الثلاثاء، أبريل 03، 2012

الثورات.. والدعاة المخدوعون!

تحتاج العلاقة بين العلماء والسلطان إلى تجديد فقهي واسع بعد أن كُتب الكثير مما يشوهها ويخرجها عن نطاقها في ظل الاستبداد الطويل الذي عاشته أمتنا، لا سيما هذا الاستبداد الذي ورث الاستعمار؛ ذلك أنه الاستبداد الأول الذي أعلن صراحة قطيعته مع الشريعة وثبت باليقين القاطع عمالته وولاءه لأعداء الأمة من يهود وصليبيين وملحدين.. ولم يعد يصلح مع هؤلاء قياس أحوالهم على السلطان الجائر الذي تناولته كتب الفقه القديمة التي كانت ترى نفسها أمام سلطان جائر إلا أنه يحكم بالشريعة بل وقد يكون مجاهدا لأعداء الأمة أو هو في أضعف الأحوال رجل ليس له ولاء إلا للأمة ولا يُتَّهم بالعمالة لأعدائها والسعي في مصالحهم.

وأول ما ينبغي أن يُنتبه إليه أن الله لم يكلف الأنبياء والرسل، ثم ورثتهم من العلماء والدعاء، بمجرد البيان فحسب، لا سيما سيدهم وإمامهم وخاتمهم محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي لم يكتف بالتوضيح بل جاهد حتى أقام دولة الإسلام ولم يمت إلا وقد استقرت وبدأت امبراطوريتها الواسعة [راجع مقال: فقه البلاغ الإسلامي[1]].

***

وفي التاريخ صفحات كثيرة تثبت أنه ما من عالم أو داعية اكتفى بمجرد البلاغ والتوضيح والبيان دون القيام بمجهود حقيقي في الفعل والمقاومة والجهاد لإقامة الدين إلا كان دائما عند أهل السياسة بين منزلتين: منزلة الإهمال والإعراض في حال السِلْم، ومنزلة المفعول به المخدوع في حال تهدد سلطانهم.

وما تزال حوادث الواقع تكرر سيرة التاريخ.. ولا معتبر!

وإليك صفحة من تاريخ الثورة العباسية، انظر كيف تدرج أهل الساسة بالعلماء والدعاة من إهمالهم إلى استدعائهم حال الخطر إلى إهمالهم مرة أخرى بعد زوال الخطر.. وربما قتلهم أيضا!

***

بدأت الثورة العباسية من خراسان التي حفلت بالاضطراب في آخر أيام الأمويين، وانتشرت العصبيات بين العرب الذين استوطنوا هذه الأنحاء منذ فتحها، وساعد في نجاح الثورة عدد من العوامل منها:

1. الدعوة العباسية السرية التي تعمل فيها بجد منذ ربع قرن

2. رأي عام كره كثرة الحروب بين العصبيات القبلية العربية

3. ضعف الخلافة الأموية في المشرق

4. انحياز الخلافة إلى أحد الأطراف في هذا الصراع القبلي لا الارتفاع عنه بتعيين "نصر بن سيار" واليا على خراسان، مما جعل الخلافة طرفا في الصراع لا حكما

5. كان نصر بن سيار بطلا عسكريا ولكنه كان سياسيا نفعيا (براجماتيا) فاستخدم الكذب والغدر في حروبه مع خصومه حتى تخلص من بعضهم ولكنه فقد رصيد الثقة عند الناس.

وحين ظهرت الثورة العباسية بقيادة أبي مسلم الخراساني في خراسان وعرف نصر أنه لن يقوى عليها، سعى في مباحثات ومفاوضات سياسية مع زعماء القبائل والحركات، ثم إنه حين فشل في هذه الخطوة ذهب إلى الخطوة التالية.. إلى أهل الدين الذين لم يفكر قبل ذلك في استشارتهم ولا إنزالهم منازلهم.

بعث نصر بن سيار إلى المتفقهين والقُرَّاء والنُسَّاك ومن كان معارضا للحروب الداخلية بين نصر وخصومه، وقال: إنكم كرهتم مشاهدتنا في حربنا هذه وزعمتم أنها فتنة القاتل والمقتول فيها في النار، فلم نردد عليكم رأيكم في ذلك، وهذا حَدَثٌ قد ظهر بحضرتكم: هذه المسودة وهي تدعو إلى غير ملتنا وقد أظهروا غير سنتنا، وليسوا من أهل قبلتنا يعبدون السنانير[2] ويعبدون الرؤوس، علوج وأغتام[3] وعبيد وسُقَّاط[4] العرب والموالي. فَهَلُمُّوا فلنتعاون على إطفاء نائرتهم وقمع ضلالتهم، ولكم أن نعمل بما في كتاب الله وسنة نبيه وسنة العمرين بعده"، فأجابوه إلى مظاهرته على حرب أبي مسلم والجد معه في ذلك، وتنفير الناس منه[5].

كما أنشد نصر بن سيار شعرا ابتغاء توحد القوم حوله ضد هذه الدعوة ذَكَر فيه أن قصد هؤلاء إهلاك العرب على الجملة:

قوماً يدينون ديناً ما سمعتُ به ... عن الرَّسول ولم تَنزل به الكُتب

فمن يَكن سائلاً عن أصْل دِينهم ... فإنّ دينَهمو أنْ تُقْتل العرب

كان المتفقهون كالعادة أسرع إلى العفو والنسيان والصفح، وانطلت عليهم مسكنة نصر بن سيار ووعدهم بالإصلاح والتغيير، فاستجابوا له، وبدأوا في "توحيد الصف" و"جمع الكلمة" و"محاربة الفتنة" و"تسكين الاضطرابات"... ونسوا تاريخ نصر بن سيار الذين كان في الثمانين من عمره، ويا للمفارقة!!

وهذا على رغم أن الحركة العباسية هي حركة "دينية" بالأساس، قامت -بحسب ما هدفت وجذبت الناس- على رفع مظالم الأمويين ورد الحق لأهله، أي رد الخلافة لآل البيت، وملء الأرض عدلا بعد امتلائها جورا

***

أقلقت هذه الدعاية بالتحديد العباسيين، وخشوا من تأثيرها البالغ، ولم ينزل بأبي مسلم غمٌّ كما نزل به في هذا الحين، إذ الطعن في العقيدة أنفذ في النفوس من غيره، فسارع أبو مسلم لجمع أهل الرأي من النقباء وطرح الأمر عليهم فاقترح مستشاره أسلم بن أبي سلام أن يجمع أبو مسلم أهل المعسكر جميعا، ثم ينادي فيهم أنه يدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله وإقامة الحق والعدل وأنه يبايع على ذلك هو وجميع أهل الدعوة، وبهذا تنتهي دعاية نصر بن سيار بأنهم على غير ملة الإسلام، واتفقوا على هذا الرأي، فنادى أبو مسلم بأن يجتمع أهل المعسكر جميعا صباح الغد لأمر مهم، وبلغ أمر الدعوة نصر بن سيار فبعث جواسيس إلى معسكر العباسيين لاستطلاع الأمر، ولما جاء الصباح نادى أبو مسلم: "يا معشر المسلمين بلغنا أن نصر بن سيار جمع قوما فخبرهم بأنكم على غير دين الاسلام، وأنكم تستحلون المحارم، ولا تعملون بكتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يريد بذلك ليطفئ نوركم، ويؤلب عليكم الناس، وقد كان الإمام أَمَرَنا وتوالت كتبه إلينا بأن ندعو الناس إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بذلك، وإظهار العدل، وإنكار الجور، وأن أبايع الناس على ذلك، وأنا أول من بايع على كتاب الله تعالى وسنة نبي الله والعمل بالحق والعدل ودفع الظلم عن الضعفاء وأخذ الحق به الاقوياء، خذ بيعتي يا أبا محمد" (سليمان بن كثير، شيخ الدعوة العباسية في خراسان). فأخذ بيعته وقال: عليك عهد الله وميثاقه لتفين بما أعطيت من نفسك، قال: نعم. ثم تتابع أهل الدعوة على البيعة حتى شمل كل من في المعسكر، وقد فوجيء القُرَّاء والنُّسَّاك بهذا فأمسكوا عن الطعن في العباسيين وفي أبي مسلم بل إن منهم من انحاز إليهم، وفشل تدبير نصر بن سيار[6].

ومع هذا الفشل لجأ نصر بن سيار إلى الحوار، فأرسل رجلين من بني وليث ومن باهلة إلى أبي مسلم لسؤاله عن هذه الدعوة، وقد اندهش الرسولان حين عَلِما بأنهم يقيمون الصلاة وقالا: "والله ما كُنَّا نحسبكم تصلون... كان يقال لنا إنكم لا تصلون وإنكم تعبدون السنانير، فلما رأيناك (أبا مسلم) تصلي ورأينا السنور مهينا لديكم علمنا أن ما قيل فيكم باطل". وأحضر أبو مسلم كبار الدعوة وعلى رأسهم سليمان بن كثير لمجلس المناظرة، وبَيَّن أنه يدعو لدعوة الحق على كتاب الله وسنة نبيه وعلى المبايعة للرضا من آل محمد، فحاولا معرفة زعيم هذه الدعوة من آل البيت فلم يمكنهما بل قال لهما أبو مسلم: "إن أجبتمانا ووثقتما له وأعطيتمانا ما نطمئن إليه منكما جمعنا بينكما وبينه، فأما أن ندلكما على صاحبنا وأنتما مقيمان على باطلكما فلا"، وأظهر لهما الزهد والتواضع وتجرد من الأحساب والأنساب وأعلن أن نسبه هو الدين وأن حسبه هو نصرة آل البيت لا غير، وبهذا ارتفع بدعوته فوق العصبيات والقبليات، فعاد الرجلان إلى نصر بن سيار يخبرانه بأن عدوه هذه المرة إنما هو داهية![7]

وفي رواية عند الطبري أن العباسيين أسروا جماعة من أتباع الأمويين ومنهم مولى لنصر بن سيار نفسه فأمر أبو مسلم أن يعالَج مولى نصر من جراحه ويُحسن إليه ثم دعاه إليه فقال: إن شئت أن تقيم معنا وتدخل في دعوتنا فقد أرشدك الله وإن كرهت فارجع إلى مولاك سالما وأعطنا عهد الله ألا تحاربنا وألا تكذب علينا وأن تقول فينا ما رأيت. فاختار الرجوع إلى مولاه، وقال أبو مسلم: إن هذا سَيَرُدُّ عنكم أهل الورع والصلاح فإنا عندهم على غير الإسلام. فلما قَدِم على نصر بن سيار قال نصر: لا مرحبا بك والله ما ظننت استبقاك القوم إلا ليتخذونك حجة علينا. فقال: فهو والله ما ظننت وقد استحلفوني ألا أكذب عليهم وأنا أقول إنهم يصلون الصلوات لمواقيتها بأذان وإقامة ويتلون الكتاب ويذكرون الله كثيرا ويدعون إلى ولاية رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وما أحسب أمرهم إلا سيعلو ولولا أنك مولاي أعتقتني من الرق ما رجعت إليك ولأقمت معهم[8]. ونفس الحال تكرر مع أسرى لسرية من جيش نصر بن سيار وقعوا في يد أبي مسلم فأرسل إليهم سرية هزمتهم وأسرت منهم، فداوى جرحاهم ثم أفرج عنهم[9].

***

فماذا بعد أن انتصرت الثورة العباسية وتولى أبو مسلم حكم خراسان؟

عاد الحال كما كان، وعاد الفقهاء والدعاة الذين احتيج إليهم في اللحظات الفارقة إلى حالهم الأولى، لا يُسمع لهم قول ولا يؤخذ لهم برأي..

لقد أسفرت الأيام عن أن أبا مسلم شخصية جبار جديد، يأخذ بالظن ويقتل على التهمة ويسير في الناس بالرعب لكي يُحكِم استقرار الدولة الجديدة، وأكثر أبو مسلم من سفك الدماء حتى لقد شمل ذلك شيوخ الدعوة العباسية الذين اكتشفوه وأدخلوه في الدعوة.. والحديث طويل وفيه تفصيل كثير حول دوافع أبي مسلم لا يتسع له السياق، لكن الشاهد المقصود هو حاله مع الدعاة الذين استعان بهم سابقا ووعدهم ومَنَّاهم واستفاد منهم دعم الثورة.

لقد أثارت سياسة أبو مسلم العلماء في خراسان، فذهب إبراهيم بن ميمون الصائغ إلى يزيد النحوي قائلا: ما ترى ما يعمل هذا الطاغية؟ إن الناس معه في سعة غيرنا أهل العلم[10]. فقال يزيد النحوي: لو علمتُ أنه يصنع بي إحدى الخصلتين لفعلت؛ إن أَمَرْتُ ونَهَيْتُ يُقيل منا أو يقتلنا، ولكني أخاف أن يُسَلّط علينا[11] وأنا شيخ كبير لا صبر لي على السياط، فقال إبراهيم الصائغ: لكني لا أنتهي عنه، فذهب إبراهيم فدخل على أبي مسلم فوعظه وما زال به حتى قتله أبو مسلم. وكان يزيد الصائغ ممن عاهدهم أبو مسلم قبل أن تستقر له الدولة أن يعمل بالحق، فلما لم يتحقق سعى إبراهيم في مخالفته والتشنيع عليه حتى لم يعد أبو مسلم يحتمل وجوده[12].

***

لا ينج أحد من هذه الحال إلا من كان فاعلا مشاركا في الفعل، في مقاومة الظلم، في الإعداد للثورة، في الحفاظ عليها والإمساك بانحرافها عن الطريق.. فهذا بين حالين: أن يموت شهيدا أو يحيا كريما.

ولا تزال صفحات التاريخ زاخرة بالعظات تنتظر من يعتبر!

نشر في المركز العربي للدراسات والأبحاث



[2] السنانير: جمع سنور، وهو القط.

[3] أغتام: جمع غتم، وهو الأعجمي، وهي تساوي في قاموسنا المعاصر "عناصر أجنبية، أجندات خارجية.. إلخ"

[4] سُقَّاط: جمع ساقط.

[5] مجهول: أخبار الدولة العباسية ص290.

[6] مجهول: أخبار الدولة العباسية ص290 – 293.

[7] مجهول: أخبار الدولة العباسية ص281 – 283.

[8] الطبري: تاريخ الطبري 4/309.

[9] الطبري: تاريخ الطبري 4/313.

[10] أي أن الناس يسعهم الخوف والسكوت على المنكر، وهذا ما لا يجوز لأهل العلم.

[11] أي أن يعذبنا

[12] ابن عساكر: تاريخ دمشق 35/416، 417، والذهبي: سير أعلام النبلاء 6/54.