الثلاثاء، أبريل 12، 2016

قصة الخلاف بين أربكان وأردوغان

اقرأ أولا:
·       موجز تجربة نجم الدين أربكان (جـ1، جـ2، جـ3)

بدأ ظهور الخلاف بين أردوغان وأربكان في ذات اللحظة التي بدأ فيها بروز أردوغان، وحرصه على إدارة شعبة الحزب في اسطنبول بطريقة تخالف طريقة أربكان، ويبدو في الأفق مرحلتيْن متمايزتيْن في هذا الخلاف؛ الأولى: كانت قيادة أربكان تنتصر ويبتلع أردوغان غضبه ورفضه، والثانية: كانت إرادة أردوغان تصر على مواقفها وتحسم الأمور لصالحها فيما بدا وكأنه استقلال فعلي عن قيادة الحزب، وإن حرص كلا الطرفين على نفي وجودها، وكان يدعم أردوغان في هذا نجاحاته التي يحققها في شعبة اسطنبول وفي إدارة بلدية اسطنبول الكبرى مما يجعله ذا وزن ثقيل لدى أعضاء الحزب وجمهوره ويجعل التفريط فيه مسألة في غاية الصعوبة.

مع استبعاد تفاصيل جزئية صغيرة وقديمة[1] فإنه يمكن أن نحدد بداية المشكلات الحقيقية بين الطرفين في انتخابات البرلمان المبكرة (1991م)، إذ اتخذت قيادة الحزب قرارا بالتحالف مع "حزب الجبهة القومية" و"حزب الإصلاحيين الديمقراطيين" بغير تشاور مع شُعَب الحزب، ثم إنها قررت أيضا اختيار المرشحين لهذه الانتخابات في اسطنبول دون تشاور مع شعبة اسطنبول، وكلا الأمرين أزعجا شعبة اسطنبول، وحاولت الشعبة التوسط ومراجعة القرار إلا أن مساعيها فشلت بل ووصفها الأربكانيون بأنها محاولة انقلابية، ثم انتهى الأمر إلى نجاح محقق للحزب إلا أن شعبة اسطنبول -وقد دفعت أربعة أعضاء إلى البرلمان من بعد ما كانوا عضويْن فقط- لم تشارك في هذه الفرحة اعتقادا منها بأنها كانت تستطيع تحقيق الأفضل من هذا بكثير وأن سوء اختيار المرشحين كان هو السبب، ثم زاد الطين بلة أن قيادة الحزب دعمت أن يكون ممثلها في البرلمان مصطفى باش لا أردوغان برغم أن الثاني هو الأحق والأعلى في الأصوات[2]. وأسفر كل هذا عن توتر واضطراب وشائعات تقول بأن أردوغان يستعد للسيطرة على الحزب والانقلاب على أربكان، واضطر أردوغان أن ينفي هذا علنا وبشدة، وأرسلت قيادة الحزب مبعوثا للتحقيق في أمور الشعبة ولقيت هذه الخطوة اعتراضات قوية من أردوغان وصحبه، ثم إن المركز العام اعترض على القائمة التي أعدتها شعبة اسطنبول في الانتخابات الداخلية وفرضت استبعاد أسماء بعينها محسوبة على فريق أردوغان، ونجحت في هذا فزاد التوتر بين المجموعتين[3]، وقد جرت كل هذه الأحداث المتسارعة ما بين (أكتوبر 1991م) و(يناير 1992م) ومنذ هذا التاريخ صارت شعبة اسطنبول تمارس استقلالا فعليا وتفعل "ما يحلو لها وتراه مناسبا"[4]، وظهر هذا إلى العلن حين واجه رؤساء البلديات -التابعين لحزب الرفاه والفائزين حديثا في انتخابات بلديات اسطنبول (نوفمبر 1992م)- أزمةً تخص عمالة مؤقتة ترهق الميزانية وتثير التمرد فاستقر رأي شعبة اسطنبول على إنهاء تعاقدهم وتعويضهم بينما رأى المركز العام تثبيتهم إلا أن شعبة اسطنبول أنفذت رأيها[5]، وحين توفي الرئيس التركي تورجت أوزال (إبريل 1993م) اتخذت قيادة الحزب قرارا بدعم حسام الدين جين دوروك مرشحا للرئاسة ولم يُخْف أردوغان رفضه لاتخاذ أربكان قرارا كهذا دون مشورة، وأعلن أنه سيدعم المرشح لطفي دوغان "حتى النهاية"[6]، ثم جاء عام (1994م) بأخطر المآزق بين الفريقيْن، وهي انتخابات بلدية اسطنبول الكبرى، والتي كان بديهيا أن يترشح لها أردوغان رئيس شعبة الحزب، إلا أن المركز العام لم يكن يميل له وسعى في الدفع بمرشح آخر، ونشبت أزمة مكتومة بين الفريقيْن، ففريق أردوغان يؤكد من خلال استطلاعات رأي أجراها –دون موافقة المركز العام- أنه لا بديل عن أردوغان، إذ أظهرت الاستطلاعات داخل 32 شعبة من شعب حزب الرفاه في اسطنبول فوز أردوغان بـ 3308 أصوات من بين 3993 صوتا، وكشفت استطلاعات بين جمهور الحزب أن 70% ممن سيصوتون للرفاه سيصوتون لأردوغان. غير أن المركز العام دعم علي جوشقون، وهو شخص انضم حديثا للرفاه ليترشح على قوائمه لهذه الانتخابات، وهذا يدل على مدى رفض المركز العام لأردوغان، لكن استطلاعات رأي شعبة اسطنبول كشفت أن من يعرفون أردوغان بلغوا 70%، مقابل 22% فقط يعرفون علي جوشقون، ولم يكتم أربكان غضبه الكبير من هذه الاستطلاعات التي جرت بغير إذنه، والتي تجعله أمام الأمر الواقع كما تجعل شعبة اسطنبول أكثر تكتلا خلف أردوغان وأقرب إلى أن تكون جناحا مستقلا من أن تكون فرعا تابعا، وبعد محاولات عديدة لعبت في ظلها وسائل الإعلام دور من يلقي البنزين على النار، وبعد تأخير إلى اللحظة الأخيرة اضطر أربكان أن يقبل بترشح أردوغان عن حزب الرفاه لبلدية اسطنبول الكبرى[7].

يرى البعض أن سببا رئيسيا في توتر الأزمة هو كون أردوغان يمثل زعيما بديلا لأربكان، وهو ما يتبدى في قوة شخصيته واستقلاليته وابتكاره لأساليب جديدة وتحقيقه نجاحات مضطردة، لا سيما وأن أردوغان لم يكن في وقت ما مدعوما من قبل المركز العام كاختيار بل كان يخوض الانتخابات الداخلية في العادة ضد من يحظون برغبة المركز العام ثم يفوز[8]. كذلك لم يكن الخلاف إداريا أو على الزعامة فحسب، بل سجلت روايات الطرفين خلافات فكرية كذلك، ففريق أردوغان يصف زعيمه بأنه أكثر ديمقراطية وإيمانا بالتنوع وأكثر انفتاحا على المجتمع، وهو متميز في استعمال كل الطاقات خصوصا الشباب بما في ذلك الفتيات المتبرجات وأصحاب محلات الخمور كجزء من المجتمع واستخدام الموسيقى مع ابتعاده عن المشكلات التي تتسبب فيها أمور شكلية كاللحى والسراويل ونحوه[9] بينما تبدو تقاليد أحزاب أربكان –في نظرهم- كجماعة إسلامية أكثر منها حزبا سياسيا لكل أطياف الشعب[10]، ويعمل كجزء من فريق يخضع لمشورة المتخصصين في فريقه على خلاف نمط القيادة الفردية الزعامية الأبوية، ويقولون بأن أردوغان إذ بدأ نشاطه في اتحاد الطلبة الأتراك فإن ثقافته في العمل كانت بعيدة عن ثقافة البيعة والسمع والطاعة والزعامة الأبوية التي سادت في أحزاب أربكان[11]، هذا بالإضافة إلى الخلاف الفكري العام حول السياسة التي يراها فريق أردوغان بأنها "بعيدة عن الواقعية، تعتمد تماما على الخطب الحماسية والشعارات ومداعبة مشاعر الناخبين"[12]، وهو الخلاف الذي فجره انقلاب (1997م)[13].

ونستطيع القول بأن أردوغان بفوزه برئاسة بلدية اسطنبول الكبرى قد صار الرجل الثاني في الحزب –عمليا، وشعبيا- بعد أربكان، وما كان لسفينة يقودها اثنان مختلفان إلى هذا الحد أن تستمر كما هي. إلا أن الضربة الفارقة جاءتهم من خارجهم: ذلك هو الانقلاب العسكري الناعم (1997م) والذي قَلَبَ –مِن بين ما قَلَبَ- أوراقَ حزب الرفاه، ووضعها أمام اختبار جديد.

لقد حُلَّ حزب الرفاه وحوكم أربكان وأردوغان وحُظِر عليهما ممارسة السياسة، إلا أن الحكم على أردوغان بالسجن ضاعف بشكل هائل من تعاطف الجماهير معه، فهو المسجون ظلما لبيتي شعر يدرسان في المناهج بعد عطاء ونجاح غير مسبوق في اسطنبول بُعيْد انقلاب عسكري على حكومة إسلامية، ونستطيع أن نقول: إن هذه اللحظة كانت إضافة كبرى لرصيد أردوغان الشعبي وحجر زاوية في تأسيس زعامته التي سيرث بها أستاذه أربكان!

وفي سياق آخر كشفت ضربة الانقلاب عن تيار معارض داخل الحزب، وبرز هذا التيار عندما تشكل حزب الفضيلة ليرث حزب الرفاه، فظهرت لأول مرة مجموعة تريد إجراء انتخابات داخلية حقيقية ولا تنصاع لرغبة الزعيم نجم الدين أربكان التي كانت تدعم أن يتولى رئاسة الحزب رجائي طوقان الذي يصفه أردوغان بأنه "شخص تابع ينفذ ما يأمره به أكثر من شخص ينمّي الكيان الجديد ويطوره" بل ويقول بأن الاستطلاعات والمشاورات التي جرت في حزب الرفاه قُبيْل إغلاقه كانت ترشح أردوغان ليخلف أربكان -في حالة حظره من ممارسة السياسية- بنسبة 85%، وقد كان فريق "التجديديين" -كالعادة في مثل تلك المواقف- يملك الكوادر والحماسة ولا يملك المال ولا النفوذ! وحيث كان أردوغان نفسه محظورا من العمل السياسي، فإن فريق التجديد هذا اختار عبد الله غُل –رفيق أردوغان- ليرشحه رئيسا للحزب أمام رجائي قوطان (مرشح أربكان)، ويعترف غُل بأن الأمر كان عسيرا؛ إذ سيتعرضون لتهم الخيانة وشق الصف وإشعال الفتن[14]!

كانت تلك هي لحظة الانفصال الحقيقي، وقد صرح عدد من فريق أربكان بأن أولئك الشباب إن نجحوا فسيؤسس الأستاذ حزبا جديدا وسينسحبون معه إلى الحزب الجديد، وهكذا صار واضحا أن الفريقين لن يجتمعا. كانت هذه المنافسة العلنية "سابقة في تاريخ الأحزاب الإسلامية التركية"[15]، ولما جرت الانتخابات، خسر التجديديون بفارق خمسين صوتا (570 مقابل 620)، وشككوا في هذه النتيجة التي بُنيَت على تشويههم وعرقلتهم، وساروا في المسار المتوقع: تأسيس حزب جديد لهم، ولم يكونوا يعرفون أن خسارتهم كانت خيرا لهم إذ اعتبرت السلطة أن حزب الفضيلة تحايلا على القانون وامتدادا لحزب قد أغلق ومركزا لمناهضة العلمانية[16].

يقول أردوغان: "لو لم يغلق حزب الفضيلة لما كنَّا قد انفصلنا بسهولة أبدا"، ولكنه لما قيل له بعد فترة: أنت تتكلم مثل أربكان تماما، قال: "لو كنا نتحدث من نفس المنطق لكان معي هنا الآن"[17]. ويبدو أن هاتيْن العبارتيْن يفسران أردوغان جيدا، فهو رجل يهتم بالإصلاح من داخل النظام مهما كان حجم الخلافات، ولذلك استطاع أن يسلك الطريق داخل النظام العلماني التركي فيفهمه ويعيد تغييره وتوجيهه إلى حيث يريد.

نشر في تركيا بوست



[1] منها: أن أردوغان وهو في الرابعة والعشرين من عمره كان من ضمن المعترضين على أسلوب إدارة حزب السلامة الوطني بعد تراجعه في انتخابات البرلمان 1977 عن نتائجه في 1973 (من 11.8% = 48 مقعدا إلى 8.5% = 24 مقعدا)، وقد تقدم المعترضون بقائمة انتخابية عام 1987 في مؤتمر الحزب الرابع ضد قائمة أربكان، إلا أنهم خسروا. ومنها أن أربكان كان يرشحه في مناطق ليس للحزب فيها فرصة للفوز. ومنها: إصرار الحزب على وضع لجنة شرعية تقيم أساليب أردوغان في انتخابات محليات باي أوغلو التي أراد خوضها منفردا ليجرب أساليبه المخالفة لعموم تقاليد حزب الرفاه.
انظر: بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص55، 56، 58، 60.
[2] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص90 وما بعدها.
[3] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص99 وما بعدها.
[4] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص115.
[5] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص120، 121.
[6] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص125.
[7] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص138 وما بعدها.
[8] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص121، 122.
[9] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص108 وما بعدها، 127، 128، 136، 137.
[10] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص56، 136.
[11] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص45، 153، 154، 157، 158؛ Cemal Karakas: Turkey, Islam and Laicism, p. 28.
[12] عبد الله جُل لبرنامج تحت المجهر: "العثمانيون الجدد"، قناة الجزيرة، بتاريخ 26 يوليو 2007
[13] Rabasa, Larrabee: The Rise of Political Islam, p. 44-5.
[14] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص289، 296، 297.
[15] Hale, Özbudun: Islamism, Democracy, and Liberalism, p. 5.
[16] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص301 وما بعدها.
[17] بسلي وأوزباي: قصة زعيم ص319، 394.