الجمعة، ديسمبر 18، 2015

عظماء المحنة الأندلسية

جريا على السنة الحسنة التي استنها الشباب المسلم عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالإحياء السنوي لذكرى سقوط الأندلس، نتوقف مؤقتا عن سلسلة مقالات "البناء الإسلامي للمجتمع"، لنكتب سلسلة مقالات أندلسية كما فعلنا في العام الماضي (راجع: عشرة كتب نرشحها لك في تاريخ الأندلس، عشرة تواريخأندلسية بأيد أندلسية، بالخرائط: كيفتفهم تاريخ الأندلس، الموريسكيونالمصريون).

لقد سقطت الأندلس، ولم يحفظ الإسبان عهودهم في ترك الحرية للمسلمين، بل بدأت واحدة من أبشع المآسي الإنسانية: الإجبار على التنصر بكل الوسائل، واختراع محاكم التفتيش التي تختبر الإيمان بالمسيحية، واستعمل التحقيق كل ما تفتقت عنه العقلية الشيطانية من وسائل التعذيب، مع حملات إعلامية وإجراءات اقتصادية واجتماعية في غاية القسوة، ولم يُختم هذا كله بالطرد والتهجير، حتى صارت الأندلس الزاهرة الناضرة بلا مسلمين!

ويمثل تاريخ الموريسكيين (الأندلسيين الذين أجبروا على التنصر) نموذجا في تاريخ شعب مضطهد، ففي المحنة تظهر أنصع معادن الناس وأخلصها وأشرفها، وفي المحنة كذلك تُسحق الكرامة الإنسانية وتظهر طبائع الاستضعاف والذل، ومن أراد التعلم من التاريخ حقا فلينظر إلى الجانبيْن معا، إلا أن الجانب الناصع المشرق هو الذي يثير الفخر ويلهم الأجيال وهو الذي يتشوق التاريخ إلى كتابته وتسجيله لأنه خلاف العادة ونقيض المطبوع.

ولقد كانت عظمة أجدادنا الأندلسيين فائقة في أن مآثرهم قد سجلها أعداؤهم، وهذه السطور التي نروي فيها بعضا من عظمتهم إنما نأخذها من سجلات محاكم التفتيش، ونعتمد فيها على دراسة المستشرق الإسباني لوي كاردياك "الموريسكيون الأندلسيون والمسيحيون: المجابهة الجدلية"، وهي دراسة تستثير الدموع وتهيج الأحزان.

ثمة عظمة عامة وعظمة خاصة، فالعامة هي ما كان عليه عموم الأندلسيين من تمسك عجيب بالدين والاحتيال في مقاومة التنصير وتداول دينهم سرا والمحافظة عليه، وقد أثبتت سجلات محاكم التفتيش أمورا مدهشة في هذا الباب، منها:

1. فشل الإسبان في تنشئة أطفال الأندلسيين على المسيحية، فبرغم الأموال الهائلة المرصودة لتعليم الأطفال إلا أن النتائج كانت مخيبة للآمال، وتبادل القساوسة تحميل المسؤولية عن هذا الفشل، وتذرع بعضهم بضعف الإمكانيات المالية، وبعضهم بقلة الاهتمام بهذا الملف، وبعضهم بأن الوسائل التي استعملت في تعليم الأطفال كانت فاشلة ولا تستطيع مقاومة ما يزرعه فيهم آباؤهم سرا من تعاليم الإسلام، وتظهر سجلات محاكم التفتيش أن الأندلسيين طوروا نظاما تعليميا سريا خاصا بهم، فوجدت لديهم مراتب علمية كما وجدت لديهم كتب لتعليم الأطفال وكتب تعليم العادات والشعائر، وكتب تتوارثها العائلة الواحدة وتزيد سنة بعد سنة (انظر: ص47، 48، 69 وما بعدها).

2. فشل الإسبان في إغراء الأندلسيين بالدخول في المسيحية، فقد حاولت الدولة والكنيسة أكثر من مرة أن تقدم إعلانا للعفو (أو: نداء المصالحة بمصطلح العصر)، وفيه يتقدم كل أندلسي إلى الكنيسة بالاعتراف على أن يُعفى عنه فلا يقدم للتحقيق ولا محاكم التفتيش، وكانوا يعتقدون أن هذا سيدفع الكثيرين للنجاة من الخوف والانكباب على هذه الفرصة، لكن الذي حدث أنه لم يتقدم لطلب العفو هذا إلا الذين كانوا قد وُشِي بهم وكانوا في حكم المُطارَدين لكيلا تطاردهم محاكم التفتيش، وتكرر هذا المشهد في سائر المدن الأندلسية حتى أثار غيظ وغضب الكنيسة والدولة فأيقنوا أن لا أمل في تخلي هؤلاء عن دينهم، وأتقن الأندلسيون الحيل للنجاة من جحيم التعذيب حتى بالغ المؤرخ الإسبانلي ليورانت وقال بأن محاكم التفتيش عاقبت فقط "الذين لا يعرفون المكر، ولكنها لم تُوَفَّق في تبديل دين أحد منهم"، ولذلك شاعت وسادت في الوثائق كثير من العبارات الحانقة الهائجة التي تسب الأندلسيين وتصفهم بأقذع الأوصاف وترميهم بأنهم مثل الوحوش والطفيليات والذئاب والعقارب والعناكب والخطر الكبير، فاتخذوا قرار الطرد والتهجير، وهو قرار يثبت الفشل الكبير واليأس التام في الانتصار على الموريسكيين، ومن المثير للإعجاب أن الموريسكيين ما إن علموا بقرار الطرد حتى أظهروا دينهم دون خوف وجادلوا عنه جهرة (ص53، 54، 91، 95، 97 وما بعدها، 116 وما بعدها).

وكانت محاولة الهجرة قبل هذا من الجرائم في قوانين محاكم التفتيش، ولم يستطع من خرج من المسلمين إلى المغرب إلا أن يخرج سرا بعد أهوال ومصاعب شتى، وكانت تهمة تسهيل الهرب إلى المغرب تكلف صاحبها أحيانا حياته (ص105).

ولأجل هذين الأمرين: الفشل في التنصير والفشل في تعليم الأطفال المسيحية، عمل الإسبان على انتزاع الأطفال من آبائهم، إما لحظة طردهم وتهجيرهم، أو انتزاعهم في حال الشك فيهم ليوضع أطفالهم ضمن أسر مسيحية خالصة، فكان ينتزع الأطفال الأقل من عشر سنوات، ثم خُفِّض إلى من هم أقل من سبع سنوات!

3. احتفاظ المسلمين بالكتب العربية برغم أنها جريمة عقوبتها الغرامة المالية الفادحة وقد يضاف إليها الحكم بالعبودية على ظهر سفينة، بل إن أندلسيا حُكِم عليه بالحرق لأنه قرأ كتبا موريسكية، ولم تفلح الغرامات والعقوبات في وقف كتابة الكتب والمخطوطات التي كان يكتشف منها المزيد بعد كل فترة، ثم اكتشفت كميات ضخمة بعد قرار الطرد والتهجير، حتى وصفتها وثيقة بالقول "كتب دينهم وقواعدهم ومعتقداتهم متوفرة جدا مثل حبات رمال البحر. ففي كل بيت وفي كل ركن منه تعثر على مثل هذه المجموعات"، وكانت الكتب أنواعا فأكثر ما فيها القرآن الكريم والأدعية وتعاليم الشعائر الإسلامية، وفيها كتب أدب وشعر، وفيها كذلك كتب علمية، وكانت محاكم التفتيش تحرق ما تصل إليه يدها من هذه الكتب ولم يفلت منها إلا القليل، وضاعت بهذه السياسة الوحشية علوم عزيزة وغزيرة على الإنسانية كلها (ص69 وما بعدها، 105).

4. وإن بعض الموريسكيين من بعد ما استطاع الهرب من هذا الجحيم في إسبانيا إلى المغرب عاد مرة أخرى للمشاركة في المقاومة أيام ثورة البشرات الأندلسية، أو لدعم جهاد المتطوعين من المسلمين في البحر المتوسط، وقد نظم الأندلسيون حركات مقاومة، واستهدفوا قضاة محاكم التفتيش ومنازلهم وأعاقوا أحيانا عمليات القبض والمطاردة، وكان قضاة محاكم التفتيش قد نشروا الفزع والرعب في كل مكان، بل كانوا يهنئون أنفسهم بمقدار ما نشروه من الرعب في نفوس الناس، فكان إذا جاء الخبر بوصولهم إلى قرية ما ينكبُّ الناس جميعا بما فيهم العجائز والأطفال على تعلم العقيدة المسيحية، وقد لاحظوا أن الأندلسيين "بسبب هذا الخوف، فإنهم يتعلمون العقيدة في ظرف وجيز جدا كما لاحظنا ذلك بالتجربة" (ص106، 119، 120).

هذه بعض ملامح سريعة لعظمة أجدادنا الموريسكيين وتمسكهم بدينهم، ولك أن تعلم أن بعضهم ظل محتفظا بدينه لأربعة قرون تحت الحكم الإسباني الذي بدا وكأنه قضى تماما على الوجود الإسلامي بالأندلس واستأصله بالكلية. ولئن كنا في هذا المقال قد سردنا ملامح العظمة العامة التي تشملهم كشعب، فسنورد بإذن الله تعالى في المقال القادم ملامح من العظمة الشخصية لأفذاذ أندلسيين كانت لهم وقائع عجيبة ومدهشة لمن كان في مثل حالهم هذه. ثم نتبع ذلك كله بالجانب الآخر من الدروس: جانب المثالب والسلبيات التي أنتجتها المحنة الأندلسية لنتعلم منها لواقعنا فنعلم أن المقاومة خير من الذل، وأن الموت على درب الجهاد خير من الموت في ساحات الذل، وأن الثورة على الحاكم الطاغية خير من تركه يُسَلِّم البلاد والعباد لعدوهم فيستبيحهم بلا رحمة!

نشر في ساسة بوست