محمد إلهامي - مجلة أنصار النبي - يناير 2026م
هذه أيام الذكرى الأليمة المريرة..
ذكرى سقوط الأندلس..
في مطلع يناير 1492م، قرر أبو عبد الله
الصغير حاكم غرناطة أن يستسلم، وفي يوم 2 يناير دخل الصليبيون إلى غرناطة، ورُفِع
الصليب على المنارة الكبيرة.. وانطوت دولة الإسلام في الأندلس!
بدأ الانحلال يدب إلى الأندلس، ويسري
فيها الضعف من ذلك العصر الذي عُرِف بعصر ملوك الطوائف، حيث انهار الحكم الأموي،
ولم يعد في البلد زعامة قوية، فغلب كل طامح على ما تحت يده أو ما استطاع أن يحوزه،
وإذ بالدولة القوية الفتية تتفتت إلى ثلاث وعشرين مملكة!
ومن ذلك الوقت، تعرضت الأندلس للأخطار
الوجودية، غير أنه جرى إنقاذها غير مرة على يد أمراء المغرب الأقوياء، مثل
المرابطين ثم الموحدين ثم المرينيين. فلما ذهب الأقوياء من المغرب ودب الضعف إلى
تلك البلاد أيضا، لم تجد الأندلس من ينقذها، فسقطت!
يتألم الأكثرون على سقوط الأندلس
لكونها بقعة أرض عزيزة من ديارنا المسلمة، أزهرت فيها الحضارة الإسلامية، وأنارت
تلك العصور التي يسميها الغربيون المظلمة. لكن ثمة ألما مضاعفًا يغفل عنه الأكثرون
من الناس، ويجب أن يُعرف. ذلك أن سقوط الأندلس لم يكن مجرد انهيار حضارة الإسلام
في بلد ما، بل كان الأمر أشد من ذلك بكثير..
لقد كانت الأندلس بمثابة القفل الذي
يغلق باب الشر الغربي على العالمين، فلما كُسِر القفل وانهار الباب، انفجر الشر
الذي أصاب العالم كله: المسلمين وغير المسلمين معًا.
إن سقوط الأندلس ما زال يؤثر علينا حتى
اليوم تأثيرا مباشرا وصارخا، ولكننا لا نشعر بذلك. لا نشعر به لأننا نجهل التاريخ
مع كل أسف، ونحن نجهل التاريخ لأن هذا الجهل نفسه هو نتيجة تسلط العدو علينا،
وتَمَكُّنِه مِنَّا، فلما تسلط علينا وتَمَكَّن منا أنشأ في عموم ديارنا الآن
أمثلة رديئة لملوك الطوائف الأندلسيين، وقد تولى هؤلاء الملوك تجهيلنا لكي ننسى
ونفقد الذاكرة، ومن ثَمَّ نفقد بوصلة الطريق.
لما سقطت الأندلس، استعان الإسبان
والبرتغال بأموال الأندلس وعلومها، فاستطاعوا أن "يكتشفوا" الأمريكتين
وأن يكتشفوا طريق الدوران حول قارة إفريقيا للوصول إلى الشرق بغير عبور على قلب
العالم الإسلامي في مصر والشام، ثم استطاعوا الدوران حول الكرة الأرضية عبر رأس
ماجلان.. فماذا ترتب على هذا؟!
ترتب عليه أن تدفقت عليهم أموال هذه
الديار والأرض، وأنشؤوا لأنفسهم المستعمرات، واستعبدوا ملايين البشر في إفريقيا
وآسيا والأمريكتيْن، بل طمعوا في الدخول من باب المندب إلى البحر الأحمر لهدم
الكعبة ونبش قبر النبي. ازدادوا أموالا، وبها ازدادوا سلاحا وعتادا ورجالا، وأخذوا
في غزو المغرب حتى وصلوا إلى طرابلس بعد احتلال السواحل المغربية والجزائرية.
ولولا أن قيَّض الله الدولة العثمانية ومجاهدي البحار: المتوسط والأحمر وعدن، لكان
الإسلام قد صار نسيا منسيا!
لقد افتتح العالم بعد انهيار الأندلس
عصرًا من أظلم عصوره وأكثرها دموية وعنفا: عصر الاستعباد ومحاكم التفتيش، لقد
انكسر قفل الأندلس، وانتشر الشر الغربي، فدفعت الشعوب الإفريقية وشعوب الأمريكتين
مئات ملايين الضحايا حتى بُنِي على رفاتهم وبأموالهم ومواردهم مجد الرجل الأبيض
الذي لا يزال يقهرنا حتى الآن!
إن الذين كانوا يُحاصَرون في غرناطة لم
يكونوا يعرفون أن صمودهم في المعركة قد يغير تاريخ العالم لخمسة قرون قادمة أو
يزيد. لم يكن يعرف أبو عبد الله الأحمر، آخر ملوك الأندلس، أنه حين يستسلم ويؤثر
السلامة ويتنازل عن غرناطة فإنه يزيل بيده آخر حجر في السدِّ الإسلامي الذي سينهمر
بعده طوفان الدم الصليبي في العالم كله! كذلك فإن رسائل الاستغاثة التي تلقها
الملوك في المغرب والقاهرة واسطنبول لم يكن يعرف أحدٌ من حامليها ولا قارئيها أنها
معركة فاصلة في أعمار دولهم هم: دول المغرب ومصر والشام والأناضول والبلقان!
إن التاريخ كان سيتغير تغيرا حاسما لو
أن المسلمين قد سبقوا إلى الأمريكتيْن، أو حتى استطاعوا أن يحجزوا الغربيين عن
الوصول إليها أو الوصول إلى المشرق ولو لقرنٍ واحد على الأقل.
ونحن حين نقرأ التاريخ لا نقرؤه لنبكي
إلى جوار الأوراق، بل نقرؤه لنعرف كيف نفعل حين نقوم من على الكتاب..
فإذا تأملنا في مصير الأندلس وما
أوصلها إلى ذلك، فمن حسن الحظ أن سنجد إماما كبيرا شجاعا كان في عصر ملوك الطوائف،
لخَّص لنا أسباب الحالة، وخلاصتها: خيانة الأمراء وجبن العلماء!
ذلك هو الإمام ابن حزم الذي قالها
بأسلوبه الملتهب:
"عُمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو
حصن في شيء من أندلسنا هذه، ولها عن آخرها، محارب لله تعالى ورسوله وساع في الأرض
بفساد؛ للذي ترونه عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي تكون
في ملك من ضارهم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون على أهلها،
ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين
في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله،
غرضهم فيها استدام نفاذ أمرهم ونهيهم. فلا تغالطوا أنفسكم ولا يغرنكم الفساق
والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المُزَيِّنون لأهل
الشر شرَّهم، الناصرون لهم على فسقهم. فالمخلص لنا فيها الإمساك للألسنة جملة
واحدة إلا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذمِّ جميعهم؛ فمن عجز منا عن ذلك
رجوت أن تكون التقية تسعه، وما أدري كيف هذا، فلو اجتمع كل من ينكر هذا بقلبه لما
غلبوا"[1].
وخلاصة كلامه لمن لم يفهم تلك اللغة
العالية: أصل المشاكل هو في أمراء الطوائف، وكلهم محارب لله ورسوله ومفسد في
الأرض، ومعهم علماء فُسَّاق يُزَيِّنون لهم الأمر. والواجب على الأمة ترك كل شيء
إلا تغيير هذا الحال، ومن عجز عن ذلك فربما كان يُعذر، لكن هذا نفسه مُحَيِّر، فلو
قد تكلموا جميعا لما غلبهم الأمراء ولاضطروا للانصياع لهم.
وبعد هذه الفقرة بقليل، يقول ابن حزم
أيضا عن ملوك الطوائف وفرضهم الضرائب على المسلمين وإباحتهم بيع الخمر وغيره من
المعاصي: "هذا هو هتك الأستار ونقض شرائع الإسلام وحل عراه عروة عروة، وإحداث
دين جديد، والتخلي من الله عز وجل. والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية
أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيُمَكِّنونهم من حُرَمِ
المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما يحمونهم عن حريم
الأرض وحسرهم معهم آمنين، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام
وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه"[2].
ذلك الكلام الواضح الصريح دفع ابنُ حزم
ثمنه في حياته، لكنها بقيت قولة حق خالدة، ثم دفعت الأندلس والأمة كلها الثمن
العظيم بعد وفاته بقرون.. ولا زلنا ندفع!
والآن.. قد صارت ديارنا كلها أندلسا!
وما نكاد نخرج من حرب يُستأصل فيها
المسلمون إلا وندخل في غيرها، فلم تنقض حرب غزة إلا وقد نشبت حرب في السودان، وقد
شهدنا قبل غزة تناقص أقطار المسلمين في بورما وتركستان الشرقية وكشمير والبوسنة
وكوسوفا وزنجبار.. ولا فائدة من الاستقصاء والتعداد!
والكلام الذي قاله ابن حزم لا يزال
قائما.. ولا يزال القائلون به قلة!!
ولا تزال القلة تتعرض للفتنة والعذاب
والمطاردة والسجن والنفي والملاحقة.. والبقية تختار السكوت.. مع أن الجميع لو تكلم
لاعتدل الحال..
ثم نجلس جميعا لنبكي على الأندلس في
ذكراها.. ونحن نضيع ما بقي في أيادينا من أشباه الأندلس!!
لئن قال ابن حزم ما قال عن حكام
الطوائف في عصره، فإن قوله هذا أكثر انطباقا وأشد لزوما على حكام عصرنا نحن.. فلئن
كان يتوقع استشرافا أنهم لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا
إليها، فنحن نرى بأعيننا الآن كيف قد مَكَّنوا للصليبيين والصهاينة في بلادنا!
وهذه الأيام نفسها، انظر كم في ديار
العرب والمسلمين من احتفالات بعيد النصارى (الكريسماس)، مما لا يُفعل شيء منها في
أعياد المسلمين: الفطر والأضحى!!.. إنني أكتب هذه السطور قبل موعد الاحتفال، ولكن
كما قال البارودي:
ولست بعلام الغيوب وإنما .. أرى بلحاظ
الرأي ما هو واقع
وقد عوّدتنا الإمارات، لا سيما: دبي،
على احتفالات صاخبة ماجنة تسفح فيها ملايين من أموال المسلمين، وثلاثة أرباع
المسلمين جوعى وغرقى ومرضى ومصابون بأنواع الإصابات والهموم!
وهل أتاك نبأ من الأردن، حيث ملكها
ينتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم هو يعتقل الدعاة والشباب الذين ينصحون
المسلمين ويبينون لهم حرمة الاحتفال بأعياد النصارى؟!!
وهل أتاك نبأ الديانة الإبراهيمية؟!!
من قرأ تاريخ الأندلس، رأى فيه شخصية
كانت محور السقوط والانحدار، وهي شخصية الوزير الإشبيلي أبو بكر بن عمار.. كان
وزير سوء وصاحب فتنة، فكأنما هو وزير للقشتاليين لا للأندلسيين، وإنه ليشنّ الحروب
على الأندلسيين ويحرض النصارى عليهم أكثر مما يفعل النصارى أنفسهم.. ما أشبه هذا
الوزير بشخصية محمد بن زايد رئيس الإمارات، وصاحب كل سهم في كل حرب تجري على
المسلمين!
ما من نقيصة كانت في ملوك الطوائف
الأندلسيين ليست قائمة ظاهرة في ملوكنا اليوم، بل لقد كان في ملوك الطوائف
الأندلسيين من العلم والثقافة والازدهار الحضاري ما ليس مثله في الحاكمين الآن. ولقد
جاء يوم على كبيرهم "المعتمد بن عباد" فرأى أنه لما وقع الاختيار، اختار
جانب المسلمين، وقال: "رعي الإبل خير من رعي الخنازير".. أما هؤلاء
الحكام المعاصرون، فقد هيؤوا حظيرة الخنازير ونزلوها وباعوا أعراضهم فيها، ثم هم
يجتهدون في إدخال من لم يدخل إليها.. وما نبأ تواطئهم على أهل غزة ببعيد!
ولقد كان في ملوك الطوائف شعراء، وما
في هؤلاء الحاكمين الآن رجل واحد فصيح.. بل يتنافسون في عي اللسان ورداءة القراءة
من الأوراق المكتوبة لهم!
ولقد كان في ملوك الطوائف من يحضرون
الجُمَع والجماعات، ويدخل عليهم العلماء فربما وعظوهم واشتدوا عليهم، وأما هؤلاء
الحاكمين الآن ففي كل يوم لهم تسريب وفضيحة، وحتى علماؤهم الذين ينافقونهم هم
عندهم في أذل مقام وأقل مكان!
ترك لنا واحدٌ من ملوك الطوائف
مذكراته، وهي كسائر مذكرات السياسيين جُلُّها تبرير وتزيين وزخرفة، ذلك هو عبد
الله بن بلقين بن باديس بن حبوس، ثالث ملوك غرناطة في عصر الطوائف وآخرهم، وقد ذكر
لنا في مطلع هذه المذكرات كيف بدأ الانحلال.. لقد كانت البداية: إيثار السلامة
وترك الجهاد!
ساعتها، قام ملك الأندلس الكبير محمد
بن أبي عامر، الذي هو ذروة التاريخ الأندلسي، فصار يأتي بالمجاهدين من عدوة
المغرب، فكثر أهل المغرب في الأندلس لذلك العهد، وبهم كان آخر عصر الجهاد الكبير
في الأندلس. ومنذ ذلك الوقت صار أهل الأندلس يعتمدون على إخوانهم أهل المغرب. فلما
ضعف المغاربة ضعف الأندلسيون والمغاربة جميعا!
فما لم نقم الآن بواجب الوقت في إسقاط
هؤلاء الخونة، وفي تعرية العلماء الفسقة، وفي استنهاض طاقة الأمة للجهاد.. فنحن في
كل يوم على موعد مع أندلس جديد!!
وصدق الذي قال:
ما زلنا نذكر أندلسا .. نبكيها في صبح
ومسا
ليست أندلسا واحدة .. فلكم ضيَّعنا
أندلسا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق