الخميس، نوفمبر 16، 2017

حماس والقسام: خلاف مكتوم في نقطة ملتهبة

ينتهي جوهر الأزمة القائمة في غزة منذ أحد عشر عاما إلى مسألة وحيدة هي: "سلاح المقاومة"، تلك الصخرة التي تكسرت عليها جميع محاولات المصالحة سابقا، وبغير سلاح المقاومة الذي نفذ الحسم العسكري في قطاع غزة كانت حكومة حماس ستسقط عبر الاغتيالات والتصفيات المتتالية. وفي الأعوام العشرة التالية أثبتت حركات المقاومة قدرة غير متوقعة لا على الصمود فحسب بل على تأسيس وتطوير بنية تحتية متينة للمقاومة، ما جعل كل يوم يمضي على حماس في غزة يمثل خطورة متزايدة في قدرة المقاومة مثلما يمثل ضغطا سياسيا على حكومة حماس المحاصرة.

هذا الانقسام في الرؤى داخل حركة حماس نفسها بين جناح يزيده الزمن قوة وتطورا، وبين حكومة تزيدها الأيام أزمة وتدهورا يلقي بظلاله على مستقبل حركة حماس كلها، والتي ارتبطت مصائرها بالقطاع نفسه، وها هو القطاع يشهد من جديد مسألة تصنع أزمة داخل الحركة نفسها، فتسليم السلطة بقدر ما هو إنقاذ لحكومة حماس بقدر ما هو تهديد لجناحها العسكري. وهو ما أثار أزمة لا تزال تفاصيلها مكتومة بين حماس وجناحها العسكري ولكن أسفرت عنها لهجة خطاب متناقضة بين الطرفين.

أولا: أجواء العودة إلى المصالحة

بعد انتخاب يحيى السنوار رئيسا للحركة بقطاع غزة، ثم انتخاب إسماعيل هنية مسوؤلا للمكتب السياسي لحماس شهدت محاولات تحريك الوضع في غزة انتعاشة جديدة وصلت إلى مرحلة التواصل مع محمد دحلان العدو اللدود لحماس، وهو ما دفع محمود عباس إلى استعمال كافة ما في جعبته كورقة أخيرة بعد شعوره بالتهديد السياسي فقرر عددا من الإجراءات العقابية على قطاع غزة فقرر فرض ضريبة مضاعفة على الوقود اللازم لتشغيل محطة الكهرباء بغزة وتقليص ما تدفعه السلطة لإسرائيل مقابل تزويدها القطاع بالكهرباء بنسبة 45%، وخصم 30% من رواتب موظفي السلطة في القطاع (خمسين ألف موظف)، وإحالة 6 آلاف من موظفيها إلى التقاعد المبكر. وهي الإجراءات التي كانت فوق احتمال قطاع غزة وأُجْبِرَت حكومة حماس أمامه على حل اللجنة الإدارية التي شكلتها في مارس 2017 لإدارة شؤون القطاع حين لم تتول حكومة الوفاق مسؤوليتها، ودخل الطرف المصري على الخط ليجعل من إجراءات حماس عودة للمصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني.

سارت إجراءات المصالحة وإعلانها سيرا حثيثا لكن لم تُرْفَع الإجراءات العقابية عن غزة، بل وصرح عباس وغيره من مسؤولي السلطة أن تلك الإجراءات لن ترفع إلا بمقدار تمكن السلطة من قطاع غزة، كما تناولت التصريحات مسألة "سلاح المقاومة" بصورة أزعجت الطرف المصري الذي استنكر إثارة الأمر في هذا التوقيت. وتم توقيع الاتفاق بالقاهرة، ثم بدأت مشكلة التفاصيل، وعاد من جديد الحديث عن "سلاح السلطة هو السلاح الشرعي الوحيد" ليس على لسان مسؤولي السلطة وحدها بل على لسان حازم عطا الله مدير عام الشرطة الفلسطينية، وهي الجهة التي من المفترض أن تتولى الشأن الأمني في القطاع والتي تعلن استمرار التزامها بالتنسيق الأمني مع إسرائيل. ثم صدرت تصريحات على لسان موسى أبو مرزوق عضو المكتب السياسي لحماس يعبر فيها عن انزعاجه بالطريقة التي جرى بها استلام المعابر، وكونها لا تنسجم مع المصالحة ولا تحترم الاتفاقيات الموقعة، وندد فيما بعد بإكثار حازم عطا الله من لقاءاته التلفازية وتصريحاته الاستعدائية.

لم ترفع الإجراءات العقابية عن قطاع غزة إلى لحظة كتابة هذه السطور، وهو ما يجعل كافة ما جرى منذ لحظة توقيع العقوبات مجرد تنازلات قدمتها حماس بغير مقابل حتى الآن، بل إن بعض المظاهر التي صاحبت إعلان المصالحة شهدت نوعا من الإذلال والنكاية في حماس كرفع صور عبد الفتاح السيسي ودخول الوفد المصري إلى قطاع غزة بكامل فريقه الأمني مثلما وبصحبته فريق إعلامي من الوجوه المعروفة بكراهيتها لحماس ودورها المشهود في شيطنتها.

ثانيا: ظهور الخلاف بين القسام وحماس

لا تزال العلاقات المدنية العسكرية واحدة من أهم النقاط الشائكة في التاريخ السياسي، ولئن كانت بعض التجارب السياسية توصلت إلى عدد من الصيغ يجعل الجهاز العسكري خاضعا للجهاز المدني بعد استقرار الدولة إلا أن الأمر ليس محسوما بشكل يندفع معه الخطر العسكري تماما على الإدارة المدنية. لكن المعضلة الأصعب هي في حالة حركات المقاومة التي لم تصل بعد إلى تأسيس الدولة واستقرارها، حيث تفرض ضرورات الواقع تضخما في الجهاز العسكري بما يجعله يفرض ضروراته على الحركة كلها.

حتى الآن تقدم حركة حماس تجربة ناضجة في العلاقة بين السياسي والعسكري ضمن تجارب حركات التحرر في العالم العربي في التاريخ الحديث، لا سيما ضمن التجارب الإسلامية الأخرى التي أخفقت في بناء واجهة سياسية من الأصل أو غلب عليها الجانب العسكري البحت. فعبر سنين عمل الحركة من بداية تأسيسها لم تُرْصَد أزمة كبيرة بين الجناح المدني والعسكري، وحرص الطرفان على تقديم خطاب يحترم توزيع الأدوار، ويفيد من الآخر، ولا يتدخل للضغط عليه.

ولا شك أن ظهور المنتديات على الانترنت ثم مواقع التواصل الاجتماعي ألقت بظلالها على الحركة، وبدأ ثمة ظهور لخلاف في خطاب حماس والقسام على موقعيهما وأدواتهما الإعلامية، حتى جاءت الحرب الأخيرة (2014) فأظهرت قدرا أعلى من الخلاف بين الطرفين، بل حاولت تصريحات لأبي عبيدة –الناطق باسم كتائب القسام- قطع الطريق على وفد فصائل المقاومة الموجود بالقاهرة في شروط وقف إطلاق النار، وهو أول تدخل معلن من نوعه في قرار سياسي. إلا أن الأزمة انتهت على ما اتفق عليه السياسيون وهو ما لم يكن مرضيا ولا محققا لشروط القسام.

وخفت شأن الخلاف حتى ظهر في أجواء العودة إلى المصالحة أغسطس الماضي، حيث نشرت (10 أغسطس 2017) مبادرة عُرفت بـ "مُقْترح القسام" بإحداث حالة فراغ سياسي في غزة، ومفادها أن لا تكون ثمة حكومة في غزة، فتتخلى حماس عن أي دور في إدارة القطاع وتتولى الأجنحة العسكرية التابعة لفصائل المقاومة ملف السيطرة الميدانية والأمنية، ويبقى جهاز الشرطة في تقديم خدماته المدنية، مع بقاء بعض المؤسسات المحلية بتسيير الشؤون اليومية. وقد اعتبر مراقبون أن المقترح ربما يكون تسريبا إعلاميا تم بالتنسيق مع القيادة السياسية بهدف الضغط على الأطراف المعنية لتحريك الأمور. إلا أن احتمالا آخر يظهر بقوة وهو أن المقترح القسامي إنما كان محاولة قطع طريق على السياسيين في طريق المصالحة، والتي تعني في أهم وجوهها: تسليم قطاع غزة للسلطة الفتحاوية، وهو ما يعزز منه ارتباك ردود أفعال القادة السياسيين والمتحدثين الإعلاميين للحركة، ففيم أقر خليل الحية بأن الحركة تدرس المقترح نفى صلاح البردويل تماما وجود مقترح كهذا أصلا ووصفها بالأخبار المفبركة. ومع إقرار خليل الحية بالمقترح إلا أن تصريحه يحمل التشديد والتكرار على أن القسام لا يتدخل في الشأن السياسي وأن الحركة قائمة على التخصصات وتوزيع الأدوار، وأن القيادة السياسية هي وحدها من تقرر ما سيكون بشأن المقترح. وهي رسائل لا تخفى دلالتها.

ثالثا: القسام يغرد بعيدا

اتسعت الفجوة بين خطاب حماس وخطاب القسام بوضوح منذ أواخر أغسطس الماضي، وبالاعتماد على متابعة حساب كتائب القسام على تطبيق التليجرام سيبدو بوضوح الرسائل المتعارضة بين تصريحات الطرفين، بل وسيبدو أن رمزيْن بعينهما من رموز حماس يُحتفى بهما ويكرر نشر أقوالهما، وهما: الشهيد نزار ريان والوزير السابق محمود الزهار، وكلا الرجلين يمثلان المواقف المعارضة لما تسير فيه القيادة السياسية.

كان نزار ريان واحدا من الرموز العلمية الشرعية لحركة حماس، وعُرِف بمواقفه القوية المضادة لإيران والمذهب الشيعي وبحدة تصريحاته ومواقفه ضد السلطة الفلسطينية والسلطة المصرية كذلك. وقد أشارت بعض التقارير الإخبارية إلى معارضة الزهار للسير في المصالحة بل وأفادت بعض الأنباء –من مصادر فتحاوية لا يمكن التسليم بصحتها- بأنه قيد الإقامة الجبرية بسبب مواقفه. وأيا ما كان الأمر فإن الحضور الطاغي لهذيْن الرمزين في خطاب القسام يمثل توجها واضحا.

في محاولة رصد اتساع الفجوة بين خطابي حماس والقسام سنتخير أهم ثلاث ملفات ساخنة في اللحظة الراهنة:

1. العلاقة مع إيران

بينما يمضي الجناح السياسي لحماس في إعادة العلاقات إلى طبيعتها مع إيران، أي كما كانت قبل نشوب الثورة السورية، يتبنى الخطاب الإعلامي للقسام توجها آخر.

ففي (24 أغسطس 2017) صرح يحيى السنوار في مقابلة مع مجموعة من الصحفيين في غزة، بأن العلاقة مع إيران استراتيجية بالنسبة للحركة، وأنها الداعم الأكبر لكتائب القسام، وأشار إلى أن العلاقات ترجع إلى طبيعتها بعد التوتر الذي اعتراها. وقد تعزز كلام السنوار بوفد من حماس زار طهران (20 أكتوبر 2017) برئاسة صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحماس، وبعدها بأسبوعين شارك وفد من حماس في التعزية بوفاة والد قاسم سليماني رئيس الحرس الثوري الإيراني (4 نوفمبر 2017)، كما تجددت الاتصالات واللقاءات مع حسن نصر الله أمين حزب الله اللبناني مع إسماعيل هنية وصالح العاروري، وتفصح المصادر الرسمية لحماس عن نية الاستمرار في تطوير العلاقات مستقبلا.

في الجهة المقابلة يتحدث حساب كتائب القسام على تطبيق التليجرام في اتجاه آخر، ففي 16 أكتوبر نشرت كلمة "الشيخ المجاهد" نائل بن غازي مصران "ليس لإيران فضل علينا". ولما قصفت القوات الإسرائيلية أحد الأنفاق مما أدى لاستشهاد عدد من المقاومين اتخذت القسام أسلوبا شديد الدلالة في إعلانها الثأر، فنشرت القناة (31 أكتوبر 2017) تصريحا يقول: "لسنا شبيحة بشار ولامرتزقة نصر الشيطان لنحتفظ بحق الرد..!! كلنا ثقةبقيادتنا ومجاهدينا"، وهي عبارة مكثفة تعبر عن الموقف من إيران وحزب الله مع الرفض لسياسة الاحتفاظ بحق الرد وتكبيل المقاومة بحسابات سياسية قد تفرضها المصالحة، وهو هنا محاولة قطع طريق على قرار سياسي بالتهدئة وعدم الرد. ثم ما لبث حساب القسام أن نشر على صفحته "هنية: أؤكد بإسمي وبإسم إخواني في قيادة حركة الجهاد، أن الدم الدم والهدم الهدم". وفي سياق آخر وبعد ثلاثة أيام نشر الحساب نفيا قاطعا لخبر تعزية حماس في والد قاسم سليماني، وهو ما يبدو أنها كانت محاولة أخرى غير ناجحة لقطع الطريق على الموقف السياسي.

2. العلاقة مع مصر

تغيرت لهجة الخطاب السياسي لحماس تجاه القاهرة منذ دخولها على خط التهدئة والمصالحة وإعادة إمداد غزة بنسبة من الوقود الضرورية لتشغيل محطة الكهرباء، ورعايتها لجولات اللقاء بدحلان ثم بالمصالحة. وفيما مضى الخطاب السياسي نحو الحديث عن تحسن العلاقات والحضن الدافئ والشقيقة الكبرى مضى خطاب القسام في نفس الفترة في اتجاه آخر.

في (24 أغسطس) نشرت قناة القسام أنها ستبدأ في نشر قصة القائد الشهيد رائد العطار وخطته التي حاول فيها إنجاح صفقة شاليط "من خيانة الجانب المصري والصهاينة"، وكان مختصر القصة أنه تم تجهيز عشرين استشهاديا لمصاحبة شاليط، وفي حال شعورهم بأية خيانة سيفجرون أنفسهم في الجميع بما فيهم الوفد المرافق المصري والفلسطيني جميعا"، ونشرت صورة لرائد العطار متسلحا بقاذف لاو المضاد للدورع متحفزا "لغدر من الجانب المصري". وذكرت القناة أن القيادة العليا للجيش الإسرائيلي نشرت بيانا بعد العملية تقر فيه بعبقرية رائد العطار وإفشاله خطة غدر مشتركة بين المخابرات المصرية والإسرائيلية.

وكررت القناة التركيز على القضية العاقلة مع النظام المصري، وهي قضية القساميين الأربعة الذين اختطفتهم السلطات المصرية لدى عبورهم الأراضي المصرية، وهي تنفي رسميا أي علم بمصيرهم بينما سربت حركة حماس صورا لهم في السجون المصرية وهم في حالة يرثى لها. وللمرة الأولى –في الفترة المرصودة- يحضر موسى أبو مرزوق في تصريحه (11 سبتمبر 2017) "السلطات المصرية أبلغتنا أنها لا تملك معلومات حول مصير المجاهدين الأربعة المخطتفين في السجون المصرية منذ أكثر من عام"، ثم أعادت نشر تنويه (29 سبتمبر) يقول: " 777 يوم ؛ على إختطاف مجاهدينا على يد الجيش المصري".

3. الموقف من فتح

عند الموقف من فتح تتسع الفجوة بين الخطابين السياسي والعسكري اتساعا كبيرا، فقد تابعت القناة أخبار المعتقلين في سجون السلطة بالضفة والتعذيب الشديد الذي يعانون منه وتدهور أوضاعهم الصحية، ونشرت عددا من القصص عن مجاهدي القسام الذين اعتقلتهم السلطة أو حاولت اغتيالهم، فضلا عن النشر المتكرر لكلمات أو مقاطع صوتية ومرئية الشيخ نزار ريان المعروف بمواقفه القوية ضد التصالح مع سلطة فتح. واستعملت في وصف السلطة مصطلحات "السلطة اللحدية" في إشارة إلى جيش أنطوان لحد في جنوب لبنان إبان الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة، وكذلك استخدمت مصطلح "زنادقة المخابرات" و"زنادقة العلمانية" ونحوها، وبعضها من مصطلحات الشيخ نزار ريان نفسه. ولم تتردد في إعلان تهديدها لمن يفكر بالمساس بسلاح المقاومة.

أ‌.       جرائم سلطة فتح

في أجواء الاستعداد للدخول في إجراءات المصالحة نشرت القناة (25 أغسطس 2017) فيديو لبهجت يامين أبو حبيب الأسير قسامي في سجون سلطة فتح بالضفة الغربية، يتحدث من داخل السجن عن التعذيب الذي نزل به والذي أدى لإصابته بشلل رباعي وبالعديد من الأمراض الأخرى، ثم حوكم أمام محكمة عسكرية لدى سلطة فتح. وفي 30 أغسطس نشرت القناة صورة مصحوبة بتعليق توضيحي: "آثار التعذيب على جسد الطالب في جامعة النجاح براء العامر على يد ميليشيات مخابرات "فتح" حيث أفرجت عنه مخابرات السلطة في نابلس على كرسي متحرك بعد يومين من اعتقاله".

وبعد يومين من إعلان وفد حماس من القاهرة (9 سبتمبر 2017) القبول بشروط عباس لتحقيق المصالحة، نشرت القناة (11 سبتمبر 2017) خبرا عن: نقل الطالب في كلية الاداب في جامعة النجاح  أسعد طويل من سجن أريحا المركزي إلى المشفى بعد تردي وضعه الصحي بسبب التعذيب الذي يتعرض له من قبل (مرتزقة المخابرات الفتحاوية). ثم في (25 سبتمبر 2017) نشرت خبرا "تدهورت الحالة الصحية للطالب أسامة مفارجة ممثل الكتلة الإسلامية في جامعة بير زيت، بفعل التعذيب في سجون زنادقة المخابرات "فتح" بمدينة رام الله ، واضرابه عن تناول الطعام والشراب منذ أسبوع".

وشهد يوم يوم 11 سبتمبر نفسه احتفاءا واسعا من القناة بذكرى أحداث (11 سبتمبر 2001) وأسامة بن لادن، وهو ما سنتناوله لاحقا، لكن دلالة الاحتفاء بتلك الأحداث بعد يومين من إعلان قرب توقيع إعلان المصالحة يبدو أيضا ذا دلالة لا تخفى عن اتساع الفجوة بين الخطابين السياسي والعسكري.

بعد يومين آخرين، وفي (13 سبتمبر 2017) تنشر القناة رثاء لمجاهدي قسامي توفي أثناء إعداده عبوة ناسفة، وكان مطلوبا لدى الصهاينة والسلطة الفلسطينية، حتى إن رابين توعد أن يقتله بيده، وفيه أطلق على السلطة وصف "السلطة الفلسطينية اللحدية" و"اللحديين". وفي نفس اليوم تنشر القناة: "يصادف اليوم الاربعاء ، الذكرى الـ 24 لتوقيع اتفاقية الخيانة أوسلو؛ الذي وقعه زنادقة فتح مع المحتل الإسرائيلي في واشنطن في 13 سبتمبر 1993، والذي نص على بيع مساحات شاسعة من ديار المسلمين والتي تقدر بـ 78% من الأراضي الفلسطينية لصالح المحتل الإسرائيلي مما أدى إلى تهجير الملايين من أبناء شَعبنا الفلسطيني في مخيمات اللجوء في شتى دول العالم".

وفي 6 أكتوبر نشرت صورة الشاب إسلام زيد الذي وجد مشنوقًا بعد خروجهِ من سجون زنادقة المُخابرات الفلسطينية "فـتح"، وفي 8 نوفمبر نشرت "قوات لحد الفلسطينية تحبط 7 عمليات ضد الصهاينة الشهر الماضي"، وفي نفس اليوم نقلت تصريح عبد الرحمن شديد القيادي في حماس بهذه الصيغة: "شديد: أجهزة الضفة "لحد" مستمرة في استهداف المقاومين".

ب‌.  حضور خطاب ريان والزهار

في (11 سبتمبر 2017) نُشِر مقطع صوتي "للشيخ المحدث العلامة القائد" نزار ريان بعنوان "إنها حرب إسلام وردة" وهي تتناول سلطة فتح وتصفهم بالعلمانيين الزنادقة والسلطة التي ربتها دولة العدو والتي تطعن المجاهدين من الظهر ومن الصدر.. إلخ! وهو من أهم التسجيلات الصوتية التي تعبر عن التوجه الذي يمثله الشيخ نزار ريان. ثم نُشِر (2 أكتوبر 2017) مقطع فيديو آخر لنزار ريان يتوعد فيه بمقاتلة من يفكر في مس السلاح، ويقول بأن الموقف تغير بعد استشهاد ياسين ولم تعد حماس تعتمد منهج "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك"، وإنما صار منهجها "لئن بسطت إلي يدك لتقتلني فلأقطعن رأسك". وفي نفس الإطار نقلت القناة تصريحات عباس عن سلاح المقاومة ثم وضعت الرد عليه من كلام نزار ريان "من يُريد أو يُفكر في الإقتراب ونزع بنادقنا من أيدينا سننزع عنقه". وكررت القناة نشر صور لنزار ريان مع إزجاء الثناء عليه، في أكثر من مرة وبغير مناسبة.

في ذات الإطار احتفت القناة بتصريحات الزهار وبالتحديد قوله: "نحذر أي "مجنون" يحاول أن ينزع بندقية واحدة من يد المقاومة"، وعقب الناشر بالقول: "محذراً زنادقه العلمانية فتح"، وقوله "لا نعرف حدود ال67 ولا ال48 بل نعرف فلسطين كلها ضمن الأمة الاسلامية".

ج. تهديدات القسام

سعيا منها لإثبات الحضور الفعال فيما يتعلق بالمقاومة، أعلنت القسام –عبر القناة- أكثر من مرة عن إلقاء القسام القبض على عميل في قطاع غزة، كما نشرت إعلانا لكل عميل بالأمان شرط التوبة. وهي خطوة متقدمة في إثبات أن شأن المقاومة وما يؤثر عليها لن يُسلم لجهة أخرى. ثم كانت أكثر حدة وصراحة حين نشرت الوثيقة المسربة من مكتب المخابرات الفلسطينية والتي تتحدث عن نزع سلاح حماس، ثم عقبت بالقول: "إن صحتّ التسريبات الصادرة عن مكتب المخابرات الفلسطينية فتح ستُنذر بعواقب لا يُحمد عقباها". وبعد المحاولة الفاشلة لاغتيال توفيق أبو نعيم أعلنت القسام مدينة النصيرات منطقة عسكرية أمنية مغلقة للبحث عن المنفذ. وبعد عملية قصف النفق أعلنت القسام حالة النفير العام. وقد حَضَرَ يحيى السنوار في الفترة المرصودة مرة وحيدة فحسب، حين صرح بأن "لدى كتائب القسام القدرة على أن تضرب تل أبيب بالصواريخ بـ 51 دقيقة مجموع ما تم ضربه فى الـ 51 يوم بحرب العصف المأكول".

إذن فقد حرصت كتائب القسام على تقديم رسالة إعلامية وموقفا عمليا لدى الاقتراب من شأن المقاومة، ووصلت في هذا الصدد حتى إعلان حالة النفير العام.

رابعا: مكون السلفية الجهادية في خطاب القسام

بحسب رصد لهيثم غنيم –الباحث المتخصص في الشؤون السيناوية بالمعهد المصري- فإن خمسة عشر عضوا من كتائب القسام قد أُعْلِن عن مقتلهم في صفوف تنظيم ولاية سيناء التابع لتنظيم الدولة الإسلامية. وقد نشر مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلنطي في واشنطن، تقرير بعنوان "جهاديو غزة وتقويض العلاقات المصرية الحمساوية"،  التقرير نقل عن مصدر مطلع في جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة غزة: انضمام 130 فلسطينياً على الأقل لتنظيم ولاية سيناء خلال الثلاث سنوات الماضية، بعضهم كانوا أعضاء بارزين في كتائب القسام، أبرزهم هو "محمد حسن أبو شاويش"، وهو من كبار قادة القسام الميدانيين في رفح الفلسطينية، والذي انضم لولاية سيناء في مطلع عام 2016.

يمكن بسهولة إدراك العوامل التي تقرب بين كتائب القسام وتنظيم أنصار بيت المقدس (ولاية سيناء فيما بعد)، فثمة عوامل ثابتة وقديمة كالأساس الإسلامي والاتفاق على الجهاد ضد إسرائيل بهدف تحرير بيت المقدس، لكن العوامل التي نشأت في سيناء منذ الانقلاب العسكري في مصر والذي أسفر عن إجراءات عنيفة ضد سيناء وقطاع غزة، يؤثر على كلا التنظيمين تأثيرا بالغ السلبية. لا سيما مع التحالف المعلن بين عباس والسيسي في تشديد الحصار على قطاع غزة. ومن هنا فليس ثمة ما يُستغرب في أن الجبهة المشتعلة في سيناء والتي تحقق أكبر قلق للنظام المصري وتوقع به أكبر الخسائر المادية والبشرية تمثل إغراء وجذبا لعناصر مجاهدة في جبهة خاملة، لا سيما وأن الجبهة المشتعلة كانت جزءا من مشهد أكبر قدَّم فيه تنظيم الدولة لعامين على الأقل صورة دولة الخلافة التي تتمدد في العراق وسوريا وتلهب خيال كثير من الشرائح في العالم الإسلامي.

أيضا ليس ثمة ما يُستغرب في أن يمثل هذا الوضع الجديد تهديدا لكتائب القسام التي هي فرع من حركة حماس المحسوبة على حركة الإخوان المسلمين التي تعاني في نفس تلك الأعوام تراجعا حادا وشاملا في كافة المناطق الساخنة، وهو ما يثير الإشكالات الكثيرة والسجالات الساخنة –خصوصا في أوساط الشباب- حول المنهج الأمثل وحكم الأنظمة الحاكمة وشرعية قتالها وقضية العلاقة بإيران الشيعية –خصوصا في ظل ما يحدث في سوريا والعراق واليمن- وما ينتج عن ذلك كله من تبادل الاتهامات بالتميع والغلو.

نتيجة لهذا فإننا نجد حضورا قويا لمضامين تنتمي إلى عالم السلفية الجهادية، ويتحصن الخطاب القسامي في مثل تلك الأجواء بشخصية مثل نزار ريان: العالم الشرعي السلفي المجاهد الذي سقط شهيدا مع عائلته في غارة إسرائيلية، ففي قوة خطابه ووضوحه ما يؤكد أصالة المنهج الذي تتبعه حماس ومفاصلتها للتشيع والتهاون مع "العملاء" و"المرتدين" و"العلمانيين".

لقد أعادت قناة القسام نشر نعي حركة حماس لبن لادن في ذكرى 11 سبتمبر، وهو النعي الذي كان ميسورا في لحظة وفاته (مايو 2011) حيث كانت الثورة العربية في أوجها، وكانت مساحة القول والتصرف عالية أمام الجميع: شعوبا وحركات، بمن فيهم حركة حماس. وهو ما ليس يمكن قول مثله في الظروف المعاصرة.

نشرت القناة النعي مع بيت شعر محرف عن شعر لمحمد إقبال يقول: "لن تنسى أمريكا ولا عملاؤها .. ضحكاتنا والبرج يقذف نارا"، ثم تواصل: "11 سبتمبر يوم عزٍ للإسلام و أهله". وفي سياق آخر نقلت القناة اقتباسا عن بن لادن: "هذهِ المَذلة ؛ وهذا الكُفر الذي طَغى وعم على أرض الإسلام لا سَبيل لدكّهِ إلا الجهاد"، وكان في سياق الكلام ضد سلطة فتح.

هذا النقل يؤشر إلى أن خطاب القسام يشعر بالحاجة إلى إثبات جهاديته، بل والتقائها مع تيار الجهاد حول العالم –ما عدا تنظيم الدولة- حيث كان السجال حول بن لادن نفسه واحدا من أوسع السجالات بين داعش من جهة وبقية التيار الجهادي من جهة أخرى، كلا الطرفين يرى نفسه على خط بن لادن ويرى الآخر خارجا عنه. إثبات الجهادية هذا هو الوجه الآخر لخطاب حماس السياسي الذي قد يؤدي في بعض تأثيراته إلى مزيد من خروج العناصر القسامية إلى جبهة تنظيم ولاية سيناء.

وفي نفس السياق نشرت قناة القسام مقطع فيديو لمحمود الزهار يهاجم فيها السعودية (دون أن يسميها) ويصف الدول التي تتعاون مع إسرائيل وتواليها وتناصرها بأنهم "كفرة"، وهذا الخطاب بهذه النبرة هو اقتراب لم يكن موجودا بالسابق مع خط التيار الجهادي. إلى جانب هذا فقد تناثر في منشورات القناة نصائح للمجاهدين بضرورة العلم الشرعي "فاطلب العلم الشرعي قبل خروجك لميادين الجهاد"، ونشرت اقتباسا من الهيئة الشرعية للقسام مفاده الوقوف ضد الغلو والتنازل.

وفي 6 أكتوبر أعلنت قناة القسام أنه "تم الإمساك بأخطر صاحب فكر مُنحرف في قِطـاع غزة قبل قليل وسط مُخيم البريج ويُعتبر المُغذي المالي الرئيسي لإحدى التنظيمات المُنحرفة فكرياً على مستوى بلاد الشام والعراق"، وهي خطوة جديدة في سلسلة المواجهات المندلعة بين حركة حماس والسلفية الجهادية في غزة.

الخاتمة:

تمثل قضية تسليم السلطة في غزة والسير في مسار "المصالحة" واحدة من أهم التحديات التي تواجه حركة حماس وجناحها العسكري، كل منهم على حدة، لكن أعقد ما في الأمر أنها تمثل تحديا كبيرا على العلاقة الداخلية بينهما. وبينما يمكن تصدير خطاب يتبنى توزيع الأدوار بين الجناح السياسي والعسكري إلا أن إنتاج مثل هذا الخطاب أمر عسر ودقيق ويشبه المشي على طريق تحفه الأشواك.

على أن المشكلة ليست في مجرد الخطاب وحده، بل في الأعباء العملية لمسار المصالحة والتي سيتحملها القسام في المقام الأول، إذ هو المقصود المستهدف بسائر الإجراءات التي تمكن للسلطة في فتح، وبينما تذكر العديد من التحليلات أن حماس تحاول كسب الوقت مع يقينها بعدم نجاح المصالحة إلا أن الوقت الذي سيكسبه الساسة هو الوقت الذي ستعمل فيه إسرائيل وسلطة فتح على تجديد معلوماتها الأمنية وشبكة عملائها واستهداف الكوادر والعناصر العسكرية للقسام والبنية التحتية للمقاومة التي قضت 11 عاما مريرا في تطويرها.

حماس الآن أمام واحدة من أهم لحظات تجربتها، ويبقى أن تثبت قدرتها على القيام بمتطلبات المرحلة.