الأربعاء، نوفمبر 15، 2017

مذاهب البطولة وأنواع الأبطال!


تقوم الأمم على أكتاف الأبطال، ليس من أمة نهضت وسادت إلا وكانت قصة انطلاقها حافلة بالأبطال والبطولات، الجيل المؤسس في كل دولة هو أصلب أجيالها وأكثرهم بسالة وتضحية، ويظل هذا الجيل هو مفخرة الدولة والأمة، يحتفظون باسمائهم ويعظمون شأنهم ويروون قصصهم ويعلمونها للأجيال لتقتدي بهم وليستمر عطاء هذه الأمة وحضارتها.

ولذلك فقد كان من أخطر أساليب التشويه الفكري أن المحتل هو من يختار لنا أبطالنا، فصارت لدينا مهمة خطيرة لم تتعرض لها الأمة في عصورها السابقة، وهي مهمة تصحيح التاريخ وتوعية الأجيال بحقيقة الشخصيات التي درسوها كأبطال عن غير استحقاق، وإزالة الغبار والركام عن الأبطال الحقيقيين الذين درسوا سيرتهم كأعداء أو إرهابيين أو مجرمين.

وفي عصر أجدادنا الأوائل، عصر الخلافة الراشدة، صفحات زاخرة من البطولة والفداء، أبطال عظماء فتحوا الدنيا شرقا وغربا، قاتلوا العرب والفرس والروم حتى اتسع ظل الإسلام على كل هذه البلاد، عشرات الآلاف من الفاتحين الذين اكتسحوا الأمم ونشروا العدل وفتحوا صفحة جديدة في تاريخ العالم، أغلبهم لا نعرف أسماءهم، والقليل منهم فحسب هو الذي بقيت سيرته يرويها التاريخ حتى وصلت إلينا.

1. بطولات الجهاد

هل سمعتم عن هاشم بن عتبة؟

إنه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، ابن أخي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، كان يُلقَّب بالمرقال لما له من سرعة في الحرب، إذ كانت العرب تقول للإبل إذا أسرعت "رقلت الإبل"، وهو من الأبطال المعدودين الذين شهدوا المعركتين الفاصلتين: اليرموك في جبهة الروم والقادسية في جبهة الفرس. وذلك أن خالد بن الوليد لما نقله أبو بكر من جبهة الفرس إلى جبهة الروم أخذ معه نصف الجيش الفاتح في جبهة الفرس، ولما انتهت الموقعة الفاصلة "اليرموك" عاد هذا الجيش إلى العراق ليجد نفسه أمام المعركة الفاصلة الأخرى "القادسية".

فكان أولئك من الأبطال الكبار.. ومنهم صاحبنا هاشم بن عتبة الذي كان قائد هذا الجيش العائد.

عاد هاشم بن عتبة من اليرموك وقد فقد عينه اليمنى في سبيل الله، فخاض جهاده في القادسية وما بعدها بعين واحدة، وهو من مشاهير العور في التاريخ الإسلامي.

كان رجلا ضخما، ماهرا كفئا حتى قالت عنه عائشة: كان رجلا لا تكاد تزل به دابته، وقد وصل إلى القادسية بعد أن اشتعلت المعركة، وكان لأجل ذلك قد قدَّم أمامه القعقاع بن عمرو التميمي، فوصل القعقاع ونفذ خطته النفسية في تقسيم طليعته إلى فئات صغيرة تثير الغبار ثم تنضم تباعا إلى الجيش بحيث يظهر أن المدد قد وصل، فما إن انتهى ضم الطليعة إلى الجيش حتى كان جيش هاشم بن عتبة قد وصل فصار ينضم إلى المسلمين تباعا هكذا لدعم المعنويات في الجيش المسلم وإخمادها في جيش الفرس.

ومنذ وصل إلى القادسية حتى أبلى في قتالها بلاء حسنا مشهورا، ثم بعد انتصار القادسية كان من قادة الجيش الإسلامي الذي انطلق إلى المدائن، وهناك قبل الوصول أطلق الفرس أسدا كان قد اتخذه كسرى من حديقة له، وكان الأسد سلاحا جديدا آخر مختلفا عن الفيلة.. إلا أن صاحبنا البطل الكبير هاشم بن عتبة نزل عن فرسه فتصدى للأسد بشجاعة قلب نادرة حتى قتله بسيفه، فكان فتحا معنويا للمسلمين ورعبا جديدا ينزل بالفرس، حتى إن سعد بن أبي وقاص –قائد الجيش وعم هاشم- قبل رأس هاشم فقبل هاشم قدمه.

ثم كان هاشم قائد جيش المسلمين في جلولاء التي تجمعت بها قوات الفرس بعد اندحارهم الكبير في القادسية، حيث كان هذا آخر جيش كبير لهم، فانتصر عليهم النصر الكبير الذي انهارت بعده امبراطورية فارس تماما.

وكان هاشم فيما بعد من قادة فتوح فارس، ومع ذلك خرج من كل هذا سليما فلم يمت إلا بعد عشرين سنة في معركة صفين حيث كان من قادة جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

2. بطولات السياسة

عادة ما يجري الحديث عن بطولات المقاتلين ويغفلون عن بطولات السياسيين والسفراء، والواقع أن من يخوض معركة السياسة شرط أن يكون مخلصا حقا يستطيع بذكائه وحسن تدبيره أن يوفر على المسلمين دماء كثيرة، وأن يحقق بالسياسة ما قد تعجز عنه الحروب.. وصحيح طبعا أن قوة السياسي تنبع من قوته على الأرض وقدرته على خوض المعارك.. فالسياسة والحرب كالجناحين للطائر، والأمم التي تنتصر لا بد لها من استعمال الأمرين معا.

أولا: سفراء القادسية
قبل أن تنشب معركة القادسية، وهي المعركة الكبرى القاصمة في فتوح فارس، جرت مفاوضات بين المسلمين والفرس، وكان سفراء المسلمين فيها ثلاثة: ربعي بن عامر وحذيفة بن محصن والمغيرة بن شعبة.

كان قائد جيش المسلمين سعد بن أبي وقاص قد أرسل في طلب وفد من الدهاة والسفراء، فلما اجتمع بهم اقتراح ربعي بن عامر أن ذهابهم وفدا كبيرا سيوحي للفرس أن العرب يهتمون لأمرهم، بينما إرسال واحد فحسب يدل على قوة المسلمين وقلة اكتراثهم بالفرس، فأعجب هذا الرأي سعد بن أبي وقاص، وقرر أن يكون سفراؤه واحدا تلو الآخر. فكانت البداية بصاحبنا ربعي بن عامر رضي الله عنه.

أراد الفرس أن يحدثوا صدمة نفسية للسفير المسلم، فجهزوا له استقبالا مهيبا، حيث لبسوا فيه الثياب المذهبة وفرشوا الوسائد والنمارق المزخرفة، وصنعوا صورة بصرية فاخرة ومهيبة، وعزموا على أن يتعاملوا معه بقلة اكتراث ولا مبالاة. وعلى الجانب الآخر دخل ربعي بن عامر في صورة المقاتل الأشعث الأغبر الفقير الصلب، معه سيفه ودرعه وأسهمه تدل على الخشونة والبساطة حتى إن غمد سيفه كان من القماش الأخرق الرثِّ. لكن الأهم من هذا أنه لم ينبهر بزينة الفرس بل مضى هذا المقاتل الأشعث فأخذ وسادة من زخارفهم فشقها ليربط بها بغلته في مقدمة الخيمة السلطانية لرستم، ثم صار يمشي متوكأ على رمحه فيخرق البسائط والنمارق والوسائد بلا مبالاة، ولأنهم عزموا على إظهار اللا مبالاة به فقد تركوه مظهرين الاستهانة بشأنه حتى اقترب إلى رستم في صدر المجلس فأراد أن يجلس إلى جواره فمنعه الحرس الخاص الذين حملوه فأبعدوه، فإذا به يزيح بسائطهم ويجلس على الأرض وهم يستغربون ويسألون:

-       ما حملك على هذا؟
-       فقال: إنا لا نستحب الجلوس على زينتكم هذه
-       فقال له رستم: ما جاء بكم؟
-       قال: الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله.
-       قال: وما موعود الله؟
-       قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي.
-       فقال رستم قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟
-       قال: نعم كم أحب إليكم أيوما أو يومين؟
-       قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. (وأراد مقاربته ومدافعته)
-       فقال: إن مما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به أئتمنا ألا نمكن الأعداء من آذاننا ولا نؤجلهم عند اللقاء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثا فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: اختر الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك، وإن كنت عن نصرنا غنيا تركناك منه وإن كنت إليه محتاجا منعناك، أو المنابذة في اليوم الرابع ولسنا نبدؤك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا أنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى.
-       قال: أسيدهم أنت؟
-       قال: لا ولكن المسلمين كالجسد بعضهم من بعض يجير أدناهم على أعلاهم.

واستطاع ربعي بهذا المنظر البسيط المخيف، وبهذا الكلام الواضح أن يوقع الرهبة في نفس رستم الذي بدا كأنه يميل إلى تجنب الحرب، فقال لقومه: هل رأيتم كلاما قط أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل؟

قالوا: معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب! أما ترى إلى ثيابه؟

فقال: ويحكم لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة إن العرب تستخف باللباس والمأكل ويصونون الأحساب ليسوا مثلكم في اللباس ولا يرون فيه ما ترون.

ثم كان للمسلمين سفيرين في اليوم الثاني والثالث هما حذيفة بن محصن والمغيرة بن شعبة، ولم يختلف كلامهما كثيرا عن كلام ربعي بن عامر، بل إن مما وقع للمغيرة أنه سار إلى أن أراد أن يجلس إلى جوار رستم مباشرة فلما أخذه الحرس فوثبوا عليه ومنعوه قال لهم:

"كانت تبلغنا عنكم الأحلام ولا أرى قوما أسفه منكم، إنا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون محاربا لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه ولم آتكم ولكن دعوتموني اليوم علمت أن أمركم مضمحل وأنكم مغلوبون وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول"

ولما فرغوا من الحوار على نفس ما قاله ربعي وحذيفة قال رستم: هؤلاء والله الرجال صادقين كانوا أم كاذبين والله لئن كان بلغ من إربهم وصونهم لسرهم ألا يختلفوا فما قوم أبلغ فيما أرادوا منهم لئن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شيء.

وبهذا فعل السفراء في نفوس القادة والكبار ما لم تكن تستطيع السيوف أن تفعله من قذف الرعب في قلوبهم وتثبيت هيبة المسلمين.

ثانيا: أرطبون العرب وأرطبون الروم

لما تمكن المسلمون من فتح الشام بقيت أمامهم مدينة بيت المقدس، وضرب المسلمون حولها الحصار، وكان قائدها الرومي واحدا من أذكى وأدهى قادتهم ويسمى "الأرطبون".

وكان الجيش الإسلامي المحاصر لها بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهو المعدود كذلك من دهاة العرب، فجرت بين عمرو وبين الأرطبون رسائل وسفارات لم يستطع عمرو منها أن يحصل على ما يريد، فعزم على أن يذهب بنفسه على هيئة السفير.

وهناك دارت معركة سياسية بين داهية العرب وداهية الروم!

كان كلام عمرو ونظراته مما فهم معه الأرطبون أنه ليس شخصية سفير فحسب، ووقع في نفسه أنه عمرو بن العاص أو على الأقل رجل من كبار القادة الذين يأخذ عمرو برأيهم، فعزم على اغتياله وقال: "ما كنت لأصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله"، ثم كلف واحدا من جنوده بأن ينفذ هذا الاغتيال أثناء عودة عمرو، ولكن عمرا أحس بما يُدبَّر له، فقال له في الجلسة الأخيرة:

"قد سمعت مني وسمعت منك فأما ما قلته فقد وقع مني موقعا، وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكانفه ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن فإن رأوا في الذي عرضت مثل الذي أرى فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم وكنت على رأس أمرك".

فأعجب الأرطبون أن الصيد سيكون أعظم من هذا، سيبلغ عشرة من كبار القادة، فأرسل إلى المكلفين بالاغتيال أن يتوقفوا، وبهذا نجى عمرو، ثم علم الأرطبون أنه كان هو الخاسر في حرب العقول هذه، فقال: خدعني الرجل هذا أدهى الخلق.

ولما بلغت عمر فقال غلبه عمرو لله عمرو، لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب.

3. استخدام الحرب النفسية

ومما لا ينتبه له كثيرا في بطولات أجدادنا الفاتحين استعمالهم للحرب النفسية، وبها بلغوا نتائج لم يكن بالإمكان تحصيلها بغير هذه الوسيلة. وهو ما ينبغي أن ننتبه له في واقعنا المعاصر ونستفيد منه.

سنحكي في هذا الإطار مثالا واحدا فحسب، وهي الخطة التي وضعها خالد بن الوليد في معركة اليرموك الفاصلة.

لقد بنى خالد بن الوليد خطته يوم اليرموك على إحداث الصدمة النفسية في جيش الروم، وكانت الانتصارات السابقة للمسلمين قد أوقعت الفزع في نفوس الروم، حتى إن هرقل إمبراطور الروم أمر قائده في اليرموك باهان –وكان من أشهر قادتهم وأكثرهم قوة وذكاء- أن يضع جيشه في موقع من الأرض "واسع المطرد ضيق المخرج" بحيث لا يكون أمامهم فرصة إلا الثبات، كذلك فقد جعل صفوفا من جنوده مربوطين بالسلاسل لئلا يندفعون إلى الهروب إذا شدّ عليهم المسلمون.. وقد اختار قائده بالفعل موقعا تتحقق فيه هذه الصفات، حيث موقع المعركة نفسه فسيح ولكنه محدود من ثلاث جهات بفروع نهر الأردن، ولا يبق إلا الموضع الذي دخلوا منه، وهو الذي جاءه المسلمون فيما بعد فصار الروم بين المسلمين من الأمام وبين الماء من ثلاث جهات، حتى قال سيدنا عمرو بن العاص: "أبشروا، قد حصرت اليوم، ولا يأتي محصور بخير".

ومن قوة الصدمة النفسية أن أحد فرسان الروم الكبار وهو من سفرائهم كذلك، أي أنه جمع بين القوة والعقل، وكان اسمه جرجة، أسلم قبل أن تبدأ المعركة، حيث خرج بين الصفين بعد انتهاء المفاوضات وقبل ابتداء القتال ونادى على سيدنا خالد بن الوليد، فخرج له واقتربا حتى أمن كل منهما الآخر، ثم قال له:

-       يا خالد اصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع.. بالله هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟
-       قال: لا.
-       قال: فبم سميت سيف الله؟
-       قال إن الله عز و جل بعث فينا نبيه صلى الله عليه و سلم فدعانا فنفرنا عنه ونأينا عنه جميعا ثم إن بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا باعده وكذبه فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتابعناه فقال أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين ودعا لي بالنصر فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين.

ثم أسلم جرجة وانحاز إلى المسلمين وقاتل معهم، واستشهد في اليرموك ولم يصل إلا ركعتي إسلامه، وقيل: بل لم يصل أبدا. فهو ممن مات على الشهادة ولم يسجد لله سجدة.

نعود إلى خطة خالد بن الوليد في اليرموك..

لقد استوعب خالد منذ رأى فرسان الروم أن عددهم وقوتهم أكبر بكثير من فرسان المسلمين، وأنه لا يستطيع أن يتصدى لهم، فكان أساس خطته أن يحتفظ بفرسانه دون خوض قتال، وأن يجعلهم خلف جيش المسلمين من المشاة، وأن يتحمل المشاة المسلمون صدمة فرسان الروم.. لذلك أوصى المسلمين بالصبر والثبات ما استطاعوا، ثم ذهب إلى النساء في مؤخرة الجيش فأوصاهن أن يضربوا من يرجع منسحبا من أمام الروم بالحجر أو حتى بالسيف حتى يعود مرة أخرى لقتالهم فلا يتتابع انسحاب المسلمين.

كان خالد يريد امتصاص صدمة فرسان الروم وإضعافها بمقاومة الفرسان المسلمين وتيسير انفصال فرسان الروم عن بقية الجيش وهو من المشاة.. وبالفعل تحقق الواقع كما أراد خالد، فاندفع فرسان الروم يهاجمون الميمنة والميسرة، واستطاعت صدمتهم الشديدة أن تضغط على جيش المسلمين حتى تقهقرت وضعفت الميمنة والميسرة واستطاع بعض فرسان الروم أن ينفذ من جيش المسلمين إلى أن وصل إلى معسكر النساء، ومع قوة الصدمة انهارت بعض قطاعات الميمنة والميسرة فانسحب منهما المسلمون، وهنا جاء دور النساء اللاتي صرن يقذفن المتراجعين ويواجهن من استطاع النفاذ إليهن من فرسان الروم بالحجارة والخناجر وعواميد الخيام.. وكانت لحظات عصيبة ظهرت فيها بطولات وبسالات شديدة في الصمود والثبات.

كل هذا وسلاح الفرسان لم يتحرك بعد.. لقد انتظر خالد حتى يتحقق من انفصال الفرسان عن المشاة، ومن تعثر صدمة الفرسان بثبات المسلمين، وهنا تدخل سلاح الفرسان وانطلق قسم بقيادة خالد وقسم بقيادة قيس بن هبيرة، فنفذوا هجوما مفاجئا على فرسان الروم الذين اضطرب أمرهم لظهور قوات أخرى من الجيش لم يتنبهوا لها، فتخلخل هجومهم ونظامهم وزادوا تعثرا، ثم سمح لهم خالد بالنفاذ والخروج من المعركة، فانطلقوا في ظل هذه الصدمة النفسية يهربون من ذلك المنفذ الذي يقع خلف معسكر المسلمين.

ثم عاد خالد ليهاجم جيش الروم (المشاة) بعد فراغه من فرسانهم، وعندئذ تحققت الصدمة التي كان ينتظرها خالد رضي الله عنه، إذ صار المشهد عند الروم أن فرسانهم قد انطلقوا فخاضوا المعركة ثم لم يرجعوا، وإذا بهم يفاجؤون بهجوم فرسان المسلمين عليهم.. فوقع فيهم الاضطراب والارتباك، وصاروا يتراجعون إلى الخلف، وزاد الطين بلة أنهم لا مهرب لهم إلى الخلف، بل إن ثمة جنود لا يستطيعون انسحابا طبيعيا لأنهم مترابطين بالسلاسل.. فصارت فرسان المسلمين ثم مشاتهم تضغط على جيش الروم الذي لا يجد إلا الرجوع أكثر مما يزيد في اضطرابه وارتباكه، وكان الزمن في تلك اللحظة قد صار بعد العصر، وكان اليوم ضبابيا.. فانهار جيش الروم بوقوعه في الواقوصة، المرتفع الذي ينحدر إلى النهر.

وبهذه الصدمة النفسية، انتصر المسلمون في أعظم معارك فتوح الشام وفي واحدة من أعظم معارك كل تاريخ الإسلام.

الخلاصة:

لا تتقدم الأمم إلا على أكتاف الأبطال ذوي البسالة والتضحية، وما من أمة نهضت إلا وكان جيل تأسيسها من الأبطال الأشداء الذين بذلوا تضحيات هائلة مهدت الأرض لقيام دولتهم وحضارتهم.

إلا أن البطولة لا تنحصر فقط في القتال، بل لا بد لها من أبطال آخرين في ساحة السياسة والتفاوض والسفارة وعرض الأفكار، أي لا بد أن يكون جهازها الإعلامي والدبلوماسي على نفس القدر من الكفاءة والإجادة.. وصحيح أن قوة السياسي تكمن فيما يسنده من المقاتلين البواسل، ولكن الصحيح أيضا أن السياسي يستطيع بذكائه وعقله أن يحقق ما تعجز عنه السيوف وأن يمهد لانتصارها النفوس.

ومما لا ينتبه له كثيرا في شأن الحروب والمفاوضات أمر الحرب النفسية، وهي مسألة في غاية الأهمية ونغفل عنها كثيرا، وقد صارت الحرب النفسية الآن علما كبيرا وله نظرياته وفروعه ومؤلفاته، ولا بد للمجاهدين من قراءة هذه الكتب واستيعاب هذه النظريات واستعمال هذه الأساليب.. فرب خطة حكيمة أنهت معركة فاصلة فارقة.