الأربعاء، مايو 25، 2011

زلة لسان كاشفة

كنت من المستبشرين بقرار د. عصام شرف اتخاذ د. معتز بالله عبد الفتاح مستشارا سياسيا، ذلك أن الرجل بدا كصوت محترم نادر غريب على الإعلام المصري السائد، ذو لهجة هادئة ودودة غير إقصائية ويبدو على جانب من الثقافة التراثية الإسلامية بنوع من الاستيعاب على عكس غيره من أصحاب الأعمدة والبرامج ممن لا يعلمون في هذا الجانب شيئا ولا يفقهون، وإن حاول بعضهم إظهار معرفته بالتاريخ والتراث الإسلامي فإنه يقع في الحرج دون أن يدري، فكلامه يدل على مبلغ علمه فيصير كما قال الشاعر:

خمسٌ وخمسٌ ستةٌ أو سبعةٌ ... قولان قالهما الخليل وثعلب

إلا أن الدكتور معتز بعد هذا الاختيار قد انفتحت أمامه أبواب الفضائيات، ولئن كان في أوائل ظهوره موفقا، إلا أنه كما قيل "من كَثُر كلامه كثر خطؤه"، فما هو إلا أن أخطأ خطأ لا يمكن قبوله في حديثه إلى قناة المحور (مساء الاثنين 23/5/2011)، والذي يهمني منه الآن عبارتين فحسب:

الأولى تصريحه بأن الحكومة لن تتعامل بالرحمة والاحتواء مع الاعتصامات المقبلة.

وهذا تحول خطير في مسار الحكومة، فليس من حق أحد على الإطلاق أن يحرم الشعوب من حق الاعتصامات، وهو الحق الذي بلغ بهذه الحكومة مكانها هذا، مهما كانت درجة اتفاقنا أو اختلافنا مع المعتصمين وأهدافهم ومطالبهم.. فالحق في الاعتصام كمبدأ هو فوق كل اختلاف ما دام المعتصمون في الإطار السلمي الذي لا يعتدي على المرافق ولا يعطل حركة السير.

ولن أطيل في هذا الرد لأن النشطاء قد قاموا بهذه المهمة خير قيام في عوالمهم الحرة التي لم تصلها يد الاستبداد على الانترنت.

إلا أن العبارة الثانية هي التي لم يلتفت لها كثيرون، وهي كاشفة جدا عن شيء كلما حاول البعض إخفاءه ظهر من حيث لا يحتسبون، تلك هي قوله بالحرف: "لو كان بين إخواننا المسيحيين (في اعتصام ماسبيرو) عدد كافي من المسلمين لفعلنا نفس الشيء"، ونفس الشيء هذا هو الوحشية التي تم بها فض مظاهرات السفارة الإسرائيلية.

ولا أظن الأمر يحتاج مزيدا من التوضيح، فلأن المعتصمين كانوا من الأقباط فقد اكتسبوا –بهذه الصفة وحدها- حصانة تمنع معاملتهم كباقي المصريين، ولو أن المشهد اختلف قليلا فغلب عليه المسلمون لتبخرت هذه الحصانة ولتم استخدام العنف.. فمن هو المضطهد في هذه البلد؟!!

لا أحد يريد مساواة في الظلم أو في العنف، بل المطلوب هو المساواة في العدل أو في الرحمة.. والمطلوب أيضا أن يستحيي المتاجرين بأن "الأقباط مضطهدين"!

الاثنين، مايو 23، 2011

لقطة شخصية

منذ أربع أو خمس سنوات على الأكثر، تغير تفكيري تغيرا جذريا، بعدما كنت أنتمي بكل كياني إلى فكر الإخوان المسلمين ومنهجهم في الإصلاح والبناء إذا بالحوادث تكشف لي كثيرا من الثغرات غير المحلولة وغير القابلة للتجاوز والتي يقف أمامها فكر الإخوان عاجزا في الحقيقة وإن دارى عجزه هذا بكثير من التبريرات أو ادعى أنه غير عاجز عنها أصلا..

كثير من الحوارات كانت بيني وبين أعضاء في الإخوان، ومن استطعت لقياهم من القيادات الوسيطة، وكثير من الحوارات على مدونتي القديمة (اسأل الله لها عودة قريبة ففيها خمس سنوات غاليات من الكتابة والردود).. وبعد كل حوار تزداد قناعاتي ولا تقل، وتزداد الفجوة بيني وبين فكر أعطيت له عمر الشباب كله بكل ما أملك من وقت وطاقة وجهد وحماسة، وتعرضت في سبيله إلى أذى غير قليل وغير كثير.. ولست من النادمين، والحمد لله رب العالمين..

هل هو غرور أن أكشف اليوم عن فرح حين أجد أفكارا ناديت بها قبل سنوات يتم تبنيها من قبل أساتذة كبار نظروا إلى طرحي لها بغير اهتمام؟؟

لست أدري في الحقيقة.. لكنني فعلا أشعر بهذا، ولن أكشف عن تفاصيل لكي لا يخرج الأمر عن الفرحة المشروعة إلى الغرور المذموم.

لكن إن نسيت فلست أنسى مرة حوارا بيني وبين أحد مشاهير الدعاة في العالم الإسلامي، كان يتحدث عن أن أمامنا الكثير وأنه لا ينبغي أن نفكر الآن في الحكم ولو عُرض علينا.. أخذت أعترض وأقول له بل إن جاءت الفرصة فلا ينبغي أن تفوت.. يقول: لقد اعترض النبي ولم يقبل شروط شيبان حين قالوا له "نحميك قبل العرب أما الفرس فلا" فرد عليهم بقوله "إن هذا الدين لا ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه".. فقلت له: هذه واقعة ضعيفة ومن الأسف أن هذا الضعيف يمثل مركزية في عقول الإسلاميين فيظنون أنهم ينفذون الإسلام وهم لا يدرون أنهم في الوهم، إن النبي قبل دائما بأدنى شروط إقامة الدولة، حتى أنه قبل من الأنصار أن يحموه داخل مدينتهم فقط ولم يشترط عليهم لا حماية من العرب ولا من غيرهم، ولما خرج إلى بدر كان محتاجا لبيعة أخرى لنصرته خارج المدينة..

بدا مترددا في قبول ما أقول، لكنه استقبل كلامي ووعد بدراسته ومراجعته.. وليس هذا غريبا عليه فإني أشهد أنه من خير من عرفت عقلا وذكاء وإخلاصا وأخلاقا.

غير أن موقفه لم يتغير..

إنني الآن أراه أحد أشد المتحمسين لهذه الفكرة.. وهو ينادي بها.. بل وأخرج لها من الأدلة ما لم يخطر ببالي وما لم أكن أعرفه..

إنني فرح بإخلاصه للحق ربما أكثر من فرحي بما كان من تأثير هذا النقاش عليه..

فاللهم لك الحمد، كل الفضل منك ولك، أهل الثناء والمجد، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

السبت، مايو 21، 2011

في خلاف الإسلاميين حول الديمقراطية

اتهمني صاحبي بأن دفاعي الدائم عن الديمقراطية يجعل المرء يظن أنها نظام إسلامي نازل من عند الله فواجبٌ على الأهل الأرض أن يقولوا سمعا وطاعة! ثم ساق إليّ أمثلة ونماذج تقول بأن الديمقراطية ما هي في النهاية إلا تسليم الشعوب لأصحاب رأس المال، فهم الذين يملكون وسائل الإعلام التي تسيطر على توجيه العقول، ومن ثم تكون الديمقراطية مجرد لعبة يملك أصحاب الأموال كل تفاصيلها.

قلت له: أزيدك من الشعر بيتا، إذ أن أصحاب الأموال لا يمارسون فقط التوجيه بل يمارسون الفعل، ذلك أنهم بامتلاكهم قلاعا صناعية يتحكمون في السياسات، فلا يستطيع السياسي أن يخط سياسة تهدد مصالح الرأسماليين وإلا كان لهم إنهاء بعض أعمالهم ونقلها إلى دولة أخرى مما يتسبب في مشكلة اقتصادية ومشكلة بطالة تجعل الفوز في الانتخابات القادمة في حكم المستحيل.. وذلك الموضوع شرحته باستفاضة نورينا هيرتس في كتابها "السيطرة الصامتة.. الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية".

فحَيَّرَه ما قلتُ، وبدا كأنني عدت عن رأيي!.. غير أن الأمر لم يكن هكذا..

يكاد الخلاف بين الإسلاميين عن الديمقراطية يكون خلافا لفظيا:

فمن يرى أن الديمقراطية وسيلة إجرائية تضمن التعبير عن رأي الشعب ومنع الاستبداد، فهو يوافق عليها باعتبار أن الوسائل إنما هي من التراث الإنساني الذي ينبغي الاستفادة منه، وهو في هذه الحالة يراها "جوهر الشورى" كما جاء في برنامج حزب الإخوان المسلمين.

وأما من يراها منظومة فكرية كاملة، تجعل من ذاتها مرجعية ذاتها، وتجعل من التطبيق الغربي المثالَ الوحيد الممكن للتطبيق وهو حده المثال المعبر عنها كفكرة، فهو يرفضها، يرفضها لأنها تستبعد المرجعية الإسلامية أولا، كما أنها تستبعد مستبدا واحدا هو شخص الحاكم لتصنع استبدادا من طبقة الرأسماليين الذين يملكون توجيه العقول والضغط على السياسات، ومن ثم تكون الديمقراطية مجرد لعبة يتوهم فيها الناس أنهم يقررون هذا بأنفسهم وأن لهم إرادة حرة وأن حاكمهم يأتي باختيارهم!

من يدافع عن الديمقراطية همه الخروج من الاستبداد وإرساء نظام يُعطي الأمة حق المشاركة في قرارها ومصيرها، ومن يرفضها يخشى أن تتحول الأمة إلى نموذج جديد من مجتمع بلا هوية ولا فكر ولا قدرة حقيقية على الاختيار فتتحول إلى مجتمع متعلمن مستهلك تم تنميطه والسيطرة عليه!

شخصيا أميل إلى الفريق الأول، الفريق المُدافع عن الديمقراطية، لأني أضمن أن الأمة لن تتحول إلى ما يخشى منه الفريق الثاني..وذلك لسبب بسيط، وهو أن النظام الإسلامي الذي يشتمل على الدين والدنيا معا أوجد مراكز للتأثير تقاوم تفرد رأس المال بالتأثير والتوجيه..

تلك هي.. المساجد والمنابر وصلاة الجمعة..

وهنا تحديدا تتبخر سيطرة رأس المال النافذة في العالم الغربي، وهذا ما يعرفه العلمانيون في بلادنا جيدا، ولذا فإنهم حريصون على فعل أي شيء لإنهاء تأثير المساجد على الناس، وفي عالمنا الإسلامي لم يحدث استفتاء أو انتخابات إلا وفشل رأس المال في تسويق رأيه، وما إن يفشل حتى يفتح سرادق العزاء في المستقبل والشعب والوطن باعتبار أن الجهل يسيطر على الناس مما يسمح للدعاية الدينية والمنابر أن تؤثر عليهم!!

لقد كانت عبقرية النظام الإسلامي في أنها جعلت مناطق التأثير لطبقة الدعاة العلماء لا طبقة رأس المال، وطبقة العلماء ليست ذات مصلحة خاصة في سياسة الدنيا فيُخْشَى من أن تستعمل هذه المصلحة في تسيير الناس، بينما أصحاب رأس المال لا تحركهم غير مصالحهم الذاتية بغض النظر عن مصالح الأوطان والشعوب!

وفي النظام الإسلامي لا يُخاف من أن تتكرر سيرة الغرب المظلمة مع رجال الدين، ذلك أن العلماء والدعاة غير مندرجين في نظام كهنوتي، بل كل منهم يحتفظ باستقلالية كاملة عن غيره، مما يجعل اتفاقهم في كل الأمور شيئا يكاد يكون مستحيلا، وهو إن تحقق فمعناه أن المصلحة واضحة إلى حد يحقق هذا الاتفاق.. كما أنهم لا يملكون سلطة روحية على الناس تجعلهم يستطيعون حرمانه من "الصلاة" أو تجعل المخالفة للواحد منهم ذنبا دينيا أو "خروجا من الملكوت"!!

في ظل هذه الاستقلالية لمراكز التوجيه والتأثير في النظام الإسلامي، لا يكون ثمة اتفاق إلا على ما تتضح فيه المصلحة والمفسدة، وفي التراث الإسلامي تراث مديد رحب شديد الثراء عن تنظيم أمور الخلاف وأدب الخلاف وأصول الخلاف ما يجعل نشوء حرب دينية بأثر من هذه الخلافات أمرا نادرا.. ومن لا يصدق فليراجع تاريخ الحروب الدينية بين التاريخ الإسلامي والتاريخ الغربي!

لهذا لا خطر على الهوية الإسلامية ولا على المجتمع الإسلامي من إجراءات أُبْدِعت لتضمن تعبيرا حقيقيا عن رغبات الشعوب وإن سميت هذه الإجراءات "الديمقراطية"

نشر في "يقظة فكر"

اتخذ البرادعي هيكل أستاذا!

رحم الله أستاذنا العظيم محمد جلال كشك، كلما جاءتنا عجيبة من فيلسوف الاستبداد ومنظر النظام قبل قبل البائد تذكرناه.. أعني محمد حسنين هيكل!

يعرف المهتمون بالتاريخ الإسلامي رجلا اسمه محمد بن عمر الواقدي، مات في القرن الثالث الهجري، يُعترف له بالعلم في أيام العرب وأنسابهم.. إلا أنه كذاب، فلا يؤخذ بروايته في الأمر المهم كالوقائع التي تمس الصحابة، ولا يُعترف بالرواية التي ينفرد بها دون غيره من المؤرخين.. ما أشبه هيكل به!

هيكل لم ينزل مرة إلى الشارع، ولم يكن يوما داعية ثورة، ولم يدفع بنفسه مرة واحدة في اصطدام مباشر مع السلطة.. لكنه يطرح نفسه دائما بحسبانه "الأستاذ" القادر على تحليل كل الوقائع وكشف كل الخفايا والتنبؤ بالمستقبل والمآلات.. وهو يفشل دائما بالمناسبة، وهو فشل يتجاوزه الإعلام ولا يلحظه غير المتابع له.

الكلام عن هيكل يطول، وليس هو مقصود المقال، فما عاد هيكل من المؤثرين!

إلا أن واقعة طريفة حدثت الأسبوع الماضي، وهي كالتالي: خرج هيكل في حوار مع الأهرام ليطالب ببقاء الحكم العسكري والمشير رئيسا وبمجلس رئاسي وتعيين لجنة لوضع الدستور، وهي المطالب التي تنقلب على إرادة الشعب في الاستفتاء الأخير بكل وضوح ولا يتبناها إلا النخب المفقودة الصلة بالجماهير.. إلا أن هيكل يصوغ مطالبه بلغة زئبقية ومُراوِغة (لهذا كان أستاذنا جلال كشك يسميه المهرج، ويمكن الرجوع أيضا إلى كتاب تفكيك هيكل للمؤرخ العراقي الرصين سيار الجميل).. فالمجلس الرئاسي يطرحه باسم "مجلس أعلى للأمن الوطني"!!

الطريف ليس فيما سبق، فكل هذا معروف لمن يتابع هيكل، إنما في ما سيأتي: ذلك أن البرادعي وهو الرجل الليبرالي القادم من بلاد الحرية اتخذ من هيكل أستاذا، فتعلم منه لغة المراوغة وألفاظ المهرجين، وقد كان البرادعي خسر كثيرا من شعبيته (شخصيا كنت أؤيده من قبل) بمجموعة من التصريحات التي أراد فيها الانقلاب على نتائج الاستفتاء ووصف الشعب المصري بأنه غير مستعد للديمقراطية وطالب أيضا بمجلس رئاسي ووضع دستور بالتعيين وتأجيل الانتخابات وطول بقاء الحكم العسكري.. فانظر كيف كان تأثير هيكل.

البرادعي ( 27/3/2011 - تويتر): "الطريق نحو الديمقراطية الحقة والاستقرار واضح منذ اليوم الاول :دستور مؤقت، دستور جديد، انتخابات رئاسية ثم برلمانية. مازالت الفرصة أمامنا".

البرادعي ( 14/5/2011 - تويتر): "في ضوء الفوضى والتشرذم حان وقت تصحيح المسار: دستور جديد يضيء الطريق ويحدد الثوابت، انتخابات برلمانية عندما يستوي الملعب، ثم انتخابات رئاسية".

ذهبت اللغة الصريحة وحلت لغة هيكل الأدبية "يضيء الطريق، يستوي الملعب"!!.. لا سيما كلمة "الملعب" التي تكثر في المعجم الهيكلي!! ودعنا الآن من انقلاب موقفه من ترتيب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

جوهر المشكلة الكبرى في مصر الآن أن "النخبة" منذ بداية الدولة الحديثة إنما هي مفروضة فرضا على الناس، ليست نخبة حقيقية خرجت من الناس، نخبة تركية وفرنسية ويونانية في عهد أسرة محمد علي، ثم نخبة صنعها الإنجليز في سنوات الاستعمار، ثم نخبة صنعها الاستبداد منذ عهد عبد الناصر حتى مبارك.

انظر فيمن حولك من النخبة العلمانية والليبرالية واليسارية الآن، ستتعب حتى تجد واحدا لم يكن رئيس حزب أو رئيس تحرير أو عضوا مرموقا في هيئة رسمية أو سُمِح له بإنشاء منظمات وتلقي تمويل، والحمد لله الذي أحيانا في عصر جوجل فجعل تاريخ هؤلاء مكشوفا لمن ضغط على أزرار الكمبيوتر.. هذه النخبة تعرف تماما أنها لا تعيش إلا في رعاية استبداد فوقي يفرض وجودها على الناس، ولذا فهم أكثر المنزعجين من وجود حرية حقيقية، رغم أنهم لا يتاجرون إلا في الحرية والديمقراطية.

لقد انتهت خرافة "خطر الإسلاميين على الديمقراطية" نحن الآن نعيش حقيقة "خطر العلمانيين على التحول الديمقراطي"

أحمد حسن.. طيفه الذي يظللني



أحمد حسن..

في كل ليلة أشتاق إليك.. أتذكر موقفا كنا فيه معا..

في كل موقف يمر بي أجد ذهني ينصرف إليك بوجه من الوجوه..

لست أدري ما الذي جعلك تسكنني إلى هذا الحد.. أحيانا والله أتساءل: هل تتذكرك والدتك أكثر مني؟

حينما أدعو لك في صلواتي بالرحمة والمغفرة.. أتذكر أن أدعو لمن مات من أهلي وأقاربي.. كأنك ما زلت حيا تذكرني بالخير دائما..

طيفك ما يزال يظللني.. يسيطر عليَّ..

أنت حقا..شخصية مؤثرة..

على كل ما في ملامحك من الهدوء.. وعلى كل ما في طبعك من الكتمان.. تظل شخصية مؤثرة.. أعلم أن كلامي قد يستغرب ممن يعرفك، ذلك أنه لم يعرف عمق شخصيتك إلا أقل القليل من هؤلاء الكثيرين الذين عرفتهم وأحبوك.. وقد لا أكون عرفت عنك كل شيء كما أظن.. إلا أن ما عرفته منك وعنك ما زال يؤثر فيّ..

كل ليلة أتذكرك.. قرابة الخمسة أشهر يا أخي..

خمسة أشهر ليست كالسنين التي عشناها كلها..

لقد وافاك الأجل قبل الثورة المصرية بأيام.. كنت في فراش مرضك الأخير حين كان شعبنا في تونس يتعافى.. مت قبل أن ترى فرحتنا بذهاب مبارك يا أحمد.. ولا بأس عليك يا أخي.. فإني أحسب أنك انتقلت إلى جوار الله، الذي هو خير من كل فرحة نفرحها لأيام..

لكني –وبطبع الإنسان قصير النظر- كنت أتمنى أن تشهد الثورة وتفرح.. كنت أود أن أرى فرحتك التي طالما تمنيتها وحلمت بها..

أحمد.. أخي الحبيب.. الغالي.. الرائع..

يحتبس في صدري شعور كثير لا تنفس عنه الكلمات..

أتذكر ما كنت تحبه من الأكل.. من الثياب.. ماذا تحب أن تسمع.. ماذا تحب أن تقرأ..

أتذكر عنك تفاصيل لا أعرفها عمن هم أقرب مني بالنسب والمعاشرة..

يوم أن رأيتك في الكفن، ولمست جسدك المسجى، ومررت على ملامح وجهك المغطى.. كنت كالذي حفر تفاصيل ملامحك محسوسة في روحي.. لا أزال أتذكر هذه اللمسة الأخيرة.. وأتذكر معها حين كنت أحملك على يديَّ.. كنت أحمل روحي، واسأل الله لك الشفاء أكثر مما أدعو لنفسي..

كنت تستحيي أن تشق عليَّ.. وكنت أجتهد ألا أقوم بما يجعلك تشعر أنك عبء.. من قال لك بأنك كنت عبئا؟.. لقد كنت مثالا في الصبر والرضا.. كنت أحتقر نفسي أمامك.. اسأل الله أن يعطيني ثباتا ورضا كهذا!

الآن.. كلما مررت بجوار مستشفى الفاروق في المعادي.. أو النيل بدراوي على الكورنيش.. أو صليت في مسجد النور المحمدي في قنا.. كلما تذكرتك.. كانت لك بصمة يا أيها الحبيب..

اسأل الله أن يغفر لك ويرحمك بقدر ما أحببناك..

إني لأستعيد الآن شعر ابن رشيق في محبوبته، وما أحسب أن ما كان به يبلغ ما هو بي الآن

يا ليل الصب متى غده ... أقيام الساعة موعده

رقد السُّمَّار وأرَّقه ... أسف للبين يردده

قبل فجر السبت 21/5/2011.. تذكرتك وما استطعت أن أنام