السبت، فبراير 04، 2012

جزيرة صقلية في ظل الإسلام

بخلاف أطلال مسجد بالقرب من كنيسة القديس يوحنا في بالرمو، وقصر الفوارة، لا يوجد في صقلية أي مباني إسلامية ترجع إلى فترة الحكم الإسلامي التي استمرت مائتي عام، في تلك الفترة برزت صقلية على سطح التاريخ، ثم عادت شيئا مجهولا لا أهمية له بعدها كما كانت قبلها.

(1)

صقلية قبل الفتح الإسلامي

تعد كتابات المفكر والمؤرخ الإيطالي الكبير ميشيل أماري هي العمدة التي يعتمد عليها الباحثون في كل العالم –تقريبا- حين يحاولون التأريخ لجزيرة صقلية، وخصوصا الفترة الإسلامية التي ضَمَّنَها كتابه الكبير (تاريخ مسلمي صقلية) (Storia Dei Musulmani Di Sicilia)، والذي بذل فيه جهدا عظيما في البحث من خلال المصادر والمراجع العربية واللاتينية واليونانية والوثائق والنقوش، ومؤلفات من قبله.

وخلاصة ما سجله ميشيل أماري عن تاريخ صقلية قبل الفتح الإسلامي يتمثل في النقاط الآتية:

1. كانت صقلية فريسة لجشع المحصلين تدفع ضريبة على الأملاك، وأخرى على الرؤس، وإتاوات على التجارة والصناعة، وزيادات إضافية على الضريبة الأولى، وضرائب للجند، وأخرى للملاحين، وأموالا يبتزها الموظفون ويزيدون بها الحمل ثقلا.

2. وصل الحال في نهاية القرن السادس الميلادي، إلى درجة خطيرة حتى إن أحد الجباة أجبر الرعايا العاجزين عن دفع المال على تقديم أبنائهم، واستطاع موظف تافه الشأن في صقلية أن يصادر الممتلكات بالقوة، ويقول القديس جريجوريو: "نحتاج إلى مجلد لنفصل الجور الذي سمعنا به من هذا القبيل".

3. كانت الكنيسة أيضا تتحكم في صقلية، وكانت لها أملاك يفلحها لهم طبقة من الفلاحين تشبه طبيقة العبيد في ارتباطها بالأرض ودفعها للضرائب تسمى (الكولونيين coloni)، وكانت تلك الأراضي تمد الكنيسة كل عام بأسطولين محملين بالقمح، وإذا غرقت المؤن في البحر أو نهبت قبل وصولها، طولب الكولونيون بالتعويض.

4. أهملت الدولة البيزنطية جيش صقلية، فأصبحت وارداته قليلة مما اضطر القادة والحكام إلى طرق خطيرة النتائج، فكان القائد مثلا يعهد بأرضه إلى جماعة من الجنود كي يفلوحها ويفيدوا من حاصلاتها دخل في صفوف الجيش جماعة من الفقراء الذين رضوا أن يتقاضوا أجراً قليلاً، وحل هؤلاء بجهلهم محل العسكريين أصحاب الدربة القديمة، وبهذا أصبح الجيش سيئا وأصبح الجنود مجرد حاشية للقائد فأصبحوا جزءا من مشكلة الأمن والحماية بعكس ما يفترض بهم.

5. وكانت الجزيرة أيضا من وسائل العقوبات باعتبارها منفى، فكثيرا ما امتلأت بالفقراء وصغار الملاك ممن لم يستطيعوا دفع الضرائب، فعوقبوا بالنفي، ثم اضطر هؤلاء بعد فترة إلى التحول إلى عبيد.

6. وكانت الحالة الدينية تشبه حالة هذه العصور من حيث سيطرة الخرافات والأوهام على الناس والمجتمع.

ويلخص أماري الوضع بعبارة واحدة في قوله: "تلك هي حال الجزيرة بين أطماع الحكومة والكنيسة وفساد حال الجيش، ومن ثم لم يكن المجتمع الصقلي في ظل الدولة البيزنطية مجتمعاً سعيداً ناهضاً مكفول الحرية"[1].

(2)

الفتح الإسلامي لصقلية

كانت صقلية بموقعها الجغرافي إحدى مناطق خط الاحتكاك بين الدولة الإسلامية والدولة البيزنطية، فخرجت غزوات عربية إلى صقلية، وخرجت كذلك حملات بحرية من صقلية، كثيرا ما أسرت تجارا من المسلمين في البحر، وجاء سبب الدخول الإسلامي لصقلية (ربيع الأول 212 هـ/ يونيو 827 م) حين تغير الوضع في الجزيرة، إذ عيَّن الإمبراطور ميخائيل الثاني على صقلية الوالي قسطنطين في عام (211 هـ/ 826 م)، الذي لم يلبث قليلا حتى دخل في صراع مع قائد الأسطول (فيمي Euphemius)، إذ أمر الإمبراطور أن قسطنطين أن يقبض عليه أو أن يعاقبه لجريمة تعزوها المصادر الأوروبية لقصة حب وزواج بالإكراه من راهبة، وعندها ثار فيمي على قسطنطين، وانتصر عليه وأعدمه، ثم أعلن نفسه إمبراطورا، ولكن لم يلبث الأمر إلا قليلا حتى ثار عليه أحد رجاله ويدعى (بلاطه) وأعلن ولاءه للإمبراطور ميخائيل وهزم فيمي الذي انسحب هاربا إلى شمال إفريقيا التي يحكمها في ذلك الوقت أمراء الدولة الأغلبية التي بدأ حكمها في عهد الرشيد واستقر أمرها في عصر المأمون الذي امتد من (198 هـ - 218 هـ) ويظلل هذه اللحظة التاريخية.

هذا هو التطور التاريخي في الجانب الصقلي، وهذه التطورات لم تكن بعيدة لا بالجغرافيا ولا بالتأثير عن المسلمين، إذ بمجرد ظهور فيمي على الساحة وهو قائد الأسطول، بدأ نقض للسلم الذي كان تم إبرامه بين الأغلبة وحكام صقلية فغزا فيمي سواحل إفريقية، فنهب وأسر وبقى محتلا للسواحل فترة[2]، ثم وجود أسرى من المسلمين في سجون صقلية، كل هذا يعني أن الأوضاع قد تغيرت في صقلية وانتهت المعاهدة، ثم هذا فيمي قد جاء يطلب المساعدة مع التعهد بأن يكون تابعا للأغالبة، بما ينهي –على الأقل- لفترة طويلة تلك المخاطر التي تأتي من صقلية، إلى جانب أن الفتح الإسلامي له نظرية خاصة في نشر الخير وتوفير الحرية الإنسانية للشعوب المفتوحة بما لا يمكن عزله عن القيم الإنسانية التي طبقها الإسلام واقعيا، ولا يمكن مقارنة الفتوح الإسلامية بحركات التوسع الامبراطورية التي لم تهدف إلا لزيادة السيطرة ونقل خيرات البلاد إلى عاصمة الامبراطورية.

انطلق الأسطول الإسلامي بقيادة الفقيه المالكي الكبير أسد بن الفرات، ومعه قوات فيمي، لتدخل صقلية، ولتبدأ الأيام الصقلية تبرز على مسرح التاريخ الإنساني[3].

(3)

صقلية الإسلامية تتألق

تألقت صقلية الإسلامية على مستويين: المستوى الإنساني، والمستوى المادي. فعلى المستوى الإنساني أصبحت صقلية متحفا ثقافيا مفتوحا زاخرا بالبشر من شتى أجناسهم وألوانهم وأديانهم، وهذا ما سجله الراهب ثيودوسيوس –كما نقله عنه ميشيل أماري- بقوله: "حافلة بالناس من أهلها والغرباء حتى كأنه قد اجتمع فيها كل المسلمين من شرق إلى غرب ومن شمال إلى جنوب، وبين أهلها من صقليين وإغريق ولمباردين ويهود ترى العرب والبربر والفرس والتتار والزنوج، بعضهم يرتدي العباءة والعمامة، وبعضهم يلبس الجلود وفيهم أنصاف عراة وثمة وجوه مستطيلة أو مربعة أو مستديرة من كل سحنة وهيئة، ولحى من كل لون طويلة أو قصيرة"[4].

هذا المتحف في حد ذاته دليل على الروح الإسلامية الحضارية، لا سيما في ذلك الزمن البعيد الذي لم يُعرف فيه التسامح العرقي والديني في أوروبا، لكن التألق الإنساني لا يقف عند حد الوجود، بل يُقِر المستشرق والفيلسوف الفرنسي الكبير جوستاف لوبون بأنه قد " تُرك لنصارى صقلية كل ما لا يمس النظام العام، فكان للنصاري، كما في زمن الروم، قوانينهم المدنية والدينية، وحُكَّام منهم للفصل في خصوماتهم، وجباية الجزية السنوية التي فرضها العرب عليهم وهي 48 دينارا عن كل غني، و24 دينارا عن كل موسر، و12 دينارا عن كل من يكسب عيشه بنفسه، وكانت هذه الجزية التي هي دون ما كان يأخذه الروم، لا تؤخذ من رجال الدين والنساء والأولاد"[5].

كان منطقيا أن يكون أكثر المتأثرين بالفتح الإسلامي، تلك الطبقة من العبيد والفلاحين الكولونيين، فإنهم كانوا أسرع الطبقات إلى اعتناق الإسلام، بل وتكوين الجيش المسلم في صقلية[6]، وهذا المشهد –مجاهدة قوم من الأقطار المفتوحة تحت راية الإسلام- قد تم في كل البلاد التي فتحها الإسلام شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.

استطاع الإسلام تخليص الصقليين من الإقطاعيات الكبرى التي مثلت الجرح العميق لها فيما قبل الإسلام، وكان هذا بفضل نظام الميراث الإسلامي الذي يفتت الملكيات الكبيرة –بعكس النظام السائد حينذاك[7]- ففي "فترة قصيرة قضى نظام الإرث الإسلامي على هذه الإقطاعات. وفي القرن الثاني عشر نجد في ولاية "مازر" أسماء عربية كثيرة تملك مساحات صغيرة من الأرض ولكن النظم الإسلامية لم تكد تنقذ صقلية من الإقطاعية الكبيرة حتى عادت هذه إليها [بعد سقوط المسلمين] مع الفتح النورماني"[8].

هذه شذرات بسيطة التقطناها عن أثر الإسلام في صقلية على المستوى الإنساني، وفي المقال القادم إن شاء الله نلتقظ شذرات أخرى من أثر الإسلام على مستوى الحضارة المادية في الإدارة والسياسة والصناعة والزراعة والأدب والتعليم والأزياء والفنون والعمارة ونحوها.

نشر في: المركز العربي للدراسات والأبحاث



[1] د. إحسان عباس: العرب في صقلية، دار الثقافة، بيروت، الطبعة الأولى، 1975 م. ص25 وما بعدها.

[2] ابن الأثير: الكامل في التاريخ، تحقيق: عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1415 هـ، 5/436، النويري: نهاية الأرب، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1423 هـ 24/356.

[3] انظر في تفاصيل الفتح ابن الأثير: الكامل 5/ 436 وما بعدها، النويري: نهاية الأرب 24/356 ومابعدها، د. عزيز أحمد: تاريخ صقلية الإسلامي، ترجمة وتعليق: د. أمين توفيق الطيبي، الدار العربية للكتاب، طرابلس، ليبيا، 1980م. ص13 وما بعدها، إحسان عباس: العرب في صقلية ص31 وما بعدها.

[4] Amari: S. D. M. vol .2.p.49 نقلا عن: د. إحسان عباس: العرب في صقلية، ص64.

[5] جوستاف لوبون: حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، الهيئة العامة المصرية للكتاب، 2000م. ص309.

[6] د. إحسان عباس: العرب في صقلية، ص63.

[7] كان الغربيون يورثون أملاك الفرد إلى ابنه الأكبر فقط تفاديا لتفتت الملكيات الكبيرة ويرون في هذا ضياعا لثروة الأسرة، وكان هذا النظام يسبب قلاقل اجتماعية داخل الأسرة الواحدة وشقاقا بين الإخوة، فضلا عن ترسيخه لنظام الملكيات الكبيرة الإقطاعية التي تجعل المجتمع بين فئتين: قلة تمتلك الثراء والأملاك، وكثرة كاثرة من العبيد والفلاحين والأجراء.

[8] Amari: S. D. M. vol .2 pp40 41، نقلا عن: د. إحسان عباس: العرب في صقلية، ص70.