الأحد، يونيو 05، 2011

الموقف الحضاري لعلماء الإسلام.. حديث "العدوى" نموذجا

في كل عصر غرائب، ثم يأتي العلم فإما أن يثبت أنها خرافة، وإما أن يعطي التفسير العلمي لهذه الظاهرة الغريبة.. وفي كل عصر شجعان تصدوا لمحاربة الخرافات، وهؤلاء يكونون روَّاد النهضات وجذورها..

في هذه الدراسة سنرى كيف تعامل العلماء المسلمون مع ظاهرة غريبة، هي انتقال المرض من شخص إلى آخر، لم يكن العلم قد أثبت أن العدوى حقيقة علمية، ثم جاء الشرع بنصوص تحتمل بعض الأوجه، فتعددت الأفهام في المسألة، كل فهم على قدر ما أوتي من الذكاء ومن معارف العصر.. وسنرى أيضا كيف كان منهج العلماء في التعامل مع نصوص القرآن والسنة في ضوء ما يستجد من العلوم والمعارف.

***

ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث لم نعرف إعجازها العلمي إلا في أيامنا هذه، مثل قوله –صلى الله عليه وسلم- "إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا"[1].

وقوله: "لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ[2] وَلاَ هَامَةَ[3] وَلاَ صَفَرَ[4]، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ"[5].

وما ورد من أنه –صلى الله عليه وسلم- حين كان يستقبل وفود القبائل للمبايعة، كَانَ فِى وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِىُّ: "إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ"[6]، ولم يستقبله أو يصافحه كما هو المعهود في أخذ البيعة.

ولكن ورد عنه حديثين آخرين يفيدان في ظاهرهما لأول الأمر نفي وجود العدوى، حديث أبي هريرة أنه –صلى الله عليه وسلم- قال: "لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ إِبِلِي تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيَأْتِي الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا فَقَالَ فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ"[7] .

كما روى جابر (رضي الله عنه) أنه – صلى الله عليه وسلم- أخذ بيد مجذوم فأدخله معه في القصعة ثم قال "كل بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه"[8]، أي أكل معه.

وجوّ الأحاديث هي أنها تنهى عن التشاؤم والوساوس والتعلق بالأوهام، وتؤكد الإيمان والتسليم بقدر الله تعالى، وأن كل شئ يجري بأمره، فكان طبيعيا أن يختلف علماء العصور الماضية في التوفيق بين هذه الأحاديث.

إن الموقف الذي يحترمه العقل، والذي هو موقف متطور في ذلك الزمان، أن يرفض العلماء تعليق الناس بالأساطير والخرافات والأوهام، وأن يحاربوا الاعتقادات المبنية على الظنون وعلى التشاؤم أو على الكهانة أو على قراءة الطالع، وبالمجمل: أن يرفضوا كل ما من شأنه ألا يقوم في العقل على أساس متين.

وفي عصر لم يثبت فيه بشكل قاطع وجود شيء اسمه "العدوى" في المرض، كان من الطبيعي أن يظن كثير من العلماء عدم وجود العدوى أساسا، تعلقا بقوله صلى الله عليه وسلم "لا عدوى"، وأن تصبح العدوى حينها شيء من خرافات الناس وأوهامهم مثل تشاؤمهم ببعض الأشياء، ومثل تعلقهم بالأنواء والودع وقراءة طوالع النجوم، وكان طبيعيا أكثر أن يختلفوا في الترجيح بين هذه النصوص التي يبدو في ظاهرها التعارض، وأن يميل كثير منهم إلى محاولة تفهم الحكمة من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الإطار.. إطار رفض ونفي ومحاربة أوهام الناس واعتقاداتهم الباطلة التي ليس لها أساس.

والحقيقة أن الموضوع لا يمكن فهمه بشكله الصحيح إلا بعد أن ثبت وجود العدوى بشكل علمي قطعي في الأمراض. وهذا ما لا يمكن أن نطلبه ممن عاش قبل قرون[9].

ولقد استعرض الحافظ ابن حجر مسالك العلماء في التوفيق بين الأحاديث فبلغت ثلاثة مسالك، ورغم أن لكل فريق أدلته فسيرى القارئ كم هي توفيقات ضعيفة ومتهافتة للخطأ في "فهم" النصوص وتوقف هذه الأفهام عند العلوم والمعارف في عصرها:

1. بعضهم رأى عدم الفرار من المجذوم وقال بأن الأحاديث التي قالت هذا منسوخة.

2. ورفض الأكثرون دعوى النسخ لأنه لابد للنسخ من دليل قوي، وبما أنه لا دليل على ذلك فقد قالوا بجواز القرب من المجذوم والأكل معه ولكن يستحب الابتعاد عنه أو الفرار منه.

3. وسلك آخرون مسلكا في الترجيح بين هذه النصوص، ففريق يرجح نصوص وجود العدوى ويبحث عن تضعيف للأحاديث التي تنفيها، وفريق يرجح نصوص عدم وجود العدوى ويبحث عن تضعيف للأحاديث التي تُثبتها.

ولكن، وحيث أن الحقيقة أن النصوص التي تنفي العدوى وتثبتها نصوص صحيحة، كان مسلك الجمهور هو الجمع بين هذه الأحاديث والتوفيق بينها، وبلغت محاولات التوفيق فيها ستة آراء، ذكرها ابن حجر، ملخصها:

- فريق قال بأنه لا وجود للعدوى، وحديث "فر من المجذوم" إنما هو رعاية لمشاعر المجذوم الذي يُحزنه أن يرى السليم المعافى.

- وفريق قال بأنه لا وجود للعدوى فلهذا كان الاقتراب من المجذوم والأكل معه جائزا لذي اليقين والتوكل على الله والذي لن يَشك في أنه لو أصيب فإنما أصيب بقدر الله، وأما نهي النبي عن الاقتراب من المجذوم ودخول أرض الطاعون فهي لعامة الناس ممن يُخشى على إيمانهم ويقينهم، فهم إذا أصيبوا آمنوا بالعدوى وضعف إيمانهم في أن كل شئ بأمر الله وقضائه فلهذا نهاهم النبي لئلا يتعرضوا لهذه المحنة في الدين.

- فريق قال بأنه لا وجود للعدوى إلا في أمور الجذام والبرص والجرب، فاعتبر النص العام هو نفي العدوى، ويخصصه نص الجذام.

- أما القول الصحيح وهو الذي قال به الجمهور من العلماء، ويغلب على الظن أنه المعنى الصحيح للحديث فهو أن العدوى موجودة ولكن قوله صلى الله عليه وسلم "لا عدوى" إنما يعني أن الأشياء والأمراض ليست لها قدرة خارجة عن قدرة الله، فالنفي في الحديث كان نفيا لاعتقاد الجاهليين من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، ولكن الله يجعل مخالطة الصحيح للمريض بمرض معد من الأسباب التي يمرض بها الصحيح.

وذكر ابن حجر أن هذا مذهب أكثر الشافعية، ومذهب ابن الصلاح وآخرين[10]، ورجح النووي هذا الرأي وقال بأنه رأي الجمهور: "فهذا الذي ذكرناه من تصحيح الحديثين والجمع بينهما هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء ويتعين المصير إليه"[11].

وإذاً، فكل هذا الخلاف الدائر كان لسبب واحد، ألا وهو أن الدليل العقلي (العلمي) لم يكن قطعيا (مؤكدا)، ولو أن العدوى كانت ثابتة بيقين لما ظهر الخلاف، ولاجتمعت الأقوال عند تفسير الحديث بأن المراد من النفي هو نفي استقلال الأشياء عن إرادة الله وقدرة الله (وهو الرأي الأخير)، وحينئذ ينتهي الخلاف تماما. وبهذا تجتمع الأحاديث الصحيحة وتتفق مع بعضها ومع العلم الحديث.

ولا يمكننا، إذا أردنا الإنصاف، أن نناقش هذه الأقوال بمعزل عن المعركة التي كانت تخوضها، معركة نسف الأساطير والخرافات والأوهام والتعلق بالظنون، فموقف نفي العدوى في وقته وحينه كان موقفا حضاريا ومتقدما وعقلانيا أيضا، فضلا عن كونه منسجما مع وجه تأويل للنص الشرعي.

ومثل هذا كثير جدا في أقوال العلماء القدامي الكبار، وهم -مهما بلغوا- أبناء عصرهم، فإذا جاء من يُخرج لنا اختياراتهم "العصرية" هكذا بغير خلفية الزمان والمكان والمعركة التي يخوضونها في وقتهم، ومبلغ العلوم في عصرهم، لأساء لهم إساءة بالغة، وشوه سيرتهم واتهم علمهم، بل الحق لأساء إلى نفسه ومنهجه وأبان عن ضيق أفق وقلة نظر، وكان كالحاطب بليل، ومثل هذا لا يقبل منه بعدئذ شهادة ولا حكم.

ولهذا فما إن ثبت وجود "العدوى" كحقيقة علمية إلا وقاد العلماء مهمة نفي "الأفهام" الخاطئة، وكان على رأسهم في هذا السبيل رجل كالإمام ابن القيم[12] الذي انتهى به الرأي إلى التشكيك في الحديث الصحيح لأجل الدليل العقلي القطعي، فكان أن أفرد فصلا في كتابه (زاد المعاد) عنوانه "فصل في هديه r في التحرز من الأدواء المعدية بطبعها وإرشاده الأصحاء إلى مجانبة أهلها"[13]، وقال فيه خلاصة رأيه فذهب إلى أن الأحاديث التي تنفي العدوى غير ثابتة، واعتبر أن سكوت أبي هريرة وتوقفه عن التحديث بما ينفي العدوى يشير إلى أنه وَهِمَ فيه، وضَعَّفَ حديث جابر {، ثم قال: "فهذا شأن هذين الحديثين اللذين عورض بهما أحاديث النهي أحدهما: رجع أبو هريرة عن التحديث به وأنكره، والثاني: لا يصح عن رسول الله r والله أعلم"[14].

مع أن حديث أبي هريرة هذا له طرق أخرى صحيحة من غير طريق أبي هريرة كما قال ابن القيم نفسه من قبل في مفتاح دار السعادة[15]. ولكن ابن القيم الذي ثبت عنده بالدليل القطعي وجود العدوى يسير على قاعدة واضحة في التعامل مع النصوص الشرعية التي ظاهرها التعارض، وهي قوله:

"فإذا وقع التعارض فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتا فالثقة يغلط أو يكون أحد الحديثين ناسخا للآخر إذا كان مما يقبل النسخ أو يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه صلى الله عليه وسلم فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة. وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخا للآخر فهذا لا يوجد أصلا ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق والآفة من التقصير في معرفة المنقول والتمييز بين صحيحه ومعلوله أو من القصور في فهم مراده صلى الله عليه وسلم كلامه على غير ما عناه به أو منهما معا ومن ها هنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع"[16].

***

إن منهج العلماء من قديم أن يعيدوا النظر في "فهمهم" و"فهم أسلافهم" للنصوص إذا ثبت بالعلم ما يخالف ظاهرها، ودائما يوجد وجه الجمع بين معارف العلم الحديث ونصوص القرآن والسنة، وهذا من الإعجاز القرآني والنبوي ومن دليل صلاحه لكل زمان، فأهل كل زمان يفهمون منه على قدر معارفهم حتى تظهر معارف أخرى جديدة فنجد للحديث أو للآية معنى آخر هو أشد إعجازا.

نشر في: المركز العربي للدراسات والأبحاث



[1] البخاري (5396) ومسلم (2218).

[2] الطيرة: هي التشاؤم

[3] الهامة: طائر كانت العرب تتشاءم منه، وقيل هي البومة، أو هو نفي النبي لما كانت العرب تعتقده من أن عظام الميت أو روحه تنقلب هامة تطير. انظر: النووي: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج،، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ. 14/214، 215.

[4] الصفر: قيل هو دود يسبب مرضا في البطن، وهو مُعدٍ، وكانت العرب تخاف منه أكثر من الجرب، وقيل هو شهر صفر والمراد هنا النهي عن النسئ الذي كانت تفعله العرب وهو تأخير حرمة القتال من الأشهر الحرم إلى غيرها، ومنها تأخير المحرم إلى صفر. انظر: النووي: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 14/214، 215.

[5] البخاري (5707).

[6] مسلم (2231)، ابن ماجه (3544).

[7] البخاري (5387) ومسلم (2220).

[8] الترمذي (1817). وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يونس بن محمد عن المفضل بن فضالة، وضعفه الألباني في التعليق على سنن الترمذي.

[9] ومن يدري ربما كان للأحاديث فهم آخر أصح من هذا سيكتشفه من بعدنا بقرون، وسينظرون إلى كلامنا الآن كما نظرنا نحن إلى كلام أسلافنا رحمهم الله.

[10] ابن حجر العسقلاني: فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ. 10/158: 163.

[11] النووي: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 14/213.

[12] لابد من الإشارة هنا إلى أن المختصين بالطب من علماء الحضارة الإسلامية أثبتوا وجود العدوى، بل الحقيقة أنهم أول من أثبت هذا علميا، وهذه شهادة المستشرق الكبير والطبيب المختص بالعيون "ماكس مايرهوف" في مبحثه (العلوم والطب) المنشور بكتاب (تراث الإسلام - بإشراف أرنولد)، وفيه يذكر أقدم أقوال في ثبوت العدوى وهو قول لسان الدين بن الخطيب (وهو المؤرخ المشهور صاحب كتاب الإحاطة في أخبار غرناطة – ت 776 هـ = 1374م) "وقد ثبت وجود العدوى بالتجربة والاستقراء والحس والمشاهدة والأخبار المتواترة وهذه مواد البرهان"، كما نقل عن ابن خاتمة (ت771 هـ = 1369م) قوله "وجدت بعد طول معاناة، أن المرء إذا ما لامس مريضا، أصابه الداء وظهرت عليه علاماته، فإن نرف الأول دما، نزف الآخر، وإن ظهر في الأول ورم ظهر على الآخر أيضا... وهذا هو سبيل انتقاله من المريض الثاني إلى الثالث..."، انظر: تراث الإسلام بإشراف أرنولد، ترجمة جرجيس ترجمة جرجس فتح الله - بيروت، 1973م. ص487، 488. (ولم أستطع الحصول على المصادر الأصلية، ورسالة ابن خاتمة في الطاعون ما تزال مخطوطة لم تطبع على حد علمي)، وكلا الطبيبين –ابن الخطيب وابن خاتمة- كانا معاصرين لابن القيم الذي توفي عام 751هـ.

إلا أنه ينبغي أن نضيف –للحقيقة العلمية والتاريخية- أن علماء الطب المسلمين كانوا قد اكتشفوا العدوى قبل ذلك بأكثر من ثلاثة قرون على أقل تقدير، وهذا الطبيب النابغة علي بن العباس المجوسي (توفي نحو 400هـ = 1009م)، يقول في كتابه (الكامل في الصناعة الطبية) بوضوح: "فأما التحرز من الأمراض المعدية كالجذام والجرب والسل والبرسام والجدري والرمد، فإن هذه الأمراض تُعدي من يجالس صاحبها؛ فينبغي أن لا يجالس الإنسان أمثال هؤلاء، ولا يأوي مع من هذه حالته في بيت واحد، وأن يتباعد عنهم إلى مواضع تكون فوق الرمح". انظر: الكامل في الصناعة الطبية، علي بن العباس المجوسي، ص64، 65. فهذا يؤكد أن المسلمين عرفوا أمر العدوى في الأوساط الطبية منذ النصف الثاني من القرن الرابع الهجري على الأقل.

[13] ابن القيم: زاد المعاد في هدي خير العباد مؤسسة الرسالة، بيروت الطبعة السابعة والعشرون , 1415هـ /1994م. 4/134.

[14] ابن القيم: زاد المعاد 4/134.

[15] انظر: مفتاح دار السعادة 2/264، وبصحة الطرق الأخرى قال النووي في المنهاج 14/214، وكذا قال ابن حجر في الفتح 10/160.

[16] ابن القيم: زاد المعاد 4/134.

السبت، يونيو 04، 2011

من تدبير الله للثورة المصرية

في المقال السابق كان الحديث عن تدبير الله للثورة المصرية في "جمعة الغضب" حيث سار هذا اليوم دون تنسيق مسبق من أحد في أفضل مسار محتمل بما أخرج كل جهاز الشرطة من المعركة، وأنزل من لم يكن مؤيدا للثورة إلى الشوارع للقيام بمهمة الحماية الشعبية مما زاد في تدعيم موقف المتظاهرين والمعتصمين في التحرير وأفشل خطة نشر الرعب وزاد في كسر الشرطة.

في هذا المقال نرصد تدبيرا آخر من تدبير الله للثورة المصرية، وذلك هو "القنوات السلفية"..

لقد سمح النظام البائد بوجود قنوات للسلفيين لتحقيق مجموعة من الأهداف، على رأسها ترسيخ وجوده في السلطة باعتبار ما يحمله الفكر السلفي من آراء تتركز على "حقن الدماء" و"إخماد الفتن بين المسلمين" بما يستتبع هذا من آراء تحرم الخروج على الحاكم طالما كان الفارق في القوة والقدرة يميل إلى أن هذا الخروج لن يحقق تغييرا حقيقيا ولن ينتج عنه إلا إسالة الدماء والدخول في فوضى!

لسنا في مقام تقييم هذا الفكر الآن، لكنه على كل حال وجهة نظر تنطلق من الحفاظ على الدماء والأعراض والأموال والبلاد..

وللأمانة والتاريخ فقد أفاد النظام من هذا المنهج في أكثر من موقف، لا سيما حرب غزة وحرب لبنان وحركات الاحتجاج والمعارضة والإضرابات.. لا سيما وقد منع النظام تماما ظهور شيوخ السلفية السكندرية أو السلفية الحركية في القاهرة وهم أكثر تشددا وتصلبا في موقفهم من الحاكم، وأكثر فهما واستيعابا لمشكلات السياسة.

لكن الذي لم يخطر للنظام على بال أن القنوات السلفية قد أحدث موجة إسلامية هائلة في طول مصر وعرضها، بل في طول العالم العربي وعرضه، حتى أصبح الشيوخ رموزا ونجوما شهيرة وقد كان لا يعلم أسماءهم غير طلبة العلم، ودخل الدين قرى ونجوعا بعيدة في أعماق الصعيد وأطراف السواحل، ولقد فوجئ الجميع بمن فيهم طلبة العلم وحتى الشيوخ أنفسهم بما حققوه من نجاح جماهيري كبير، وما زلت أذكر قول الشيخ يعقوب "لقد حققت هذه القناة (الناس) في عام واحد ما عجزنا عن تحقيقه في المساجد في عشرين سنة"، وشخصيا أعرف بيوتا وعائلات كاملة تابت على هذه القنوات، وأعرف قرى بعيدة أنبتت فيها هذه القنوات مجموعات شبابية إصلاحية ناشطة، وأعرف كثيرا جدا من العلاقات المهددة بين الأرحام والأزواج انتهت بمواعظ الشيوخ..

ومن بين النجاحات الرائعة لهذه القنوات السلفية أن شيوخها كانوا في الأغلب الأعم ذوي مسؤولية دينية فلم يسخروا برامجهم للطعن في غيرهم من الإسلاميين كالإخوان مثلا (وكان هذا أحد أهداف النظام)، بل جعلت هدفها هداية الناس دون الدخول في معارك مع أحد، وكان لهذا فوائد رائعة كثيرة، أهمها أن الشيوخ صاروا رموزا إسلامية عامة وأن الإسلاميين على اختلاف أطيافهم استفادوا من ثمار هذه القنوات.

ولا فضل في هذا التدبير لأحد إلا لله..

ولما بدا أن الأمور تسير على طريقة غير التي أرادها النظام، وتسبب المد الإسلامي في فزع هائل للتيارات العلمانية، بدأت مراحل التضييق والتأديب لهذه القنوات، ثم لم يصنع هذا كثير فائدة، فتم إغلاقها مرة واحدة.

وما هي إلا شهور حتى اشتعلت الثورة المصرية، وقد سَخَّر النظام كل إمكانياته الإعلامية عن آخرها لإخماد الثورة ولم يفلح، ذلك أن أحدا لا يثق في إعلام النظام ولا منافقيه.. لقد فقد النظام الإعلام الوحيد الذي يثق فيه الناس والذي قد ينفعه في مثل تلك الظروف، وهو القنوات السلفية!

لقد شارك كثير من السلفيين وشيوخهم في الثورة، إلا أن الذين شاركوا ثائرين كانوا هم الممنوعين من الظهور كشيوخ السلفية الحركية، فيما كانت السلفية العلمية على تردد منها أو على رفضها (تبعا لقاعدتهم في الموازنة بين احتمالات المكاسب والخسائر، والتي أوضحناها سابقا).. وحتى بعد التنحي ظل كثير من الشيوخ في موقف المضطرب المتردد غير المصدق أن قناعاته التي ظل يدرسها ويؤكدها قد ثبت خطؤها.

ولو كانت هذه القنوات مستمرة أثناء الثورة لكانت خطرًا عليها بلا أدنى شك، لأن أهلها مخلصون لفكرة يرونها حقا ودينا وليسوا أصحاب مصالح خاصة كغيرهم من منافقي النظام البائد!

ثم عادت القنوات الإسلامية بعد ذهاب النظام، عادت وقد ارتفعت عنها يد الدولة وقيودها، وهي الآن الصوت الإسلامي الوحيد الموجود الذي يواجه الهجمة العلمانية الرهيبة على الإسلاميين منذ ما قبل الاستفتاء على تعديل الدستور!

هكذا دبر الله للثورة المصرية..

لقد تخوفنا حين أُنشئت هذه القنوات برعاية النظام وتوقعنا أنها لمواجهة الإخوان وترسيخ حكم السلطة، ثم غضبنا حين أغلقوها بعدما هدى الله بها كثيرا من الناس.. فمن غير الله كان يدري أن إنشاءها كان خيرا وأن إغلاقها أيضا كان خيرا وأن عودتها بعدئذ سيكون خيرا..

(ويمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين) صدق الله العظيم.

نشر في "شبكة رصد الإخبارية"

الجمعة، يونيو 03، 2011

حضارة الإسلام في مشهد الجمعة

ذات يوم جمعة، وقعت حادثة استحقت أن تنزل فيها آيات، إذ كان النبي (صلى الله عليه وسلم) قائما يخطب، وقد أصاب المدينة مجاعة، فأقبلت عير فيها تجارة، فانطلق الناس إليها حتى لم يبق مع النبي إلا اثنا عشر رجلا[1].

نزلت سورة الجمعة، التي هي –كما كل الآيات القرآنية- لا تعالج الموقف لذاته فحسب، بل تعطي الأمة توجيها خالدا في كل عصورها، ولذا فإن النظر إلى سورة الجمعة بعين تقصد أن ترى المعنى الحضاري فيها يُفضي إلى نتيجة جديدة تماما، لم تنل حظا من أهل التفسير على حد ما أعلم وإن ظهرت في سياق تفاسيرهم بشكل مُجّزَّأ، تلك هي: أن سورة الجمعة إنما نزلت لتُذَكِّر الجماعة المسلمة بتميزها الحضاري، ولتُوَضِّح معالم الحضارة الإسلامية.

التأمل في سورة الجمعة يكشف لنا رؤية أقسام ثلاثة واضحة، متمايزة ومترابطة:

1. أن هذه الأمة المسلمة هي غرس رباني.

2. وأنه معهودٌ إليها أن تستفيد من سيرة التاريخ، وأن تصحح مسيرته.

3. وأن تنتبه إلى رسالتها في الحياة فتملك الدنيا دون أن تملكها الدنيا.

***

لقد بدأت قصة الإسلام فجأة، لم يكن ثمة ما يشير إلى أن هذه البقعة المهملة في خارطة التاريخ والجغرافيا آئنذاك قد تكون ذات أهمية يوما ما، فتلك بلاد قبلية، أهلها أميون، يعيشون جاهلية في الأفكار والأعمال، ولا يفكرون في إنشاء حضارة.. ولهذا كان انتقالهم المفاجيء نحو التوحد والسيادة على الجزيرة ثم مجابهة الكبار: فارس والروم، ثم امتلاك ناصية العلوم والحضارة، كل ذلك كان بتدخل رباني محض، نعمة على هؤلاء القوم لا شريك له فيها.

(هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).

ولذا، فإن سر هذه الأمة في هذا الدين، فهو الذي نقلهم من البداوة إلى الحضارة، ومن الجاهلية إلى السيادة، أو كما يقال: من رعاة الغنم إلى رعاة الأمم.

ورعاية الأمم لا تعني التسلط عليهم ولا قهرهم، بل تعني قيام الأمة بدورها في توصيل الرسالة لهم، ذلك أن الرسالة إنسانية عالمية خالدة لم تنزل على العرب لتزرع فيهم بذور عنصرية أو تمييز، بل لتحملهم مسؤولية الدعوة وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

وبهذا تكون الأمة أطول عمرا، وأكثر اتساعا، وأمضى في تاريخ الخلود؛ فهي أمة نشأت من الفكرة، أنشأتها الرسالة الإسلامية، تمتد في طول الزمان بتتابع الأجيال وفي عرض المكان باتساع البلدان.

(وآخرين منهم لما يلحقوا بهم، وهو العزيز الحكيم)

ولما سئل النبي عن هذه الآية أشار إلى سلمان الفارسي وقال: "لو كان الإيمان عند الثُّرَيَّا لناله رجال -أو: رجل-من هؤلاء"[2]، وسلمان من غير العرب، من فارس، ولذا قال العلماء بأنها تعني كل من صدَّق النبي من غير العرب[3].. فهذا هو اتساع المكان.

وأما طول الزمان ففي حديث آخر، يقول (صلى الله عليه وسلم): "إن في أصلاب أصلاب أصلاب أصلاب رجال رجالا ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، ثم قرأ: (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم)[4].

وهذه الأمة على كثرة الأجناس والأقوام، وعلى تتابع الأزمان والأجيال، تبقى عربية الروح والثقافة، تلتف حول اللسان العربي، وهذا معنى دقيق فقهه الشيخ الطاهر بن عاشور من الآية وقال بأن (منهم لما يلحقوا بهم) هي بمعنى الاتصال، أي أن العرب وغيرهم، والجيل وغيره، أمة واحدة متصلة ببعضها، ثم إنهم يلحقون بالعرب أي يتعربون لفهم الدين وتلاوة القرآن، وهي بشارة غيبية بأن دعوة النبي ستبلغ أمما غير عربية وأنهم يحتضنونها ويلتحقون بالعرب[5].

من كان يحلم بشيء من هذا الخلود والتفوق والسيادة من العرب المقيمين بالجزيرة في القرن السادس الميلادي؟ لا أحد بكل تأكيد..

(ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم).

وهنا، بهذا التأكيد، ينتهي المقطع الأول من سورة الجمعة، ليعرف المسلمون أنهم أمة نشأت بنعمة الله وفضله، وأن هذا الدين هو سر نهوضهم، وبه كان تفوقهم وخلودهم.

***

ويأتي المقطع الثاني الذي يُعطي الأمة خلاصة التاريخ الذي ينبغي أن تستفيد منه، وأن تصحح مسيرته، تاريخ قوم حملوا أمانة الرسالة من قبل فلم يحفظوها، فلهذا نقل الله رسالته إلى هذه الأمة.

إنهم بنو إسرائيل، آتاهم الله التوراة (فيها هدى ونور)، وفيها هذا النبي الأمي (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل).. إلا أنهم لم ينتفعوا بها إذ لم تتهذب عقائدهم ولا أخلاقهم، فضرب الله لهم هذا المثل:

(مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا، بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، والله لا يهدي القوم الظالمين).

ولهذا ينبغي أن تفهم الأمة أن حضارتها حضارة عمل وتطبيق لا مجرد تنظير وتقعيد، حضارة وعي وفهم وتشرب للمنهج لا مجرد الاحتفاظ به وحمله في السيارات والمكتبات، أو حتى تلاوته في المحافل والمناسبات فحسب.

والتشبيه بالحمار الذي يحمل الأسفار تشبيه مركب؛ فالحمار لا يعرف قيمة ما يحمله أصلا، غير أنه لن ينتفع بها حتى ولو نشرت أمام عينيه، فكأنما بلغ بنو إسرائيل حد الإياس من انتفاعهم بما أنزل عليهم[6].

وهذا مثل مضروب للأمة المسلمة، لتعلم به أن مكان القرآن في حياتها هو مكانه من العمل والتنزيل والتنفيذ، وأن منهجها يجب أن يكون في روحها ووجدانها لا في السطور أو الصدور وحدها!

في هذه الحالة يكون القرب من الله واستحقاق الصلة به مرتبط بهذه الأمانة، ولا يكون ثمة مكان للادعاء الفارغ أو زعم الخيرية أو مباهاة الناس بالباطل.. بل يكون القرب من الله وحمل رسالته مصحوبا بما يؤكده من عمل وتطبيق وجهاد، حتى لو أنه جهاد يتطلب ذهاب النفس في سبيل الرسالة.

كل هذه الأمور لم تكن عند اليهود..

(قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين * قل إن الموت الذي تفرونه منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون).

وهنا، وبهذه الحقيقة القائمة الراسخة.. حقيقة الموت، ينتهي هذا المقطع من السورة، وقد كان يقدم للأمة المسلمة خلاصة تاريخ أمة سابقة، لكي تعرف منه خصائص رسالتها وحضارتها، فتقوم بتصحيح المسيرة وتضرب المثل للأمة التي حملت الرسالة بحق، فكانت خير أمة أخرجت للناس.

***

ثم يأتي المقطع الأخير الذي نزلت لأجله السورة نفسها، وفيه التنبيه على أن هذه الأمة تنظر إلى الآخرة أكثر من الدنيا، مع احتفاظها بالتوازن المطلوب بين الدنيا والآخرة، ولهذا فإن ثمة لحظات بعينها ينبغي أن تصفو فيها الأمة من الدنيا وأن تتركها إلى حيث يُذكر الله.

(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون).

رغم أن البيع ليس حراما (وأحل الله البيع)، بل هو مطلوب كسائر أعمال الرزق الحلال، لكن هذه اللحظة ليست كغيرها، حتى قال ابن كثير: "اتفق العلماء على تحريم البيع بعد النداء الثاني (حيث يكون الخطيب قد صعد)، واختلفوا: هل يصح؟ وظاهر الآية عدم الصحة[7].

فهي لحظة خاصة واستثنائية في حياة الأمة المسلمة، والعجيب أنه جل وعلا ذكر "البيع" ولم يذكر أي نشاط آخر للمسلم، ذلك أن البيع هو عملية الربح والحصول على المال، وبرغم هذا فإن ترك هذا البيع والذهاب للجمعة (خير لكم إن كنتم تعلمون).

وحيث أن الآخرة هي الغاية، وهي المعيار، إلا أن الإسلام منهج متوازن..

(فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون)

فحتى الخروج للدنيا وابتغاء الرزق ينبغي أن يكون مصحوبا بذكر الله ذكرا كثيرا.. إلا أن تعبير "قُضِيت الصلاة" يوحي بمعنى الإتقان، إعطاء كل ذي حق حقه، أي بعد استيفاء الصلاة يمكن للمسلم أن يخرج في طلب الرزق، ولهذا لم يكن التنديد القرآني لمن طلب الرزق في القافلة، بل كان لمن ترك الصلاة لأجل ما في القافلة، فانصرف قبل اكتمالها.

(وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما، قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين)

كان عرَاك بن مالك رضي الله عنه إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم إني أجبتُ دعوتَك، وصليتُ فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين[8].

هذا أصدق تعبير عن العقلية المسلمة التي تؤمن بأن الله فوق كل شيء، وأن ما عند الله هو خير مما يبدو لنا أنه خير.

***

بقي ملمح آخر للحضارة الإسلامية كما ظهرت في سورة الجمعة؛ وهو ملمح كامن ومنتشر في كل السورة، ومسيطر على روحها، ذلك هو أمر التوحيد.

إن اسم الله جل وعلا ذُكِر في كل آية من آيات السورة، وهذا يعني –بشكل واضح- أن هذه الحضارة مركزها "الله" تبارك وتعالى، فهو صاحب الوجود (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض)، وهو صاحب الغرس (هو الذي بعث في الأميين رسولا)، وهو الذي شرع الشرائع وكلف بالأعمال (فاسعوا.. ذروا.. فانتشروا .. ابتغوا)، وهو الذي يعلم الغيوب والخفايا (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون)، وهو الذي يضمن المستقبل (والله خير الرازقين).. هذه المركزية للتوحيد ظاهرة في كل إنتاج الحضارة الإسلامية، من الأفكار والفلسفات وحتى الزخارف الفنية.

نشر في مجلة "الوعي الإسلامي"، العدد 551، رجب 1432، يونيو 2011



[1] البخاري (894)، ومسلم (863).

[2] البخاري (4615)

[3] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 8/116.

[4] الطبراني (6005)، وابن أبي عاصم في السنة (243)، وقال الهيثمي: إسناده جيد، وصححه الألباني في ظلال الجنة (309).

[5] الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير 28/212.

[6] محمد الأمين الشنقيطي: تفسير أضواء البيان 8/196.

[7] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 8/122.

[8] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 8/122، 123.

الأربعاء، يونيو 01، 2011

النخبة المصرية.. القذافيون الجدد!!

أضحك العقيد معمر القذافي الملايين حول العالم بتعريفه اللوذعي للديمقراطية، فأصلها عنده (ديموكراسي democracy) وهي تعني "ديمو كراسي" أي "الدهماء على الكراسي".. هكذا قال العقيد!!

لك أن تضحك ما تشاء، وللمؤرخين بعد مئات السنين أن يندهشوا ما شاءوا، وللأجيال أن تحكم عليه بما تشاء.. ذلك أن التعريف جمع بين عمق لغوي ورصانة فكرية وانتقال دقيق بين الأصوات والألفاظ والمعاني والدلالات..

ليس العجب من القذافي فهو رجل دائم الإدهاش، إنما الجديد هو أن الأيام الماضية قد أثبتت أن "النخبة" المصرية تعتمد نفس تعريف القذافي للديمقراطية!! وكنا نظن في سالف الأيام أن نخبتنا أعقل من القذافي حتى جاءتنا الأيام بما خيَّب ظنوننا.

النخبة في مصر الآن تتحدث بوضوح، والحرب تجري على المكشوف، والعبارات صريحة مهما تزخرفت وناورت والتفت ودارت وتسلقت: الإسلاميون لهم شعبية جارفة، ولا نستطيع مقاومتهم، وإذا جاءت انتخابات نزيهة فإنهم سيكتسحونها، ثم يكتبون الدستور. ولهذا فلا بد من تأجيل الانتخابات ما أمكن، وكتابة الدستور أولا، وأما الفترة الانتقالية فلا مانع لو طالت في حكم الجيش ويا حبذا أن لو كانت عبر مجلس رئاسي.. هذه –زعموا- هي المصلحة الوطنية التي لا تجعل الحكم في يد الشعب العاطفي المتدين بطبيعته الذي ما زال يحبو في سلم الديمقراطية وغير القادر على تمييز الاختيار الأصوب في اللحظة الحرجة التاريخية التي تمر بها مصر.

الديمقراطية إذن، هي "الدهماء على الكراسي".. كما عرفها الأخ العقيد معمر القذافي!

القذافي أيضا كان يرى نفسه إمام المسلمين وعميد الحكام العرب وملك ملوك إفريقيا.. نخبتنا كذلك يرون أنفسهم حكماء التاريخ وفلاسفة الرأي وفقهاء القانون وأهل الحل والعقد.. وقد صارت صحفهم الآن لا تصف الواحد منهم بغير "الخبير في الشأن الفلاني" حتى لو كان صحفيا مجهولا عمل لحساب أجهزة داخلية أو خارجية وافتتح مركزا للدراسات (لا نعرف له إصدارا واحدا أو دورية واحدة أو حتى موقع على الانترنت)!!

يرى القذافي أن الخطر على ليبيا هو من الإرهابيين الإسلاميين.. وهو –أيضا- نفس الذي تراه نخبتنا!! وقد استعمل القذافي كتائبه الأمنية فيما استعملت نخبتنا كتائبها الإعلامية.. ومثلما لم تُجْدِ كتائب القذافي نفعا لم تُجد كتائب النخبة نفعا!!

وكما لجأ القذافي في خطابه الذي كان في الثلث الأخير من الليل إلى التوسل إلى القبائل وإلى العالم، لجأت نخبتنا إلى التوسل إلى العالم أيضا ولقد فاضت الأخبار بهذه الأنباء حتى انزعج منها مارك فرانكو رئيس وفد المفوضية الأوروبية في القاهرة الذي صاح قائلا: "لقد تعبت ومللت من الشكوى حول الإخوان المسلمين في كل مكان، توقفوا عن الشكوى من أن طرفا آخر قوى، ابدءوا فى تقوية أنفسكم... ابدءوا فى العمل وتكوين أحزاب، اذهبوا للصعيد واعرضوا برامجكم وأظهروا ما نجحتم فيه، تحركوا وتأكدوا أن قوى التغيير تنتقل من الميدان إلى البرلمان، حيث تكون اللعبة الحقيقية، الميدان كان مهما عندما كان البرلمان عبارة عن سيرك، أما الآن فهناك إمكانية لإيجاد برلمان يعكس آراء الناس فاقتنصوا هذه الفرصة".

في الحقيقة لقد أسفت لحال الشاكي، فصورته التي يظهر لنا بها هي صورة القوي المكين الذي يملك الحشد والدعم والتأثير، بل هو يملك تفجير الثورات وإخمادها..

ورحم الله أديبنا الكبير ابن عبد ربه الأندلسي، روى في كتابه "العقد الفريد" أن رجلا ادعى النبوة فجيء به إلى أمير البصرة سليمان بن علي مُقَيَّداً، فقال له: أنت نبي مرسل؟ قال: أما الآن فأنا نبي مقيد. قال: من بعثك؟ قال: أبهذا يخاطب الأنبياء يا ضعيف؟ والله لولا أني مقيد لأمرت جبريل يدمدمها عليكم. قال: وهل المقيد لا تجاب له دعوة؟ قال: نعم، الأنبياء خاصة إذا قُيِّدت لم يرتفع دعاؤها. فقال سليمان ضاحكا: سأطلقك كي تأمر جبريل، فإن أطاعك آمنا بك وصدقناك. قال: صدق الله (فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم).

ثم عرف سليمان أنه مجنون فأخلى سبيله..

فلو كان سليمان في عصرنا لقيل له: إنه "نخبة" أو.. إنه القذافي!!

نشر في "المصريون"