الخميس، نوفمبر 23، 2017

طبقات الاستبداد ومقاومة الأمة

ثمة أمور يجب على عقل المقاومة أن تستوعبه وتهضمه جيدا، من أهمها ما سنتناوله هنا، وسنحاول الحديث عنه هنا بتبسيط شديد:

1. الناس عبر التاريخ يثورون ضد الاحتلال الأجنبي أو ضد الاستبداد الداخلي. وكان التسامح مع المستبد أوسع وأكبر بكثير من التسامح مع المحتل، ولهذا تطول عصور الاستبداد أكثر بكثير مما تطول عصور الاحتلال.

2. قد ينقلب المستبدون بعضهم على بعض، وقد تشتعل ثورة فتسقط المستبد وتقتله بأشد الطرق وحشية، إلا أن الأهداف العامة للأمة لا تتغير، فالمستبد يعبر عن الأمة ويتحرك في سبيل أهدافها ولتقويتها، والذين ثاروا عليه إن انتصروا فهم يتحركون في نفس الأهداف وبنفس الدوافع.. لأن المستبد لم يكن ضد أمته ومناقضا لها بل كان ظالما مستبدا يستحوذ على مواردها، فإن كان قويا كان عصره رغم استبداده من عصور ازدهار أمته، وإن كان سفيها أو تافها أنفق موارد أمته على نفسه وحاشيته وبلاطه.

3. عامة ما جرى في التاريخ من تقلبات سياسية، ثورات وانقلابات، كان تعبيرا عن صراع القوى الداخلية لا عن نفوذ القوى الخارجية الأجنبية.. فالحاكم يتغير بثورة أو بانقلاب يعبر عن اتجاه آخر وقوة أخرى هي ضمن قوة الأمة نفسها وليست صنيعة لأعداء الخارج. نعم! وُجِد من يستعين على ثورته وتمرده بدعم ومدد من الخارج الأجنبي لكن هذه الحالة قليلة بالمقارنة بما حدث من تقلبات سياسية، ثم إنها أكثر ما تكون في مناطق الاحتكاك الحضاري بين أمتين كبيرتين، يعني في الممالك على الحدود والأطراف وليس في قلب الأمم الكبرى.

4. كانت السلطة دائما أقوى سلاحا وأكثر عددا ورجالا من الثائرين عليها، لكن الفارق بين ما تملكه الشعوب وما تملكه السلطة لم يكن عظيما، في النهاية يتقاتلون بالسيوف والرماح والسهام ويستعملون الخيل.. نعم، تملك السلطة مجانيق وقلاع محصنة مع نوع من الشرعية والقدرة المالية وهو ما يجعلها الأعلى يدا، إلا أن الفارق في النهاية لم يكن عظيما، فبالإمكان مع نوع تدبير وتخطيط ومفاجأة واستعانة بعصبيات وقوى أخرى أن تدور معركة متكافئة مع السلطة.

5. من سوء حظ أمتنا أن لحظة ضعفها وانهيارها الداخلي كان مواكبا للحظة نهضة أوروبية قوية، تلك النهضة مع ضعفنا كانت لها آثار شنيعة لا زلنا حتى الآن نعاني منها، فكيف تم هذا؟

أولا: رغم أن المسلمين اكتشفوا وجود الأمريكتين واكتشفوا إمكانية الانتقال من الغرب إلى الشرق بالدوران حول إفريقيا (طريق رأس الرجاء الصالح)، إلا أن من استفادوا بهذا هم الغربيون، لأن من حكموا العالم الإسلامي وقتها لم يستفيدوا من تلك الاكتشافات العلمية، بينما استطاعت أوروبا أن تسيطر على جبال الذهب والفضة والموارد الضخمة في الأمريكتين كما استطاعت أن تسيطر على موارد السواحل الإفريقية والآسيوية. نعم، كان هذا بالعنف والقهر والوحشية لكن هذا حديث آخر.

ثانيا: لم تكن استفادة الغربيين من تقدم العلوم مقتصرة على الجغرافيا، بل أخذ تقدم العلوم يلقي بتأثيره على كل المجالات، ويهمنا في سياقنا الآن أن السلطة استفادت من العلم في توسيع فارق القوة بينها وبين عموم الناس، تطورت الأسلحة التي تملكها السلطة، واتسع الفارق بينهم وبين الناس، ومن هنا استطاع الغزاة الأوروبيين رغم قلة عددهم اكتساح أمم أعظم منهم بكثير.. فالذي يحمل المسدس يستطيع مواجهة عشرات ممن يحملون السيوف. كما أن تقدم العلوم أتاح صناعة السفن التي تعبر المحيطات وتحمل أعدادا أكبر من البشر وأثقالا أعظم من الأسلحة والمعدات.. ومن هنا استطاع الغربيون السيطرة على أجزاء كثيرة من العالم في إفريقيا وآسيا مع الأمريكتين لأنهم أول من استفادوا من تقدم العلوم.

ثالثا: تواكب هذا الصعود العلمي مع طفرة اقتصادية، بدأت قبله، ومع تطور فكر سياسي ضد الكنيسة وضد الملكية.. أصحاب الأموال صاروا قوة مؤثرة، تمكنت مع الزمن من إزاحة الإقطاعيين والنبلاء ومن منافسة الكنيسة والملكية، وصار رجال المال من أهم قوى المجتمع الغربي ومن أهم أعمدة السلطة فيه، وربما كانوا أحيانا أهم أعمدة السلطة.

6. كانت نتيجة مجمل هذه التطورات أن الغرب وجد أمامه مساحات واسعة من الأراضي والشعوب والموارد الاقتصادية التي لا تحميها سلطات قوية، فبدأ عصر الاستعمار. ومن الطريف هنا أن كلمة "عصر الكشوف الجغرافية" تساوي كلمة "عصر الاستعمار"، رغم أن الأولى تبدو لأول وهلة شيئا جميلا وتقدما علميا والثانية تبدو شيئا شنيعا.. لكن الحقيقة أن تقدم العلم كان هو نفسه تقدم الاحتلال وسحق الشعوب والأمم الضعيفة.

7. بعد انتصار الاحتلال الأجنبي الناهض على أمتنا أراد أن يجعل بلادنا تابعة ورهينة له، عسكريا واقتصاديا وأيضا فكريا وثقافيا.. واقتضى هذا مجهودا طويلا وخرافيا في فهم أمتنا (وهو ما قامت به حركة الاستشراق) وفي تركيعها (وهو ما قامت به جيوش الاحتلال) وفي إعادة تركيبها وصياغتها فكريا وثقافيا وهو ما قامت به النظم السياسية.. لهذا كان تاريخنا الحديث هو تاريخ "تحديثنا" لنكون مثل الغرب.

8. هنا وقعت بأمتنا الكارثة.. لقد استطاع الاحتلال غرس نظامه فيها، بالعنف والقهر والظلم، استطاع دس حكام تابعين له في أرضنا، والسيطرة عليهم، وإنشاء طبقات حاكمة حوله، وإنشاء نخبة اقتصادية وثقافية مرتبطة به، ليتم له ربط بلادنا به لتكون تابعة له.. تلك هي قصة الشعوب الإسلامية العامة مع الاختلاف في التفاصيل.

9. كل تقدم علمي كان يُستعمل ضد أمتنا ولتثبيت النظام الأجنبي فيها وتوسيع الفارق بينها وبين الشعوب، فاتسعت الفجوة بين عدد وقوة ونوعية السلاح الذي تملكه السلطة وبين ما يملكه الشعب، وامتلكت السلطة جهاز الإعلام (المطبعة، الراديو، التليفزيون) فصارت الشعوب في وضع التلميذ الذي يسمع ويُلقن الأفكار بعدما كانت الأمة هي من تنتج أفكارها، وتطور نظام الدولة الحديثة ليجعل الدولة متحكمة في حياة الإنسان من وقت مولده إلى وفاته، فالدولة تربيه وتصنعه في المدرسة والجامعة والوظيفة، وقد كان من قبل يولد فيربيه أهله وبيئته ثم يتعلم في الكتاب والمدرسة الأهلية التي لم تنشئها الدولة ولا تسيطر على مناهجها، ثم يعمل في نشاط اقتصادي طبقا لموهبته أو لوراثته من أهله دون تدخل من الدولة في طبيعة ما يفعل.. وهكذا!

10. منذ تلك اللحظة صارت أمتنا مهزومة، وصار انهيار السلطة يساوي انهيار وضعها كله لأن السلطة تتحكم في كل شيء، وربما سلمت السلطة بنفسها الأمة للمحتل بغير مقاومة. أي أن السلطة صارت هي أول وأعظم هزائمنا ونكبتنا.. فهي سلطة تبدو كمستبد وطني بينما هي على الحقيقة القناع الذي يرتديه المحتل للسيطرة على الشعوب لئلا يستفزها منظر المحتل الأجنبي. ومن الطرائف أن السلطة في بلادنا تستعمل كل قوتها وكل عنفها إن اشتعلت في وجهها ثورة شعبية فتخرج الدبابات والطائرات والأسلحة الكيمائية وفرق مكافحة "الشعب"! ثم يأتي الأجنبي فيدعمها بنفسه وجيشه ليمنع سقوطها. بينما إن جاء الاحتلال رأيت الانسحابات واختفت الجيوش وسكتت الطائرات والدبابات وتسلم الأجنبي البلاد والعباد بغير مقاومة.

11. لو تدبرنا لرأينا أن كل انتصار في تاريخنا صنعته الشعوب وحركات المقاومة، بينما كل هزيمة وقعت بنا إنما تسببت فيها السلطة.. والسلطة في بلادنا بتحكمها في كل أنشطة الإنسان يجعل اختراق الأعداء لنا ومعرفتهم بنا اختراقا شاملا، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والفن والتربية... إلخ!

فكيف نقاوم هذا الاحتلال الشامل المطبق؟!

باختصار شديد: كل خروج للمجتمع من تحت يد السلطة هو قوة للمجتمع وخصم من السلطة.

1. انتشار الكتاتيب وتعليم القرآن وانتشار حفظته هو انتشار لمراكز تعليم ولمناهج لا تهيمن عليه السلطة. القرآن هو كتاب الأمة، ومن يتربى على القرآن ويتلقى عنه هو شخصية مضادة لكل فكر وتوجه سياسي وأخلاقي واقتصادي تريده السلطة العلمانية التابعة للمنظومة الغربية. وبقدر ما انتشر القرآن بقدر ما انتشرت مقاومة العلمنة ومقاومة الطغيان.. القرآن والطغيان لا يجتمعان!

2. انتشار التكتلات والتجمعات والمجموعات هو تقوية للمجتمع وخصم من السلطة، السلطة تريد الناس مواطنين فرادى تتعامل معهم كأفراد لا ككتل اجتماعية.. فكل تكتل سياسي أو اقتصادي أو ثقافي لم يصدر بإنشائه تصريح من السلطة ولا يعقد اجتماعاته تحت عين السلطة ولا يجري في نشاطاته ملتزما بقوانين السلطة، ولا يحل أفراده الخلافات بينهم عن طريق السلطة.. كل اجتماع كهذا هو بذرة مقاومة، وهو إضافة للمجتمع وخصم من السلطة.

3. السلطة جردت شعوبنا من السلاح لتستبد بهم، فكل انتشار للسلاح بيد الناس هو قوة للمجتمع وتهديد للسلطة، وكل وقوف في وجه سلاح السلطة لدفع ظلم من السلطة أو حماية مظلوم من السلطة هو إضافة للمجتمع وخصم من السلطة. ولو أن مهندسي الأمة وعلمائها وصُناعها يحرصون على ابتكار الأسلحة الخفيفة سهلة الانتشار التي يستفيد منها عموم الناس لا السلطة لكان هذا من أهم وأعظم ما يعيد التوازن بين سلاح السلطة وسلاح المجتمع.

4. انتشار المجالس العرفية والمحاكم العرفية التي تفصل في خلافات الناس دون الرجوع للسلطة، والتي يحترمها الناس وينصاعون لها وينفذون ما تقضي به هو إضافة للمجتمع وخصم من السلطة.

5. انتشار التعليم المنزلي، وانتشار مجموعات التعليم المنزلي، وإنقاذ فطرة الأطفال والفتيان من تحكم الدولة ومناهجها وهيمنتها الفكرية هو إضافة للمجتمع وخصم من السلطة، وهذا الانتشار هو نفسه ما سيخلق مجموعات مستقلة وأنشطة مستقلة بل ومجالات عمل واقتصاد مستقل فيما بعد.

6. كل نشاط اقتصادي يقوم بعيدا عن عين السلطة ورقابتها ولا يدفع لها ضرائب ولا يلتزم بسياستها هو إضافة للمجتمع وخصم من السلطة. ولا سيما الأنشطة الاقتصادية الداعمة لسائر ما هو مخالف للسلطة، فلو أن تلك الأنشطة الاقتصادية يذهب ربحها لدعم الكتاتيب والمجموعات الأهلية والمحاكم العرفية والتعليم المنزلي لكانت تلك هي الخدمة العظمى لمقاومة الأمة واستقلاليتها. بل لو استطاعت الأنشطة الاقتصادية التعامل بغير عملة الدولة أو ابتكار عملة لها تحوز القبول العام لكان هذا فتحا هائلا في العلاقة بين المجتمع والسلطة.

وهكذا نرى مجال المقاومة مجال واسع ممتد يستطيع الكثيرون المشاركة فيه، بل لا مجال لإنقاذ الأمة وتغير حالها من أن يشارك مجموعها فيه، كل بسهمه وبما يستطيع.. ومن هنا تظل المسؤولية الكبرى على القادة والعلماء.. القادة هم من يصنعون المنظومات العملية ويوجهون ويديرون، فتتحول الطاقات السائلة المبعثرة إلى تيار موجه ومنظومات متكاملة متعاونة. والعلماء هم من ينتجون الأفكار ويدعمونها ويُوَجِّهون إليها ويُحَرِّضون عليها ويظللون كل عمل بالمظلة الأخلاقية التي تمنع سائر تلك الأعمال من الانحراف عن وجهتها في خدمة الأمة إلى المصالح والأغراض الشخصية أو إلى خدمة الأعداء.

وسيجد العلماء في الإسلام مادة غزيرة لتعظيم الكتلة المجتمعية بقيم صلات الرحم وحسن الجوار، ومادة غزيرة لمقاومة الظلم والوقوف أمام الظالمين، ومادة غزيرة لتثوير الطاقات وتوجيهها.

قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: 77، 78]