الأربعاء، يونيو 07، 2017

يوم الأحزاب في قطر

قال ابن حزم الأندلسي عن ملوك الطوائف:

"والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما يحمونهم عن حريم الأرض... وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه".
(رسائل ابن حزم 3/176)

وهذا الذي توقعه ابن حزم حدث بعد موته، ففي زمن انهيار الأندلس نهاية عصر الموحدين، تنصر اثنان من أمرائهم هما أبو عبد الله البياسي أمير إشبيلية، وأخوه أبو زيد عبد الرحمن الموحدي أمير بلنسية، وتحالف ابن عمهما مع أبو العلا إدريس مع فرناندو الثالث ملك قشتالة الذي اشترط عليه أن يبني كنيسة للنصارى في مراكش وأن يتنازل عن عشرة حصون يختارها هو بنفسه وإذا أسلم نصراني يُرَدُّ إلى أهله، وإذا تنصر مسلم فلا سبيل لأحد عليه!

(1) اعترافات ودلائل

لا أدري حين ينشر هذا المقال إلى أي مدى ستكون الأزمة قد بلغت، فإن القوم اجتمعوا اجتماع الأحزاب قديما، يهود في موقع التحريض والتدبير وأعراب في موطن التحشيد والتحزيب، ومنافقون في مقام الشماتة والترقب، حتى قنوات الضرار تقوم بدور الشعراء قديما.

على كل الأحوال، فضَّلت أن أضع في السطور القادمة أمورا لا ينبغي أن ننساها في أي وقت وعند أي مدى ستصل إليه الأزمة.

1. الرئيس الأمريكي ترامب: "في رحلتي الأخيرة للشرق الأوسط أوضحت أنه لا يمكن الاستمرار في تمويل الأيديولوجيات الراديكالية. أشار الزعماء إلى قطر. من الجيد رؤية زيارة السعودية مع الملك وخمسين زعيما آتت بالفعل ثمارها، قالوا إنهم سيتخذون خطا صارما ضد تمويل التطرف، لقد أشاروا جميعا إلى قطر. ربما يكون هذا بداية النهاية لرعب الإرهاب".
(حسابه على تويتر، 6 يونيو 2017)

2. وزير الخارجية السعودي عادل الجبير: "طفح الكيل وعلى قطر وقف دعم جماعات مثل حماس والإخوان"
(العربية، 6 يونيو 2017)

3. السفير الإسرائيلي السابق في أمريكا مايكل أورين: "خط جديد يُرسم في رمال الشرق الأوسط، لم تعد إسرائيل ضد العرب، وإنما إسرائيل والعرب ضد قطر ممولة الإرهاب".
(حسابه على تويتر، 5 يونيو 2017)

4. مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جدة عبد الحميد حكيم: أعتقد أن هناك خطة سياسية تتبناها المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر وخاصة بعد قمة الرياض التي جاءت في أول زيارة لإدارة جديدة في البيت الأبيض إلى المملكة العربية السعودية، لن يكون هناك أي مكان في سياسات هذه الدول للإرهاب أو للجماعات التي تستخدم الدين لتحقيق مصالح سياسية مثل حماس والجهاد.
(القناة الثانية الإسرائيلية، 5 يونيو 2017)

(2) مختصر القصة

القصة ببساطة أن محمد بن سلمان يريد تأمين وراثة العرش السعودي وإزاحة محمد بن نايف، فالتقت أغراضه بمحمد بن زايد عدو بن نايف وزعيم الصهاينة العرب، فلم يجد الأخير صعوبة في إقناع الغلام الغر بأن باب الأمريكان المتحكمين في عرش السعودية مغلق من كل الأبواب إلا من جهة إسرائيل!

وإسرائيل لا تفتح الباب مجانا.. فاجتهد الاثنان في دفع الثمن المناسب.

في الطريق إلى إسرائيل جعلت السعودية من نفسها حارسا عربيا جديدا لعرش صهيون ضمن مجموعة الحراس العرب: المصري والأردني والفلسطيني والسوري، فاشترت السعوديتان جزيرتين مصريتين مقابل بعض المال يوضع في جيب السيسي وحاشيته وصارت بهذا من دول الطوق الحارسة لإسرائيل، وذهب محمد بن سلمان سرا إلى الأردن ووقع على الاتفاق الأمني الخاص بكامب ديفيد.

ثم حشدت السعودية الدول العربية في قمة البحر الميت، وكانوا قبلها بسنة واحدة يعجزون عن نصف اجتماع في قمة الرباط، لإعادة تجديد المبادرة العربية للسلام (!) لكن مع تغيير جديد، حيث كانت المبادرة القديمة تشترط على إسرائيل التراجع حتى خط 4 يونيو 1967 مقابل تطبيع عربي كامل، في ذلك الوقت قال شارون أنه يرحب بالتطبيع ولا يرحب بالانسحاب فتعرقل الموضوع وسكت. الآن قبلت المبادرة ما أراده شارون في قبره، تطبيع بلا انسحاب! وعلى هذا ختم المجتمعون في قمة البحر الميت!

في الخلفية كان مشايخ السلطة يعزفون على وتر: "الشيعة أخطر من اليهود"! وما كان ذلك محافظة على السنة –حاشاهم- بل محافظة على إسرائيل التي تتنافس مع إيران على زعامة المنطقة. وبعد قليل سيهتف نفس المشايخ: الإخوان وحماس أخطر من الشيعة واليهود!!

ولكي تكتمل الجهود ويُدفع الثمن اشتعلت في السعودية حرب حقيقية على كافة من يمكن أن يقف أمام هذا التحول، حتى أغلقت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسُجن شيوخ بعضهم غير محسوب على المعارضة (شيوخ المعارضة في السجون والعذاب منذ زمن قديم كما هي عادة الأنظمة العربية)، فضلا عن تمكين وترسيخ الليبراليين من منافذ الإعلام والصحافة والثقافة والتعليم، وفُتِحت البلاد على تغيير ثقافي واجتماعي بقاطرة اقتصادية، تبشر بجنة عرضها من البحر إلى الخليج عام 2030، هذا مع أن الحال يزداد سوءا للمواطنين والعاملين، فلئن قُدِّر جدلا أن تصل السعودية إلى تلك الجنة فستكون قد وصلتها بعد أن انخلعت من الدين على غرار جارتها الإمارات!

ثم جاء القيصر..

لما جاء ترامب، أخذ أموالا طائلة تتعب في حسابها العدادات، واطمأن على مسألة العلاقات مع إسرائيل، وخطب في القادة العرب فلم يذكر تسوية فلسطينية وإنما ذكر حماس كإرهابية، ثم طار إلى إسرائيل يبشرهم بأنه وجد أجواء مختلفة، وأن العرب لا يحملون عداء تجاه إسرائيل وإنما تجاه إيران.. فلو كان ينطق بلسان المتعممين لقال لهم: "تركتهم يقولون: الشيعة أخطر من اليهود"!

(3) قطر كمشكلة

الثمن الذي تريده إسرائيل لا بد يمر على قطر، هناك مكتب حركة حماس، وهناك بعض المشايخ وقادة العمل الإسلامي الذين لا زالوا غير مقتنعين بأن الشيعة أخطر من اليهود، أو هم على الأقل إن اضطروا لمعاداة الشيعة فإنما يفعلونها من واجب الحرص الحقيقي على أهل السنة، وهو حرص لن يدفعهم بحال إلى التطبيع مع إسرائيل أو نسيان الملف الفلسطيني!

ولظروف يعرفها الجميع فإن طبيعة السياسة القطرية تعتمد على القوة الإعلامية وعلى علاقاتها الممتازة مع الإسلاميين، وهؤلاء سيتسببون في صداع حين يأتي وقت تنفيذ الخطة التي لا تزال يمهد لها سرا من سنين، والمتلخصة في طرد الغزاويين إلى سيناء (وهي مهمة السيسي) ومزيد تفريغ الضفة الغربية إلى الأردن (وهي مهمة الأردن التي تنشيء منطقة صناعية على الحدود سيكون أخطر آثارها تفريغ البشر بسحبهم الاقتصادي ثم الاجتماعي).. وفيما يمكن تنفيذ خطة الضفة بهدوء وتمهل، فإن المهمة في غزة تحتاج ضربة قوية واجتياحا واسعا، ومثل هذا لا يتم على الوجه الأمثل في ظل وجود الجزيرة و"المتطرفين الإسلاميين"!

وهنا تظهر قطر كمشكلة.. فإنها إذا فرطت في قوتها الإعلامية وعلاقاتها مع الإسلاميين لم يعد ثمة مبرر لوجودها كدولة فاعلة، فلا بد إذن من أن يوضع هذا في مساومة مع وجودها كدولة.. ولذلك فإن قرارات مقاطعة قطر هي على الحقيقة إعلان حرب إلا خمسة! وربما يتطور هذا إلى إعلان حرب.. أو على الأقل دعم تنفيذ انقلاب في نظام الحكم! وهو الأمر الذي لا يمكن أن يتم بدون ضوء أخضر أمريكي.

لا تزال كل الاحتمالات مفتوحة، وقطر التي لم تتعرض لاختبار بهذا العنف من قبل لا يمكن توقع مدى صمودها ولا مدى ما تستطيع أن تقدمه من تنازلات لفك هذا الحصار، ولا يبدو أمامها باب مفتوح إلا باب إيران وتركيا، إيران بواقع الجغرافيا (وهي قد سارعت بفتح أبوابها منذ اللحظات الأولى) وتركيا بوجود قاعدتها العسكرية ومدى قدرتها على إدارة دور سياسي وعرقلة بعض المخططات.. وهو ما سيؤدي حتما إلى تراجعات قطرية في الملف السوري واليمني. على أنها لو استطاعت الصمود، لكان خروجها من هذه الأزمة رصيدا هائلا يُضاف لقوتها ومكانتها في المنطقة.


باختصار: المعركة ضد قطر الآن هي ذاتها المعركة ضد الإخوان في مصر وضد أردوغان في تركيا وضد حماس في فلسطين. هي إحدى معارك الأمة، بها يتمايز معسكران: أبناء الأمة وأعداؤها، ونتيجة المعركة إما إضافة مهمة وكبرى لرصيد الأمة وإما خسارة فادحة.