الأربعاء، نوفمبر 08، 2017

عبد الله عامر.. المؤرخ النسابة رجل الأعمال والمخابرات

عبد الله بن عامر، هو أبو بكر الصديق.. استعملت الاسم المجهول في العنوان للتشويق، ولأني أحسب أن تلك السطور ستروي لك قصة مجهولة من سيرة أبي بكر.

مما لا يكاد يُلتفت إليه في سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه هو دوره وقيمته في لحظة بدء الدعوة.. لقد كان أبو بكر من أعظم نعم الله على نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولا يكاد أن تكون دعوة ولا داعية معه مثل أبي بكر إلا وكان نجاحه مسألة وقت.. كيف هذا؟

يورد أهل السير أن أبا بكر كان أعلم قريش بأنسابها وأيامها، وأنه كان تاجرا، سمح الأخلاق، إلفا مألوفا.

العلم بأنساب قريش وأيامها (أي: تاريخها) هو عِلْمٌ بخريطة قريش ومواقع النفوذ فيها، وعلم بالبطون والعشائر وأصولهم ومنازعاتهم ومحالفاتهم، ومعاركهم وثاراتهم، وطموحاتهم ومخاوفهم، وطباعهم وأخلاقهم، وما يُمْدَحون به وما يعاب عليهم، وما يتفاخرون به وما يستترون منه. ويعرف معادن رجالهم وأصحاب الشأن فيهم.

ومثل هذا حين يكون صاحب دعوة ورسالة يعرف بيسر وسهولة كيف يدخل بها على كل قوم، ومن منهم يُصطفى لها ومن منهم يُتَجَنَّبها، ويعرف كيف يخاطب كل قوم بها من جهة ما يجذبهم إليها. ثم هو بعد ذلك يعرف من أين يُتوقع أن يأتي الخطر والصد والرد والمواجهة، ومن المرشح أن يقف ضد تلك الدعوة والرسالة فيحاربها ويعاديها. ثم هو يعرف كيف تكون أساليب الرد عليه وتذكيره بالمثالب والمعايب واستعمالها في الحط منه والنكير عليه.

هنا نرى أبا بكر يمثل جهاز الأمن والمعلومات للدعوة الإسلامية الوليدة، الجهاز الذي يوفر لها المعلومة الصادقة الدقيقة، ولهذا ما إن سمع أبو بكر بالدعوة وصدقها حتى انطلق فجاء في الأيام الأولى بتسعة من المسلمين، ستة منهم من العشرة المبشرين بالجنة، بالإضافة إلى إسلام أسرته. أولئك النفر الذين أسلموا على يد أبي بكر هم أعمدة الإسلام الذين حملوه حتى فتح المشرق والمغرب. ما كان له أن يفعل هذا لولا ذلك العلم بالناس ومعادنهم!

وقد جرت الاستفادة من خريطة أبي بكر في خطاب الدعوة للناس، سواء في باب استمالتهم أو في باب رد عاديتهم، فمما روي في استمالتهم أنه كان يصحب النبي حين كان يعرض نفسه على القبائل، فتقدم إلى قبيلة فسألهم: ممن القوم؟
قالوا: من ربيعة.
قال: وأي ربيعة أنتم أمن هامها أم من لهازمها؟
قالوا: بل من هامها العظمى.
قال أبو بكر: فمن أي هامتها العظمى أنتم؟
فقالوا: ذهل الأكبر.
قال لهم أبو بكر: منكم عوف الذي كان يقال له لا حر بوادي عوف؟ قالوا: لا.
قال: فمنكم بسطام بن قيس أبو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا.
قال: فمنكم الحوفزان بن شريك قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا.
قال: فمنكم جساس بن مرة بن ذهل حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا.
قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا.
قال: فأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا.
قال: فأنتم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا.
قال لهم أبو بكر رضي الله عنه: فلستم بذهل الأكبر بل أنتم من ذهل الأصغر".

وتسجل ذات الرواية بعد قليل دخولهم على قوم آخرين في "مجلس عليه السكينة الوقار، وإذا مشايخ لهم أقدار وهيئات، فتقدم أبو بكر فسلَّم وقال: ممن القوم؟ قالوا: من بني شيبان بن ثعلبة. فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي ليس بعد هؤلاء من عز في قومهم".

وأما في رد عاديتهم فقد كان شاعر الإسلام حسان بن ثابت إن أراد هجاء من يسبون رسول الله، راح إلى أبي بكر ليعرف أنسابهم وأيامهم، فيتخير من الألفاظ والوقائع والمعاني ما لا يقترب به من نسب رسول الله، إذ للنبي في قريش نسبا، فتعلم من أبي بكر ما يحتاج إليه ثم انطلق ليوقع بهم هجاء كان أشد عليهم من السهام.

في عصرنا هذا كان غياب الجهاز الأمني للحركة الإسلامية وحركات المقاومة هو أقوى وأخطر ثغراتهم التي أفضت إلى هزيمتهم وإفشالهم، وقد روى بعض رجال تلك الحركات أنه كان من شرط السماح للإخوان المسلمين في عصر مبارك بالبقاء هو ألا يكون لهم أي جهاز جمع معلومات ولو اقتصر فحسب على أحزاب المعارضة الأخرى (راجع للمزيد مقال: ما الذي ينقص الحركات الإسلامية لتنجح).

ومن المثير للأسى أن حركة تغيير أو مقاومة أو ثورة تفكر في مواجهة نظام وهي لا تعرف خريطة رجاله وتحالفاتهم وعلاقاتهم وخصوماتهم، ولا تعرف أهم خمسين اسم، أو أهم خمسين شركة، أو أهم خمسين موقع.. مثل تلك الحركة حركة عمياء! وكانوا قديما يضربون المثل بالملاكم القوي الضخم الذي يفقد قوته كلها إن وُضِعت الغمامة على عينه، فكيف إن كان الأعمى هو الملاكم الضعيف الذي يواجه الملاكم الضخم المبصر؟!

وكان ما لدى أبي بكر من العلم بالأنساب والأيام يجعله مركز شبكة العلاقات العامة للدعوة الإسلامية، كان يجتمع إليه صفوة الناس في قريش ونخبتهم على اختلاف قبائلهم، ورغم أن أبا بكر من قبيلة ضعيفة في قريش (قبيلة تيم بن مرة) إلا أن أثره كان ممتدا لسائر قريش. ولو دققنا في أسماء التسعة الأوائل الذين أسلموا على يده لوجدنا فيهم: عثمان بن عفان (من بني أمية بن عبد شمس) والزبير بن العوام (من بني أسد) وسعد بن أبي وقاص (من بني زهرة)، وأبو سلمة بن عبد الأسد (من بني مخزوم) وغيرهم. وليس من دعوة إلا وهي تحتاج رجالا في مواقع النفوذ والتأثير من مراكز قوى المجتمع، وتحتاج من يستطيعون الحديث عنها وشرحها والتنظير لها.

ثم إن موقع أبي بكر في عالم المال، لكونه واحدا من مشاهير تجار قريش، يمثل بمصطلح العصر "رجل الأعمال"، وهو بما له من قوة مالية أنفقها كلها في سبيل الدعوة، وتحرير من أسلم من العذاب والرق. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر له مواساته بالمال. وسيبدو واضحا أن عددا من أولئك الأوائل كانوا تجارا: عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، وجميعهم ممن كانت لهم مواقف مشهودة في نصرة الإسلام بأموالهم. وهذا الجانب أهم من أن نطيل الكلام فيه، فلا تكاد تكون قصة فشل في تاريخنا المعاصر إلا وكانت أزمة التمويل جانبا منها. فالممولون يتحكمون بالمنع والعطاء في التأثير والتوجيه وصناعة الفصائل والحزبيات والأجنحة والانشقاقات، حتى إن الثورات وحركات المقاومة تدفع من دمائها وأرواح شبابها في معارك خاسرة تحت ضغط الأموال.

بقي أن أبا بكر مع هذا كله كان إلفا مألوفا، حسن الخلق.. وإن الناس يحبون القرب من أهل المال وإن كان فيهم كبر وغلظة وجفاء، وكثير من الناس يحبون القرب من أهل العلم وإن كان فيهم كبر وغلظة وجفاء، فكيف إن اجتمع في رجل واحد: العلم والمال مع التواضع واللين وحسن الخلق؟!

تلك الجوانب من شخصية أبي بكر وأثرها في الدعوة ينبغي أن نركز عليها أكثر من التركيز على رقته ورحمته وبكائه حين يقرأ القرآن، فهذه مع أهميتها لكل مسلم إنما تعود على شخصه فحسب، ولم ينتفع الإسلام برقة أبي بكر وبكائه قدر ما انتفع بفهمه لخريطة واقعه وشبكة علاقاته وأمواله. ولا أحسب أن الأمة تعاني من نقص أهل الرحمة والرقة والبكاء قدر ما تعاني من نقص الكفاءة في تلك الثغرات الكبرى الخطيرة.


أراد أبو الحسن الندوي أن ينعي حال الأمة فجعل عنوان كتابه "ردَّةٌ ولا أبا بكر لها"، ولعله لو عاش زماننا هذا واكتشف أن كثيرا ممن بنى آماله عليهم لم يكونوا كما توقع لكتب كتابا آخر فسماه "دعوةٌ ولا أبا بكر فيها"!!