السبت، أكتوبر 03، 2015

معركة لم نطلبها ولم نخترها

يشبه الأمر كثيرا غزوة بدر من هذه الجهة، خرج المسلمون يريدون العير فأفلت العير منهم، ليس هذا فحسب، بل وجدوا أنفسهم أمام الجيش.. وبعد أن انتهت المعركة أنزل الله عليهم قرآنا يخبرهم أن الخير كان في ملاقاة الجيش لا في أخذ العير، فبذلك كان إحقاق الحق وإبطال الباطل.. وأخبرهم الله تعالى بأنه لو كان لهم الاختيار لما اختاروا المواجهة، ولكن الله أعلم بما ينفعهم ويُصلحهم فاختار لهم ما هو خير لهم.

إذا راجعنا تاريخ الثورة وجدنا أن الإسلاميين فعلوا كل ما بوسعهم لكي يحصلوا منها على مجرد حرية الوجود، لم يتمنوا سلطة ولم يفكروا في المنافسة عليها، وظلموا أنفسهم فوافقوا على أن هذه الثورة ليست إسلامية (بينما لم ينجح اعتصام التحرير ولم يفشل اقتحامه إلا بالإسلاميين، ومن كانوا يبيتون في الميدان وحدهم يعلمون أن الإسلاميين لو انسحبوا من الميادين لانتهى الأمر) وأنهم مجرد جزء منها كغيره من المكونات، ثم تركوا العلمانيين يتحدثون باسم الثورة كي لا يظهر حقيقتها الإسلامية، وأعلنوا من قبل سقوط مبارك أنهم لن ينافسوا على أغلبية البرلمان ولن يترشحوا للرئاسة.

إلا أن فجور العلمانيين وفجور النظام العسكري دفعهم دفعا للمواجهة، لقد أصرَّ العلمانيون على أن يكون الانتخاب بنظام القوائم بغرض تحجيم الإسلاميين، فاضطر الإسلاميون للنزول في قوائم تملأ المجلس ففازوا بالأغلبية الساحقة، وكان أكثر المنتفعين من نظام القوائم: السلفيون لا العلمانيون (وهذا برغم أن الإخوان حاولوا صياغة قوائم مع العلمانيين نجح فيها العلمانيون المتحالفون معهم). ثم أصرَّ العسكر ألا يكون للبرلمان أي صلاحيات لا في تشكيل الحكومة ولا حتى في سحب الثقة منها وصارحوهم بأن الوزارات السيادية العشرة سيشكلها العسكر وبإمكانهم أن "يلعبوا" في باقي الوزارات، ودفعوا برجالهم: عمر سليمان وأحمد شفيق وعمرو موسى لانتخابات الرئاسة، مما جعل الخيار الحقيقي أمام الإخوان: القصر أو القبر، فاختاروا القصر وترشحوا للرئاسة، وآلت الأمور إلى فوز مرسي.

في الخارج اختار البيت الأبيض والخارجية الأمريكية (خلافا لوزراة الدفاع وتيار الكونجرس) أن يسمحوا بفوز الإسلاميين بغرض تدجينهم أو إفشالهم، وانتصر رأيهم، وسُمِح بفوز مرسين فلم يحدث الانقلاب على النمط الجزائري، ثم بدا للجميع أن استمرار مرسي يعني تغيرا في المشهد الإقليمي، ثم لم يستطيعوا الضغط على مرسي الذي اتضح أنه ليس كالغنوشي فكان الحل في انقلاب عسكري واضح وصريح.

وكان من آثار عملية الخداع الكبير التي تعرض لها قادة الإخوان من قبل السيسي أن أنزلوا شبابهم وجمهورهم إلى الشوارع قبل موعد الانقلاب بأكثر من عشرة أيام، في اعتصام رابعة، وبهذا الاعتصام الجماهيري أفلت قرار الانسحاب من يد القيادات لأن الجماهير الغاضبة لم تكن لتقبل ذلك. صحيح أن وجود القيادات المخدوعة شلَّ حركة الجماهير عن تغيير المعادلة لكن وجود الجماهير أيضا شلَّ قدرة القيادات على اتخاذ قرار الاستسلام.

وهكذا، وصل الإسلاميون في مصر إلى الرئاسة وإلى الحكومة ثم إلى مقاومة الانقلاب وهم مُجْبَرون مدفوعون بغير رغبتهم، صاروا أغلبية البرلمان من بعد أن أرادوا مجرد وجود آمن، وصاروا في الرئاسة من بعد ما فلسفوا للرئيس التوافقي وانتفاء إمكانية الرئيس الإسلامي، ثم صاروا في مواجهة الانقلاب العسكري بعد أن أغلق الانقلاب عليهم كل سبيل ورفض كل حل وسط وأسرف في الدماء والتعذيب والقتل فَسَدَّ على الجميع طرق الرجوع، فلم يعد من خيار إلا: الاستسلام التام أو الموت الزؤام!

إن الناظر من بعيد يرى أن الانقسام الحاصل في جماعة الإخوان لم يحدث بشكل حقيقي إلا بعد أن ظهرت أنياب المجموعات الثورية في 25 يناير 2015، وهي الأنياب التي لو كانت قد ظهرت في يوم الانقلاب لسقط بعد أيام، وهي الأنياب التي أعادت الملف المصري إلى حديث الساسة في الاتحاد الأوروبي وأمريكا، وانتبهوا حينها إلى "طرفيْن" يطالبونهما بضبط النفس، وهدَّد محمد إبراهيم –وزير الداخلية حينها- بتصفية المعتقلين في السجون إن لم تنتهِ هذه الموجة، وغير ذلك كثير تناقلته أروقة الساسة واتصالاتهم.

ساعتئذ خرجت قيادات من كهوفها التي دخلتها منذ يوم فض الاعتصام لتثير الإرباك في الصف من جديد، ويبدو أن الارتباك أحدث ثمراته فمرَّت ذكرى الانقلاب وذكرى الفض بغير شيء يُذْكَر، مع تعامل أمني عنيف استهدف تصفية كل من توصل إلى علاقة له بعمليات المقاومة.

المعضلة التي تثير الأزمة أن قيادات السلمية لا يستطيعون الحصول على شيء، أفضل وألين لهجات معسكر الانقلاب هي الاستسلام التام أولا ثم النظر في ملف المعتقلين والأحكام الصادرة عليهم مع نسيان العودة إلى الحياة السياسية.. وإذا كان هذا هو أحسن ما يُخاطَبون به فلك أن تتصور كيف هي لهجة باقي الرسائل! هذا وكل ما يصل من رسائل يأتي من مستويات دنيا ووسيطة لا تُلزم صانعي السياسة بأي شيء!

وهكذا صارت الثورة –عمليا- إسلامية خالصة، بعدما فشلت كل محاولات إلباس إسلامية الثورة قناعات التوافق وهوية اللاهوية، فجوهر الثورة منذ البداية إسلامي، وكل إفرازاتها الشعبية إسلامية (برلمان، رئيس) ثم لم يبق يدافع عنها في الشوارع إلا إسلاميون.. ولم يكن فيها من مؤدلجين بغير الإسلامية إلا عدد ضئيل لا يؤثر في شيء مهما تضخم تليفزيونيا!

والآن لم يترك النظام العسكري للإسلاميين من خيار إلا المقاومة، وصارت الحركة الإسلامية في مصر، ربما لأول مرة في تاريخها، مفروضٌ عليها معركة لا تملك إزاءها إلا إعلان الاستسلام والفشل أو اختيار المواجهة في بيئة شديدة الصعوبة محليا وإقليميا ودوليا.

تتمثل الصعوبات في الضربة الأمنية القاسية التي تلقتها الحركة الإسلامية وفصيلها الأكبر "الإخوان المسلمون" الذين كانوا يتعاملون طوال عصر مبارك على أنهم حزب علني لا جماعة سرية، فكانوا على الحقيقة جماعة مكشوفة للجهاز الأمني مما سهل عليه تنفيذ هذه الضربة الواسعة الكبيرة. ثم ميزان القوى المنهار لصالح النظام، ثم هذا النظام مدعوم إقليميا ودوليا، وجهازه الأمني يتحرك بإشراف ومساعدة إقليمية ودولية. ثم عشرات الآلاف من المعتقلين الذين هم أسرى بيد النظام وورقة دائمة يلوح بتصفيتهم في كل حين. ثم شبح التجارب السابقة الفاشلة في مواجهة الأنظمة، وأبرزها تجارب مصر والجزائر وسوريا. ثم الصعوبة والتركيبة النفسية لجماعة عاشت أمدا طويلا على الحركة الدعوية السلمية الملتزمة بخطوط النظام والمتجنبة للمواجهة، وحتى من تخلصوا من هذا العبء النفسي سيبدأون من الصفر بخبرات وإمكانيات محدودة في مواجهة نظام متغول عريق في التعامل مع الإسلاميين فضلا عما يتلقاه من دعم إقليمي ودولي.

لكن هذه البيئة تحفل كذلك بالفرص، فالساحة الإقليمية مشتعلة ومتأزمة في أكثر من منطقة: فلسطين وليبيا وسوريا والعراق واليمن ولبنان وأفغانستان، وبوادر تتحرك في الجزائر، ويلقي هذا كله بتأثيراته على السعودية والخليج والمغرب وتركيا وإيران وإسرائيل وباكستان.. ومثل هذه البيئة السائلة المتعددة الأطراف والاتجاهات والمتضاربة المصالح والمتشابكة الأهداف هي بيئة مثالية للطرف المغلوب المقهور ليكون فيها رقما في المعادلة.. فالاستسلام هو حكم على النفس بالفناء، بينما المقاومة هي ثمن الوجود بل وهي الضمانة الوحيدة للبقاء، فكيف والطرف المقهور يعاني أصلا لمجرد البقاء؟! إنه لا طريق آخر ولا خيار على الحقيقة.

ثم إن شبح التجارب الفاشلة يظل شبحا لمن لا يريد أن يعمل، فليس من عملٍ في الدنيا إلا وهو مظنَّة النجاح أو الفشل، وقد قال الشاعر:

ومن يتهيب صعود الجبال .. يعش أبد الدهر بين الحُفَر

وقد بذلت الحركة الإسلامية كافة الطرق لكي تتجنب المواجهة ففشلت أيضا، وهي الآن في معركة بقاء، لذا فإن التجارب الفاشلة يمكن أن تكون شبحا ويمكن أيضا أن تكون رصيدا وخبرة متراكمة، فهي تحتاج إلى دراسة تستفيد من مواطن الخلل. ثم لا ننسى معها التجارب الناجحة التي تحتاج كذلك إلى دراسة تستفيد من عوامل النجاح.

كذلك فإن تواصل المسلمين عبر الانترنت وانتقال المعلومات بينهم بلا حواجز هو فرصة كانت مفقودة في كل التجارب السابقة، وهي فرصة ثمينة يمكنها أن تغير كل المعادلة، لا يتصور المرء مدى ما يفعله التقاء مهندسين أو كيميائيين أو عسكريين سابقين أو غير ذلك من المواهب فيستطيعون إنتاج أفكار ووسائل إبداعية في المقاومة لم يكن ممكنا أن يحدث مثلها في التجارب السابقة.

ثم إن الزمن في هذه اللحظة هو في صالح الضعفاء، إن الأمة اليوم تعيش واحدة من أمجد لحظاتها في مدافعة الاستبداد (الذي هو قناع الاحتلال)، وإن تفويت هذه اللحظة لا يعني سوى مزيد من رسوخ هذه الأنظمة ورسوخ الاحتلال ثم هو يعني مزيدا من كلفة التحرر منها في اللحظة القادمة التي لن تأتي قبل أربعين سنة على الأقل، فالجيل الواحد لا يقوم بثورتين، وزمن الجيل هو أربعون سنة كما قرر القرآن الكريم في حديثه عن بني إسرائيل.. مع ما في هذه الأربعين من رسوخ الكفر والإلحاد والإباحية والانحلال والفساد بفعل سطوة ثقافة الغالب وعلو رموز الباطل.. وسيسقط فيها من الأرواح أضعاف أضعاف ما يسقط في لحظة الثورة بل وفي لحظة الحروب.

إن لحركات المقاومة والتحرر رصيد كبير من الكتابات والتجارب التي تحتاج النظر فيها ودراستها بعناية للتأسيس لمقاومة حقيقية ضد الهيمنة الغربية، فلسنا نبدأ من الصفر، ولنا في تاريخنا من دروس الثورات ما يثبت لنا أن المقاومة هي الوسيلة الوحيدة لإفشالهم، وواهمٌ من يحسب أن التحرر يكون سهلا ميسورا.

وينبغي أن نعلم أن تكاليف الصراعات الحضارية كبيرة، وانظر كم فقد الغرب من أرواح ليحقق نهضته، ثم كم فقد من أرواح ليحتل بلادنا ويسيطر عليها، حتى اليهود الذين هم أحرص الناس على حياة بذلوا الدماء الغزيرة في كل الساحات والأموال الغزيرة على كل الموائد لتقوم دولتهم على جثثنا.

ولئن قامت الحركة الإسلامية بدراسة إمكانياتها والتجارب السابقة ثم انتهت إلى العجز عن المواجهة في هذه اللحظة فلا بأس بذلك، لا بأس أن يعلن الإخوان حل جماعتهم في مصر، ويعلن باقي الإسلاميين هدنة طويلة.. إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، شريطة أن تكون هذه اللحظة هي لحظة "الإعداد"، فكما قال الفقهاء: لئن سقط واجب الجهاد فليس يسقط واجب الإعداد. (وللإعداد سنن أيضا) وحينئذ فلتوجه هذه الطاقات التي لا تستطيع شيئا في مصر لتكون في ساحة أخرى من ساحات الأمة. إنما البأس كل البأس في تزييف الوعي وخداع النفس.

لكن ينبغي أن يُعلم حينئذ أن الاستسلام لن يُخرج المعتقلين ولن يمنع الإعدامات ولن يغير من الحرب على الإسلام في مصر، فالحرب قائمة لا لإخراج الإسلاميين من ساحة السياسة بل لإخراج المسلمين من دينهم (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا، ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).. وإنما ساعتها سنراهن على "تفكير العدو وأخلاقه" ونتمنى أن يكون معنا أحسن عقلا وأرفق سياسة وأفضل أخلاقا فيعفو عن الإعدامات ويفرج عن المساجين ويسمح لنا بالحياة.

نشر في مصري 24


الخميس، أكتوبر 01، 2015

نظام حماية المجتمع المسلم


كيف بنى الإسلام هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس؟ وكيف يمكن أن نعيد بعث هذه الأمة مرة أخرى؟ ومن المسؤول عن القيام بهذا التغيير؟

سعيا للإجابة على هذا السؤال، بدأنا بمقدمة حول تصورات الفلاسفة للمدينة الفاضلة، وإجابتهم عن سؤال: من المسؤول عن التغيير؟

ثم دلفنا إلى منهج الإسلام في بناء المجتمع، فوجدناه يقوم على أربعة أركان: الأساس العقدي، والمسؤولية الفردية، وطبيعة النظام العام، ونظام حماية المجتمع.

1.    فالأساس العقدي المغروس في المسلم هو التوحيد الذي يصنع أفكاره وقناعاته ثم يرشده إلى مهمته في الحياة: مهمة الاستخلاف في الأرض، التي تعني عمرانها ومقاومة الإفساد فيها.

2.    والمسؤولية الفردية تكشف لنا كيف بنى الإسلام شخصية المسلم ليقوم بمهمته، فألزمه أن يكون مسؤولا، مستقل الشخصية ليس بإمَّعة، ذا أخلاق رفيعة، مستوعبا ومستدركا لأخطاء غيره، صلب لا ييأس أبدا.

3.    والنظام العام هو الذي يحدد طبيعة السلطة وشرعيتها وثوابتها، كما يحدد طبيعة المجتمع وأبرزها تماسكه وتكتله بروابط: الدين والرحم والجوار، ثم ينظم العلاقة بين السلطة والمجتمع.

وبقي أن نتحدث هذا العنصر الرابع، وهو أشبه ما يكون بجهاز الرقابة والحماية العامة، أي جهاز الإنذار، فبعد أن صحَّ الفرد في ذاته، وصحَّ البناء في "نظامه العام"، لم يبق إلا أن يوضع نظام حماية ينتشر في كافة أرجائه، فما إن يحدث خطأ أو خلل أو خطر في ناحية منه إلا وانبعث صداه، ليأتيه المدد والغوث والتصحيح والتقويم.. فذلك هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ففيه يقوم المسلم بواجب التصحيح لكل خطأ في كل مكونات ذلك البناء؛ سواء ارتبط معه برابطة مباشرة أم لا، وسواء كان قريبًا منه أم بعيدًا، وسواء كان الخلل في فرد آخر أم في جماعة أخرى.. ذلك هو التطبيق العملي للمسئولية الشاملة التي يستشعرها كل أحد تجاه كل أحد.

ولقد تميزت الأمة الإسلامية بنظام الحماية العامة هذا([1])، وبه صارت خير أمة أخرجت للناس؛ إذ سائر الأمم –كما يقول ابن تيمية- "لم يأمروا كل أحد بكل معروف، ولا نهوا كل أحد عن كل منكر، ولا جاهدوا على ذلك"([2])، وبه احتفظت الأمة الإسلامية ببقائها على سبيل الجادة وعلى صراط الله المستقيم، دون انحراف عقدي أو فكري في مجموعها، وبه طال عمر حضارتها وحُفِظت سفينتها.

قال الأصفهاني: "المعروف: اسم لكل فعل يُعْرَف بالعقل أو الشرع حَسَّنَه، والمنكر: ما يُنْكَر بهما"([3]). ولأن الشرع هو أساس تكوين العقل المسلم فإن المسلم قادر في عموم الأحوال على معرفة المعروف وإنكار المنكر بما استقر في وجدانه من روح الشريعة، التي صارت عُرْفًا وضميرًا جمعيًّا شائعًا في أفراد الأمة([4]).

ولذا يشيع في الآيات والأحاديث أن كل مؤمن قائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 71]، وفي السورة ذاتها -أيضًا- وصف الله المؤمنين بأنهم: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112].

ومن التاريخ قصَّ الله علينا قصة رجل عامي يسكن أقصى المدينة –وأقصى المدينة حينئذٍ هو مسكن عوام الناس وفقرائهم- فجاء ناصحًا: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: 20]، فقتلوه فحاز منزلاً رفيعًا، هذا في زمن الاضطهاد، وأما في زمان التمكين –وهو في المستقبل- فقد قال الله: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41]، وأما في الحاضر فلقد جاء أمر الله صريحًا مباشرًا للمؤمنين بعمومهم: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

وفي كل ما سبق من آيات عموم يكون تخصيصه بنصوص أخرى شديد التكلف؛ ولذلك طال الخلاف بين العلماء في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]؛ فلقد توقفوا عند لفظ: "منكم". وهل هي "تبعيضية"؛ تعني انفراد مجموعة من المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أم هي "بيانية" أي لجميع المؤمنين، فبعضهم قال: هي لجميع المؤمنين؛ "أي لتكونوا كلكم أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر"([5]). وبعضهم قال: إنها لطائفة من المؤمنين مؤهلة بالعلم أو بالولاية للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعلم وعدل([6]).

وخلاصة هذه المسألة وما جرى فيها من أقوال العلماء: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مساحة واسعة متفاوتة؛ فمنه ما يكون عامًّا يقوم به كل المؤمنين تجاه من يستطيعون، وبقدر ما تسمح به طاقتهم من العلم والموهبة والقدرة، ومنه ما يحتاج إلى تعمق في العلم أو بلاغة وفصاحة في العرض أو في موهبة في الدعوة والدخول إلى القلوب، أو يحتاج إلى منصب تقوم به القدرة على الإلزام بالمعروف وتغيير المنكر؛ فهذا مما يكون واجبًا على الكفاية لا واجبًا عينيًّا([7]). وبهذا يستبين أن الأمر ليس خلافًا في المسألة بقدر ما هو ضبط لها، فلا تتكلف نفس إلا وسعها، ولا تتذرع نفس أوتيت وسعًا بما لا يجوز لها، أو كما قال ابن كثير: "المقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه"([8]).

وبهذا رسخ في الأمة نظام الحماية الشامل هذا، فالنصيحة مبذولة لكل أحد كما قال رسول الله r: "الدين النصيحة". قلنا لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتهم"([9]). وقال النبي r: "من رأى منكم منكرا فليغِّيرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"([10]). وفي حديث آخر ينفي النبي الإيمان على من لا ينكر المنكر؛ فقال r: "ما من نبيٍّ بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمَّته حواريون وأصحاب يأخذون بسُنَّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"([11]).

وغير مقبول أن يجهل المسلم المعروف من المنكر، وقد سئل ابن مسعود t: "من ميت الأحياء؟ فقال: من لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا"([12]). ثم من غير المقبول أن يسكت عنه؛ ففيما روى قتادة أن عمر بن الخطاب قال في حجَّة حجَّها ورأى من الناس رِعَة سيئة([13])، فقرأ هذه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الآية [آل عمران: 110]. ثم قال: يا أيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله منها([14]).

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو علامة الخيرية وشرطها.

نشر في ساسة بوست
                                        



([1]) وقد نقلنا من قبل كلمة المستشرق الأمريكي مايكل كوك التي يعترف فيها بأن الثقافة الغربية لم تعرف اسمًا لمسئولية الإنسان تجاه الآخرين. وهذا النقل من باب "وشهد شاهد من أهلها" أما نحن فيكفينا قول ربنا: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
([2]) ابن تيمية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص12.
([3]) الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن ص561.
([4]) وقد اقتصر بعض العلماء في تعريفه على مقياس "الشرع" فحسب ويُرى في كلامهم –أحيانًا- خشية أن يكون دخول "العقل" فيه فتحًا لباب الحكم بالهوى؛ سواء بالتشديد أو التفريط (مثلاً: البهوتي: كشف القناع 3/35، الشوكاني: إرشاد الفحول 1/206)، فيما قال البعض الآخر: إن العقل غير الهوى وأنه محمول على العقل السوي والفطرة السليمة. ويُلمح في أقوالهم –أحيانًا- خشيةً من أن يؤول ذلك إلى قصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على العلماء فحسب، (مثلاً: القاسمي: محاسن التأويل 9/537، محمد رشيد رضا: تفسير المنار 4/23). وقد كثر التفصيل في الأمر للخلاف الشهير بين أهل السنة والمعتزلة في مسألة العقل وأصولهم الخمسة، التي منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انظر: الماوردي: أدب الدنيا والدين ص95 وما بعدها، وشرحه: خان زاده: منهاج اليقين ص158 وما بعدها.
([5]) الزجاج: معاني القرآن وإعرابه 1/452، وانظر أيضًا: أبو حيان: البحر المحيط 3/290، الواحدي: الوجيز ص226، البغوي: معالم التنزيل 1/486، محمد رشيد رضا: تفسير المنار 4/23، الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير 4/38.
([6]) ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن ص249، الطبري: جامع البيان 7/90، الجصاص: أحكام القرآن 2/315، النيسابوري: إيجاز البيان 1/200، 201، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 4/165، الشوكاني: فتح القدير 1/423، السعدي: تيسير الكريم الرحمن ص142.
([7]) ابن عطية: المحرر الوجيز 1/486، الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير 4/39.
([8]) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 2/91.
([9]) مسلم (55).
([10]) مسلم (49).
([11]) مسلم (50).
([12]) ابن تيمية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص18.
([13]) رِعَة سيئة: سوء أدب.
([14]) الطبري: جامع البيان 7/102.