الأحد، أبريل 24، 2016

رفع الملام عن المماليك العظام

يثير غيظي كثيرا أن أجد من يصف العسكر الحاليين بالمماليك في الزمن القديم، رغم أني أعذر صاحب هذا التشبيه وأتفهم أن حركة التجهيل بتاريخنا وتشويهه قد تدفع إلى أكثر من هذا، ذلك أن المماليك بالنسبة إلى عسكر هذا العصر كالجنة بالنسبة إلى الجحيم، كالفارق بين العزة والذلة، بين المجد والهزائم، بين النور والظلام.

أينما وجهنا وجهنا في تاريخ المماليك لمقارنته بأحوال عصرنا ارتد إلينا البصر والعقل وهو حسير، ففي كل مجال لا مجال للمقارنة، وهاك بعض إشارات سريعة:

1.    حدود البلاد
كان المماليك يحكمون مصر والشام والحجاز وأجزاء واسعة من ليبيا ونصف السودان وأحيانا اليمن وأحيانا جزءا من شمال العراق، بل وفي آخر عصورهم حكموا قبرص وكادوا يحكمون جزيرة رودس في البحر المتوسط، حتى ليقول الجغرافي الفذ والمؤرخ ابن فضل الله العمري في وصفها "هي مملكة كبيرة، وأموالها كثيرة، وقاعدة الملك بها قلعة الجبل (قلعة صلاح الدين) ثم دمشق وهي من أجل ممالك الأرض لما حوت من الجهات المعظمة، والأرض المقدسة، والجهات والمساجد التي هي على التقوى مؤسسة، بها المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها وقبور الأنبياء صلوات الله عليهم والطور والنيل والفرات"[1]، وهو نفسه حين وصف مصر قال عنها: "عمود الإسلام وفسطاط الدين"[2].

أما عسكر مصر الآن فقد استلموا مصر والسودان وغزة ثم جاءتهم سوريا تسعى، ففصلوا السودان وأسلموا غزة للصهاينة وتركوا سيناء، وها هم أولاء بعد ستين سنة يواصلون التفريط والتقطيع والتقزيم في حدود البلاد!!

2.    الولاء للأمة
أقسى المؤرخين حكما على المماليك وبغضا لهم لا يجرؤ على مجرد التفكير في اتهام ولاء المماليك لأمة الإسلام، حتى ولو في أضعف حالاتهم وأسوأها، وليس في تاريخ المماليك هزيمة أو اتفاقية أو هدنة إلا وتفسر في ظل موازين القوة والسياسة والتدبير ولم يفكر مؤرخ في أن يبحث لها عن أصل خيانة.

أما عسكرنا الآن فلم يأت بهم سوى الاحتلال ولا ولاء لهم سوى للعدو الأجنبي، بداية من انقلاب يوليو الذي صارت تدابيره الأمريكية منشورة بالوثائق وبمذكرات صانعيه من الأجانب وباعترافات المنفذين من المصريين، وانتهاءا بعصرنا هذا الذي هو عصر الاعترافات والتسريبات والذي لا يخجل فيه زعماء العساكر أن يتحدثوا عن فخرهم بكونهم جزءا من الأمن القومي الأمريكي، ولا يتردد زعماء العدو في إظهار فرحهم بالاستثمار في الجيش المصري المطيع ولا في تنسيقاته غير المسبوقة في مجال مكافحة الإرهاب! إن ولاءهم للأجانب ليس محل شكٍّ، بل هو عين اليقين، حتى إن تفسيرات أصولهم اليهودية تروج وتجد قبولا عاما لدى الناس بل ولدى كثير من الباحثين!!

ولم يُنسب إلى المماليك كفر، بل كان العلماء يجاهدون تحت رايتهم وكانت لهم مكانة في دولتهم، ولم يفتحوا البلاد للأجانب فيكون لهم فيها نفوذ واسع أو ممالك مصغرة محمية، أما عساكرنا الآن فيختلف الناس في إسلامهم، ولا يجدون سبيلا أصلا ليجاهدوا عدوا تحت رايتهم، والعلماء في عصرهم عند أحط منزلة إن لم يكونوا في الزنازين أو فوق المشانق، والبلاد في عصرهم مفتوحة للأجانب بل هم السادة الحقيقيون الذين لا تردُّ لهم كلمة.

3.    الحرب والجهاد
كانت مأثرة المماليك العظمى هي حملهم لواء الجهاد، وكسرهم عاصفة المغول العاتية التي اجتاحت آسيا منذ الصين حتى وصلت البحر المتوسط، ثم انساحت في الشمال حتى اخترقت شرق أوروبا، لكنها توقفت في الجنوب عند سواحل البحر المتوسط على يد السلطان المملوكي سيف الدين قطز. ثم استكمل بيبرس وقلاوون وأبناؤه الجهاد من بعدهم حتى انتهى خطر المغول، ثم بدأوا في تصفية الوجود الصليبي في الساحل الشامي حتى قضوا تماما على بقايا الحملات الصليبية، ثم هاجموا وكر الهجمات الصليبية في قبرص حتى حرروها ثم هددوا الوكر الثاني في جزيرة رودس. وتاريخ المماليك حافل بالجهاد وبأسماء السلاطين المجاهدين: قطز، بيبرس، سيف الدين قلاوون، المنصور بن قلاوون، الأشرف خليل، الأشرف برسباي، سيف الدين جقمق.

لقد تولى المماليك حكم البلاد وهي تعاني تهديد الصليبيين والمغول ثم تركوها مسلمة مؤمنة وهُزِموا أمام العثمانيين المسلمين، تولوها والبحر المتوسط يسيطر عليه الصليبيون ثم تركوها وهم سادة البحر المتوسط وأصحاب أقوى أسطول بحري في شرقه يستمد قوته من موانئ طرابلس ودمياط والإسكندرية، وكانت جيوشهم أحسن الجيوش والنظم حتى ليقول المؤرخ العباسي الصفدي في فضائل مصر: "فمن ذلك أنّ ملكها أكبر الملوك قدرا، وأعظمهم منزلة، وجميع ملوك البرّ والبحر يخافونه، ويهادونه، ويهادنونه، لحسن جيشه وقوّتهم وخيولهم وعددهم وعددهم، ولا سيما في زماننا هذا، فإنهم أحسن أجناد الدنيا، وعسكره وموكبه أفخر العساكر والمواكب وأحشمهم، وفيهم الصلحاء، والرجال، وفرسان الخيل، ومن مرّت به التجارب، وحضر الحصارات والمصافّات، وقد أيّده الله تعالى بالنصر"[3].

أما عساكرنا الآن فليس لهم ولا نصر واحد على عدو من أعداء الأمة، وغاية ما يفرحون به (حرب أكتوبر) إنما هي هزيمة يتبادل أطرافها تحميل بعضهم المسؤولية عنها، وأحسن ما يقال فيها أنها نصف نصر في الأيام الأولى آل إلى هزيمة كاملة وشاملة، وما سوى ذلك فلا تجد حتى نصرا مشكوكا فيه. إلا أنهم يتلقون الهزائم التاريخية، وتستطيع دولة صغيرة أن تبتلع ضعف حجمها في ساعات، وتصدر الأوامر بالانسحاب قبل أن ينشب قتال، ويعرف زعيمهم خبر احتلال بلاده من الوكالات الصحفية التي نقلت البيان الإسرائيلي الرسمي[4]!!!

انتصاراتهم الوحيدة إنما هي على الشعوب التي يستعملون فيها أنواع الأسلحة، فينصبون لها المجازر والمذابح، ويفتحون لها السجون والمعتقلات، بل هم يتآمرون على حركات المقاومة التي تجاهد العدو، ويحفظون أمن إسرائيل، ولم يفكر الجيش المصري منذ انقلاب يوليو في تهديد إسرائيل، ولعل عسكر الحاضر أول جيوش في التاريخ يكون زوالها خيرا من بقائها، ويكون وجودها سببا في احتلال البلاد وتشريد العباد وضرب حركات المقاومة، بل وتكون الأراضي المحررة وحدها هي التي لم توجد فيها هذه الجيوش (قطاع غزة مثالا)! وتكون عصورهم أسوأ من عصور الاحتلال نفسه!

فأين المماليك من العسكر؟!

لئن اطلع مؤرخو المماليك على عصرنا الآن لهتفوا مع القائل: رب يوم بكيتُ فيه، فلما صِرْتُ في غيره بكيتُ عليه!

على أن هذا ليس كل شيء، بل لا بد أن نقارن أيضا بين حكم المماليك وحكم عساكرنا في مجال الحالة العلمية والآثار العمرانية والمآثر الحضارية، بل وفي المظالم والمفاسد أيضا، فيكون هذا حديثنا في المقال القادم إن شاء الله تعالى.




[1] ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، ط1 (أبو ظبي: المجمع الثقافي، 1423هـ)، 3/415.
[2] ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار، مرجع سابق 3/28.
[3] العباسي الصفدي، نزهة المالك والمملوك في مختصر سيرة من ولي مصر من الملوك، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري، ط1 (بيروت: المكتبة العصرية، 2003م)، ص33.
[4] بشهادة هيكل، لم يعرف عبد الناصر دخول إسرائيل في حرب 1956 إلى بلاده إلا من برقية وكالة يونايتد برس التي نقلت البيان الرسمي الإسرائيلي من تل أبيب، وكان في حفل عيد ميلاد ابنه عبد الحميد ثم انسل هو وعبد الحكيم عامر إلى مكتب عبد الناصر، وحاول عبد الحكيم الاتصال بمقر القيادة العسكرية ولكن لم يكن لديها خبر لأن وحدات سيناء لم تبلغ عن شيء. انظر: محمد حسنين هيكل، قصة السويس، ط2 (بيروت: شركة المطبوعات، 1982م.) ص227.