الأحد، أبريل 08، 2012

في معنى "اللحظة الفارقة"

لم تكن عبارة "أدركوا اللحظة الفارقة" مجرد شعار انتخابي للشيخ الفذ حازم أبو إسماعيل، بل كانت إدراكا واضحا لقيمة ما زال لا يدركها إلا القليل من قادة العمل الإسلامي في مصر، ولهذا أدت سياساتهم إلى ضياع الفرص الثمينة وإدراك الكواث السمينة!

اعترف فضيلة الدكتور صفوت حجازي –الداعية البارز، وفارس الميدان- ببعض الأخطاء التي ارتكبها الإسلاميون، حتى لقد وصل الحال إلى "انهيار البلد"، منها: الوثوق في المجلس العسكري والظن في أنه سيطهر البلاد من النظام القديم! (حلقة 6/4/2012، قناة الجزيرة مباشرة مصر)


الشيخ حجازي واحد ممن يصعب جدا الكتابة في نقدهم، لا سيما وأني لا أساوي شيئا في مقامه ولم أظفر بشيء من جهاده، غير أن الحق فوقه وأحب إلينا منه.. لقد كان الشيخ حجازي من أنصار التهدئة والصبر، وكان محتدا في الخلاف مع شيخنا حازم أبو إسماعيل، وكان واثقا من نفسه وذاته وقوة الثورة إلى الحد الذي قال فيه بكل حزم "حين نعبر انتخابات البرلمان، سنقول للمجلس العسكري، حدد موعد الانتخابات، وسينفذ المجلس ما طلبناه"، ويمكن أن تراجع في سجل ثقة الشيخ حلقاته (شاهد على الثورة، قناة الجزيرة) ثم تقارن بينها وبين حلقة الجزيرة مباشر مصر.. الشيخ ما زال متفائلا ورابطا وعلى استعداد للجهاد، ولكن الفارق في قراءة المشهد والتمكن منه لا تخطئه العين.


في ذلك الوقت كتبت أن الشيخ صفوت حجازي يذكرني شخصيا بعبد القادر عودة، كان واثقا من امتلاكه للمشهد، حتى لقد صرف الناس في مظاهرة عابدين، وما كان يدري أن الخصم العنيد سيغدر به!


***


لعل كثيرا من الناس، بل وكثيرا من الإخوان أنفسهم، لا يعلمون أن اللحظة الفارقة بين مواجهتهم الأخيرة مع عبد الناصر كانت يومان فحسب، اسمع لقول حسن العشماوي (ضابط اتصال الإخوان بعبد الناصر قبل الثورة، والمهاجر الطريد بعدها) إذ يقول: "حدد يوم الخميس التالي 29 أكتوبر لانعقاد الهيئة التأسيسية الجديدة التي سيحضرها الأستاذ الهضيبي شخصيًا، على أن تخرج الهيئة بعد الاجتماع- ومع أفراد الجماعة- في مظاهرة سلمية يحميها بعض الأفراد المسلحين ويسير في المظاهرة بعض كبار الساسة في الأمة، وكنا على اتفاق معهم في ذلك، وكان المفروض أن هذه المظاهرة- بما يحميها من أفراد مسلحين- ستكون نقطة الانطلاق، تسعى لإسقاط الدكتاتورية العسكرية، ولتسليم مقاليد الحكم لحكومة مؤقتة تجري انتخابات عامة... وكان كل منا يعرف دوره في هذا المظاهرة، ولكن الأحداث سبقت هذا التقدير الذي رسمناه".


والأحداث التي يقصدها العشماوي هي مسرحية المنشية التي افتعلها عبد الناصر (26 أكتوبر) أقبل مظاهرتهم الحاشدة والفاصلة بيومين فحسب..


تلك هي اللحظة الفارقة التي ظفر بها عبد الناصر، فكسب بها البلاد ثمانية عشر عاما، ودخلت بها مصر في حكم العسكر الذي تجاهد الآن لاستخلاصه بعد ستين سنة!


[اقرأ كتابيه المهمين: الأيام الحاسمة وحصادها و مذكرات هارب (أو: حصاد الأيام)، والنقل السابق كان عن الكتاب الأخير]


***


ولئن كان بعض القيادات الإخوانية قد استوعبت الدرس كما تقرأ من كلام حسن العشماوي في مذكراته، إلا أن بعضهم الآخر ظل حتى اللحظة لا يستوعبه ولا يريد أن يستوعبه، دفاعا عن الجماعة وتاريخها بما يجاوز التقييم الموضوعي.. مثال ذلك الأستاذ الأديب جابر قميحة..


ففي مقاله "الإخوان ومظاهرة فبراير 1954م"[1] يقول: "علي أي أساس يري الأخ أحمد منصور أن المظاهرة كان يجب أن تواصل السير... مؤكدًا أنها ستكون سلمية. وستسلم من أي «خدش» يصيبها! وأقول: بل كانت ستحدث مذابح يروح ضحيتها الآلاف لا المئات, فقد كان عبد الناصر مازال ممسكًا بكل المقاليد, والنفوذ الأول والأقوي له لا لنجيب. وكنت ستجد رجال عبد الناصر يحرقون سيارات ويدمرون محلات وسينمات, ويلصق ذلك بالإخوان, وتعمل المدافع الرشاشة, ويسقط ألوف القتلي, ويُعتقل عشرات الألوف, لأن الجيش سيعتبر المظاهرة تحديًا له, ومحاولة لتحجيمه".


بعد هذه السنين الستين، ترى ما الأفضل للوطن؟ أن يموت المئات والآلاف في مظاهرة تكنس حكم العسكر ولم يكونوا استقروا بعد، بل كانوا مختلفين حول البقاء أم العودة للثكنات؟ أم حكم عسكري امتد لستين سنة؟
ها نحن افترضنا أسوأ الاحتمالات، أن سيسقط الآلاف قتلى وجرحى، فأيهما نفضل الآن بعد ستين سنة؟!!


***


المثير للدهشة أن الإخوان –وكما سبق النقل عن حسن العشماوي- اعترفوا بالخطأ وقرروا أن يحشدوا لمظاهرة كبرى فاصلة (29/10/1954) لولا أن عبد الناصر كان أسبق منهم بيومين، فاخترع حادث المنشية، فذهب حلمهم إلى السجون والقبور، وجاءت أجيال تبكي واقعها ولا ترى مستقبلها!


والآن يتكرر الوضع، الإسلاميون النظاميون بعد أن قضوا دهرا في الثقة بالعسكر والسعي لتوافق موهوم، واتهموا من خالفوهم بالجهل والعمق والتهور، عاد لهم الوعي متأخرا –كالعادة، للأسف- حين رأوا أمامهم العدو السام عمر سليمان مرشحا للرئاسة!!


إن الوقت الذي ضاع ثمين جدا، وقد خسرنا فيه ما لا يمكن تعويضه، ولكن الأمل لم ينتهِ، وما زال في الوقت متسع لتغيير الفكرة.. وتغيير الأسلوب.. وتغيير الطريقة..


الحل الآن في الميدان لا البرلمان، ولقد كان يستطيع البرلمان أن يكون رأس حربة للميدان كما صرخ الكثيرون مناشدة له ورجاء، على التيارات الإسلامية أن تعود إلى الشارع، فالعسكر قد حزبوا أمرهم، وليعتبروا من مظاهرة 29 أكتوبر التي لم تتم أبدا لأن عدوهم كان أسبق منهم بيومين فحسب!


لقد ضاعت ذكرى ثورة 25 يناير الأولى مثلما ضاعت مظاهرات عابدين 1954، ولئن ضاعت هذه اللحظة.. فنحن قوم نستحق فعلا أن نموت على يدي عمر سليمان!


***


حتى الآن، لم يكسب من هذه الثورة إلا.. الشهداء، فقد فازوا فوزا عظيما!


وحازم أبو إسماعيل.. فقد أدى ما عليه، وما زال يجاهد حتى حقق للثورة وحده ما لم تستطع الكيانات الكبرى أن تفعل بعضه!


ومخلصون مجهولون، لا نعلمهم.. الله يعلمهم، وهو بكل شيء عليم!



[1] [نبهني إلى هذا المقال أخي الباحث الكريم محمد شعبان أيوب، وكتب عنه في مقاله "الطريق من عبد الناصر إلى أبو إسماعيل"]