الأحد، يناير 02، 2011

مذبحة الإسكندرية مقدمة الحرب الأهلية


من منطلق أخلاقي بحت، ومن منطلق دعوي أيضا، أقول: للمرة الألف مليون إن ما حدث في الإسكندرية مرفوض إسلاميا.

وبرغم كل اليقين من أن هذه الكلمة صارت لا تعني شيئا، أو هي –بالأساس- لا تعني شيئا، لأنها دفاعٌ عن غير مُتَّهَم، ولأن الجريمة لا دين لها، ولأن أكابر المجرمين في العالم الآن من اليهود والمسيحيين بلا أدنى شك.. وأعداد الضحايا بيننا هي الدليل.

وأحرى بنا –إن أردنا أن نفهم- أن نتكلم في نقاش حقيقي لا أن نسعى لتسجيل النقاط في معارك كلامية لن تنتهي، وإذا أمسكنا بخناق الأديان فإننا سنثير كل الكوامن والغرائز الإنسانية الحسن منها والمتعصب لتدخل في معركة "الدفاع عن الدين ضد الأعداء".. وبمزيد من التوتر نكون قد وصلنا إلى ما يُراد بنا وما يُراد لنا.

لا المسلمون في مصر يريدون "تطهيرها" من المسيحيين، أتوقع أن هذه حقيقة، كما أن المسيحيين في مصر لا يريدون "تطهيرها" من المسلمين، وهذه أيضا حقيقة وإن كانت فلتات بعض الألسن في القيادات الكنسية (وهي موجودة على اليوتيوب، وآخرها تصريح بيشوي للمصري اليوم) قد بدأت تخدش منها لكنه شذوذ على طول المسيرة التاريخية التي بلغت الآن أكثر من أربعة عشر قرنا.

وحتى لو أراد المسلمون هذا، فإن من فوقهم نظاما مستبدا متعفنا متجبرًا هو أحرص ما يكون على رضا السيد الأمريكي وأخوف ما يكون على غضبه، ومن ثَمَّ فلا سبيل إلى تنفيذ هذه الخطة التطهيرية من المسيحيين. كما أن موازين القوى ونسبة العدد لا تسمح للمسيحيين بالتفكير في خطة تطهيرية كهذه في اللحظة الحاضرة على الأقل.

وهذا –بوضوح- هو الواقع القائم، حتى إذا تجاوزنا كل مباديء وقيم الديانتين، وكل هذا التاريخ الطويل من التعايش والتراحم والمواجهة المشتركة للاحتلالات التي جاءت على أرض هذه البلد.

***

وأرجو ألا يزايد أحد على هذه الحقيقة، والأقباط في مصر عاشوا أفضل عهودهم في ظل الشريعة الإسلامية بشهادة البابا شنودة نفسه في (الأهرام 6/3/1985) وقد قال حرفيا: "إن الأقباط في ظِلِّ حكم الشريعة يكونون أسعد حالاً وأكثر أمنًا، ولقد كانوا كذلك في الماضي، حينما كان حكم الشريعة هو السائد... نحن نتوق إلى أن نعيش في ظِلِّ: "لهم ما لنا، وعليهم ما علينا". إن مصر تجلب القوانين من الخارج حتى الآن، وتُطَبِّقُها علينا، ونحن ليس عندنا ما في الإسلام من قوانين، فكيف نرضى بالقوانين المجلوبة، ولا نرضى بقوانين الإسلام".

والقول بأن المسلمين والأقباط في مصر نسيج واحد قول حقيقي، وإن بدا الآن سخيفا لأن الذي يردده منافقون، وهو قول يشهد به المؤرخون والمستشرقون والمحتلون.. فهي حقائق متواترة.

أعرف أن حديث التاريخ في هذا الموطن حديث سخيف، حسنا، فلنتجاوز كل التاريخ ولنعتبر أن في مصر شعبين لم تجمع بينهما رابطة أبدا، وأن بينهم كراهية تحسب بالسنين والقرون، وأنهم لا يتعايشون في هذا البلد إلا مضطرين مقهورين.. ليكن، لنتخيل هذا الوضع، وحينها –فقط- سنرى أنه من الطبيعي والمنطقي أن تندفع مجموعة من المسلمين لتفجير كنيسة في ليلة عيد الميلاد.

لكن لماذا؟ لماذا الآن تحديدا؟

حسنا، لدينا تهديد منذ شهور يقول بأن الكنيسة المصرية لو لم تُفرج عن المسلمات المحتجزات في الأديرة سنفجر كنائس مصرية.. وإذن، فالمجرمون لهم مطالب.

هل مطالبهم هذه، أوذرائعهم، حقيقية أم أنها خيالية؟

هل هي واقعية؟ أم تعجيزية؟

لئن كان يستحيل عليَّ استبعاد اليد الخارجية من هذا الحادث، إلا أنني سأسير خلف الذين سارعوا لاتهام المسلمين، أو اتهام القاعدة.. فليكن هذا حقا، حينها ستكون المعطيات أمامنا بهذا الشكل: القاعدة تيار متعصب دموي، وهم مجموعة من المتطرفين.. إلا أنهم في الحقيقة كانوا شرفاء، أعلنوا عن مطالبهم وعن تهديدهم من قبل أن ينفذوه.. وأعطوا مهلة كافية، كما طلبوا مطالب واضحة وبسيطة وغير تعجيزية.

لماذا لم يحاول شنودة إنقاذ شعبه من المتطرفين الدمويين المسلمين؟ لا سيما وهم يعيشون بين شعب من المسلمين المتطرفين الدمويين كذلك؟

إنه سؤال يتجنبه كل المحللين ولا يجيبون عليه، وهو سؤال سيضيع في الزخم القائم الآن، لأن أحدا لا يريد أن يواجه الحقيقة كما هي.. دعونا نفترض فعلا أن القاعدة هي فعلا من أطلقت التهديد وهي فعلا من نفذت التفجير.. أما كان من الممكن تفويت هذه الفرصة عليهم؟

الحقيقة أنه كان من الممكن لولا هذا الاستعلاء والاستكبار الذي أصاب القيادة الكنسية، والتي استقوت فعلا بالخارج، واستغلت ببراعة لحظة ضعف النظام المتهافت الحقير الذي يحكم مصر الآن.

***

لكنني أعود وأقول وأؤكد وأصرخ وأصيح لأقول: ليس هذا تبريرا لأحد، والجريمة التي حدثت هي جريمة أخلاقية محرمة، والضحايا الذين ذهبوا لا ذنب لهم ولايتحملون مسؤولية أفعال أحد منهم.. إنما أريد أن أؤكد على شيء واحد: أنه إذا أحببنا أن نتعامل مع مذبحة الإسكندرية على أنها جريمة قام بها مسلمون بدوافع إسلامية ومن منطلقات إسلامية، إذا أحببنا أن نفعل هذا فلننظر في الدوافع والمبررات التي ساقها هؤلاء لأنفسهم، وهل هي حقيقة أم لا؟

إن هذا أدعى لأن نفهم الواقع بدل أن نردد ما يحلو لنا ترديده عن الإرهاب والتطرف والخطاب الديني ومنابع التعصب والقنوات الفضائية ومثل هذا الكلام الذي يثير النفوس ويزيد من المشكلات.

***

سيفرح لهذا الحادث أربعة فئات:

1. القيادة الكنسية، والإعلام الكنسي، وأقباط المهجر وما يمتلكون من وسائل إعلام: ولن ترى أحدا يتحدث عن قانون الطواريء أو عن فشل النظام في الحفاظ على أمن البلد، أو عن تغول وزارة الداخلية ... لا لا .. سيتوجه الحديث في مسار آخر: حرية بناء الكنائس، نسبة من الوظائف القيادية للأقباط، نسبة للأقباط في مجلس الشعب والشورى، حذف الآيات القرآنية من مناهج التعليم (مع أن التعليم ليس فيه آية يُمكن أن يُشتمَّ منها رائحة تحريض ولو بالخطأ)، حذف مادة الدين من المدارس.... وهكذا.

فهو ليس حديثا عن الأمن أو الحماية، وإنما حديث في "المكاسب" التي يمكن أن نخرج بها من هذا الحادث، حديث في "حرب المساحات" بين الكنيسة والدولة.

2. العلمانيون الذين يكرهون الإسلام ويريدون أي لحظة للتخويف من الإرهاب ومنابع الإرهاب وقنوات الإرهاب وصحف الإرهابيين ومواقع الانترنت للإرهابيين.. وهم يريدون لا حماية الأقباط، بل يريدون مزيدا من القمع للإسلاميين، مزيدا من التعذيب، مزيدا من الاضطهاد.. ولئن كان الأقباط لهم من يبكي عليهم، فإن الإسلاميين لا بواكي لهم.

3. الذين يحبون أن يكونوا "إصلاحيين" ممن يريدون تغيير الخطاب الديني، وهم في الحقيقة يريدون تغيير الفقه وتغيير النصوص وتغيير الدين كله، لأن كل هذه المنظومة –عندهم- لا تساعد على التعايش، ولا تؤدي إلى "الدولة المدنية" التي ينبغي أن تكون بلا هوية ولا مشروع ولا رسالة.. ينبغي أن تكون فقط الكيان الإداري الذي يسهل الحياة للمواطنين.. ولهذا، فإنها فرصة عظيمة للحديث عن التعصب والتطرف والخطاب الديني الذي يؤدي إلى العنف والتفجير.

4. النظام المتستبد الفاسد المتعفن الذي سيسوق نفسه وكأنه حامي حمى الأقباط من تغول الإسلاميين ودمويتهم.. وبهذا يزيد في قمعه للحركات المعارضة –لا سيما الإسلامية منها- ويسوق نفسه غربيا باعتباره الأنسب للحكم.

***

وسيسكت في هذا الحادث ثلاث فئات:

1. المهزومون نفسيا والمعتقدون فعلا أن الإسلام كدين هو المسؤول عن مثل هذه الأعمال، وسيبدون في ثوب الخجول المعتذر الذي لا يدري ماذا يفعل وقد وُلِد مسلما في بيئة مسلمة..

2. الجاهلون والمتعصبون والذين يشعرون فعلا أن موت الأقباط هو في صالح المسلمين، وهذه فئة بدأت توجد فعلا في مجتمعاتنا، وقد شوهها فعلا نوع من الخطاب الديني ملأ الساحة حين تراجع الأزهر وارتمى في أحضان السلطة المستبدة.. لنكن واقعيين: إن الأزهر الآن لا يحترمه أحد، ولا يراه أحد معبرا فعلا عن هموم المسلمين وقضاياهم، وكل متابع يعرف أن الأزهر مؤسسة تديره الدولة وتسيطر عليه، وتستخدمه في خدمة مشروعاتها.. لقد أدى هذا الغياب إلى الذهاب نحو من يُرى فيهم الإخلاص والتعبير الحقيقي عن المسلمين وهمومهم.. ولا أنكر أن هؤلاء وإن كانوا مخلصين إلا أن مبلغهم من العلم أولا ومن فهم الواقع ثانيا شيء مؤسف.. غير أني أعود وأكرر أن خطابهم مهما كان سيئا ورديئا لم يصل أبدا إلى التحريض على العنف أو القتل.. إلا أنه أنتج عقليات ومشاعر تتقبل أن يحدث هذا ولا تهتز له ولا تتحسر على وقوعه. وهذه الفئة هي من ضحايا السلطة وعلماء السلطة ثم الجهل بالدين.

3. وسيسكت البسطاء الذين لا يملكون شيئا.. الذين تعودوا على السكوت لأنه لم يُسمح لهم بالكلام.. الذين عاشو ستين سنة في قهر واستبداد وحكم عسكري بغيض جعل الكلام بثمن يُدفع بالأرواح والأرزاق والتعذيب والاضطهاد.. سيسكتون لأنهم يسكتون دائما.

***

وإذا كانت ورقة الفتنة الطائفية هي الورقة السحرية التي تستطيع تفجير المجتمع المصري، فإن من غير المستبعد أن تكون هذه هي المقدمة، ثم بعد يوم أو يومين نسمع عن تفجير في مسجد أو في موقع شرطة، ليس شرطا أن يقوم به بعض الأقباط كرد فعل، بل أن تقوم به نفس اليد التي صنعت التفجير الأول (والتي لا أقتنع حتى الآن أنها داخلية).

وكان للدكتور محمد عباس توقعا لسيناريو الحرب الأهلية، حيث تبدأ باغتيال البابا شنودة ثم اغتيال شيخ آخر مشهور كمحمد حسان أو عمرو خالد، وحينها ستكون الدائرة قد اتسعت ولم يعد من الممكن إيقافها أو لملمتها.

إن تصريحات مدير الموساد السابق كانت واضحة وكاشفة، فالموساد يعمل في مصر بحرية كتلك التي يعمل بها في لبنان، وهو المسؤول عن إشعال المشكلة الطائفية، بحيث لا يقوى حتى خليفة مبارك على السيطرة عليها ولو أراد.. ومن ثمَّ فلا بديل أمام المتضرر إلا اللجوء إلى الإسرائيليين والأمريكان.

بعض التحليلات تقول إنه رد على الإعلان عن الجاسوس الإسرائيلي، ربما، ولكن الحقيقة الأهم والتي ينبغي التركيز عليها هي أن المناخ في مصر يحتاج إلى قيادات عاقلة تهتم بالصالح العام فوق اهتمامها بمصالحها الخاصة..

وحيث أن الواضح أنه لا وجود لهذه القيادات في هذه اللحظة.. فلنستبشر جميعا بالحرب الأهلية القادمة.