأخلاقية المثالية فنسي ما لهؤلاء من أثر في تمكين الدولة وتوسيعها وإنهاضها ولم يثر إعجابة أن هؤلاء جميعا مات على فراشه!!

نحن أيضا كنا سنقع في هذا الاضطراب لولا وجود النص المعصوم الذي يمثل حاكما على قراءة التاريخ، ومن ثَمَّ يمثل حاكما ومحددا للنموذج السياسي المنشود، وهكذا يحملنا هذا النص المعصوم على النظر بعمق وفهم للتاريخ، تاريخ الخلافة الراشدة خصوصا، ذلك أننا لا يمكن أن نحكم على سيدنا أبي بكر بالانفراد بالرأي ولا سيدنا عمر بالقسوة ولا سيدنا عثمان بالضعف، ولا على سيدنا علي بالفشل، ولا على الصحابة فيما وقع بينهم بخبث النفس أو سوء النية والقصد، حاشاهم جميعا.

لا يمنعنا من كل هذا إلا النص المعصوم الذي أثنى عليهم وأمرنا بتقديرهم وتوقيرهم، فكشف لنا من أمر نفوسهم الغيب الخفي الذي يخفى على جميع المؤرخين إذ يقرأون ويحكمون على شخصيات التاريخ، وهكذا يحقق لنا النص المعصوم عمقا في قراءة التاريخ، وفهم الشخصية وتفسير الأحداث، فوق ما يعطينا من ترسيخ للحق ومن انحياز حضاري يهدينا تجاه قضايا رئيسية فارقة في مسيرة الأمة كلها.

إنه بقدر ما عَصَمَنا النص المعصوم من قراءة مادية وحكم مادي على شخصيات وأحداث التاريخ، بقدر ما عصمنا كذلك من قراءة أخلاقية مثالية غير واقعية.. إلا أن الانحياز النهائي للحضارة الإسلامية هو انحياز أخلاقي وليس ماديا (كما قدمنا في مثال علي ومعاوية رضي الله عنهما ومكانتهما لدى الأمة الإسلامية).. ولهذا فنحن نواجه داخل الفكر الإسلامي نظرة أخلاقية مثالية للتاريخ وللنموذج السياسي بأكثر مما نواجه نظرة مادية علمانية، نواجه من يزعم أن الإسلام لم يقدم نموذجا سياسيا مثاليا تمسكا بنظرته الأخلاقية المثالية وإن جرَّه ذلك للإسارة لبعض الصحابة، أكثر مما نواجه من يزعم أن الإسلام لم يحقق نجاحا ماديا وحضارة زاهرة.

تلك هي "المشكلة الأخلاقية المثالية" التي نواجهها لدى تقييم الحضارة الإسلامية.





[1] ولذلك ليس عجيبا أن تجد كاتبا علمانيا يؤلف كتابا عن الحجاج المفترى عليه، إذ قراؤته الخالية من الانحياز الإسلامي تدفع لذلك.