السبت، يناير 09، 2021

المؤسسات: كيف اختبأت الديكتاتورية في الدولة الديمقراطية؟

 

قيمة اللحظات الاستثنائية والفارقة أنها تيسر فهم الأمور التي تبدو عسيرة وخيالية حين كانت تُنَاقَش نظريا..

ومن أهم ما حدث في أيامنا هذه، أحداث اقتحام أنصار ترمب للكونجرس، وحجب حسابات ترمب من منصات التواصل الاجتماعي، ثم مغادرته للبيت الأبيض (هذا إن غادره ولم يكن عنده جديد :) ).

ومن بين أشياء كثيرة تستحق التوقف، دعونا نتوقف عند موضوع التداول السلمي للسلطة.

مما هو معروف أن من أصول النموذج الديمقراطي الحديث تداول السلطة سلميا، ويُعَدُّ هذا من أكثر الأمور المبهرة -إن لم يكن أكثرها- في هذا النموذج، ذلك أنه يحقق عددا من الفوائد، أهمها:

- ألا يطول مقام الرئيس في الرئاسة، فينحو به إلى الاستبداد

- أن يتغير الرئيس دون أن يصاحب ذلك حروب أهلية أو معارك دامية أو فترة من الفوضى والاضطراب السياسي والإداري والاجتماعي

يعتمد تحقق هذا النموذج على قوة المؤسسات، بمعنى أن تكون مؤسسات الدولة أقوى من الرئيس، فلا يفكر هو في احتوائها وتسخيرها لمصالحه، ويخشى أنه إذا لم يلتزم بالقانون والدستور والتقاليد فإن هذه المؤسسات لن تطيعه، بل هي التي تخلعه أو تعاقبه.

كما يعتمد على احترافية هذه المؤسسات، بحيث تطيع الرئيس وتخضع له طالما أنه في إطار الدستور والقانون، وتعصيه وتخلعه إذا خرج عن هذا القانون والدستور.

وبهذا تتحقق الإرادة الشعبية، فهو الرئيس المُطاع الذي تُنَفَّذ سياستُه عبر المؤسسات طالما كان منتخبا.. وهو نفسه الرئيس المخلوع والمطرود طالما جاءت الانتخابات بغيره.

إذن، وصلنا إلى كلمة السر: "المؤسسات"..

المؤسسات يجب أن تكون أقوى من الرئيس، ويجب أن تكون مؤسسات محترفة، تعرف متى تخضع وتطيع، ومتى تعصي وتتأبى.

لكن، ثمة ثغرات خطيرة كامنة في هذا النموذج، من أهمها: أن هذه المؤسسات ليست آلات جامدة، ليست أجهزة كمبيوتر، هي في النهاية بشر، وهؤلاء البشر لهم مصالحهم ورغباتهم وطموحاتهم وتحالفاتهم.. فلا يمكن الحديث عن ملائكة منزهين.. وساعتها يكمن الخطر في هؤلاء الذين يستطيعون -باسم الدولة- تحقيق رغباتهم عبر جهاز الدولة.

كذلك فإن هذه المؤسسات يديرها بشرٌ غير منتخبين، بل وصلوا إليها في ظروف متعددة، كمسار دراسي وارتقاء وظيفي طبيعي، أو من خلال خبرات معينة احتيج إليها في لحظات معينة، أو من خلال استحداث أقسام جديدة أو أجهزة جديدة... إلخ!

وغيرُ المنتخبين -هؤلاء- هم من خلال مجموعهم وشبكات علاقاتهم أقوى من الرئيس المنتخب.. بل يجب أن يكونوا هكذا لتكون المؤسسات أقوى من الرئيس!

[نفتح هنا هامشا لنستطرد ونحكي بعض الحكايات، على الأقل لنخفف الثقل النظري للكلام:

في زمن أسرة محمد علي ثم الاحتلال الإنجليزي، كانت السيطرة الأجنبية على مصر تجري عبر موظف نافذ في الوزارة، اسمه "مستشار الوزير" ولكنه هو الآمر الناهي على الحقيقة، ولا يستطيع الوزير أن يخالف عن أمره. وربما يتغير الوزراء مع الانتخابات أو مع تغير مزاج الملك أو مزاج المندوب السامي، ولكن لا يتغير المستشار، ومن ثَمَّ لا تتغير السياسة الفعلية للوزارة.

هذه البيروقراطية (لفظ يكافي لفظ المؤسسات، إلا أنه صار أثقل وأسوأ دلالة) هي جهاز الدولة الحقيقي، الذي لا ينفذ إليه المنتخبون، بل هو الجهاز الذي يستطيع التهام المُنْتَخَبين في دهاليزه.

أخبرني يحيى موسى يوما، وهو المتحدث باسم وزارة الصحة في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي، أنهم حاولوا يوما تتبع النظام المالي للوزارة، فوجدوه ينتهي عند لواء عسكري في مكتب بعيد عن الأضواء يحمل اسم "مساعد وزير الصحة للشؤون المالية"، فهذا هو قلب الدائرة المالية.. فربما أمر الوزير بصرف مبلغ ما، ولكن المساعد يتعلل بأن الميزانية لا تسمح.. وهكذا يكون هذا "المساعد" هو الوزير فوق الوزير، مهما كان الوزير قد جاء إلى موقعه هذا ضمن حكومة منتخبة!!

وهذا المنصب يتداوله العسكريون كابرا عن كابر، لواءا عن لواء، ولعلكم تذكرون أن الفرح الذي حضرته وزيرة الصحة المصرية حاليا هالة زايد، وكان مخالفا لكل إجراءات ومحاذير وزارة الصحة، إنما كان فرح ابنة هذا اللواء العسكري "مساعد وزير الصحة للشؤون المالية".

وفي مذكرات روبرت جيتس -رئيس المخابرات الأمريكية الأسبق، ووزير الدفاع الأسبق- فصلٌ عن أهمية أن يحذر الوزير من أن يلتهمه الإداريون، إذ إن عدد التوقيعات والاجتماعات وجداول الأعمال كفيلة بالتهام كل الطاقة، حتى لا يعود ممكنا النظر في سياسة الوزارة وفي خططها القادمة وفي تطوير عملها.. وله في هذا نصائح مفيدة لأي صاحب عمل.

وقد ذكَّرني هذا الفصل بما رواه صديقٌ قديمٌ، كان مقربا من وزير في عهد مبارك، قال: كان الوزير يقضي طول اليوم في التوقيع على أوراق ترد إليه، ولم يكن يجد وقتا ليفعل شيئا.

ولعل من قرأ رواية نجيب محفوظ "القاهرة الجديدة" سيكون قد فهم كيف يكون منصب وكيل الوزارة أهم من منصب الوزير، فالوزير يتغير والوكيل الذي يدير دولاب الوزراة ويعرف دهاليزها لا يتغير، ولهذا فهو عمليا يتحكم في الوزير. وقد تعرضت روايات وأفلام أخرى لهذه الفكرة، ولكن أحسبني سأكتسب إثما لو أشرت إليها.

نكتفي بهذا القدر من الحكايات :) ونعود للكلام الثقيل]

وبهذا أفرزت لنا فكرة "تداول السلطة" المبهرة، فكرة أخرى مظلمة كانت تختبئ خلفها.. الفكرة التي صارت تُعرف فيما بعد باسم "الدولة العميقة"!

الدولة العميقة هي الهيئات والشخصيات غير المنتخبة التي تستطيع التهام الشخصيات المنتخبة، أو تستطيع احتواءها وتطويعها، أو تستطيع الانقلاب عليها والإطاحة بها.

خلف كل قصة انقلاب على حاكم منتخب، أو إفشال لحاكم منتخب، أو تطويع وتركيع لحاكم منتخب، توجد قصة دولة عميقة غير منتخبة، استعملت جهاز الدولة وقوة المؤسسات ضد إرادة الشعب.

يبدو هذا واضحا للغاية في مجتمعاتنا نحن، حيث تتصل الحبال والعلاقات بين أجهزة المخابرات الأمريكية وبين العاملين في الجيوش والمخابرات والشرطة.. وحيث تتصل الحبال بين الشركات العالمية وبين العالمين في مؤسسات الصحة والتموين والري... إلخ!

فإذا حانت لنا فرصة ننتخب فيها رئيسا، وجد الرئيسُ نفسَه في حال عجيبة! تحكمه المؤسسات ولا يحكمها، فإما أن ينطاع لها ويدخل في دهليزها فيكون قد خان أمانته وخان قومه، وإما أن تنقلب عليه وتعرقله وتلقيه في السجن أو تعلقه على المشنقة.

لكن هذه الصورة الواضحة عندنا، تكون خافتة وغامضة في الدول الغربية، وفي أمريكا طبعا.. هناك حيث لا قوى خارجية يمكنها أن تنسج حبالها -من موضع الضغط والتأثير- مع المؤسسات للعمل على تغيير السياسة وتغيير الفريق المنتخب.

إذا تصورنا وجود قوة خارجية دبَّرت لاقتحام الكونجرس، ضمن عملية مستمرة لإبقاء ترمب في الرئاسة، فمن المؤكد أن الأمر لن تكون نهايته بعد ساعة أو بعض الساعة، بل ستكون النهاية على الطريقة المصرية ( #رابعة ) أو الطريقة التركية (محاولة الانقلاب الفاشل) أو غيرها.

تمثل البيروقراطية مشكلة حقيقية في النموذج الديمقراطي، وتناقشها دراسات العلوم السياسية في الغرب، ولكن من الطبيعي ألا يصل هذا النقاش إلينا، فنحن في قعر الطغيان والديكتاتورية، فكيف لجائعٍ أن يتأمل في عيوب شطيرة البرجر الشهية؟!

لكن المهم هنا هو أن نتوقف عند هذا المشهد الفارق: إن مشهد تداول السلطة بقدر ما يبدو مبهرا، بقدر ما يبدو خادعا ومراوغا!

إن الرئيس الذي يختاره الشعب يأتي ويذهب، ولكن الذين يتحكمون في التفاصيل هم الذين لا يأتي بهم أحد ولا يذهبون مع اختلاف الرؤساء.

أولئك الذين يسكنون أجهزة الأمن والجيش والقضاء ويديرون المؤسسات هم الحُكَّام على الحقيقة، لا أولئك الذين اختارهم الناس عبر الصناديق..

وبهذا يطرح السؤال نفسه: هل حقق النموذج الديمقراطي حقا هدف "التداول السلمي للسلطة"؟! أم أنها منحت الشعب حق اختيار "موظف الاستقبال" وتغييره؟!

كل ما سبق إنما هو من حيث البناء الداخلي لمؤسسات الدولة..

بقي أمر آخر لا يقل خطورة ولا قوة.. وهو خارجي عن هيكل الدولة.. أولئك هم رجال الأعمال، القوة المالية الهائلة، الشركات الكبرى..

هؤلاء الذين يستطيعون من خلال قوتهم المالية لا مجرد النفاذ إلى مؤسسات الدولة ومداعبة طموحات وغرائز وأطماع البشر الذين يديرونها.. بل يستطيعون التلاعب بالنظام نفسه!

الأموال هي الي يعتمد عليها المرشحون في بناء شعبيتهم وإقامة حملاتهم الدعائية، وهي التي تنشئ القنوات والصحف حيث تُصْنَع الرغبات الشعبية وتُوَزَّع الاتهامات وتقام الحملات السوداء لتشويه الخصوم.

بالأموال يكون المرشح الرئاسي أو البرلماني أسيرا، لا يستطيع مصادمة الأموال في دولة تعتمد على الرأسمالية، بل يجب عليه أن يكون حريصا على مصالحهم ومعبرا عنها.. وإلا لقي عقابه المحتوم في دورة الانتخابات القادمة!

تشكيل القوانين يجري على يد أعضاء البرلمان الذين وصلوا إلى هذا الموقع عبر القوة المالية، هل يستطيع أحدهم أن يكافح لإصدار قانون يخصم من قوة حيتان المال ليناصر العمال والضعفاء والفقراء؟!

لهذا عرَّف بعضهم الديمقراطية بأنها قدرة الأقلية النافذة على استغلال الأكثرية للوصول إلى التمكين بطريقة أنيقة. وفي هذا ألَّف صحافي أمريكي كتابا بعنوان "أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها"!

هذه القوى المالية التي تتحكم بالدولة، ليسوا منتخبين!

إنهم جزء لا يتجزأ من "الدولة العميقة" التي تحكم على الحقيقة!

منصات الفيس بوك وتويتر وانستجرام، هي نسخة محدثة من القنوات التلفازية والصحف..

ترمب، وهو رئيس أكبر دولة في العالم، ويتربع على عرش أضخم قوة في التاريخ، كان يلجأ إلى تويتر ليعبر عن موقفه حين تستعصي عليه وسائل الإعلام.. وفي الأيام الأخيرة حذف تويتر حسابه!!!

من الحاكم هنا؟ ومن المحكوم؟!

سيُقال: من حق تويتر، كما هو من حق أي قناة أو نافذة، أن تفعل ما تشاء، وأن تكون لها قوانينها الحاكمة للنشر.

وأقول: ليس عن هذا أتكلم.. ولا هذا هو الموضوع!

الموضوع هنا ببساطة: إلى أي حد يكون لأصوات الناس واختيارهم قيمة في عالم يتحكم فيه غير المنتخبين؟!

لماذا نستهلك طاقتنا في متابعة مسرحيات التشريع والتنفيذ والقضاء المتعلقة بالسلطة، إذا كنا في عالم الشركات الكبرى، وإذا كانت كل شركة تستطيع بقوتها المالية أن تمارس في نفس الوقت السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، فهي التي تحدد لوائحها، وهي التي تقضي بما يخالف وما يوافق، وهي التي تنفذ الحجب والحذف والحظر والتقييد؟!

ثم نختم بالسؤال نفسه: هل حققت الديمقراطية فعلا هدف "التداول السلمي للسلطة"؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق