الأربعاء، فبراير 08، 2012

عصيان مدني.. لماذا؟

حسنا، كنت بانتظار رأي المعارضين لدعوة العصيان المدني حتى أتعرف إلى منطقهم وآرائهم فلعلي أرجع عن دعمي لفكرة العصيان المدني، وقد تمخض جبل المعارضين عن نوعين:

1. العسكر ومنافقوهم!

2. الإخوان المسلمون!

أما العسكر فهم خصوم، وشهادتهم باطلة، فلا يُلتفت إلى مواقفهم ولا آرائهم. وأما الإخوان فهم الفصيل الوطني الكبير الذي لا أشكك في نواياه وإن اختلف التقدير للمواقف، وهم قوم "إصلاحيون" لم تصل "الثورة" إلى منهجهم وتفكيرهم وخطواتهم، ولست أشك أبدا في أن الثورة المصرية لو طالت إلى شهور لكانوا قد تحولوا من خندق الثورة إلى خندق الوسطاء ومسوقي الحلول الوسط المطروحة كما حدث في اليمن على سبيل المثال، ولكن الله قدر الخير للبلاد، وكانت المعادلة الدولية متوافقة مع الرغبة الشعبية لإزاحة الطاغية العجوز، فانفض عنه رجاله بمن فيهم مجلسه العسكري.. فسقط!

نعتذر عن الاستطراد، ونعود إلى موضوع الحديث، فنذكر أن من المعارضين للإضراب أيضا ثوار مخلصون يتخوفون أن يكون الإضراب في صالح العسكر، وأن يكون مثل أخيه الذي رتبه عبد الناصر قبل نصف قرن لكي ينقلب على الديمقراطية.

وبتعبير الموظف البيروقراطي الظريف في "همسة عتاب" والذي كان يردد "بعض الفحص والمحص والتمحيص..." نقول:

1. الإضراب العام حق جماهيري، لمواجهة السلطة المستبدة الجائرة التي تحكمه، وهو ما صك له البعض مصطلح "التجويع السياسي" لتوصيل الرسالة التي تفيد بأن الجالس على كرسي الحكم لا يحكم إلا نفسه.

2. الدعوة إلى الإضراب جاءت بعد وسائل كثيرة من الفعل الثوري ولم تكن الخيار الأول، ولم يقصر الثائرون في بذل الدماء في كل هذه الخيارات: مظاهرات، اعتصامات، مسيرات صامتة، وقفات صامتة، عروض مصورة، وسيل من الكتابة والصيحات على الصفحات والمدونات والفضائيات ومواقع التفاعل الاجتماعي.. فلا يتهمنا أحد بالنزق!

3. الثائرون يطالبون بحقوق مشروعة، تسليم السلطة للمدنيين، نحن الآن بعد عام من الثورة، وقد كان الوعد ستة أشهر فقط، وما رأيناه من المماطلات والتزوير الناعم في الإعلان الدستوري، وفي تصريحات العسكر لا تبشر بالخير، ليس هذا تحليل ولا استنتاج، بل هو حقائق واقعية: إن العسكر هم من أعلنوا عن نواياهم في وثيقة السلمي التي لم تسقط إلا بدماء شهداء وجرحى محمد محمود.. ومن كان ينسى فليقرأها مرة أخرى.

4. البرلمان حتى الآن ليس على مستوى تطلعات الشعب، قد يكون مكبلا بلوائح وقوانين، وقد يكون تعبيرا عن تفاهمات العسكر مع الأغلبية الشعبية (تفاهم الأغلبية الشعبية مع العسكر لا بأس به عندي مبدأيا، ويمكن تشبيهه لتقريب الصورة بتفاهمات حزب الوفد مع الإنجليز أو مع السرايا في الأربعينات، لكن المشكلة هو موضوع التفاهم وشروطهن فكل ما يؤدي إلى إسناد سلطة غير مستحقة لجهة غير منتخبة أو لإعادة إنتاج النظام القديم ولو محسنا أو إلى تضييع الثورة وسرقتها فهذا هو المرفوض).. والبرلمان في النهاية وكيل عن الشعب وليس سلطة عليه، وأعضاؤه نواب عن الشعب وليسوا حكاما عليه.. وحيث كان البرلمان ليس على مستوى التطلعات، فمن حق الذين يستطيعون الضغط أكثر أن يمارسوا حقهم المشروع. [انظر آخر فقرات المقال ففيه إضافة مهمة لهذه النقطة]

5. ما قاله الأمين العام للإخوان المسلمين من أن الإضراب يعني "إيقاف السكك الحديدية، والمواصلات، والنقل، وإيقاف العمل في المصانع والمؤسسات والجامعات والمدارس، والتوقف عن سداد الأموال المستحقة للحكومة" ليس إلا في خياله هو، أو خيال مجموعة قليلة جدا من النشطاء الداعين للإضراب، وإذا كان التوصيف خاطئا فتقديره لما يترتب عليه أشد خطأً، فالأمر بين النشطاء الداعين للإضراب ليس إلا التوقف عن العمل في هذا اليوم (فيما عدا الجهات الحيوية كالأطباء والنقل ونحو ذلك)، وبعضهم يدعو لاستمراره حتى تسليم السلطة وبعضهم يكتفي بجعله ورقة ضغط قابلة للاستدعاء، وهناك من يريده تصاعديا بحيث يكون الإضراب يوم 11 فبراير مقصورا على جهات بعينها كالجامعات ثم يتوسع بعدئذ.. كالعادة، مجموعات الثورة تتحرك بالتلقائية الطبيعية لحركة الشعوب، لا رأس لها، لا مجالس إدارة، لا تنظيم هيكلي.. ومن العجائب أن كل ما يحققه هؤلاء من مكاسب يصب في النهاية لصالح الحركات النظامية التي لو شاءت وأرادت لكانت الآن على رأس السلطة لا تنتظر جدولا موعودا ممن ثبت أنه لا يفي بالعهود.

6. لا أتوقع أن يكون هذا الإضراب شبيها بالذي رتبه عبد الناصر في 54، فالاختلافات المؤثرة كثيرة منها: أن عبد الناصر ظهر كزعيم شعبي وله بالفعل جماهيرية كبيرة وهذا لا يتوفر للمجلس العسكري على الإطلاق.. ربما لو كان تصرف المجلس العسكري مع مبارك ونظامه قاسيا كما فعل عبد الناصر لحقق هذه الجماهيرية، ومنها أن عبد الناصر كان مخترقا فعليا للتنظيمات القائمة في وقته كالإخوان والشيوعيين وغيرهم مما كان يجعل أي تصرف منه مسببا لارتباك حقيقي داخل هذه الحركات بينما كل أفعال المجلس العسكري الآن يُنظر إليها بعين الريبة والتوجس، ومنها أن عبد الناصر كان جزءا من معادلة دولية تصب في صالحه (كان الأمريكان يرثون الأسد الإنجليزي العجوز) بينما تبدو المعادلة الدولية الآن (لا سيما بعد خطاب أوباما الاستراتيجي) لا تصب في صالح العسكر، ويدل على هذا مناوشات المنظمات الحقوقية التي داهمها العسكر ولوحت أمريكا غاضبة بورقة المعونة في الكونجرس، تبدو المعادلة الآن سائرة نحو تفاهم أمريكي مع الإسلاميين "المعتدلين"، لضمان استقرار الأحوال في الشرق الأوسط بينما تتجه هي نحو التنين الأصفر!

7. هدوء الأحوال لا يستفيد منه –في لحظات الثورة- إلا أعداؤها، ويمكن مراجعة العام الماضي ليتبين أن لحظات الهدوء لم يتخذ العسكر فيها قرارا واحدا لصالح الثورة، فيم كانت لحظات الاحتجاج المتصاعدة هي لحظات القرارات التي تصب في صالح الثورة ولو جزئيا.. فالإضراب –وكل فعل ثوري احتجاجي- هو استكمال للثورة التي حققت بعض أهدافها وما زالت تسعى لتحقيق أهم الأهداف.

8. قصة العمل والإنتاج والبناء هي قصة ساذجة واسطوانة مشروخة لا تستحق الرد عليها، لقد كان المصريون يعملون طول حياتهم كالعبيد والحمير في عهود الاستبداد فما جنوا شيئا، لا تقدما ولا رخاء، بل ولا حصلوا على حقوقهم الأساسية في الصحة والسكن والتعليم ولا حتى الطعام والشراب.. ومن كان يظن أن العمل والإنتاج في هذه اللحظات يعود على الشعب بالخير فهو يخادع نفسه ويخادع الناس..

9. كما أن قصة الفوضى والهدم والتخريب كأختها قصة العمل والإنتاج والبناء، لا يرددها إلا من يريد استقرار الأحوال لصالحه ومصالحه، أو قد يكون مخدوعا لا يرى الصورة من كل جوانبها.

10. وأخيرا: انظر إلى صفحات العسكر ومنافقيهم، تعرف أن الإضراب في صالح الشعب والثورة!

***

قال شيخ مواجهة الاستبداد عبد الرحمن الكواكبي في خالدته "طبائع الاستبداد":

"أشكال الحكومة المستبدّة كثيرة (فصفة الاستبداد) كما تشمل حكومة الحاكم الفرد المطلق الذي تولّى الحكم بالغلبة أو الوراثة، تشمل أيضاً الحاكم الفرد المقيَّد المنتخب متى كان غير مسؤول، وتشمل حكومة الجمع ولو منتخباً؛ لأنَّ الاشتراك في الرّأي لا يدفع الاستبداد، وإنَّما قد يعدّله الاختلاف نوعاً، وقد يكون عند الاتّفاق أضرّ من استبداد الفرد. ويشمل أيضاً الحكومة الدّستورية المُفرَّقة فيها بالكُلِّيَّة قوَّة التشريع عن قوَّة التَّنفيذ وعن قوَّة المراقِبة؛ لأنَّ الاستبداد لا يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسؤولية، فيكون المُنَفِّذُون مسؤولين لدى المُشَرِّعين، وهؤلاء مسؤولين لدى الأمَّة، تلك الأمَّة التي تعرف أنَّها صاحبة الشّأن كلّه، وتعرف أنْ تراقب وأنْ تتقاضى الحساب".

كأن هذا الكتاب مقتبس من نور الوحي الخالد! فهو دائما غض طري كأنما كتب بالأمس!!

نشر في رابطة النهضة والإصلاح، وشبكة رصد الإخبارية