الثلاثاء، يناير 11، 2011

أثر الروايات الضعيفة في تشويه التاريخ الإسلامي

للوهلة الأولى، لا يُكتشف الأثر البعيد والسيء للروايات الضعيفة والموضوعة في التاريخ الإسلامي، ولا سيما روايات العصر النبوي والراشدي، إنما يبدأ إدراك الأثر حين يبدأ عقلٌ ما في تركيب هذه الروايات في "نموذج تفسيري" –بتعبير د. عبد الوهاب المسيري- وهو في عامة الأحوال نموذج سيء، أقله أن يثير الشكوك ويأتي بالغرائب، وأعلاه أن يطعن في رجال العصر الأول –وهم خير القرون- فينسبهم إلى ما يتنزه عنه كثير من الفساق والفجار.

وعندي أن الرواية الضعيفة في تاريخ العصر النبوي والراشدي لها من الضرر ما يساوي ضرر الحديث الضعيف والموضوع، ذلك أن سيرة النبي وسيرة الخلفاء الراشدين من السنة التي أُمِرَ المسلمون باتباعها والاقتداء بها، فمنها ينهلون طريق الإصلاح والتجديد والتطوير، وعبر مساراتها يستكشفون سنة النبي r وهديه في التعامل مع الأزمات والمشكلات، ولقد حدث أن فعلت روايات ضعيفة في السيرة أثرا سيئا حين بُنيَت عليها مناهج للتربية وطرائق للإصلاح ومسارات للنهضة.. فاستهلك الكثير من الجدل والمجهود، وذهبت كثير من الأوقات –بل والأعمار- في بناءٍ تأسس على روايات ضعيفة.

وكثيرا ما لا تبدو الرواية الضعيفة وكأن فيها ما يريب، بل ربما كانت من "المقبول" الذي يستحسنه البعض، ويستطيبون ذكره، إلا أنه –وفي أحوال كثيرة- تساهم الرواية الضعيفة إلى جانب أخوات لها ضِعَاف في تكوين صورة شائهة، ثم تدفع هذه الصورة الشائهة بالعقول إلى تحليلات خاطئة تماما.

وثمة كثير من الأمثلة التي يُمكن أن تُضرب في هذا المجال لا سيما تلك الروايات التي وردت في الفتنة الكبرى بين الصحابة، ونحن نرى كيف ساهمت في تكوين الفكر الشيعي –على سبيل المثال- حتى لقد غدا من الدين لعن أبي بكر وعمر وعائشة وحفصة (رضي الله عنهم).

إلا أن الأنسب –في هذا المقام- أن نضرب مثالا بروايات ضعيفة لا يكاد يُستشعر منها خطر أو فتنة، وسنرى كيف أدت إلى صورة شائهة ثم تحليل موغل في الخطأ..

ذلك هو تحليل المستشرق البريطاني المعروف مونتجمري وات، وهو مستشرق منصف كما يبدو من عامة كتبه، ولقد بذل مجهودا يستحق الإعجاب في دراسته للسيرة والتي نُشرت في مجلدين هما "محمد في مكة" و"محمد في المدينة". إلا أن مونتجمري وات بمجهوده الدؤوب وعقله النبيه لم يكن يستطيع التفرقة بين الصحيح والضعيف من الآثار، فليس مؤهلا لذلك، ولا نستطيع أن نطالب مستشرقا باستيعاب علم لا يقدر عليه إلا القليل من أبناء أمتنا نفسها، وحيث أن أمتنا تعيش كبوة من كبواتها فإن هذا أدى إلى تأخر المجهود المطلوب في تحقيق الروايات التاريخية في مصادرها الأولى.

***

جاءت ثلاث روايات صحيحة؛ الأولى تقول: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي (صلى الله عليه وسلم) فرأينها سيئة الهيئة، فقلن لها: ما لك فما في قريش أغنى من بعلك؟ قالت: ما لنا منه شيء؛ أما ليله فقائم، وأما نهاره فصائم. فدخل النبي (صلى الله عليه وسلم) فذكرن ذلك له، فَلَقِيَه، فقال: "يا عثمان بن مظعون أما لك بي أسوة؟". فقال: يا بأبي وأمي وما ذاك؟ قال: "تصوم النهار وتقوم الليل". قال: إني لأفعل. قال: "لا تفعل؛ إن لعينيك عليك حقا، وإن لجسدك حقا، وإن لأهلك حقا، فصلي ونم، وصم وأفطر. قال: فأتتهن بعد ذلك عطرة كأنها عروس، فقلن لها: مه؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس[1].

والثانية تقول: أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حين رأى أسماء بنت عميس –وكانت ممن هاجر إلى الحبشة ثم عادت إلى المدينة- قال لها: "سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله منكم، فغضبت وقالت كلمة: كذبت يا عمر، كلا والله؛ كنتم مع رسول الله يُطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في دار -أو في أرض- البعداء البغضاء في الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله، وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله، ونحن كنا نؤذى ونخاف وسأذكر ذلك لرسول الله وأسأله ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أريد على ذلك، قال: فلما جاء النبي قالت: يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان"[2].

والثالثة مختلف في إسنادها، وإن كانت أقرب إلى الصحة، تقول: أن عثمان بن مظعون أراد أن يختصي ويسيح في الأرض فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أليس لك في أسوة حسنة فأنا آتي النساء وآكل اللحم وأصوم وأفطر إن خصاء أمتي الصيام وليس من أمتي من خصى أو اختصى"[3].

***

ثم يأتي دور الروايات الضعيفة، وهي التي اعتمد عليها مونتجمري وات لورودها في كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد، فانظر هذه الروايات كيف تبدو –للوهلة الأولى- غير ذات ضرر، ثم انظر كيف ركبها مونتجمري وات في صورة مضللة فخرج منها بتحليل غريب لهجرة الحبشة، وإن كان لا يُلام عليه وحده.

جاء عند ابن سعد:

1. أن عثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث وأبو سلمة بن عبد الأسد وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف حتى أتوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فعرض عليهم الإسلام وأنبأهم بشرائعه، فأسلموا جميعا في ساعة واحدة[4]. [من رواية الواقدي وهو متروك، وفي السند انقطاع عند يزيد بن رومان وهو من صغار التابعين].

2. أن عثمان بن مظعون حرم الخمر في الجاهلية وقال إني لا أشرب شيئا يُذهب عقلي، ويضحك بي من هو دوني ويحملني على أن أُنكح كريمتي من لا أريد. [قال الذهبي: هذا خبر منقطع لا يثبت[5]]

3. وأنه ذهب إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال: يا رسول الله إني لا أحب أن ترى امرأتي (عورتي) قال رسول الله: "ولِمَ؟"، قال: أستحيي من ذلك وأكرهه. قال: "إن الله جعلها لك لباسا وجعلك لها لباسا وأهلي يرون عريتي" [قال الذهبي: منقطع، وحكم الألباني بضعفه[6]]

4. وأنه اتخذ بيتا فقعد يتعبد فيه فبلغ ذلك النبيَّ فأتاه فأخذ بعضادتي باب البيت الذي هو فيه فقال يا عثمان إن الله لم يبعثني بالرهبانية مرتين أو ثلاثا وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة [سنده مرسل، وفيه معاوية الجرمي لا تعرف له ترجمه][7].

5. وأن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: لما توفي عثمان بن مظعون وفاة لم يُقْتَل (أي لم يُستشهد ومات على فراشه) هبط من نفسي هبطة ضخمة، فقلت: انظروا إلى هذا الذي كان أشدنا تخليا من الدنيا ثم مات ولم يقتل، فلم يزل عثمان بتلك المنزلة من نفسي حتى توفي رسول الله r فقلت: ويك إن خيارنا يموتون (أي على فراشهم) ثم توفي أبو بكر فقلت ويك إن خيارنا يموتون، فرجع عثمان في نفسي إلى المنزلة التي كان بها قبل ذلك". [من رواية الواقدي وهو متروك، وفي السند انقطاع إذ لم يدرك عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عمر بن الخطاب][8].

6. وأن خالد بن سعيد –وكان من أوائل المهاجرين إلى الحبشة- تأخر عن بيعة أبي بكر لشهرين أو ثلاثة تكبرا واستنكارا أن يتولى أبو بكر –وهو من تيم- على بني هاشم وبني أمية من بني عبد مناف، فكان هذا مما أثار عمر –وهو من بني عدي الأقل شأنا من بني عبد مناف- فلما أن وَلَّى أبو بكر خالدَ بن سعيد قيادة جيش متجه إلى الشام ما زال به عمر حتى عزله أبو بكر. [وهذه الرواية من رواية الواقدي، وهو متروك، ووردت من طرق كلها ضعيفة[9]].

7. ثم جاء خبر بلا إسناد عند ابن هشام أن عثمان بن مظعون كان هو الأمير على المهاجرين إلى الحبشة[10].

8. وأخيرا ثمة صحابي اختلف في تاريخ إسلامه، وهو الحجاج بن الحارث بن قيس، فيذكر البعض أنه من السابقين إلى الإسلام والمهاجرين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، فيما يذكر آخرون بأنه ظل مشركا حتى أسِر في غزوة بدر ثم أسلم[11].

***

لم يفرق مونتجمري وات بين الصحيح والضعيف من هذه الروايات، بل قرأها كلها معا من طبقات ابن سعد ومن سيرة ابن إسحاق، ولا يمكن أن نلومه لعدم تمكنه من تمحيص الأسانيد، فهذه أمور ما نحسب أن مستشرقا يمكنه أن يُفلح فيها، كيف وعلم الحديث والرجال من أصعب العلوم على المسلمين أنفسهم!!

ولقد فعلت الروايات الضعيفة فعلها في بناء الصورة المضللة والتحليل الغريب لموضوع الهجرة إلى الحبشة، حاول وات أن يستنطق الأحداث والظروف ليفهم لماذا أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بعضا من أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، وحيث أنه لن يقبل التفسير الإسلامي للحدث كما يقبله المسلم، لذا خرج بعدد من الاستنتاجات الأخرى، وكان منها هذا التحليل الذي يقول:

من الواضح أن انقسامًا حادًا جرى بين المسلمين الأوائل، ولذا نلاحظ أن المهاجرين إلى الحبشة كان أميرهم عثمان بن مظعون، وعثمان هو الرجل الذي كان –حتى في الجاهلية- لا يشرب الخمر، والذي حاول أن يُدخِل إلى الإسلام بُعدا تقشفيا وأن يقود تيار الزهد، وأن محمدا حاول في أكثر من مرة أن يرده عن هذه التصرفات والأفكار، ويبدو واضحا من قيادته للمجموعة التي أسلمت مبكرا ثم قيادته للمهاجرين إلى الحبشة أنه كان شخصية قيادية وحوله مجموعات تتأثر به، وتدلنا روايات أخرى عن خلافات وتنافسات قائمة بين مجموعة عثمان بن مظعون ومجموعة أخرى يتزعمها أبو بكر ومعه عمر، فحتى بعد وفاة عثمان بن مظعون ظل عمر لا يراه ذا مكانة لأنه مات في فراشه.

كذلك فإن عمر دخل في نزاع مع أسماء بنت عميس –وهي ممن هاجر إلى الحبشة- بدعوى أن المهاجرين إلى المدينة أفضل، وهو ما أغضبها حتى تدخل محمد بنفسه لحل الإشكال، كذلك فإن خالد بن سعيد –وهو ممن هاجر إلى الحبشة- أظهر بعد موت محمد عداء لأبي بكر، وكذلك الحجاج بن الحارث بن قيس الذي أسلم وهاجر إلى الحبشة لكنه حارب المسلمين في بدر وأسِر.

ومن ثم –يقول مونتجمري- شعر محمد بضرورة معالجة هذا الانقسام في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الدعوة في مكة، فأرسل بمجموعة عثمان بن مظعون التي تنافس مجموعة أبي بكر إلى الحبشة، ليستقيم أمر الجماعة المسلمة في مكة، وهذا هو التفسير لمبادرته بن يطلب منهم الهجرة مع أنهم أقوياء الإيمان ولا شك في قدرتهم على الثبات على دينهم أمام التعذيب[12].

ومن الإنصاف أن نذكر أن مونتجمري وات فتح الباب لخطأ وصواب جميع تحليلاته، وأكثر فيها من ألفاظ الاحتمال والجواز والإمكان وما إلى ذلك من عبارات الاحتياط، كأنما يفكر بصوت مسموع.

***

قد كان يمكن اتهام هذا التحليل بالتعسف والتحيز والتآمر وما إلى ذلك، لو لم تكن مستندات الرجل في التحليل هي الروايات التي وردت فعلا في كتبنا، وقد وثقناها في هذا المقال من مصادرها الأصلية.

وطالما ظلت كتب التراث لا تلقى الاهتمام بتصحيح ما فيها من الروايات على منهج المحدثين –خصوصا في العصر النبوي والراشدي فإن تاريخهما من السنة التي تُتَّبَع- فستظل ما فيها من روايات ضعيفة تنشر مزيدا من التشويه والتضليل، ويتكيء عليها –جهلا أو عمدا- من أراد الطعن في الإسلام وجيله الذهبي، هذا فضلا عن إثارتها البلبلة والحيرة في نفوس المسلمين، ومساهمتها في تضليل مصلحين يتشوش عليهم منهج الإسلام في الإصلاح والتجديد والنهوض من الأزمات.

وقد ضربنا مثالا لروايات تبدو بعيدة عن موضوع جوهري، وتبدو كل واحدة منها على حدة غير ذات أثر كبير، إلا أنها حين تجمعت في تحليل أخرجت صورة شائهة، ولذا فهي دعوة للعلماء والجامعات والمراكز البحثية، ولطلبة العلم –لا سيما طلاب علم الحديث- إلى بذل الجهد في هذا الباب، فإنه باب خالد ترجع إليه الأمة في كل أجيالها فيكون أجرا خالدا بإذن الله تعالى.



[1] ابن سعد: الطبقات الكبرى 3/395، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، انظر: الألباني: إرواء الغليل 7/79، والسلسة الصحيحة 4/182، وقال شعيب الأرناؤوط: حسن لغيره في تعليقه على صحيح ابن حبان.

[2] البخاري (3990)، ومسلم (2503).

[3] ابن سعد: الطبقات الكبرى 3/395، وفي السند خلاف، فقال الألباني: إسناد جيد (السلسلة الصحيحة 4/329 – تحت الحديث 1830)، فيما أفاد شعيب الأرناؤوط وحسين سليم أسد بأنه منقطع.

[4] ابن سعد: الطبقات الكبرى 3/393.

[5] ابن سعد: الطبقات الكبرى 3/394، والذهبي: سير أعلام النبلاء1/155.

[6] ابن سعد: الطبقات الكبرى 3/394، والذهبي: سير أعلام النبلاء 1/157، والألباني: السلسلة الضعيفة (3066).

[7] ابن سعد: الطبقات الكبرى 3/395، وقال الألباني عن سنده: مرسل (الصحيحة 4/281 – حديث 1782)، وانظر: تحقيق شعيب الأرناؤوط وحسين الأسد (حاشية: سير أعلام النبلاء 1/158).

[8] ابن سعد: الطبقات الكبرى 3/399.

[9] ابن سعد: الطبقات الكبرى 4/97، من رواية الواقدي، ورواه الحاكم في المستدرك (5087)، وقال الذهبي: "منقطع"، والطبري في تاريخه 2/331 من طريق محمد بن حميد الرازي –وهو ضعيف- وفي الرواية ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنها. وانظر: محمد بن طاهر البرزنجي: ضعيف تاريخ الطبري 8/143، وانظر: عبد السلام بن محسن آل عيسى: دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1423هـ = 2002م. 1/532.

[10] ابن هشام: السيرة النبوية 1/409.

[11] ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 2/30.

[12] مونتجمري وات: محمد في مكة، ص242 وما بعدها (باختصار وتصرف).

نشرت في مجلة الوعي الإسلامي (العدد 546 - صفر 1432 - يناير 2011)