الجمعة، يناير 21، 2011

أخي أحمد حسن حامد.. في رحاب الله




أخي الغالي أحمد حسن..

كم تمنيت أن أكون شاعرا في هذه اللحظة لكي أستطيع أن أكتب فيك مرثية خالدة، وتضع اسمك بين من كتبت لهم المراثي فتذكرهم الناس بعد القرون.. لكن لعلي ولو كنت شاعرا لكنت عجزت عن كتابة شيء، فالمصاب فيك –يا أخي الحبيب- مصاب عظيم..

تعود الناس على سماع كلمات الرثاء، ويظنون كاتبها يحاول التفنن في الوصف، ويحاول إظهار بلاغته، إلا أنهم لا يفهمونها إلا حين يُصابون بفقد أحبابهم.. وها أنذا أعيد كتابة كلمات أعرف أنها لا تقع في نفس أحد كما تقع في نفسي..

رحمك الله يا أخي الحبيب,, رحمك الله،، رحمك الله..

أحمد حسن..

واحد من أفضل من عرفتهم في حياتي، ولقد كشفت لي هذه الحياة القصيرة عن أن كثيرا من الناس –كما قال الشافعي- ذئاب على أجسادهن ثياب، فلأن تجد واحدا طيب النفس، صديقا صدوقا، قويا أمينا مكينا.. فلقد أنعم الله عليك بنعمة من أندر النِعم..

شاب تخرج في كلية الهندسة، ثم انتمى إلى صفوف الإخوان المسلمين، تلك الدعوة المباركة التي ما تزال تلتقط من بين الناس أصفاهم وأنقاهم فتسكب عليهم من التربية والإعداد ما يجعل المعدن الطيب يتوهج بالخير للناس، فصار في زمن وجيز من أعمدتها الفاعلة، فكان مثالا على أن العبرة ليست بمن سبق ولكن بمن صدق.

أحمد حسن يصدق فيه قول الشيخ الغزالي في المجاهد الشيخ محمد فرغليى (قائد الإخوان الفدائيين ضد الإنجليز في معارك القناة)، قال فيه: "لو أراد الشيخ فرغلي أن يكون صغيرا لما استطاع".. وهكذا كان أحمد حسن، كان كريم المعدن عزيز النفس طيب الأخلاق صادقا صدوقا صالحا، وجهه الهاديء لا ينبيء عن هدير همته العالية التي تجعله واحدا من أنشط الإخوان المسلمين في مكانه، رجلا يُعتمد عليه في الأعمال الكبار، وشعلة نشاط تجعله كرياح الخير في الحركة والفعل والإنجاز.. وكل هذا مختبئ خلف وجه هادئ وصوت هاديء وهيئة هادئة، يستكمل بها صفات المخلصين.. الأتقياء الأخفياء..

ورغم أن أحمد حسن مهندس، إلا أنه نشأ في بلد يحكمها مبارك، فلم يجد عملا، غير أنه لم يكن من الذين ينتظرون أحدا، بل سارع إلى إنشاء مشروعه الخاص، وإني لأشهد أنه ذو قراءة بصيرة بواقعه ومكانه، وكان أفضل ما يمكن إنشاءه من المشاريع وأكثرها أمنا أن يُنشيء مطعما جديدا، لحسن حظه ولسوء حظنا وحظ بلادنا فإنه فضَّل أن يُنشيء مشروعا نهضويا، فأنشأ "المركز العلمي للغات وعلوم الحاسب الآلي في قنا" بشراكة مع مجموعة من أمثاله من الشباب الناضج المحترم الذي يرى أن عليه رسالة في الحياة.

وأضحى المركز بعد سنوات معدودة منارا في محافظة قنا، فهو فضلا عن توفيره لدورات اللغات والتنمية البشرية والكمبيوتر، وتعاقده مع هيئات رسمية وحكومية لتأهيل العاملين فيها، واعتماده لإعطاء شهادات رسمية باحتياز الدورات، فضلا عن هذا فإنه استطاع أن يُحدث طفرة في المحافظة حملت كثيرا من أصحاب الأموال على تقليد المشروع.. وأغلبهم لم يوافقه النجاح، ذلك أن النائحة الثكلى ليست كالنائحة المستأجرة.. ولا يستوي عمل أراد أصحابه أن يكون نهضة مع عمل لم ير فيه أصحابه إلا وسيلة للكسب.

تسلط أمن الدولة على المشروع، واعتبره من المؤسسات التمويلية للإخوان في قنا، وأغلقه كثيرا، وعاد بعد أحكام قضائية، فلا يلبث أمن الدولة أن يُعيد الكَرّة.. هذا الاضطراب في الغلق والتوقف ثم العودة ثم الغلق والتوقف أدى لنهاية المشروع الفريد الذي لم يتكرر في المحافظة حتى هذه اللحظة.

أحمد حسن لا يتوقف ولا يستسلم، ذهب إلى مشروعات أخرى وأعمال أخرى، أحمد حسن لا يكاد ينام.. كل هذا وهو يعاني من حالة نادرة من سرطان الدم اكتشفها قَدَرًا وهو بتبرع بالدم قبل سبع سنوات منذ الآن.. وهو الخبر الذي أحفاه عن أقرب المقربين إليه، واستمر في عمله الدعوي والنهضوي أحسن ممن لا يعاني.. صورة مصغرة من الشيخ الشهيد أحمد ياسين، قعيد الجسد طليق الهمة!

في كل مرة كان المرض يجبره على لزوم الفراش، كنت أتوسل إلى الله أن يثبته وأن يصبره، وكنت أحاول اختبار حالته الإيمانية والمعنوية في وقت الأزمة، فكان يُدهشني، كنت أراه يتحدث عن الرضا بالله وأنا الذي كنت أسأل الله له الصبر.. كان رجلا عالي الهمة حتى في إيمانه، يتجاوز الصبر إلى الرضا.. كان يرجو الله أن يرضى عنه وأن يرضى به، وأن يجعله أهلا لأن يكون ممن يبتليهم لينقيهم من ذنوبهم.. كان يسألني: هل أستحق أن أكون ممن يصطفيهم الله لمرتبة الصبر والرضا؟

ووالله لقد كنت أنظر إليه عاجزا عن إجابته، لأني كنت صغيرا أمامه، وكنت ازداد كل مرة تصاغرا أمامه.. لطالما كان مُلْهِمي في خطب الجمعة، ماثلا في ذهني حين اقرأ آيات من القرآن، مثيرا للخواطر الإيمانية والمعاني التي لا يمكن أن يعطيها إلا رجل مؤمن ولا تُقرأ في صفحات الكتب.

أحمد حسن آية في الذكاء وسرعة البديهة، لا تخونه الذاكرة، لا يستغرق وقتا في تذكر المعلومات وتركيبها وتحليلها حتى في حال مرضه، فيندهش الأصحاء من حوله من هذه القدرة في وقت الضعف والمرض.. كان عزيز النفس يأنف كل الأنفة أن يخدمه أصدقاؤه ويحملونه ويضعونه، رغم أن له على كل واحد منهم فضلا لن يستطيع إيفاءه.. كان أشد ما يرهقه أن يشعر أنه عبء على من حوله، وكان في كل لحظاته حريصا على ألا يُرهق أحدا بطلب أو معونة.. إلا أن تاريخه من العطاء كان يحمل الأصدقاء على رعايته وكلهم يَوَدُّ أن لو يعطيه من نفسه ويُشفى.

كان أحمد حسن الولد الوحيد لأب مات منذ زمن، ولأم تجاوزت السبعين –اسأل الله أن يلطف بها ويُنزل السكينة على قلبها- فلم يكن له إخوة ولا أخوات، غير أن أصدقائه قاموا بأفضل ما استطاعوا، وكم في الناس من ذوي القرابات والإخوة والأنساب لا يجدون مثل من كانوا حول أحمد حسن.

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس

كانت حالته نادرة، الخلايا السرطانية تعمل في النخاع نفسه، وصورة الدم نقية، يندهش الطبيب المعالج –وهو أفضل الأطباء في مصر في مجاله- أمام هذه الحالة النادرة التي لاتحدث، وقال: ربما تحدث بنسبة واحد في المليون.. وطلب منه صور التحاليل لتكون حالة جديدة للدراسة فقال أحمد حسن بصفاء نفس: حسنا، لعلي أكون مفيدا في البحث العلمي!

كان يحتاج إلى علاج يكلفه 11 ألف جنيه شهريا، ومن أين له هذا، اجتهد معه الحاج هشام القاضي –عضو مجلس الشعب عن دائرة قوص- في الحصول عليه من هيئة العلاج على نفقة الدولة، كانا يعانيان في دهاليز النظام الفاسد الذي تفنن في قتل المصريين بكل طريق..

ثم بدا بعد العلاج أن المرض ينتقل إلى مرحلة أخرى ويحتاج علاجا يكلف 36 ألف جنيه شهريا، مع أمل ضعيف في نجاحه أيضا، إلا أن هذا العلاج الجديد لم يدخل في قائمة العلاج على نفقة الدولة أو في قائمة التأمين الصحي.. كان من المستحيل توفير هذا المبلغ.

لم يعد أمامه إلا إجراء عملية لزرع النخاع، غير أن كونه وحيدا جعل من هذه العملية أمرا معقدا يستوجب التواصل مع المستشفيات حول العالم لإيجاد نخاع يمكنه التوافق معه، وهو أمر نادر، ثم إن استقدامه إلى مصر يؤثر على حالته.. كان التفكير منصبا على إجراء العملية في الخارج، وكان العائق هو المال..

وقبل أن نستكمل التفكير في حل هذه المعضلة وتوفير المبلغ المطلوب، تطورت الأمور بسرعة مع أحمد حسن ليرقد أسبوعا في المستشفى في حالة غير مستقرة، ثم تفيض روحه إلى بارئها قبل أربع ساعات من لحظة كتابة هذه السطور.

أحمد حسن حامد.. نموذج للبلاد التي تفقد كفاءاتها وشبابها الصالح لأنها تهتم بالتافهين والسافلين وتغرقهم بالأموال والمكافآت.. ولست أدري ما هي القيمة الحقيقية للاعب كرة أو مغني أو راقصة؟ ما هي إضافتهم التي يستفيد منها الوطن على مسار نهضته العلمية أو الحضارية؟

إنه الآن بين يدي ربه، وهو –قطعا- أرحم به من الدنيا، وما هذه السطور إلا لهدف واحد وحيد.. أن يدعو له كل من يقرأ هذا المقال، أن يدعو له دعوة مخلصة، فإنه يستحق أن يكون من الخالدين، غير أننا في أيام تغفو عن مثله من الصالحين المخلصين..

أضحى التنائي بديلا عن تدانينا ... وناب عن طيب لقيانا تجافينا

وقد نكون وما يُخْشى تفرقنا ... فاليوم نحن وما يُرجى تلاقينا

بِنْتُم وبِنَّا فما ابتلت جوانحنا ... شوقا إليكم، ولا جَفَّت مآقينا

تكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا

حالت لفقدكم أيامنا فَغَدَت ... سودا، وكانت بكم بيضًا ليالينا

لا تحسبوا بُعْدكم عنا يُغيِّرنا ... إذ طالما غَيَّر البُعْد المحبينا

إن كان قد عزَّ في الدنيا اللقاء بكم ... ففي موطن الحشر نلقاكم ويكفينا